حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
موعد السرب
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
خرج النحل من خلف لوحة النتائج قبل أن يبدأ الاجتماع بخمس دقائق.
كانت نَسرين تقف في منتصف الملعب الخارجي، تراجع مع فريق التشغيل مواضع الحواجز والمخارج استعدادًا لبطولة المدارس، حين ظهر أول خط أسود عند الزاوية العليا من اللوحة. حسبه أحد العمال ظل سلك، ثم اتسع وصار آلاف النقاط التي دارت فوق المقاعد في دوامة منخفضة.
تراجع الجميع. أسقط عامل صندوق الأقماع البلاستيكية وركض نحو الباب. أما نسرين فطلبت عبر جهازها إخلاء الساحة وإغلاق الممر المؤدي إليها، ثم اتصلت بشركة مكافحة الآفات المسجلة لدى المجمع.
وصل إِياد بعد أربعين دقيقة في شاحنة صغيرة لا تحمل إلا رسمًا بسيطًا لنحلة. نزل بقميص عمل فاتح، وحمل صندوقًا خشبيًا وقناعًا شبكيًا ومدخنًا معدنيًا. نظر إلى السرب الذي تجمع الآن ككتلة بنية تحت حافة اللوحة، ثم سأل نسرين:
«منذ متى لاحظتم دخوله؟»
«منذ أقل من ساعة.»
«السرب الظاهر جديد، لكن هناك خلية خلف اللوحة منذ مدة. انظري إلى الشمع عند الفتحة.»
لم تقترب. قالت: «لدينا بطولة بعد يومين، وفي قوائم الحضور طلاب لديهم حساسية شديدة. أحتاج إلى إزالة الخطر اليوم.»
«أستطيع قتل النحل اليوم، أو نقله خلال مرحلتين من دون أن يبقى طائرًا حول الملعب. الخيار الثاني يحتاج إلى إغلاق الساحة حتى صباح الغد.»
قال مسؤول الأمن: «استخدم المبيد وانتهِ.»
لم يلتفت إليه إياد. بقي ينظر إلى نسرين، لأنها صاحبة القرار. شرح أن رش الكتلة الظاهرة لن يصل إلى الملكة داخل التجويف، وأن النحل الباقي قد ينتشر في الممرات. أما النقل، فيقتضي فتح الغطاء الخلفي، ووضع أقراص الشمع في صندوق جديد، ثم تركه حتى المساء كي تعود الشغالات إليه قبل نقله.
سألته نسرين: «هل تستطيع أن تضمن خلو الساحة غدًا؟»
«أضمن أن أنفذ الخطوات الصحيحة وأفحص المكان صباحًا. لا أعدك بأن كائنًا حيًا سيتصرف كالآلة.»
أعجبتها الإجابة رغم أنها لم تمنحها اليقين الذي أرادته. اختارت النقل، وأعادت تدريب الفرق إلى الصالة الداخلية.
ارتدى إياد بدلته البيضاء وصعد السلم إلى ظهر اللوحة. بقيت نسرين تحته تسجل ما يفعله في تقرير السلامة. فك الغطاء ببطء، فظهرت أقراص شمع كبيرة تتدلى بين الأسلاك. لم تكن كتلة عشوائية؛ صفوف سداسية، وعسل حديث، وحضنة مغلقة، ونحل يتحرك بينها كأن الضجيج حوله لا يعنيه.
قال من فوق السلم: «هذه ليست زيارة عابرة. الخلية هنا منذ الربيع.»
«لدينا فحص أسبوعي.»
«تفحصون البراغي والمصابيح. لم يطلب أحد منكم أن يصغي إلى الجدار.»
لم تعرف إن كان يلومها، لكن نبرته خلت من السخرية. حين نزل لإحضار إطار إضافي، أرته جدول الصيانة. أشار إلى بند فتح اللوحة كل ستة أشهر، وقال إن النحل يستطيع بناء مستعمرة كاملة في نصف تلك المدة.
عملا حتى الغروب. كان هو ينقل الشمع، وكانت هي تقطع التيار عن الدوائر التي يقترب منها وتبعد العمال الفضوليين. وحين انزلقت قدمه على الدرجة الثالثة، أمسكت قاعدة السلم بكلتا يديها قبل أن يميل. نظر إليها من خلف الشبك وقال: «كنت سأستعيد توازني.»
«وأنا لم أكن مستعدة لاختبار ذلك.»
عند الثامنة، تجمّع معظم النحل داخل الصندوق الجديد. أغلق إياد فتحات اللوحة بشبكة دقيقة، لكنه أبقى مدخل الصندوق مفتوحًا حتى تعود الشغالات المتأخرة. قال إنه سيجلس قربه إلى العاشرة.
قالت نسرين: «الحارس يستطيع الاتصال بك إذا حدث شيء.»
«إذا حدث شيء، سيكون عليّ أن أكون هنا قبل اتصاله.»
أحضرت له كرسيًا وزجاجة ماء، ثم جلست على المقعد المقابل لتكمل تقريرها. لم تكن مضطرة إلى البقاء، لكنها كانت مسؤولة عن الموقع ما دام مفتوحًا. تحدثا على فترات قصيرة، بين عودة مجموعة وأخرى من النحل.
عرفت أنه بدأ تربية النحل مع عمه في أرض زراعية صغيرة، ثم تخصص في نقل الخلايا من المباني بدل إبادتها. وعرف أنها تدير تشغيل ثلاثة مرافق رياضية، وأن هاتفها يبدأ بالرنين قبل السابعة كل صباح لأن الناس لا يلاحظون المكان إلا حين يتعطل شيء فيه.
قال: «عملنا متشابهان إذن.»
«أنت تعتني بالنحل، وأنا أعتني بالمباني.»
«كلانا يصل بعد أن يقرر أحدهم أن المشكلة ظهرت فجأة.»
ضحكت. كانت أول مرة تراه فيها يبتسم كاملًا.
في الصباح التالي عاد إياد قبلها. وجدته يفحص الزوايا بمصباح صغير، وقد وضع الصندوق المغلق في شاحنته. بقيت نحلات قليلة تدور قرب الفتحة، فجمعها بأداة شفط لطيفة. عند التاسعة أعلن أن الملعب آمن، لكنه أوصى بفحص المباني الأخرى.
طلبت نسرين عرض سعر مكتوبًا للفحص. وفي نهاية الأسبوع وافقت الإدارة على عقد يشمل الأسطح وغرف الخدمات واللوحات الخارجية. أرسل إياد جدولًا بأربع زيارات، وبدأ العمل.
لم تمر الموافقة من غير اعتراض. رأى مدير المالية أن شركة الإبادة المعتادة أرخص، وسأل نسرين لماذا تدفع المنشأة كلفة إضافية لإنقاذ حشرات يمكن التخلص منها في دقائق. عرضت عليه صور الشمع الملتف حول أسلاك اللوحة، وشرحت أن الرش كان سيترك العسل والحضنة داخل تجويف ساخن، وأن تنظيفه بعد ذلك سيكلف أكثر من النقل. لم تستخدم حماستها للنحل حجة؛ لم تكن تعرف عنه ما يكفي أصلًا. بنت قرارها على السلامة والصيانة، وسجلت عرضَي السعرين في الملف. حين علم إياد بما فعلت، لم يشكرها على «اختياره»، بل شكرها على أنها جعلت القرار قابلًا للدفاع عنه أمام من سيأتي بعدها. ازداد ارتياحها إليه لأن امتنانه لم يطلب منها ولاءً شخصيًا.
وفي الزيارة الأولى من العقد، اختلفا للمرة الأولى. أراد إياد إغلاق ممر جانبي كامل لأن النحل كان يدخل شقًا فوقه، بينما رأت نسرين أن الحاجز الأصغر يكفي وأن إغلاق الممر سيؤخر تدريب فريق من ذوي الإعاقة الحركية. لم يرفع صوته، لكنه رفض بدء العمل ما دام أحد قد يمر تحت السلم. أحضرت نسرين مخطط الحركة، ونقلا التدريب إلى مدخل آخر، ثم ضيّقا نطاق الإغلاق من الجهة المقابلة. استغرق الحل عشرين دقيقة. لم يخرج أحدهما منتصرًا، لكن العمل بدأ من غير أن يتنازل هو عن السلامة أو تجعل هي سلامة الناس ذريعة لنسيان احتياجاتهم.
في الزيارة الثانية وجد خلية صغيرة داخل صندوق مهجور قرب مستودع الكرات. أراها الملكة وهي تتحرك فوق القرص، أبطأ وأطول من بقية النحل. اقتربت نسرين هذه المرة مرتدية قناعًا احتياطيًا، وسألته كيف يعرف أن الخلية ستقبل صندوقها الجديد.
قال: «لا أعرف فورًا. أراقب اتجاه الحركة. إذا بدأت الشغالات تدخل محملة وتخرج هادئة، فهذا يعني أن المكان صار لها.»
«وإذا لم تقبله؟»
«لا أجبرها على البقاء. أغير الموضع.»
حين خلع القناع، ظل شعرها عالقًا عند السحاب. حرره بحركة سريعة ثم أبعد يده فورًا. شكرته، وشعرت أن حرصه على التراجع كان أوضح من اللمسة نفسها.
بعد الزيارة الثالثة، اقترح أن يتناولا العشاء. لم يخف الدعوة خلف اجتماع أو سؤال عن التقرير. قال ببساطة إنه يستمتع بحديثها ويريد رؤيتها خارج ساعات العمل.
ترددت لحظة، ثم قالت: «ليس أثناء العقد.»
لم تسهب في شرح السبب. كانت هي التي تراجع عمله وتصدق فواتيره، ولا تريد أن يصبح قبولها أو رفضها جزءًا من العلاقة المهنية.
أومأ وقال: «مفهوم.»
لم يسأل متى ينتهي العقد، ولم يحاول إقناعها بأن الأمر لا يهم. عاد إلى سيارته، وأرسل في المساء تقرير الزيارة كما يفعل دائمًا.
توقعت نسرين أن يتغير. ظنت أنه سيصبح رسميًا على نحو عقابي، أو يتعمد إظهار اللامبالاة، أو يكرر الدعوة بطريقة أخرى. لكنه في الزيارة الرابعة تحدث معها عن الأسطح والفتحات فقط، وأعاد إليها قناعها الاحتياطي بعد تنظيفه ووضعه داخل كيس. لم يكن باردًا؛ كان يحترم الحد الذي وضعته.
هذا الاحترام أربكها أكثر من الإلحاح الذي اعتادته من آخرين. فالإلحاح يمنحها خصمًا واضحًا. أما أن يسمع الرجل «ليس الآن» ويترك العبارة كاملة من دون أن يعاقبها عليها، فقد أجبرها على مواجهة سؤالها الحقيقي: هل كانت ترفض التوقيت، أم ترفضه هو؟
انتهى العقد بعد شهرين. أثبت الفحص خلو المرافق من خلايا أخرى، وقدمت الإدارة مكافأة صغيرة لإياد لأنه أنهى العمل من دون إغلاق إضافي. وقعت نسرين محضر الاستلام، وأرسلت نسخة إلى الحسابات. عند الباب قال لها: «شكرًا على تعاونك.»
قالت: «وأنت شكرًا لأنك لم تقتل الخلية الأولى.»
«هي الآن في بستان شمال المدينة. بدأت تخزن للعقد الجديد قبلنا.»
ابتسم، ثم غادر.
مضى أسبوعان ولم يتصل. لم يكن قد طلب منها وعدًا بعد انتهاء العقد، وهي لم تمنحه واحدًا. ومع ذلك وجدت نفسها تفتح جدول الفحص القديم، لا لتراجع بندًا، بل لتتأكد من أنها لم تتخيل وضوح دعوته.
رأته مصادفة في سوق أسبوعي يقام قرب ساحة عامة. كان يقف خلف طاولة عليها أوعية عسل وشمع، يشرح لامرأة كيف تميز الرائحة الطبيعية من العطر المضاف. انتظرت حتى ابتعد الزبائن، ثم وقفت أمامه.
قال: «مرحبًا. هل ظهرت خلية جديدة؟»
«لا. جئت لأشتري عسلًا.»
اختار لها وعاءً صغيرًا. دفعته نحوه بعد أن دفعت ثمنه وقالت: «انتهى العقد.»
«أعرف.»
«ولم تكرر الدعوة.»
توقف قبل أن يجيب. «قلتِ إنك لا تريدينها أثناء العقد. لم تقولي إن عليّ الانتظار خلف الباب بعده. كان يمكن أن يكون ذلك رفضًا مهذبًا، ولم أرد تحويل احترامك إلى لغز أخدم به رغبتي.»
لم تكن إجابته رومانسية بالمعنى المعتاد، لكنها جعلت المسافة بينهما أكثر أمانًا. قالت: «لم يكن رفضًا لك. كان رفضًا لوضع لا يعجبني.»
«وماذا يعجبك الآن؟»
«أن نتناول العشاء يوم الخميس، إذا كانت الدعوة ما تزال قائمة.»
ابتسم. «قائمة.»
في العشاء لم يتحدثا عن النحل إلا قليلًا. حكى إياد عن شقته الصغيرة التي لا يستطيع تربية خلية فوق سطحها لأن الجيران اعترضوا، وعن عادته في شراء الأكواب ثم نسيانها داخل السيارة. وتحدثت نسرين عن خوفها من العلاقات التي تبدأ بتجاهل كلمة صغيرة ثم تطلب منها أن تثق بما سيحدث لاحقًا.
قال: «لا أستطيع أن أعدك بأنني سأفهم كل كلمة من أول مرة.»
«لا أحتاج ذلك. أحتاج أن تتوقف وتسأل بدل أن تكمل بالنيابة عني.»
استمرت لقاءاتهما بعد ذلك ببطء لم يزعج أيًا منهما. لم يدخل إياد إلى عملها من باب الزيارات المفاجئة، ولم تستخدم نسرين العقود ذريعة لرؤيته. كانا يختاران وقتًا واضحًا، وإذا اضطر أحدهما إلى الإلغاء قال السبب واقترح موعدًا آخر. بدت هذه التفاصيل عادية، لكنها كانت المادة التي بُنيت منها الثقة.
في السبت التالي ذهبا إلى معرض للأدوات القديمة، لا لأن أحدهما مولع بها، بل لأن نسرين أرادت شراء مصباح لردهة بيت أمها. اكتشف إياد أنه يساوم البائعين بجدية مضحكة، واكتشف أنها لا تحب أن يختار أحد عنها حتى الأشياء الصغيرة. تركها تفحص ثلاثة مصابيح متشابهة، ثم حمل الذي اشترته إلى السيارة من دون أن يعلن أن اختياره كان أفضل. وفي أسبوع آخر أعدّا طعامًا بسيطًا في شقته، فاحترق الخبز لأنهما انشغلا بتركيب رف مائل. لم تتحول المواقف إلى علامات قدر؛ كانت مجرد ساعات جيدة تراكمت، وكل واحدة منها منحت الأخرى سياقًا لا تصنعه المجاملات.
وجاء أول خلاف شخصي عندما ألغى إياد موعدًا قبل نصف ساعة بسبب بلاغ عن خلية في حضانة أطفال. كتب أنه مضطر إلى الذهاب، ولم يقترح وقتًا بديلًا. ردت نسرين بكلمة مقتضبة، ثم نامت وهي غاضبة من نفسها بقدر غضبها منه؛ فقد عادت فجأة إلى انتظار شخص يقرر وحده متى تكون حياته أهم.
اتصل في الصباح وقال إنه أنهى العمل بعد منتصف الليل، وسأل إن كانت مستعدة للكلام. لم يقل إن إنقاذ الأطفال يعفيه من الاعتذار. قال: «كان عليّ أن أقترح موعدًا آخر، أو أقول إنني لا أعرف متى أستطيع. تركتك أمام فراغ.»
قالت: «لم أكن أريدك أن تترك البلاغ. كنت أريد ألا تتركني أنا معلقة معه.»
أعادا ترتيب اللقاء مساء الاثنين. لم ينته الخلاف لأن أحدهما قدّم جملة مثالية، بل لأنهما اتفقا على قاعدة يمكن اختبارها: الطارئ يغيّر الموعد، لكنه لا يلغي حق الطرف الآخر في خبر واضح وخطوة تالية. وبعد أسابيع اضطرت نسرين إلى تطبيق القاعدة نفسها حين تعطلت مضخة المسبح قبل خروجهما. أخبرته بما حدث، واقترحت صباح اليوم التالي، فلم يحول خيبة أمله إلى اتهام. عندها فهمت أن الحدود التي تطلبها منه تلزمها أيضًا، وأن العدل بينهما لن يبقى فكرة جميلة إلا إذا حملاه في الاتجاهين.
لم تخبر أمها عنه فورًا، ولم يقدمها هو إلى عمه بوصفها مشروعًا معلنًا. كان كلاهما قد رأى علاقات تُحمَّل منذ بدايتها بأسئلة لا تخص أصحابها: متى الخطبة، وأين البيت، ومن سيتنازل عن ماذا؟ اختارا أن يعرف كل منهما الآخر قبل أن يدخلا أصواتًا كثيرة إلى المسافة بينهما. لكنهما لم يخفيا العلاقة كأنها خطأ. عندما سألت أمها عن المصباح ومن حمله، قالت نسرين اسمه كما هو، من دون وصف أكبر من المرحلة ولا أصغر منها.
بعد أربعة أشهر اتصلت به نسرين صباحًا. لم تكن مكالمة شخصية تمامًا؛ ظهر سرب كبير على شجرة في الساحة الخارجية للمجمع، قبل فعالية مسائية. قالت إن العقد الجديد سيذهب عبر قسم المشتريات، وإنها لن تكون مسؤولة عن تقييمه هذه المرة. ثم أضافت: «لكنني أريدك أن تأتي لأنك تعرف المكان.»
وصل ومعه مساعد، ونقلا السرب إلى صندوق خلال ساعتين. كانت نسرين تراقب من بعيد حتى فرغت الساحة. لم تتدخل في العمل، ولم يحمل إياد الموقف معنى زائدًا. بعد أن انتهى، وجدها تنتظره عند السيارة بقناعين نظيفين.
قالت: «أريد أن أرى الخلية الأولى.»
ذهبا في صباح الجمعة إلى البستان الذي نُقلت إليه. لم يكن مكانًا شاعريًا مرتبًا؛ صفوف الصناديق فوق قواعد خشبية، أرض ترابية، وخزان ماء، وأغطية عمل معلقة على سياج. أعطاها إياد بدلة كاملة، وفحص سحابها من بعيد قبل أن يقترب.
فتح الصندوق الأول. ارتفعت رائحة الشمع والعسل الدافئ. أخرج إطارًا مغطى بالنحل، وأشار إلى الخلايا الممتلئة. قال إن المستعمرة تأقلمت، وإنها أنجبت ملكة جديدة بعد فقد القديمة في نهاية الصيف.
سألته نسرين: «إذن هي الخلية نفسها أم خلية أخرى؟»
قال: «المكان تغير، وبعض النحل مات، والملكة تغيرت. لكنها تحمل العمل الذي بدأته الأولى. لا أعرف جوابًا أبسط.»
ظلت تنظر إلى الحركة فوق الشمع. قالت: «الجواب غير البسيط أدق.»
أعاد الإطار ببطء، ثم أغلق الصندوق. لم يمسك يدها وهي ترتدي القفازين السميكين؛ لم تكن الحركة ضرورية ولا ممكنة. لكنهما وقفا متجاورين أمام المدخل، يراقبان الشغالات تعود محملة بحبوب اللقاح، ثم تدخل من دون ارتباك.
بعد أن خلعا البذلتين، جلست نسرين على حافة صندوق فارغ. أخرج إياد وعاء العسل الصغير من حقيبته وقال إنه لاحظ أنها لم تفتحه بعد.
«كنت أحتفظ به.»
«العسل لا يحتاج إلى مناسبة.»
فتحت الغطاء وتذوقت منه بطرف ملعقة خشبية. لم تقل إنه أحلى عسل أكلته، لأن ذلك لم يكن صحيحًا ولا مطلوبًا. قالت إن نكهته أقوى مما توقعت، فناولتْه الملعقة ليجرب.
قبل أن يغادرا، مر سرب صغير فوق البستان، مرتفعًا وغير معني بهما. تتبعه إياد بعينيه، ثم عاد ينظر إليها بدل أن يلحق اتجاهه.
قالت: «لن تسأل إلى أين ذهب؟»
«سيجد مكانه، أو لن يجده. ليس كل سرب عملي.»
سارا نحو السيارة. عند الباب مدت نسرين يدها إليه. لم يكن حولهما عقد، ولا سلم يحتاج إلى تثبيت، ولا قناع يعلق سحابه. أمسك يدها ببساطة، وترك لها مقدار الضغط نفسه الذي بدأت به.
لم يكن ذلك وعدًا بحياة بلا لسع، ولا دليلًا على أنهما فهما بعضهما كاملًا.
كان موعدًا اختاراه معًا، ووصل كل منهما إليه في وقته.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق