الوقت الذي يخصنا

الوقت الذي يخصنا
في الثالثة والستين، اكتشفت سُلافة أن أكثر ما تخشاه ليس أن تبقى وحدها، بل أن يقرر الآخرون أن وحدتها قدَر محترم لا يجوز لها أن تعترض عليه. كانت أرملة منذ أحد عشر عامًا، وأمًّا منذ أربعين، وجدّة منذ سبعة، وخيّاطة تصلح للناس ما ضاق واتسع وتمزق؛ غير أن أحدًا لم يسألها منذ زمن طويل عمّا تريد هي، كما لو أن رغبتها ثوب قديم انتهت الحاجة إلى قياسه. في صباح خريفي، ذهبت إلى ملحق المكتبة العامة لتتعلم استخدام الخدمات الإلكترونية. كانت البلدية قد نقلت طلبات تجديد بطاقة التأمين إلى موقع لا تفهمه، وابنتها رَواء سئمت، على نحو خفي، من المكالمات التي تبدأ بعبارة: «أين أضغط؟». جلست سُلافة أمام حاسوب رمادي، ووضعت نظارتها على طرف أنفها. إلى جوارها جلس رجل نحيل ذو شعر فضي، يحدق في خانة كلمة المرور كأنها مسألة أخلاقية. قال المدرّب الشاب: «اكتبوا بريدًا تجريبيًّا إلى الشخص الجالس بجواركم». كتب الرجل عنوان سُلافة بعناية، ثم ضغط الإرسال قبل أن يكتب شيئًا. وصلتها رسالة فارغة. التفت إليها معتذرًا، وقال: — يبدو أنني أرسلت لكِ الصمت. أجابته، وهي تحاول إخفاء ارتباكها: — الصمت أخف من الرسائل الطويلة، لكنه يحتاج إلى عنوان أيضًا. ضحك. كان اسمه وجيه، في الخامسة والستين، متقاعدًا من عمله في صيانة إشارات السكك الحديدية. اعتاد طوال خمسة وثلاثين عامًا أن يفهم من الضوء وحده متى ينبغي للقطار أن يتقدم، ومتى ينتظر، ومتى يكون التوقف نجاة لا تعطيلًا. أما البريد الإلكتروني فقد بدا له أقل منطقًا؛ زر صغير قد يبعث كلامًا ناقصًا إلى شخص لم يعرفه قبل دقيقة. بعد الدرس، وقفا عند آلة القهوة في الممر. فشلت الآلة في إسقاط الكوب، فضربها وجيه بخفة، فنزل كوبان معًا. أعطاها أحدهما، ثم شربا قهوة رقيقة بطعم الورق المحروق. لم يتبادلا أرقام الهاتف. اكتفيا بأن قال كل منهما إنه سيحضر الدرس التالي. جاءت سُلافة في الأسبوع اللاحق قبل الموعد بعشر دقائق. أقنعت نفسها أنها تحب الجلوس قرب النافذة، مع أن المقعد نفسه كان متاحًا في بيتها. جاء وجيه يحمل دفترًا صغيرًا دوّن فيه خطوات فتح المرفقات، وجلس في الجهة الأخرى من الطاولة حتى لا يبدو كمن حجز مكانًا لها. حين طلب المدرّب من الحاضرين إنشاء مجلد للصور، أخرج وجيه من هاتفه صورة قديمة لمحطة مهجورة، وأخرجت سُلافة صورة لحفيدةٍ ترتدي فستانًا أصفر خاطته لها. قال لها إن زوجته ماتت قبل ست سنوات بعد مرض قصير، وإن ابنه بدران يسكن في حي بعيد ويزوره مساء كل خميس. قالت إن زوجها كان بائع أدوات منزلية، وإن موته ترك لها أقساطًا أكثر من الذكريات الواضحة. لم يجعلا الفقد بطاقة تعارف. ذكراه كما يُذكر شارع أُغلق: شيء غيّر الطريق، لكنه ليس المدينة كلها. بعد أربعة دروس، صار خروجهما من المكتبة طقسًا غير متفق عليه. يمشيان إلى الساحة القريبة، ويشتريان كعكتين بالسمسم من مخبز صغير. كان وجيه يقسم كعكته إلى قطع متساوية، ويأكلها ببطء. وكانت سُلافة تترك آخر لقمة في الكيس من غير أن تعرف لماذا. لاحظ ذلك مرة، فسألها. قالت إن أمها علمتها ألا تنهي الطعام قبل الضيف. قال: — لكنني أنهيت حصتي. — العادة لا تتأكد من الحقائق. في المرة التالية اشترى كعكة ثالثة، ووضعها بينهما وقال إنها للعادة. ضحكت سُلافة حتى دمعت عيناها. لم يكن الرجل فاتنًا بالطريقة التي تصفها الروايات؛ كان يخطئ في أسماء التطبيقات، ويتوقف في منتصف الجملة ليستعيد كلمة، ويضع منديله فوق ركبته قبل أن يشرب. لكنها شعرت معه بشيء افتقدته من غير أن تسميه: لم تكن مطلوبة لتخدم أو تشرح أو تحتمل. كان حضورها كافيًا لبدء الساعة. أول مرة اتصل بها خارج موعد الدرس، سألها وجيه عن طريقة تثبيت زر في معطفه. أجابته من غرفة الخياطة، والهاتف محصور بين كتفها وأذنها. شرحت له، فثبّت الزر مقلوبًا، ثم أرسل صورة للنتيجة. أخبرته أن الأزرار لا تُركب مقلوبة لأنها مستديرة، وأن مشكلته في الغرزة لا في الاتجاه. رد: «إذن أخفقت بطريقة غير ممكنة». احتفظت بالرسالة، لا لأنها بليغة، بل لأنها جعلت العصر الذي كان يمر بطيئًا يكتسب صوتًا. بدأ يتردد إلى بيتها نهارًا حين تكون رَواء في عملها وحفيدتها لُمى في المدرسة. لم يدخل أول مرة؛ جلسا في الشرفة المفتوحة، وبينهما طاولة عليها علبة دبابيس وكوبان من اليانسون. أحضر معه راديو صغيرًا أصلحه لها بعدما ظل أعوامًا لا يلتقط سوى التشويش. وحين عاد الصوت، خرجت أغنية قديمة. لم يقل لها إن الأغنية تشبه عينيها، ولم يطلب منها رقصة. فقط خفض الصوت حتى لا يزعجها وهي تكمل خياطة كمّ، ثم أخذ يلف الخيط المتناثر على بكراته. عادت رَواء قبل موعدها، فرأته. توقفت عند باب الشرفة، وبقيت ابتسامتها معلقة بين الأدب والشك. عرّفته أمها بأنه زميل من دورة الحاسوب. صافحها وجيه، حمل الراديو، وغادر بعد دقائق. وما إن أُغلق الباب حتى سألت رَواء: — لماذا لم تخبريني أنه يأتي إلى البيت؟ — لأنها المرة الأولى. — والناس؟ نظرت سُلافة إلى الشارع. كانت امرأتان على شرفة مقابلة تنفضان غطاءً كبيرًا، ولم تكونا تراقبان أحدًا. — أي ناس؟ لم تجد رَواء جوابًا محددًا. تحدثت عن الجيران، وعن مكانة أبيها، وعن احتمال أن يفهم وجيه لطف أمها خطأ. وحين قالت: «أنتِ لا تعرفين الرجال بعد هذا العمر»، شعرت سُلافة بأن ابنتها نزعت منها ستين سنة من المعرفة في جملة واحدة. لم تصرخ. جمعت الأكواب وسألت إن كانت لُمى قد تناولت غداءها. في الخميس التالي، كان وجيه بدوره يجلس مع ابنه بدران في مطعم شعبي. أخبره عن سُلافة من غير مقدمات. وضع بدران الملعقة جانبًا، وسأله هل يحتاج إلى من يهتم بالبيت، وكأن الحب اسم آخر لخدمة منزلية. قال وجيه إنه يغسل ملابسه ويطبخ عدسًا صالحًا للأكل، وإنه لا يبحث عن ممرضة. انتقل الابن إلى المال: الشقة، معاش التقاعد، المدخرات القليلة، وحقوق أحفاده الذين لم يولدوا بعد. قال وجيه: — لم أقل إننا سنتزوج غدًا. — إذن ماذا تريد؟ ظل السؤال معه طوال الليل. ماذا يريد رجل في الخامسة والستين من امرأة عرفها أمام شاشة حاسوب؟ لم يكن يريد استعادة شبابه، ولا سد فراغ زوجته الراحلة بجسد جديد. أراد أن يخبر أحدًا بأن شجرة التوت قرب المحطة قُطعت فيشعر أن الخبر يستحق الحزن. أراد أن يسمع رأيًا يخالفه في الأفلام، وأن ينتظر شخصًا يختار وشاحه بهدوء، وأن يكون له في الأسبوع موعد لا تحدده وصفة دواء أو زيارة واجب. أرسل إلى سُلافة رسالة طويلة للمرة الأولى. كتب فيها أنه لا يريد إحراجها، وأنه مستعد للابتعاد إذا كان حضوره يثقل عليها، لكنه لا يريد أن يختبئ كأنه يرتكب خطأ. قرأت الرسالة بعد منتصف الليل، ثم كتبت وحذفت مرارًا. وفي النهاية أجابت: «لا أريدك أن تبتعد. أريد أن نتقدم بالسرعة التي نختارها نحن». صارا يلتقيان خارج البيت. زارا معرضًا للنباتات المحلية، وحضرا محاضرة عن تاريخ الأحياء القديمة، وجلسا مرة على مقعد حجري تحت مطر خفيف لأن المقهى أغلق باكرًا. لم تكن الأيام كلها رقيقة. اختلفا حين أصر وجيه على دفع الحساب دائمًا، وقالت سُلافة إنها لا تريد أن تدين له بنزهاتها. غضب وعدّ كلامها إهانة لكرمه. غادرت قبله، ثم اتصل في المساء واعتذر. اتفقا أن يدفع كل واحد مرة، وأن تكون القهوة الرخيصة خيارًا محترمًا حين يضيق المال. واختلفا ثانية عندما ألغت سُلافة موعدًا لأن رَواء طلبت منها رعاية لُمى. لم يكن الطلب طارئًا؛ أرادت الابنة الذهاب إلى حفل مع زميلاتها، وافترضت أن أمها متاحة. قال وجيه إنه يشعر أحيانًا بأنه ينتظر ما يتبقى من وقت الآخرين. دافعت سُلافة عن ابنتها، ثم أدركت أن غضبها ليس منه. منذ وفاة زوجها أصبحت الجدة الاحتياطية، والطاهية عند المرض، والخزانة التي تُحفظ فيها المفاتيح، واليد التي لا تسأل قبل استدعائها. في اليوم التالي جلست مع رَواء وقالت إنها ستحب حفيدتها دائمًا، لكنها لن تبقى متاحة بلا سؤال. تستطيع رعاية لُمى يومين محددين كل أسبوع، وما عدا ذلك يحتاج إلى اتفاق مسبق. صمتت رَواء، ثم قالت بمرارة: — منذ ظهر هذا الرجل، صرنا عبئًا عليكِ. — لم تصيروا عبئًا. أنا التي تذكرت أن لي وقتًا ليس ملكًا لأحد. بكت الابنة. لم يكن بكاؤها حيلة كاملة. اعترفت بأنها تخاف أن تتغير أمها، وأن تتزوج وتغادر البيت الذي بقي لها من أبيها، وأن يصبح شخص غريب أقرب إليها من عائلتها. قالت إنها حين مات أبوها اعتمدت على ثبات أمها لتنجو، والآن يبدو لها أي تغيير خيانة لذلك الثبات. مدت سُلافة يدها، لكن رَواء لم تمسكها فورًا. قالت الأم: — أنا لم أتوقف يوم مات أبوكِ. فقط تحركت في اتجاهات احتجتم إليها أنتم. لم تنتهِ المشكلة في تلك الليلة، لكنها حصلت على اسم أصدق: لم تكن سمعة العائلة وحدها، بل خوف الابنة من فقدان أم ظنت أنها ضمن ممتلكات الأمان. بعد تسعة أشهر من اللقاء الأول، عرض وجيه الزواج. لم يفعل ذلك في مطعم مضاء بالشموع. كانا في غرفة الخياطة، يفرزان أكياس الأقمشة التي قررت سُلافة التبرع بها. وجد قطعة قماش خضراء، وضعها على كتفه، وسأل إن كانت تناسب ستائر بيت يمكن أن يجمعهما. رفعت رأسها إليه، وفهمت قبل أن يكمل. قال إنه لا يريد نقلها إلى شقته ولا الانتقال إلى بيتها؛ يقترح استئجار مكان صغير جديد، لا يحمل أثاث زوجها ولا صور زوجته، ويحتفظ كل منهما بملكيته ومدخراته لأبنائه. قالت: — فكرت في كل شيء إلا أن تسألني إن كنت أريد الزواج أصلًا. ارتبك، وأنزل القماش. — وهل تريدين؟ — أريد أن أعرف إن كنت تستطيع العيش مع امرأة تترك المقص في المكان الخطأ، وتستقبل حفيدتها كثيرًا، ولا تحب العدس ثلاثة أيام متتالية. — يومان؟ ابتسمت. — يوم واحد، ثم نناقش الباقي. وافقت، لكن الفرح لم يهبط كاملًا. حين أخبرا العائلتين، قال بدران إن الاقتراح المتعلق بالأموال «منظم أكثر مما ينبغي»، وشك في أن سُلافة خططت له. أما رَواء فطلبت وقتًا، ثم رفضت حضور عقد القران. انتقلت الاعتراضات بين الهاتف والمجالس العائلية. اقترحت قريبة لسُلافة أن يبقيا صديقين سرًّا كي لا «يكسرا خاطر الأولاد». ردت سُلافة بأن السر لا يحمي أحدًا؛ إنه يجعل حياتهما شيئًا خجلًا يجب إخفاؤه. قررا تأجيل العقد شهرًا، لا للتراجع، بل لترتيب ما يخشاه الجميع. ذهبا إلى محامية، وكتبا اتفاقًا يفصل الملكيات ويحدد المصروفات وحق كل واحد في مساعدة أبنائه من ماله. أضافا توكيلين صحيين واضحين حتى لا تتحول أي أزمة مرضية إلى صراع. ثم دعوا رَواء وبدران إلى جلسة واحدة في بيت سُلافة. وضع وجيه الأوراق على الطاولة وقال: — هذه تحمي المال. أما علاقتنا فلا توجد ورقة تستطيع أن تضمنها. يمكن أن نختلف، أو يمرض أحدنا، أو نكتشف أن العيش معًا أصعب من المشي ساعة. نحن نعرف ذلك. لكن الخوف من النهاية لا يلغي حقنا في البداية. قال بدران إن أباه تغيّر منذ عرفها. أجابه وجيه: — نعم. صرت أخرج أكثر وأشتكي أقل. أي جزء يخيفك؟ خفض بدران عينيه. وبعد صمت، اعترف بأنه كان يؤجل الزواج لأنه يظن أن أباه يحتاج إليه. بنى جزءًا من هويته على كونه الابن الوحيد لرجل وحيد. إذا لم يعد الأب وحيدًا، فماذا يبقى من هذا الدور؟ قالت سُلافة إن الحب لا يطرد الأبناء من أماكنهم، لكنه يمنعهم من احتلال كل الأماكن. أما رَواء فسألت أمها إن كانت سعيدة فعلًا، لا مندفعة من الوحدة. فكرت سُلافة قبل أن تجيب. قالت إن الوحدة لم تكن أسوأ أيامها؛ كانت تعرف كيف تملأها بالخياطة والعائلة. الأسوأ أنها بدأت تصدق أن ما تبقى من عمرها مجرد ممر لخدمة الآخرين. مع وجيه لا تشعر بأنها أصغر سنًّا، بل بأنها حاضرة في سنها كاملة: بتعب ركبتيها، وخبرتها، وعنادها، وضحكتها التي لم تستخدمها بما يكفي. لم تمنحهما رَواء مباركة فورية. لكنها طلبت قراءة الاتفاق، ثم سألت عن عنوان البيت الجديد. بعد أسبوع جاءت تحمل صندوقًا فيه أكواب أمها القديمة التي كانت تخشى كسرها. قالت وهي تضعه على الطاولة: «إذا كان البيت جديدًا، فسيحتاج إلى شيء يعرفكِ». كانت تلك طريقتها في فتح الباب من دون خطاب. أقيما عقدًا بسيطًا في قاعة صغيرة داخل المكتبة التي التقيا فيها. حضر المدرّب الشاب، ولم يتذكر الرسالة الفارغة حتى ذكّراه بها. ارتدت سُلافة ثوبًا أزرق خاطته بنفسها، لا أبيض ولا لامعًا، ووضع وجيه في جيبه الزر الذي ركبه بغرزة سيئة يوم اتصل بها أول مرة. جاءت رَواء مع لُمى. وصل بدران متأخرًا، وقف قرب الباب دقيقة، ثم تقدم وعانق أباه. لم يتحول الاعتراض إلى حماس، ولم تُشفَ مخاوف السنين في ساعة، لكن الجميع اختار أن يحضر الحقيقة بدل أن يعاقبها بالغياب. كان البيت الذي استأجراه صغيرًا في حي هادئ، له نافذتان ومطبخ لا يتسع لشخصين غاضبين. في الشهر الأول تشاجرا على مكان علب الدواء، وعلى صوت الراديو صباحًا، وعلى عادة وجيه في الاحتفاظ بالبراغي داخل أكواب الشاي القديمة. اكتشفت سُلافة أنه يشخر حين ينام على ظهره، واكتشف أنها تستيقظ قبل الفجر وتفتح الأدراج بلا هدوء. لم يبدُ الحب اختبارًا تنجح فيه المشاعر وحدها؛ كان تدريبًا يوميًّا على أن يفسح كل منهما للآخر مكانًا حقيقيًّا، لا مثاليًّا. حين مرضت لُمى بالحمى، ذهبت سُلافة إلى بيت ابنتها ثلاثة أيام، وبقي وجيه وحده. لم يتهم العائلة بسرقة وقتها، ولم يطلب منها العودة. أرسل لها صورة لنبتة الريحان التي نسيت سقيها، وكتب أنه يتعلم كيف يعتني بشيء لا يرد عليه. وحين أصيب وجيه بعد أشهر بدوار مفاجئ، بقي بدران معه في المستشفى، وجلست سُلافة إلى جواره لا بدلًا من ابنه، بل معه. بدأ الأبناء يفهمون أن العلاقة الجديدة لم تُنقص الأسرة؛ أعادت توزيع التعب كيلا يحمله شخص واحد. في الذكرى الأولى للقائهما، عادا إلى المكتبة. كانت دورة جديدة منعقدة في القاعة، ووجوه أخرى تنظر بقلق إلى الشاشات. جلسا عند آلة القهوة نفسها، فأسقطت هذه المرة كوبًا واحدًا فقط. شرب وجيه أولًا، ثم ناولها الكوب بلا انتباه. أخذت منه رشفة ولم تعترض. بعد عام من تقاسم البيت، لم يعد السؤال عمّن يملك الكوب مهمًّا، ما دام لكل واحد منهما حق أن يقول: أريد الآن، أو لا أريد، أو اتركني قليلًا، أو ابقَ. خرجا قبل الغروب، ومشيا إلى الحديقة الزجاجية في طرف المدينة. كانا قد حجزا زيارتها في منتصف الأسبوع، في وقت اعتادت سُلافة أن تعدّه ملكًا لطلبات الآخرين، واعتاد وجيه أن يقضيه في انتظار زيارة الخميس. داخل القبة ارتفع بخار خفيف فوق النباتات، وانحدرت قطرات الماء على الزجاج. جلست سُلافة على مقعد خشبي، ومدت ساقيها المتعبتين. جلس وجيه بجانبها ولم يحاول ملء الصمت. بعد دقائق قالت: — هل تذكر أول رسالة أرسلتها لي؟ — كانت فارغة. وما زلت أراها أقل أخطائي ضررًا. — لم تكن فارغة تمامًا. كان فيها أنك موجود في الجهة الأخرى. أخرج هاتفه، فتح بريده ببطء، وكتب إليها أمامها جملة قصيرة: «هذا الوقت لنا». وصل التنبيه في يدها، فضحكت من سخافة أن يرسل رجل رسالة إلى امرأة يلامس كتفها. لكنها لم تحذفها. في الخارج كانت المدينة تواصل أعمالها العادية؛ أطفال يعودون من مدارسهم، موظفون يطاردون الحافلات، وأبناء يتصلون بآبائهم ليطلبوا مفاتيح أو وصفات أو مواعيد. لم يتوقف شيء لأن رجلًا وامرأة تجاوزا الستين اختارا بداية جديدة. وهذا تحديدًا ما أحبته سُلافة: لم يحتج حبهما إلى معجزة، ولا إلى استعادة عمر ضاع، ولا إلى إذن من الزمن. احتاج فقط إلى أن يكفا عن معاملة ما بقي كأنه فائض. نهضت، وشبكت ذراعها بذراع وجيه، ومشيا بين صفين من الأشجار القصيرة. لم يكونا يهربان من عائلتيهما، ولم يمحوا من سبق، ولم يَعِدا بعضهما بألّا يمرض أحدهما أو يرحل. كان وعدهما أصغر وأكثر صدقًا: أن يحضرا أيامهما ما دامت تأتي، وأن يتركا لكل واحد مساحةً لا تبتلعه فيها حاجة الآخر. عند باب القبة، اتصلت رَواء تسأل أمها إن كانت تستطيع رعاية لُمى صباح الغد. نظرت سُلافة إلى وجيه؛ كان الموعد فارغًا، ولم يكن لديهما برنامج. ثم أجابت ابنتها بأنها تستطيع بعد الظهر، أما الصباح فستتناول فطورها ببطء. لم تشرح أكثر. قالت رَواء: «حسنًا»، ببساطة لم تكن ممكنة قبل عام. أغلقت سُلافة الهاتف. في الساحة امتزج ضوء المساء ببخار عالق على الزجاج، فبدت ظلالهما واضحة من غير أن تبدو شابة. أعطاها وجيه نصف الكعكة التي أحضرها في جيبه، واحتفظ بالنصف الآخر. أكلتها كلها هذه المرة، حتى اللقمة الأخيرة، لأن الضيف لم يعد ينتظر، ولأن العادة تعلّمت أخيرًا أن تسأل الحقائق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9