حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
في الدرجة الثالثة
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
توقفت مَيْس عند الدرجة الثانية من سلّم المسبح، وأبقت يدها اليمنى مطبقة على الحاجز المعدني كأن الماء تحت قدميها أعمق مما هو عليه. كان يصل إلى ركبتيها فقط، لكن رائحة الكلور، والصدى المتكسر تحت السقف العالي، والخطوط الزرقاء الممتدة في القاع، جعلت المكان أوسع من قدرتها على الاحتمال.
قالت المدربة ابتسام من داخل الماء: «درجة أخرى، ثم نقف. لا أحد سيسبح اليوم.»
لم تتحرك ميس. خلفها انتظر ستة متدربين بالغين، يرتدون قبعات متشابهة ويخفون ارتباكهم بضحكات قصيرة. كانت في الرابعة والثلاثين، وتعمل مدققة مشتريات في شركة للأجهزة المنزلية، وتقضي نهارها في اكتشاف الأرقام التي لا تستقيم. لم تجد رقمًا واحدًا يفسر لماذا ترتجف ساقاها في ماء لا يبلغ خصرها.
جاء صوت رجل من السلم المجاور: «أنا أيضًا عالق عند الثانية.»
التفتت. كان طويلًا، عريض الكتفين قليلًا، وعلى وجهه ذلك الاحمرار الذي يظهر حين يحاول شخص أن يبدو طبيعيًا وهو ليس كذلك. رفع يده عن الحاجز لحظة، ثم أعادها سريعًا.
قال: «إذا طلبت منا المدربة ابتسام النزول معًا، فسأدّعي أنني لم أسمع.»
ضحكت ميس على الرغم منها. نزلت ابتسام من الماء، وطلبت من المنتظرين استخدام السلمين البعيدين. لم تدفع ميس، ولم تكرر العبارة التي سمعتها طوال عمرها: لا تخافي. وقفت إلى جوارها فقط حتى خفت قبضة أصابعها على المعدن.
بعد دقيقة نزلت ميس الدرجة الثالثة. وفي السلم الآخر نزل الرجل درجته الثالثة أيضًا.
كان اسمه رامز، في الثامنة والثلاثين، ويعمل منسقًا لحركة الشاحنات في مستودع كبير على أطراف المدينة. لم يغرق في طفولته، ولم تكن وراء خوفه مأساة خفية. ببساطة، لم يتعلم السباحة. كان أبوه يؤجل تسجيله كل صيف، ثم انتقلت الأسرة إلى حي لا مسبح فيه، وكبر رامز وهو يجد لكل رحلة إلى الماء عذرًا مناسبًا. أما ميس، فلم تدخل مسبحًا قط. اعتادت في الرحلات العائلية أن تجلس قرب الحقائب وتحرس الهواتف، حتى صار الجميع يظنون أنها لا تحب السباحة. لم تصحح لهم الفكرة.
في نهاية الحصة الأولى طلبت ابتسام منهم غمر الفم في الماء وإخراج الهواء. نجح رامز مرتين، وابتلع الماء في الثالثة. نجحت ميس مرة، ثم رفعت رأسها تسعل. تقابلا عند حافة المسبح، فضحك كلاهما من دون أن يسخر أحدهما من الآخر.
قال رامز: «أقترح اتفاقًا.»
«أي اتفاق؟»
«لا أقول لكِ إن الأمر سهل، ولا تقولين لي إن عليّ أن أسترخي. كلانا يعرف أن هاتين النصيحتين لا تعملان.»
مدت يدها مصافحة. «اتفقنا.»
كانت الدورة تقام مساء كل أحد وثلاثاء على مدى عشرة أسابيع. في الأسبوع الثاني تعلما الطفو على الظهر مع لوح إسفنجي تحت الرأس. وفي الثالث قطعا نصف عرض المسبح بلوح الركل. لم يكن تقدمهما متساويًا؛ تحسن رامز سريعًا في حركة القدمين، بينما استطاعت ميس تنظيم تنفسها قبله. وحين حاول كل منهما تقليد الآخر تعثر. قالت ابتسام إن الجسد لا يتعلم بالإهانة، وإن المقارنة شكل مهذب من الإهانة أحيانًا.
بعد الحصة الرابعة وجدت ميس رامز واقفًا قرب آلة المشروبات في الردهة، يحمل قطعتين نقديتين وينظر إلى الأزرار المعطلة. قالت إن الآلة تبتلع النقود منذ الشهر الماضي. سألها كيف عرفت، فأجابت بأنها حضرت قبل بدء الدورة مرتين، وجلست في المدرجات تراقب حصة الأطفال، ثم عادت إلى بيتها من غير أن تسجل.
قال: «وأنا ملأت استمارة التسجيل ثلاث مرات. في كل مرة كنت أغلق الصفحة قبل الدفع.»
خرجا من المبنى مع بقية المتدربين. عند البوابة وقف رامز وقال بوضوح: «أريد أن أدعوكِ إلى العشاء، لا لمراجعة حركة القدمين. إذا لم ترغبي، فلن يتغير اتفاقنا في الحصة.»
أعجبها أنه لم يختبئ خلف اقتراح غامض. سألته: «هل تسأل الآن لأننا كنا خائفين معًا؟»
فكر قبل أن يجيب. «أسأل لأنني أنتظر يومي الأحد والثلاثاء لأراكِ. والخوف كان السبب الذي وضعنا في المكان نفسه، لا السبب الذي يجعلني أرغب في معرفتك.»
وافقت على مساء الخميس.
اختارت ميس مطعمًا صغيرًا قرب السوق المركزي، مضاءً أكثر مما ينبغي ولا يصلح للصور الرومانسية. جلسا إلى طاولة تطل على موقف سيارات، وتحدثا ساعتين من غير أن يذكرا المسبح إلا مرة واحدة. أخبرها رامز أن عمله يتطلب ترتيب عشرات المسارات يوميًا، وأنه يشعر بالراحة حين يعرف أين ستكون كل شاحنة عند كل ساعة. قالت ميس إن مهنتها تجعلها تشك في كل فاتورة كاملة أكثر من اللازم؛ فالخطأ الفاضح يعلن نفسه، أما الخطأ المدروس فيبدو منطقيًا.
تحدثا عن الزواج أيضًا. كان رامز قد أنهى خطبة قبل ثلاثة أعوام. قال أولًا إنهما اختلفا في السكن، ثم صمت وأضاف أن الخلاف لم يكن في الشقة نفسها، بل في أنه استأجرها قبل أن يتفقا على الحي. ظن وقتها أنه يختصر النقاش ويقدم حلًا جاهزًا، لكنها رأت في ذلك مستقبلًا سيتخذ فيه القرارات ثم يدعوها إلى اللحاق به.
لم تقل ميس إنه تعلم الدرس. سألته فقط: «هل تعلمته؟»
أجاب: «أظن ذلك. لكن الإنسان لا يعرف ما تعلمه حتى يضطر إلى التصرف بطريقة مختلفة.»
كانت ميس قد رفضت علاقتين جادتين في سنوات سابقة، لا لأنها تخاف الارتباط، بل لأن الطرفين تعاملا مع هدوئها كأنه موافقة مؤجلة. في أسرتها أيضًا اعتاد الجميع تكليفها بما لا ترفضه: مرافقة خالتها إلى المواعيد، إعداد حسابات المناسبات، وحل خلافات الإخوة. كانت تساعد غالبًا عن رضا، لكن ما أتعبها هو أن السؤال اختفى بالتدريج، وحل محله الإبلاغ.
قالت لرامز: «أنا لا أكره أن يعتمد عليّ الناس. أكره أن يقرروا أنني متاحة ثم يسموا ذلك ثقة.»
هز رأسه، ولم يحوّل عبارتها إلى وعد كبير. حين انتهى العشاء سألها إن كانت تريد أن يوصلها، فقالت إن سيارتها في الموقف. لم يُصر. اتفقا على لقاء آخر يوم السبت.
خلال الأسابيع التالية صارت بينهما علاقة واضحة من دون إعلان مسرحي. اتصلا حين يرغبان، لا بوصف الرسائل اختبارًا للاهتمام. تعرّف رامز إلى صديقة ميس المقربة في عشاء قصير، وعرفت ميس أخته في معرض للأثاث المحلي كانت تشارك فيه بقطع تنجيد يدوية. لم يقدمها رامز باعتبارها مشروع زوجة، ولم تقل ميس إنهما مجرد زميلين. قالا: «نحن نتعارف»، وكانت العبارة كافية.
لم تكن كل لقاءاتهما سهلة. في أحد أيام السبت أراد رامز أن يملأ النهار بثلاثة أماكن رتّب مواعيدها ومسافاتها، بينما قالت ميس إنها أنهت أسبوعًا مرهقًا ولا تحتمل برنامجًا. بدا عليه الانزعاج لحظة؛ فقد كان قد حجز تذكرتين لمعرض صناعي ينتظره. لكنه اتصل وألغى الحجز، ثم سألها إن كانت تفضّل تأجيل اللقاء كله. اختارت أن يلتقيا ساعة واحدة في ممشى عام قريب من حيها. جلسا على حاجز حجري يشاهدان الناس، وتحدثا عن الفرق بين التنازل الذي يقدمه المرء مختارًا والتنازل الذي يخزنه في داخله ليطالب بثمنه لاحقًا. قال رامز إنه مستاء من ضياع المعرض، لكنه ليس مستاءً منها. أعجبتها دقة العبارة؛ لم يدّع أن رغباته اختفت كي يثبت لطفه، ولم يحملها مسؤولية تعويضه. وحين افترقا بعد ساعة، شعرت أن العلاقة التي تقبل يومًا ناقصًا قد تكون أصدق من علاقة تتطلب مشهدًا كاملًا في كل مرة.
في المسبح، تقدما حتى السباحة عشرة أمتار من دون لوح. كان رامز يندفع بسرعة ثم يفقد انتظام نفسه، بينما تسبح ميس ببطء شديد وتحافظ على إيقاعها. قالت لها ابتسام إن بطأها ليس عيبًا ما دامت تتحرك. احتفظت ميس بالجملة لأنها لم تكن عن الماء وحده، لكنها لم تقل ذلك لأحد.
في الأسبوع الثامن أعلنت إدارة المسبح عن فعالية ختامية للدورات. سيقسم المتدربون إلى ثنائيات، ويقطع كل شخص خمسةً وعشرين مترًا في الممر العميق، ثم يلمس الجدار لينطلق شريكه عائدًا. المشاركة اختيارية، ولا تؤثر في شهادة إتمام الدورة.
قالت ميس فورًا إنها لن تشارك. كانت قد قطعت عشرين مترًا في الجزء المتوسط، لكنها لم تدخل المسار الذي يزيد عمقه على مترين. أجابت ابتسام بهدوء: «إذن لن تشاركي.»
أما رامز فتحمس للفكرة. ظل يومين يتحدث عن إمكانية أن يفعلاها معًا، وكانت ميس تكرر أنها لا تريد. ظن أن رفضها صادر عن خوف سيتلاشى إذا رأت اسمها في القائمة. وفي مساء الخميس اتصل بمسؤول الاستقبال وسجلهما ثنائيًا، معتقدًا أن وجود موعد محدد سيمنحها دفعة أخيرة.
وصلت ميس إلى الحصة التالية فرأت القائمة معلقة خارج المدرجات. كان اسمها إلى جوار اسم رامز في المجموعة الثالثة.
وقفت أمام الورقة حتى جاء. كان يحمل حقيبته الرياضية، وعلى وجهه ابتسامة من يتوقع اعتراضًا لطيفًا ينتهي بالموافقة.
قال: «قبل أن تغضبي، نستطيع الانسحاب في أي لحظة. أردت فقط أن—»
«أن تقرر بالنيابة عني؟»
توقفت ابتسام عند باب المسبح، ثم مضت إلى الداخل بعدما رأت أن ميس لا تطلب تدخلها.
قال رامز: «كنت أحاول أن أساعدك. أنت قادرة، وأنا سأكون في الممر نفسه.»
«قلت لك إنني لا أريد.»
«أعرف، لكنك قلت أشياء مشابهة قبل الدرجة الثالثة وقبل أن—»
قاطعته: «المدربة انتظرتني عند الدرجة الثالثة. لم تنزلها عني. والقدرة لا تلغي حقي في القرار.»
اختفت ابتسامته. حاول أن يشرح أنه لم يدفع رسومًا، وأن حذف الاسم لا يستغرق دقيقة، وأنه لم يقصد إحراجها. كانت كل جملة صحيحة، لكنها لم تمس جوهر ما فعل.
قالت ميس: «حين أخبرتك بما يزعجني، هل سمعتني فعلًا، أم حفظت العبارة لتبدو متفهمًا؟»
دخلت غرفة تبديل الملابس ولم تحضر الحصة. لم يلاحقها رامز، ولم يرسل في تلك الليلة سلسلة اعتذارات. اتصل بالاستقبال وحذف اسمها، ثم جلس في سيارته يستعيد حديث الشقة القديمة. للمرة الأولى فهم أن ما سماه يومها حبًا عمليًا كان خوفًا من انتظار جواب قد لا يعجبه. وهو الآن فعل الشيء نفسه في ثوب التشجيع.
في صباح اليوم التالي أرسل إلى ميس رسالة واحدة: «سجلتك رغم جواب واضح. هذا تجاوز، وليس سوء فهم. حذفت اسمك، ولن أطلب منك أن تطمئنيني أو تسامحيني الآن. سأحترم ما تختارينه بشأن الدورة وبشأننا.»
قرأت الرسالة ولم تجب.
حضرت حصة الثلاثاء. كان رامز هناك، لكنه اختار الطرف الآخر من المجموعة. لم ينظر إليها كل دقيقة، ولم يتظاهر بأنه سعيد. بعد التدريب اقترب منها أمام ابتسام وقال: «أنا آسف.»
قالت: «وصلتني رسالتك.»
«هل تريدين أن أبقى بعيدًا بقية الدورة؟»
«أريد أن أتعلم من دون أن أعتني بشعورك تجاه ما حدث.»
«حسنًا.»
لم تكن الكلمة باردة ولا بطولية. كانت مجرد قبول. غادر قبلها، ولم ينتظر عند البوابة.
في الحصتين التاليتين شعرت ميس بثقل غيابه القريب. كانت تفتقد تعليقاته الجافة عن الماء الذي لا يحترم خطط البشر، وتفتقد صراحته في السؤال عن يومها، لكنها رفضت أن تجعل الاشتياق دليلًا على أن الخطأ صغير. تابعت التدريب مع ابتسام، وطلبت من المدربة أن تنقلها إلى المسار العميق في الدقائق الأخيرة من الحصة التاسعة.
جلست أولًا على الحافة وتركت ساقيها في الماء. ثم نزلت السلم درجة درجة. عند الثالثة تذكرت مساء البداية. نزلت الرابعة والخامسة حتى لم تعد قدماها تبلغان القاع. أمسكت الحافة، دفعت جسدها إلى الخلف، وطفت. لم يكن الخوف قد اختفى؛ كان حاضرًا وواضحًا، لكنه لم يعد صاحب القرار الوحيد.
كان رامز في الممر البعيد. لمحها ولم يرفع إبهامه، ولم يصفق، ولم يقترب. أكمل تمرينه كما طلبت منه. وحين خرجت، شعرت للمرة الأولى أن امتناعه عن المساعدة فعل مساعدة حقيقيًا.
قبل الفعالية بيومين ذهبت ميس إلى مكتب الاستقبال وسجلت اسمها منفردة في قائمة الاحتياط. لم تخبر رامز. في صباح الفعالية اعتذر أحد المشاركين بسبب إصابة في كتفه، فسألتها ابتسام إن كانت ما تزال راغبة. قالت نعم.
كان رامز ضمن المجموعة الأولى مع متدرب آخر. سبح مسافته ببطء غير معتاد، وحين خرج من الماء هنأ شريكه وجلس في الصف الثاني من المدرجات. لم يعرف بمشاركة ميس إلا حين نادت ابتسام اسمها ضمن المجموعة الرابعة.
وقفت ميس فوق منصة الانطلاق، ثم اختارت النزول من السلم بدل القفز. لم يكن في ذلك نقص؛ الشرط أن تقطع المسافة، لا أن تبدأ كما يبدأ غيرها. أمسكت الحافة، أخذت نفسًا، ودفعت قدميها.
مرت الأمتار الأولى بسهولة. عند منتصف الممر وصل إلى أذنها ضجيج المدرجات مختلطًا بالماء، وفقدت إيقاعها. رفعت رأسها، فهبطت ساقاها. كان الجدار البعيد أقرب من نقطة البداية، لكن العمق تحتها جعل المسافة بلا معنى. بحثت بعينيها عن ابتسام، فوجدتها تسير بمحاذاة الممر من دون أن تمد عمود الإنقاذ.
قالت المدربة: «اختاري: الحافة الآن، أو ضربة واحدة أخرى.»
لم تقل لها إن الجميع ينتظر، ولم تذكر اسم رامز. وضعت ميس وجهها في الماء واختارت ضربة واحدة. ثم اختارت ثانية. عند الثالثة عاد إيقاع النفس، وتحرك الخط الأزرق تحتها إلى الخلف. لم تسمع شيئًا حتى لمست أصابعها الجدار.
رفعت رأسها. كان زميلها في الجهة الأخرى يستعد للعودة، فابتعدت عن الحافة ليفتح لنفسه المسار. صفّق الحاضرون للمجموعة كلها، لا لها وحدها. رأت رامز واقفًا في الصف الثاني، يصفق مثل الآخرين، من مكانه.
بعد انتهاء الفعالية انتظرته ميس قرب الأبواب الزجاجية. خرج يحمل حقيبته وشهادة الدورة الملفوفة، وتوقف على مسافة خطوة.
قال: «مبروك.»
«شكرًا.»
لم يقل إنه كان يعرف أنها تستطيع، لأن المسألة لم تعد فيما يعرفه هو. سألها إن كانت تريد الحديث، فأشارت إلى مقعدين في الردهة.
قالت له إن اعتذاره كان صحيحًا، لكن ما أعاد ثقتها جزئيًا هو ما فعله بعده: لم يحاصرها بندمه، ولم يحوّل المسافة التي طلبتها إلى عقاب صامت. أخبرها أنه فهم أن احترام القرار لا يبدأ حين يعجبه القرار.
سألها: «هل ترغبين في أن نحاول من جديد؟ لا يلزم أن تجيبي اليوم.»
قالت: «أرغب. لكنني لا أريد العودة إلى النقطة التي توقفنا عندها كأن شيئًا لم يحدث. نبدأ من هنا، بما عرفناه.»
«ومن يحدد السرعة؟»
ابتسمت. «كل واحد يحدد سرعته، ونسأل قبل أن نغيّر المسار.»
خرجا من المبنى. كان النهار صافيًا، وموقف السيارات ممتلئًا بعائلات حصة الأطفال التالية. سألها رامز إن كانت تريد الاحتفال بالغداء، فقالت نعم، واختارت مطعمًا لم يزره أي منهما. حين عرض أن يقودا بسيارة واحدة، فكرت لحظة ثم وافقت، وناولته عنوان المكان ليدخله في جهاز الملاحة.
قبل أن يشغل المحرك سألها: «هذا هو الطريق الذي تريدينه؟»
نظرت إلى الخط الظاهر على الشاشة، ثم إليه. لم يكن السؤال عن الشوارع وحدها، ولم يكن وعدًا بأنهما لن يخطئا ثانية. كان شيئًا أبسط وأصدق: مساحة مفتوحة لجوابها.
قالت: «نعم. هذا الطريق.»
انطلق بعد أن أجابت، لا قبلها.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق