المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص مشوقة

سبع ثوانٍ صامتة

صورة
لم يكن الصمت هو ما أخاف رِفقة، بل نظافته. توقفت الموجة الصوتية على الشاشة سبع ثوانٍ كاملة، مستقيمة كخط رسمه مسطرة، ثم عادت فجأة إلى ارتجافها الرمادي. في تسجيلات الهاتف القديمة لا يوجد صمت نقي؛ حتى حين لا يتكلم أحد، يبقى هسيس الشريط، وطقطقة الأسلاك، وتنفس الغرفة. أما هذه الثواني فكانت خالية من كل شيء، كأن أحدًا اقتطع قطعة من الزمن ووضع مكانها فراغًا مصنّعًا. أعادت المقطع من بدايته. جاء صوت امرأة متقطعًا خلف سعال شديد: — هناك دخان في السلم... أظن أنه خرج من غرفة العدادات. سألها موظف الطوارئ عن العنوان. — بناية الياقوت، حيّ السقائف، الطابق الرابع. ابنتي معي، والباب ساخن. دوّى ارتطام بعيد، ثم قالت المرأة: — رأيت الرجل الذي... عندها انبسط الخط سبع ثوانٍ. وعندما عاد الصوت كانت المرأة تصرخ: — لماذا لم ترسلوا أحدًا؟ قلت لكم قبل عشر دقائق! بعد ذلك انقطع الاتصال. نزعت رِفقة السماعتين وبقي أثر الصرخة في أذنيها. كانت تعمل خبيرةً في ترميم التسجيلات الصوتية، وقد تعاقدت معها بلدية مدينة المَجاز لتحويل أرشيف مركز النداء القديم إلى ملفات رقمية قبل هدم المبنى. مرّ على المكالمة تسعة عشر عامًا....

الطرد غير المستلم

صورة
كان صفوان يعرف أن الطرد سيعود قبل أن يمدّ يده إليه. رآه فوق منضدة البريد المرتجع، ملفوفاً بورق بني خشن، ومحاطاً بخيط أبيض عُقد بعناية مبالغ فيها. في زاويته اليمنى كُتب العنوان بحروف كبيرة متباعدة: «إلى السيدة بهيجة جابر حي المعلمين، الزقاق الرابع البيت ذو الباب الأخضر». لم يكن في العنوان رقم للدار، لكن صفوان لم يحتج إليه. كان قد حمل إلى ذلك الباب اثنين وثلاثين طرداً خلال السنوات الثلاث الماضية، واحداً في الأسبوع الأول من كل شهر، وكانت بهيجة تستقبله دائماً قبل أن يطرق للمرة الثانية. أما هذه المرة، فخُتم الطرد بعبارة حمراء: «تعذّر التسليم: وفاة المستلِمة». رفع صفوان الطرد بين يديه. لم يكن ثقيلاً. ربما احتوى على علبة تمر، أو قميص شتوي، أو بعض الأدوية التي كانت بهيجة ترسل مثلها إلى ابنها عاصم في السجن المركزي. نظر إلى اسم المرسِل. «عاصم نوري جابر». توقف قليلاً. كان عاصم يرسل إلى أمه أيضاً، لكن طروده كانت نادرة؛ مصنوعات خشبية صغيرة يصنعها في ورشة السجن، أو مناديل مطرزة، أو رسائل كثيرة توضع داخل ظرف واحد. أما الطرود الشهرية المنتظمة فكانت تخرج من بيت بهيجة إليه. هذا الطرد جاء في ا...