حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
هذا مكاني
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
كان أول ما تعلّمته نجاة في الدورة أن النقطة الزرقاء على شاشة الهاتف ليست موقعًا ثابتًا، بل شخصًا يتحرك.
رفعت الهاتف أمام وجهها، فمالت النقطة قليلًا إلى اليمين. خطت نحو نافذة القاعة، فتحركت معها فوق الخريطة. ضحك بعض الحاضرين، لا منها، بل من الدهشة نفسها التي أصابتهم حين رأوا أنفسهم يتحولون إلى علامات صغيرة داخل مدينة كاملة.
قال المدرّب: «إذا أردتم إرسال موقعكم، اضغطوا هنا، ثم اختاروا المشاركة المباشرة.»
ضغطت نجاة زرًا آخر، فاختفت الخريطة وفتح تطبيق الطقس. همست بضيق: «كلما تعلّمت بابًا، فتح الهاتف لي ثلاثة أبواب لا أريدها.»
جاءها صوت من المقعد المجاور: «على الأقل تعرفين كيف تغلقينها. أنا كلما أخطأت، اتصلت بابنتي في هولندا من غير قصد.»
كان الرجل اسمه صالح الخفاجي، في الحادية والخمسين، عريض الكفين، وعلى ظاهر إبهامه الأيسر أثر حرق قديم. عرفته نجاة من الجولة التعريفية في أول الحصة: سائق حافلة صغيرة على خط الشطرة–الناصرية، أرمل منذ ست سنوات، التحق بدورة الهاتف لأن الركاب صاروا يرسلون له مواقع بيوتهم بدل أن يصفوا الأزقة.
أما هي فكانت في السابعة والأربعين، تعمل منذ عشرين عامًا في صندوق مخبز قريب من جسر الزيتون. قالت أمام المجموعة إنها جاءت لتتعلم دفع الفواتير، ولم تقل السبب الحقيقي: قبل شهرين ذهبت وحدها إلى مستشفى الحسين لزيارة أختها، فنزلت من سيارة الأجرة عند بوابة خاطئة، وظلت أربعين دقيقة تدور بين المباني. اتصل بها ابنها حسّان من عمّان، وطلب منها أن ترسل موقعها. لم تعرف. بقي صوته في الهاتف حائرًا وعاجزًا، وبقيت هي تحت شمس آب تشعر أنها كبرت فجأة عشر سنوات.
كانت الدورة تقام مساء كل ثلاثاء وخميس في قاعة صغيرة تابعة لمكتبة البلدية. ثمانية مقاعد، ومروحة سقف تصدر طقطقة عند كل دورة، وجهاز عرض لا يعمل إلا إذا ضُرب جانبه بكف خفيفة. أغلب المشاركين تجاوزوا الأربعين. لم يكن أحد منهم أميًا، لكن الشاشات الجديدة كانت تعاملهم أحيانًا كأنهم كذلك.
في نهاية الحصة، طلب المدرّب من كل اثنين أن يتبادلا إرسال الموقع. ظهر اسم صالح عند نجاة بلا صورة، وتحته رقم يبدأ بمفتاح العراق. وصلتها منه نقطة حمراء، لكنها كانت موضوعة في النهر.
قالت وهي تريه الشاشة: «إذا ذهبت إلى موقعك، سأحتاج قاربًا.»
حدق صالح في هاتفه، ثم رفعه نحو النافذة كما لو أن الأقمار الصناعية موجودة فوق سطح المكتبة مباشرة. «أنا متأكد أني واقف هنا.»
«أنت هنا، لكن إصبعك أرسل النهر.»
أعاد المحاولة. هذه المرة وضع العلامة فوق بناية المجلس البلدي، على بعد شارعين.
قالت: «تحسّنت. خرجت من الماء وصرت موظفًا حكوميًا.»
ضحك بصوت مرتفع، ثم اعتذر حين التفت إليهما المدرّب. كانت تلك أول مرة منذ مدة تسمع نجاة ضحكتها تخرج بلا أن تزنها قبل ذلك.
بعد أسبوع، صارا يجلسان متجاورين من غير اتفاق. لم يطلب أحدهما رقم الآخر؛ كان الرقم قد انتقل ضمن التمرين، وهي حيلة وفّرت عليهما حرجًا لم يعترفا به. أرسل صالح أول رسالة في صباح الجمعة: صورة لصندوق طماطم مقلوب على الطريق، وتحتها تسجيل صوتي يقول إن الحافلة تأخرت لأن «حادثًا زراعيًا» أغلق المسار. ردت نجاة بصورة رغيف خرج من الفرن ملتويًا، وكتبت: «ولدينا في المخبز حادث هندسي.»
لم تتحول الرسائل إلى سيل. كان بين كل واحدة وأخرى وقت كافٍ كي لا تبدو مراقبة. يسألها مساءً إن نجحت في دفع فاتورة الكهرباء، فتسأله صباحًا إن وصل إلى الرفاعي قبل الغبار. أخبرها أنه يحتفظ بدفتر ورقي يسجل فيه أسماء الركاب ومواعيدهم، لأنه لا يثق بأن الهاتف يتذكر أكثر من الورق. قالت إنها تخبئ أرقام الطوارئ خلف ساعة الحائط للسبب نفسه.
في الحصة الرابعة، تعلّموا مكالمات الفيديو. طلب المدرّب أن يتصل كل شخص بزميله من طرفي القاعة. ظهر وجه صالح على شاشة نجاة قريبًا أكثر مما ينبغي؛ نصف جبهته خارج الصورة، وخلفه رف كتب القانون. قالت له أن يبعد الهاتف، فابتعد هو بجسده وظل الهاتف مكانه. انفجرت القاعة بالضحك.
حين ضبط الصورة أخيرًا، سكت لحظة. لم يكن ينظر إلى الكاميرا، بل إليها عبر الشاشة، مع أنها تجلس على بعد أمتار. شعرت نجاة بارتباك غير مبرر، فأشارت إلى زر إنهاء المكالمة وقالت: «تعلّم هذه أيضًا، مهمة جدًا.»
بعد الحصة خرجا معًا. كانت المكتبة تغلق في الثامنة، والشارع قد فقد زحمته. عرض أن يوصلها إلى بيتها، فرفضت أولًا، ثم قالت إنها تقبل إذا اعتبرها راكبة وسمح لها بدفع الأجرة. قال إن الحافلة ليست معه، وإن سيارته الخاصة قديمة ولا تستحق أجرة. انتهيا إلى اتفاق أكثر غرابة: يوصلها، وتشتري له في الحصة القادمة كعك السمسم الذي يحبه.
توقفت السيارة أمام بيتها في حي الصالحية. لم يطفئ المحرك، ولم يحاول إطالة الوقوف. قالت له: «وصلنا. أرسل لك موقعي حتى لا تنساه؟»
أجاب: «لا أنساه، لكن أرسليه حتى نتأكد أنك تعلّمت.»
دخلت البيت ووجدت أختها الصغرى، هناء، تنتظرها مع إبريق الشاي. لم تحتج هناء إلى أسئلة كثيرة. نظرت من الستارة إلى السيارة المغادرة، ثم إلى كيس الكتب في يد نجاة، وقالت: «الدورة تدرّس الخرائط أم السائقين؟»
لم تنكر نجاة أنها ارتاحت إليه، لكنها غضبت من سرعة تحويل الراحة إلى تهمة أو بشارة. قالت إن رجلًا أوصلها وانتهى الأمر. أجابتها هناء بلطف إن الأشياء لا تنتهي لمجرد أننا نخاف من تسميتها.
كان خوف نجاة أقدم من صالح. زوجها، عادل، لم يمت ولم يتركها رسميًا؛ خرج من البيت قبل أحد عشر عامًا بعد خصام طويل، ثم استقر في البصرة وتزوج امرأة أخرى. وقع الطلاق بعد عامين، لكن الأقارب ظلوا يتعاملون معه كحادث مؤجل، وكأن نجاة مطالبة بالبقاء في غرفة الانتظار احترامًا لزواج انتهى. ربّت حسّان، وأكملت أقساط البيت، وبنت أيامًا مستقيمة لا تحتاج فيها إلى أحد. كانت تخشى أن يأتي رجل فيخلط الاستقلال بالوحدة، ويطالبها أن تشكره لأنه أنقذها من حياة لم تكن غارقة فيها.
أما صالح، فكان يحمل خوفًا مختلفًا. بعد وفاة زوجته، ملأ البيت بأدوار صغيرة كي لا يسمع فراغه: يطبخ لابنته مريم حين تزوره، يصلح مصابيح إخوتها، وينقل أبناء الجيران إلى الجامعات. صار نافعًا للجميع إلى درجة أن أحدًا لم يسأله إن كان سعيدًا. وحين لمح لأخته أنه تعرّف إلى امرأة، أجابته فورًا: «فكر في مريم أولًا.» مع أن مريم في السادسة والعشرين، مهندسة متزوجة وتعيش في روتردام.
انتهت الدورة بعد ثلاثة أسابيع. في الحصة الأخيرة، وزع المدرّب شهادات مطبوعة، والتقط لهم صورة جماعية. وقف صالح في الطرف، ووقفت نجاة في الطرف الآخر، كأنهما اتفقا على إخفاء ما عرفه الجميع. قبل أن تغادر، قال لها عند باب المكتبة: «هل تنتهي المعرفة بانتهاء الدورة؟»
قالت: «على حسب. إن كان عندك سؤال عن الطقس، انتهت.»
«عندي دعوة إلى غداء يوم الجمعة.»
لم تجبه بالمزاح. سألته من سيكون موجودًا. قال: «أنا وأنت، في مطعم عام، ساعة واحدة. وإذا لم ترتاحي، نرجع إلى رسائل الفواتير والطماطم.»
وافقت بشرط أن تخبر أختها بالمكان، وأن تصل بسيارة أجرة. هز رأسه من دون أن يسأل لماذا لا تثق به. أعجبها أنه فهم أن الحذر ليس إهانة شخصية.
في الجمعة، اختار مطعمًا يطل على الفرات. وصل قبلها بربع ساعة، لكنه لم يجلس إلى الطاولة حتى جاءت، كي لا يختار لها المقعد أو يطلب عنها. تحدثا عن أشياء لا تصلح لإعلان حب: ألم ركبته في الرحلات الطويلة، إصرار مدير المخبز على عدّ الأكياس مرتين، ارتفاع إيجار بيت مريم، وشجرة النارنج التي يبست في فناء نجاة ثم أخرجت ورقتين جديدتين. ومع ذلك، شعرت في نهاية الساعة أن حديثهما كان أكثر حميمية من الاعترافات الكبيرة. لقد أعطاها تفاصيل يستطيع الكاذب اختراع أجمل منها، لكنه لا يفكر في اختراعها.
تكررت اللقاءات خمس مرات خلال شهرين. مرة في سوق الكتب، ومرة عند بائع سمك، وثلاث مرات على الشاي بعد الدوام. لم يمسك يدها، ولم ينادها بغير اسمها. في مطلع كانون الأول قال إنه يريد أن يتقدم إليها، لا لأن الناس يجب أن يغطوا كل علاقة بورقة بسرعة، بل لأنه لا يريد أن يتركها تواجه كلام العائلة وحدها.
قالت: «أنا لا أخاف كلامهم. أخاف أن نكتشف أننا أحببنا الرسائل فقط، وأن الحياة اليومية أثقل.»
اقترح أن يتعارفا على الحياة لا على النزهات: تزور هناء بيته مع نجاة، ويزور هو بيتها بحضور حسّان عبر مكالمة فيديو، ويتحدثان في المال والسكن والعمل قبل أي وعد. كانت طريقته أقل شاعرية مما تخيلت قديمًا، ولهذا صدقتها.
بدأت المشكلة من المكالمة الأولى. ظهر حسّان على شاشة التلفاز من شقته في عمّان، متوترًا منذ عرف الموضوع. سأل صالح عن دخله، وعن البيت المسجل باسمه، وعن سبب استعجاله. أجاب صالح بهدوء، ثم قال إن نجاة لن تنتقل من بيتها إن لم ترغب، وإن لكل منهما حسابه المالي، وإن الزواج لا يمنحه حقًا في مالها.
لم يقتنع حسّان. قال لأمه بعد خروج الضيف: «أنت لا تعرفينه إلا منذ أشهر. الناس تتغير بعد الزواج.»
أجابته: «صحيح. ولهذا أسأل وأفكر. لكنك أنت أيضًا لا تعرفه، وقد حكمت.»
قال إنه يخاف عليها. شكرت خوفه، ثم سألته سؤالًا لم يتوقعه: «لو كنت رجلًا في السابعة والأربعين، هل كنت ستطلب مني أن أبقى وحدي حتى تطمئن؟»
لم يجب.
في الجهة الأخرى، كانت مريم أشد رفضًا. اتصلت بأبيها وبكت. قالت إنها لا تستطيع تخيل امرأة أخرى في مطبخ أمها، ولا تريد أن تتغير غرفة النوم أو تختفي صور العائلة. وعدها صالح ألا يمس الصور، لكنه رفض أن يجعل البيت متحفًا. اقترحت أن ينتظر عامًا آخر، فسألها ماذا سيتغير خلال العام سوى أعمارهم.
دام الصمت بين صالح ونجاة أربعة أيام. لم يتخاصما، لكن كلًا منهما انشغل بمقاومة عائلته وخشي أن يبدو ضعيفًا أمام الآخر. في اليوم الخامس، أرسل صالح نقطة موقع بلا تعليق. فتحتها نجاة، فوجدتها عند المكتبة القديمة. اتصلت به وسألته إن كان ينتظرها.
قال: «لا. الحافلة تعطلت عند طريق الشطرة، وهذه نقطة خاطئة. أردت إرسال موقعي للميكانيكي، وأرسلته لك.»
ضحكت رغم قلقها. «بعد كل تلك الشهادة، ما زلت ترسل الناس إلى غير مكانك.»
تنهد. «ربما لأن رأسي في غير مكاني.»
سألته إن كان يحتاج مساعدة. قال إن الميكانيكي في الطريق، ثم صمت قبل أن يضيف: «نجاة، إذا كانت العائلتان ستتأذيان، نستطيع التراجع.»
لم تجبه فورًا. كانت تقف خلف صندوق المخبز، ورائحة الخبز الحار تملأ المكان، والزبائن يمدون نقودهم من دون أن يعرفوا أن حياتها موضوعة الآن في جملة. خرجت إلى المخزن وقالت: «التراجع قرار أيضًا، وسيؤذي أحدًا. السؤال ليس كيف لا يتأذى أحد، بل هل نحن نظلمهم فعلًا.»
قال: «لا أظن.»
«وأنا لا أظن. إذن لا تستخدم خوفهم بدل رأيك.»
في ذلك المساء اتفقا على تأجيل الخطبة شهرًا واحدًا، لا انتظارًا لموافقة الجميع، بل لإعطاء الاعتراضات وقتًا كي تتحول إلى أسئلة محددة. كتبا، كل في دفتره، ما لا يقبلان التنازل عنه. نجاة ستبقى في عملها وبيتها ما دامت هناء تسكن معها مؤقتًا. صالح لن يبيع بيته، وستبقى غرفة مريم كما هي حين تزور. يقسمان الأسبوع بين البيتين في البداية، ثم يعيدان النظر بعد ستة أشهر. المصروف المشترك معلوم، والديون معلنة، ولا يملك أحدهما كلمات مرور الآخر.
حين عرضا الخطة على العائلتين، لم تتحول الاعتراضات إلى تصفيق. قالت هناء إن التنقل بين بيتين مرهق. رأى حسّان أن الاتفاق جاف كعقد شركة. أما مريم فسألت بمرارة أين سيكون قبر أمها في هذه الخطة، فذهب صالح معها في أول زيارة لها إلى المقبرة، وتركها تتحدث حتى نفد غضبها. قال لها هناك إن حبه لأمها ليس غرفة مغلقة، وإن نجاة لا تدخل مكانها، لأن المكان الذي غادره شخص بالموت لا يشغله شخص آخر بالطريقة نفسها.
قبل موعد الخطبة بأسبوع، وصلت مريم إلى الناصرية. طلبت لقاء نجاة وحدهما. اختارتا القاعة نفسها في المكتبة، فقد صارت تستضيف نادي قراءة مساء السبت. جلستا في الصف الأخير. قالت مريم إنها لا تكرهها، لكنها تخاف أن ترى أباها سعيدًا فتشعر بخيانة أمها.
قالت نجاة: «أنا أيضًا خفت أن أكون محتاجة إليه، ثم فهمت أنني أريده. الحاجة تخيفني، أما الاختيار فيحمّلني مسؤولية.»
سألتها مريم: «هل ستعيشين في بيتنا؟»
«أحيانًا. وأحيانًا يعيش هو في بيتي. لن أمحو أثر أحد. لكنني لن أعيش بحذر من كوب أضعه في غير مكانه.»
بقيت مريم صامتة، ثم أخرجت هاتفها. كانت قد نزّلت تطبيق الخرائط ولم تعرف تشغيل المشاركة المباشرة. قالت إن زوجها ينتظرها قرب السوق، وإنها لا تستطيع وصف باب المكتبة. جلست نجاة إلى جانبها، وأرشدتها خطوة خطوة. وحين ظهرت النقطة الزرقاء، تحركت مريم نحو النافذة، فتحركت النقطة معها.
قالت نجاة: «لا تضغطي هنا، وإلا أرسلته إلى النهر. أبوك خبير في ذلك.»
ضحكت مريم للمرة الأولى. لم تكن موافقة كاملة، لكنها كانت فتحة صغيرة في جدار ظل مغلقًا شهورًا.
أقيمت الخطبة في بيت نجاة، بحضور محدود. شارك حسّان عبر شاشة موضوعة على رف، ووصلت مريم قبل الموعد ومعها صحن حلوى كانت أمها تعده في المناسبات. لم تلقِ خطبة، ولم تنادِ نجاة بلقب جديد. وضعت الصحن على المائدة وسألت أين تحتاج إلى مساعدة. كان ذلك كافيًا.
بعد أن غادر الضيوف، خرج صالح ونجاة إلى الفناء. كانت شجرة النارنج تحمل خمس ورقات هذه المرة. أخرج هاتفه وقال إنه سيعود إلى بيته ليجلب دواء الضغط، ثم سألها أن ترسل له موقع الصيدلية المناوبة.
نظرت إليه متشككة. «أتعرف الطريق أم لا؟»
قال: «أعرفه. لكنني أحب أن تصلني منك نقطة تقول إنك هنا.»
أخذت الهاتف من يده، فتحت الخريطة، واختارت المشاركة لمدة ساعة. ظهرت نقطتان متقاربتان في الفناء، ثم تحركت إحداهما حين خطا صالح نحو الباب.
قالت: «لا تتأخر. المشاركة تنتهي بعد ساعة.»
أجاب وهو يفتح الباب: «أعود قبل أن تختفي.»
راقبته على الشاشة يعبر الزقاق، ثم رفعت عينيها فرأته يلتفت فعلًا ويلوح لها. لم تكن النقطة وعدًا بأن يبقى الإنسان في مكانه، ولا ضمانًا من أن يضل الطريق يومًا. كانت فقط اتفاقًا بسيطًا بين شخصين بالغين: أن يقول كل منهما للآخر، ما دام قادرًا على الاختيار، هذا مكاني الآن، وهذه هي الطريق التي أعود بها إليك.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق