المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص حب

العمق المناسب

صورة
في الحصة الأولى، تعلّمت آسية أن الماء لا يهتم بما حققته خارجه. كانت في السابعة والثلاثين، تدير فريقًا لمراجعة مطالبات التأمين، وتعرف كيف توقف اجتماعًا خرج عن موضوعه وكيف تعيد ملفًا ناقصًا من دون أن ترفع صوتها. لكن حين طلبت المدربة إيناس من المبتدئين أن يضعوا وجوههم في الماء ويطلقوا الهواء ببطء، رفعت آسية رأسها بعد ثانيتين، تسعل وتتمسك بحافة المسبح. إلى جوارها، فعل تميم الشيء نفسه، لكنه حاول أن يحول سعاله إلى ضحكة. قال: «على الأقل لم نشرب أكثر من اشتراكنا.» لم تضحك. كانت منشغلة بمنع قلبها من إعلان حالة طوارئ بسبب ماء لا يتجاوز صدرها. ضمت الدورة ثمانية بالغين، تتفاوت أعمارهم ومهاراتهم. بعضهم يستطيع عبور الحوض بحركات فوضوية، وبعضهم جاء لأنه لا يعرف كيف يطفو. أما آسية وتميم فوضعتهما إيناس في الممر الضحل، حيث تمتد الأرضية الزرقاء تحت القدمين بوضوح مطمئن. كان التمرين التالي أن يمد كل متدرب ذراعيه فوق الماء بينما يسنده زميله من الكتفين. حين جاء دور آسية، وقف تميم خلفها وسأل قبل أن يلمسها: «هل أضع يدي هنا؟» أشار إلى أعلى ذراعيها، وانتظر حتى أومأت. استلقت. دخل الماء أذنيها، فتحول صوت ...

بعد الضيوف

صورة
بعد أن غادر آخر ضيف حفل الخطوبة، بقي في القاعة شخصان لا يعرف أحدهما كيف يودع الآخر. كانت سُهى تجمع الأكواب الورقية من الطاولات، مع أن عامل القاعة أخبرها مرتين أن التنظيف داخل الأجرة. وعلى الطرف الآخر كان غسان يطوي الكراسي الزائدة ويعيدها إلى الجدار، كأنه يحتاج إلى عمل يؤخر وقوفه وحيدًا عند الباب. قبل ساعات جلسا متقابلين بصفتهما والدي سُلاف وكِنان. تبادلا عبارات الترحيب، واتفقا أمام العائلتين على موعد أولي للزفاف، ثم انشغلا باستقبال الأقارب. لم تتح لهما محادثة حقيقية حتى خلت القاعة. قال غسان وهو يحمل كرسيين: «إذا واصلتِ جمع الأكواب، سيعيدون لنا أجرة التنظيف.» أجابت سُهى: «وإذا واصلتَ طي الكراسي، سيعرضون عليك وظيفة.» ضحك، ووضع الكرسيين جانبًا. كان في الخامسة والخمسين، بشعر رمادي قصير ووجه يبدو صارمًا ما لم يبتسم. توفيت زوجته قبل ثماني سنوات، وربّى كِنان وشقيقته الصغرى وحده. أما سُهى، التي بلغت الثانية والخمسين، فقد ترملت قبل أحد عشر عامًا، وعاشت مع سُلاف حتى تخرجت ابنتها وعملت في مختبر للأغذية. عرف كل منهما هذه المعلومات من أحاديث الأولاد والأقارب. لكنها بدت مختلفة حين صارت أمامهم...

موعد السرب

صورة
خرج النحل من خلف لوحة النتائج قبل أن يبدأ الاجتماع بخمس دقائق. كانت نَسرين تقف في منتصف الملعب الخارجي، تراجع مع فريق التشغيل مواضع الحواجز والمخارج استعدادًا لبطولة المدارس، حين ظهر أول خط أسود عند الزاوية العليا من اللوحة. حسبه أحد العمال ظل سلك، ثم اتسع وصار آلاف النقاط التي دارت فوق المقاعد في دوامة منخفضة. تراجع الجميع. أسقط عامل صندوق الأقماع البلاستيكية وركض نحو الباب. أما نسرين فطلبت عبر جهازها إخلاء الساحة وإغلاق الممر المؤدي إليها، ثم اتصلت بشركة مكافحة الآفات المسجلة لدى المجمع. وصل إِياد بعد أربعين دقيقة في شاحنة صغيرة لا تحمل إلا رسمًا بسيطًا لنحلة. نزل بقميص عمل فاتح، وحمل صندوقًا خشبيًا وقناعًا شبكيًا ومدخنًا معدنيًا. نظر إلى السرب الذي تجمع الآن ككتلة بنية تحت حافة اللوحة، ثم سأل نسرين: «منذ متى لاحظتم دخوله؟» «منذ أقل من ساعة.» «السرب الظاهر جديد، لكن هناك خلية خلف اللوحة منذ مدة. انظري إلى الشمع عند الفتحة.» لم تقترب. قالت: «لدينا بطولة بعد يومين، وفي قوائم الحضور طلاب لديهم حساسية شديدة. أحتاج إلى إزالة الخطر اليوم.» «أستطيع قتل النحل اليوم، أو نقله خلال مرح...

في الدرجة الثالثة

صورة
توقفت مَيْس عند الدرجة الثانية من سلّم المسبح، وأبقت يدها اليمنى مطبقة على الحاجز المعدني كأن الماء تحت قدميها أعمق مما هو عليه. كان يصل إلى ركبتيها فقط، لكن رائحة الكلور، والصدى المتكسر تحت السقف العالي، والخطوط الزرقاء الممتدة في القاع، جعلت المكان أوسع من قدرتها على الاحتمال. قالت المدربة ابتسام من داخل الماء: «درجة أخرى، ثم نقف. لا أحد سيسبح اليوم.» لم تتحرك ميس. خلفها انتظر ستة متدربين بالغين، يرتدون قبعات متشابهة ويخفون ارتباكهم بضحكات قصيرة. كانت في الرابعة والثلاثين، وتعمل مدققة مشتريات في شركة للأجهزة المنزلية، وتقضي نهارها في اكتشاف الأرقام التي لا تستقيم. لم تجد رقمًا واحدًا يفسر لماذا ترتجف ساقاها في ماء لا يبلغ خصرها. جاء صوت رجل من السلم المجاور: «أنا أيضًا عالق عند الثانية.» التفتت. كان طويلًا، عريض الكتفين قليلًا، وعلى وجهه ذلك الاحمرار الذي يظهر حين يحاول شخص أن يبدو طبيعيًا وهو ليس كذلك. رفع يده عن الحاجز لحظة، ثم أعادها سريعًا. قال: «إذا طلبت منا المدربة ابتسام النزول معًا، فسأدّعي أنني لم أسمع.» ضحكت ميس على الرغم منها. نزلت ابتسام من الماء، وطلبت من المنتظري...

هذا مكاني

صورة
كان أول ما تعلّمته نجاة في الدورة أن النقطة الزرقاء على شاشة الهاتف ليست موقعًا ثابتًا، بل شخصًا يتحرك. رفعت الهاتف أمام وجهها، فمالت النقطة قليلًا إلى اليمين. خطت نحو نافذة القاعة، فتحركت معها فوق الخريطة. ضحك بعض الحاضرين، لا منها، بل من الدهشة نفسها التي أصابتهم حين رأوا أنفسهم يتحولون إلى علامات صغيرة داخل مدينة كاملة. قال المدرّب: «إذا أردتم إرسال موقعكم، اضغطوا هنا، ثم اختاروا المشاركة المباشرة.» ضغطت نجاة زرًا آخر، فاختفت الخريطة وفتح تطبيق الطقس. همست بضيق: «كلما تعلّمت بابًا، فتح الهاتف لي ثلاثة أبواب لا أريدها.» جاءها صوت من المقعد المجاور: «على الأقل تعرفين كيف تغلقينها. أنا كلما أخطأت، اتصلت بابنتي في هولندا من غير قصد.» كان الرجل اسمه صالح الخفاجي، في الحادية والخمسين، عريض الكفين، وعلى ظاهر إبهامه الأيسر أثر حرق قديم. عرفته نجاة من الجولة التعريفية في أول الحصة: سائق حافلة صغيرة على خط الشطرة–الناصرية، أرمل منذ ست سنوات، التحق بدورة الهاتف لأن الركاب صاروا يرسلون له مواقع بيوتهم بدل أن يصفوا الأزقة. أما هي فكانت في السابعة والأربعين، تعمل منذ عشرين عامًا في صندوق م...

منسوب الضوء

صورة
عند الثالثة وأربع عشرة دقيقة من بعد ظهر الثلاثاء، وضعت غيداء مرسال جهاز قياس الإضاءة على المقعد السابع من الصف الأخير، فظهر على شاشته رقم لم يكن ينبغي أن يظهر في مبنى مغلق منذ أحد عشر عامًا. رفعت رأسها فرأت شريطًا رفيعًا من الشمس يتسلل عبر ثقب في الستارة الحديدية، يعبر الغبار المعلّق، ثم يستقر فوق أرضية سينما «الروابي» كأن أحدًا فتح للنهار طريقًا لا يعرفه سواهما. قال صوت من أعلى السلم الخشبي: «لا تسجلي هذه القراءة.» كان الرجل واقفًا عند شرفة العرض، يحمل لوحًا زجاجيًا مكسور الحافة. لم تعرف غيداء متى دخل، ولا كيف صعد من دون أن تسمع وقع قدميه. أجابته وهي تعيد الجهاز إلى موضعه: «أسجل ما يقيسه الجهاز، لا ما يناسب التقرير.» نزل نائل السجواني آخر درجتين، ووضع الزجاج على المقعد المجاور. كان مشرف الصيانة الذي كلّفته بلدية مرسى الغدير بمرافقتها خلال دراسة تحويل السينما القديمة إلى مكتبة عامة وأرشيف للصور. في ملفه الوظيفي سطران فقط: فني كهرباء، واحد وأربعون عامًا. لكن يديه كانتا تحملان آثار مهن أكثر؛ خدوش نجار، وسواد أسلاك، وبقع طلاء لم تغادر أظافره. قال: «الثقب لم يكن موجودًا صباحًا. فتحته...

الوقت الذي يخصنا

صورة
في الثالثة والستين، اكتشفت سُلافة أن أكثر ما تخشاه ليس أن تبقى وحدها، بل أن يقرر الآخرون أن وحدتها قدَر محترم لا يجوز لها أن تعترض عليه. كانت أرملة منذ أحد عشر عامًا، وأمًّا منذ أربعين، وجدّة منذ سبعة، وخيّاطة تصلح للناس ما ضاق واتسع وتمزق؛ غير أن أحدًا لم يسألها منذ زمن طويل عمّا تريد هي، كما لو أن رغبتها ثوب قديم انتهت الحاجة إلى قياسه. في صباح خريفي، ذهبت إلى ملحق المكتبة العامة لتتعلم استخدام الخدمات الإلكترونية. كانت البلدية قد نقلت طلبات تجديد بطاقة التأمين إلى موقع لا تفهمه، وابنتها رَواء سئمت، على نحو خفي، من المكالمات التي تبدأ بعبارة: «أين أضغط؟». جلست سُلافة أمام حاسوب رمادي، ووضعت نظارتها على طرف أنفها. إلى جوارها جلس رجل نحيل ذو شعر فضي، يحدق في خانة كلمة المرور كأنها مسألة أخلاقية. قال المدرّب الشاب: «اكتبوا بريدًا تجريبيًّا إلى الشخص الجالس بجواركم». كتب الرجل عنوان سُلافة بعناية، ثم ضغط الإرسال قبل أن يكتب شيئًا. وصلتها رسالة فارغة. التفت إليها معتذرًا، وقال: — يبدو أنني أرسلت لكِ الصمت. أجابته، وهي تحاول إخفاء ارتباكها: — الصمت أخف من الرسائل الطويلة، لكنه يحتاج ...

خارج التطبيق

صورة
كان أكثر ما تكرهه مُزن في عملها ذلك الصمت القصير الذي يسبق ظهور التقييم على شاشة الهاتف. خمس نجوم تعني أن الراكب وصل راضيًا، وأربع تعني أن خطأً غامضًا سيظل يلاحقها بقية الليلة، أما النجمة الواحدة فكانت قادرة على خصم يوم كامل من دخلها. لذلك تعلمت أن تقود كما لو أنها تمشي فوق زجاج رقيق: لا موسيقى إلا إذا طُلبت، لا أسئلة شخصية، ولا حديث يتجاوز الطقس والازدحام. كانت السيارة، بالنسبة إليها، مكانًا مؤقتًا لا يسمح للقلوب بأن تترك حقائبها فيه. جاء سِنان في مساء بارد من أواخر كانون الثاني. خرج من مبنى المحكمة في ديربورن وهو يحمل ملفًا أزرق سميكًا ومظلة لم يفتحها رغم الثلج الخفيف. تأكد من رقم السيارة، ألقى التحية بالعربية، ثم جلس في المقعد الخلفي من الجهة المقابلة للسائقة، كأنه يعرف القاعدة غير المكتوبة التي تجعل المرأة العاملة ليلًا أقل توترًا. أعطاها العنوان بصوت هادئ، ووضع الملف إلى جواره. لم يطلب رفع التدفئة، ولم يجرّب فتح حديث طويل، ولم يحدق في المرآة. بعد دقائق، انزلقت من المقعد المجاور لمُزن لفافة أوراق مربوطة بشريط أسود. التقطتها عند الإشارة الحمراء وأعادتها إلى مكانها، لكن طرف مخطط مع...