خارج التطبيق

كان أكثر ما تكرهه مُزن في عملها ذلك الصمت القصير الذي يسبق ظهور التقييم على شاشة الهاتف. خمس نجوم تعني أن الراكب وصل راضيًا، وأربع تعني أن خطأً غامضًا سيظل يلاحقها بقية الليلة، أما النجمة الواحدة فكانت قادرة على خصم يوم كامل من دخلها. لذلك تعلمت أن تقود كما لو أنها تمشي فوق زجاج رقيق: لا موسيقى إلا إذا طُلبت، لا أسئلة شخصية، ولا حديث يتجاوز الطقس والازدحام. كانت السيارة، بالنسبة إليها، مكانًا مؤقتًا لا يسمح للقلوب بأن تترك حقائبها فيه.

جاء سِنان في مساء بارد من أواخر كانون الثاني. خرج من مبنى المحكمة في ديربورن وهو يحمل ملفًا أزرق سميكًا ومظلة لم يفتحها رغم الثلج الخفيف. تأكد من رقم السيارة، ألقى التحية بالعربية، ثم جلس في المقعد الخلفي من الجهة المقابلة للسائقة، كأنه يعرف القاعدة غير المكتوبة التي تجعل المرأة العاملة ليلًا أقل توترًا. أعطاها العنوان بصوت هادئ، ووضع الملف إلى جواره. لم يطلب رفع التدفئة، ولم يجرّب فتح حديث طويل، ولم يحدق في المرآة.

بعد دقائق، انزلقت من المقعد المجاور لمُزن لفافة أوراق مربوطة بشريط أسود. التقطتها عند الإشارة الحمراء وأعادتها إلى مكانها، لكن طرف مخطط معماري ظهر منها.

قال سِنان من الخلف:

— هل هذه رسوماتكِ؟

ترددت قبل أن تجيب. كان سؤالًا بسيطًا، لكنه مسّ جزءًا من حياتها اعتادت إخفاءه عن الركاب.

— كانت رسوماتي. الآن هي أوراق أدرس منها.

— للترخيص؟

نظرت إليه في المرآة للمرة الأولى. لم يكن فضوليًا بقدر ما بدا عارفًا.

— نعم. شهادتي من بلدي لا تكفي هنا.

هز رأسه، ثم قال:

— أعرف هذا الممر الطويل. أنا مترجم في المحكمة، وأكثر الجمل التي أكررها للناس هي أن ما كانوا عليه قبل السفر ما زال حقيقيًا، حتى لو احتاج النظام وقتًا كي يصدقه.

لم تعرف بماذا تجيب. اكتفت بابتسامة صغيرة لم يرها كاملة، ثم أعادت عينيها إلى الطريق.

حين وصلا، شكرها ونزل. بعد أقل من دقيقة ظهر التقييم: خمس نجوم، وتعليق من كلمتين: «قيادة مطمئنة». لم يكن التعليق استثنائيًا، لكن كلمة «مطمئنة» بقيت معها. اعتاد الركاب أن يكتبوا «سريعة» أو «نظيفة» أو «محترفة». أما الطمأنينة فكانت صفة تخص البيوت والأشخاص، لا السيارات المستأجرة بالدقائق.

لم تفكر فيه مجددًا حتى ظهر اسمه في طلب رحلة بعد عشرة أيام. كانت تعمل مع شركة نقل محلية صغيرة تتيح للزبون طلب السائق نفسه إذا وافق الطرفان، وقد أرسل عبر النظام طلبًا مسبقًا من المحكمة إلى حي قديم قرب وورن. قبلت الرحلة لأنها وافقت وقت انتهاء دوامها تقريبًا، وأقنعت نفسها بأن الأمر حساب دخل لا أكثر.

هذه المرة كان يحمل حقيبة قماشية بدل الملف. جلس في الخلف أيضًا، وسألها إن كانت قد تقدمت إلى امتحان الترخيص. أخبرته أنها ما زالت تؤجل؛ رسومه مرتفعة، ومواد الدراسة كثيرة، وابنتها تحتاج إليها في عطلة نهاية الأسبوع. لم يقل الجملة التي يكرهها المجتهدون المتعبون: «إذا أردتِ حقًا فستجدين الوقت». قال بدلًا منها:

— التأجيل ليس دائمًا خوفًا. أحيانًا يكون طريقةً لترتيب النجاة.

أزعجتها دقة العبارة لأنها أصابت مكانًا لم تسمّه من قبل. غيرت الموضوع وسألته عن عمله. أخبرها أن الترجمة في المحكمة ليست نقل كلمات فقط؛ أحيانًا يتعين عليه أن يحمل ارتباك شخص من لغة إلى أخرى من دون أن يسقط منه شيء. ضحكت وقالت إن السائق يفعل الأمر نفسه مع المدن: يأخذ إنسانًا من عنوان إلى آخر، وعليه ألا يضيّع قلقه في الطريق.

صار يطلبها مرتين أو ثلاثًا في الشهر. لم تكن الرحلات منتظمة بما يكفي لتسمى عادة، لكنها أصبحت مألوفة. كان يجلس في الخلف، ويسأل عن الدراسة مرة واحدة ثم يترك لها حرية الكلام. إذا بدت متعبة، صمت. وإذا بدأت حديثًا، أصغى من دون أن يحوّل تجربتها إلى مناسبة لعرض حكمته. ذات ليلة، رن هاتفها باسم مدرسة ابنتها، فاعتذرت وأجابت. كان الأمر متعلقًا بواجب ناقص، لكن نبرة مُزن تغيرت. بعد المكالمة لم يسأل سِنان عن التفاصيل. قال فقط:

— يمكننا التوقف إذا احتجتِ إلى الاتصال بها مرة أخرى.

أدركت عندها أن احترامه لم يكن مجموعة حركات مهذبة، بل انتباهًا لا يطالب بمكافأة.

في منتصف شباط، ضربت المدينة عاصفة ثلجية أسرع من توقعات الأرصاد. كانت مُزن في طريقها لإيصاله عندما بدأت السيارات أمامهما تنحرف ببطء عند المنعطفات. قررت إنهاء الرحلة في محطة وقود مضاءة بدل المجازفة بدخول الطريق السريع. وافق سِنان فورًا، واتصل بأخيه ليأتي إليه. ثم رأى أنها تحاول قبول طلب رحلة جديد.

قال:

— الطريق يزداد سوءًا.

— أعرف، لكنني لم أصل إلى هدفي اليومي.

— والهدف لن يدفع ثمن السيارة إذا اصطدمتِ.

ضايقها أن يبدو كلامه قريبًا من الأمر. ردت بحدة:

— أنا أعرف عملي.

لم يدافع عن نفسه، ولم يكرر النصيحة. قال: «معكِ حق»، واشترى قهوة من الداخل، ثم جلس بعيدًا عنها ينتظر أخاه. بعد عشر دقائق ألغت مُزن الطلب الجديد من تلقاء نفسها. كان الثلج يغطي الزجاج بسرعة، والسيارات في الخارج تزحف كحيوانات مذعورة. لمّحت سِنان قرب الباب، فشعرت بالخجل من حدتها.

اقتربت منه وقالت:

— أنا آسفة. حين يتحدث أحد عن عملي كأنه خطر يمكن تركه، أتذكر أشخاصًا ظنوا أن الحل هو أن أعود إلى البيت وأتنازل عن كل شيء.

قال بهدوء:

— لم أقصد أن أقرر عنكِ. خفت عليكِ، وصغت خوفي بطريقة سيئة.

كانت تلك أول مرة تسمع رجلًا يعتذر من دون أن يضع بعد الاعتذار كلمة «لكن». جلسا في ركن المحطة حتى وصل أخوه، وتحدثا عن أشياء صغيرة: القهوة السيئة، المدارس التي تغلق متأخرة، ونبات الريحان الذي مات في شرفة سِنان لأنه نسيه قرب المدفأة. عندما غادر، لم يطلب منها وعدًا بأن تعود إلى البيت. قال: «أتمنى أن تختاري الطريق الآمن»، وترك القرار لها.

بعد أسبوعين، اتصل بها عبر مكتب الشركة لا عبر رقمها الشخصي. كان والده قد خضع لعملية في الورك ويحتاج إلى الذهاب للعلاج الطبيعي مرتين أسبوعيًا. لم يكن يتقن الإنجليزية، ويتوتر مع السائقين الذين لا يفهمون لهجته. سأل إن كانت تستطيع تولي الرحلات رسميًا من خلال الشركة، وإن كان الأمر يسبب لها أي حرج فسيبحث عن حل آخر.

وافقت بعد أن راجعت الجدول. لم يكن القرار متعلقًا بسِنان وحده؛ الرحلات النهارية ثابتة الأجر، وهذا أفضل من انتظار الطلبات المتقطعة. لكنها عرفت منذ الرحلة الأولى أن الأمر لن يبقى حسابًا باردًا. كان الأب رجلًا كثير الحكايات، يضع عكازه بين ركبتيه ويتحدث عن بساتين ديالى، وعن زوجته الراحلة التي كانت تضع الملح في الشاي إذا كانت غاضبة. لم يذكر ابنه بطريقة مباشرة، لكنه كان يترك جملًا صغيرة كقطع نقد على الطريق.

قال ذات صباح:

— سِنان يظن أن الصمت يحمي الناس. أحيانًا يحميهم من الفهم أيضًا.

ضحكت مُزن، وسألته إن كان يريد تشغيل الراديو، فأجاب أنه يفضل سماع صوت الإشارة حين تنتقل من لون إلى آخر، كأن الضوء يصدر صوتًا لا يسمعه إلا المسنون.

في أيام العلاج، كان سِنان يرسل عبر التطبيق تعليمات مقتضبة: «الطابق الثاني»، «يحتاج إلى خمس دقائق إضافية»، «لا تجعليه يحمل الحقيبة». لم يتجاوز حدود العمل. ومع ذلك، بدأت مُزن تنتظر تلك الرسائل أكثر مما ينبغي. لم تكن تحمل غزلًا، لكن خلفها شخص يتذكر التفاصيل، وهذا النوع من الاهتمام أخطر من الكلمات الكبيرة؛ يمكن الاعتياد عليه قبل أن يسميه أحد.

أحيانًا كان يأتي لاستقبال والده عند العودة. يقف على الرصيف بمعطفه الداكن، يفتح الباب للأب، ثم يسأل مُزن عن يومها. مرة وجدها تراجع بطاقات الامتحان أثناء انتظار موعد العلاج، فطلب أن يرى سؤالًا. ناولته البطاقة، فقرأ مصطلحًا هندسيًا طويلًا بلفظ مضحك. صححته، وأعاد المحاولة، ثم قال:

— لا أفهم منه شيئًا، لكنني أستطيع أن أختبركِ إذا أردتِ.

صارا يفعلان ذلك عشر دقائق كل أسبوع. لم يشرح لها المادة، ولم يتظاهر بأنه شريك في إنجازها؛ كان يقرأ السؤال، ينتظر جوابها، ويضع علامة صغيرة بالقلم على البطاقة التي أخطأت فيها. وبعد شهر، حين قدم لها رزمة البطاقات، اكتشفت أنه كتب على آخر واحدة: «هذه ليست مساعدة، هذه شهادة شاهد بأنكِ لم تتوقفي».

احتفظت بالبطاقة في جيب محفظتها، ثم غضبت من نفسها لأنها فعلت.

لم تكن مُزن تخاف الحب بقدر ما تخاف الثمن الذي يأتي بعده. زواجها السابق بدأ بعبارات عن الدعم، ثم تحول ببطء إلى دفتر محاسبة. كل ساعة يمنحها زوجها السابق للدراسة كانت تُذكر لاحقًا كفضل، وكل مبلغ يدفعه للبيت يصبح حجة يحدد بها ما يحق لها أن تريد. حين انتهى الزواج، لم تخسر الرجل فقط؛ خسرت ثقتها بأي يد تمتد نحو حلمها. كانت تسأل نفسها دائمًا: ماذا سيطلب صاحب هذه اليد عندما يحين موعد السداد؟

لهذا، عندما انتهت جلسات علاج والد سِنان، شعرت براحة وحزن في الوقت نفسه. انتهى العقد، وعادت العلاقة إلى حدودها الأصلية: راكب وسائقة قد تجمعهما رحلة وقد لا تجمعهما. في آخر يوم، نزل الأب ببطء، وربت على سقف السيارة، وقال لها:

— بعض الطرق تنتهي لأن الناس وصلوا، وبعضها تنتهي لأنهم خافوا من معرفة المكان.

لم تسأله ماذا يقصد. كانت تعرف أن المسنين أحيانًا يتعمدون الغموض كي يعيش كلامهم أطول.

بقي سِنان عند السيارة بعد دخول والده. وقف قرب الباب الخلفي، ووضع يديه في جيبي معطفه.

قال:

— أريد أن أسألكِ شيئًا خارج العمل، ويمكنكِ أن تقولي لا من دون أن يتغير أي شيء.

شدت مُزن أصابعها حول المقود.

— اسأل.

— هل تقبلين أن نشرب قهوة، لا لأن هناك عاصفة، ولا لأن أبي يحتاج إلى رحلة؟

كانت الجملة هادئة إلى درجة أنها لم تمنحها شيئًا تقاومه. لا ضغط، لا استعطاف، ولا ادعاء أن بينهما قصة مكتملة. ومع ذلك، شعرت بالأبواب القديمة في داخلها تغلق دفعة واحدة.

قالت:

— لا أستطيع.

ظهرت خيبة سريعة في عينيه، لكنه أومأ.

— مفهوم. شكرًا لأنكِ أجبتِ بوضوح.

ابتعد عن السيارة، ثم عاد خطوة واحدة وقال:

— لن أطلبكِ للرحلات بعد الآن، حتى لا تشعري أن عملكِ يضعكِ في موقف محرج.

أرادت أن تقول إن هذا غير ضروري، لكنها فهمت أنه يمنحها مساحة حقيقية، لا مساحة مشروطة بعودتها إليه. شاهدته يدخل المبنى، وشعرت أن احترامه لرفضها آلمها أكثر مما كان سيؤلمها إلحاحه.

مرّت الأسابيع. لم يظهر اسمه على الشاشة. امتلأت السيارة بركاب آخرين: أم تحمل أكياس بقالة، طالب يتحدث طوال الطريق، امرأة تبكي بصمت، ورجل يلومها على شارع أغلقته البلدية. عادت النجوم والتقييمات إلى مركز أيامها، لكن المقعد الخلفي صار يحتفظ بفراغ محدد لا يملؤه أحد.

ركزت على الامتحان. كانت تدرس بعد نوم ابنتها، تضع المنشفة تحت باب الغرفة كي لا يتسرب الضوء، وتراجع قوانين البناء حتى تختلط الأرقام بأحلامها. في الليالي الصعبة كانت تخرج البطاقة الأخيرة من المحفظة، تقرأ عبارة سِنان، ثم تعيدها سريعًا كأنها ضُبطت متلبسة بالاحتياج.

رسبت في المحاولة الأولى بفارق درجتين.

جلست في موقف السيارات بعد ظهور النتيجة، وأغلقت الهاتف. لم تتصل بأحد. كان أول صوت في رأسها صوت زوجها السابق: «كنت أعرف أن هذا ليس لكِ». ثم جاء صوت آخر أكثر هدوءًا، ليس صوت سِنان تمامًا بل أثر طريقته في الكلام: الرسوب نتيجة، لا تعريف.

بكت دقائق، مسحت وجهها، ودخلت إلى الموقع لتحجز موعدًا جديدًا. لم تكن شجاعة على نحو بطولي؛ كانت غاضبة فقط من فكرة أن درجتين تستطيعان تقرير شكل حياتها.

في المحاولة الثانية، نجحت.

وصل البريد الإلكتروني صباح الثلاثاء بينما كانت تنتظر راكبًا أمام متجر للأثاث. قرأت كلمة «ناجحة» ثلاث مرات، ثم أطلقت ضحكة أفزعت رجلًا كان يعبر قرب السيارة. اتصلت بابنتها أولًا، ثم بأمها، ثم أرسلت صورة النتيجة إلى صديقتها. ظل اسم سِنان في الهاتف، محفوظًا منذ تنسيق رحلات والده، لكنه لم يكن ضمن الأشخاص الذين يحق لها أن تشاركهم الخبر بعد أن رفضت اقترابه.

في المساء، أخرجت البطاقة من المحفظة. نظرت إلى الجملة المكتوبة، وفهمت فجأة أن خوفها لم يكن من سِنان نفسه، بل من النسخة القديمة منها؛ المرأة التي كانت تقبل المساعدة ثم تسمح للآخر أن يحولها إلى قيد. لكنها لم تعد تلك المرأة تمامًا. لقد تعلمت أن تقول لا، ورأته يحترمها. وربما كانت الحرية لا تعني أن ترفض كل يد، بل أن تعرف أنها تستطيع سحب يدها متى شاءت.

كتبت له رسالة، حذفتها، ثم كتبت أخرى:

«نجحت في الامتحان. وأدين لك باعتراف واحد فقط: كنت شاهدًا جيدًا. إذا كان عرض القهوة ما يزال قائمًا، فأنا هذه المرة من تدعوك».

ظل المؤشر يظهر ويختفي دقيقة كاملة قبل أن يأتي الرد:

«مبروك. العرض قائم، والدعوة مقبولة. اختاري المكان والوقت».

التقيا في مقهى صغير قرب المكتبة العامة. وصل سِنان قبلها، لكنه لم يطلب لها شيئًا. قال إنه لم يعرف إن كانت لا تزال تشرب القهوة بلا سكر، وإن افتراض التفاصيل بعد الغياب قد يكون نوعًا صغيرًا من الغرور. ضحكت، وشعرت أن توترها ينخفض.

تحدثا ساعتين. أخبرته عن زواجها السابق من دون أن تحوله إلى محاكمة، وعن الخوف الذي يجعل اللطف يبدو كمقدمة لدين. قال إنه فهم سبب رفضها، وإنه لم يكن يريد أن يصبح مكافأة تنتظرها بعد النجاح، ولا منقذًا يدخل حياتها من باب حاجتها.

قالت:

— لهذا اتصلت بك الآن. أردت أن أصل إليك وأنا واقفة على قدمي، لا لأنني أظن أن الحب يجب أن يجدنا ضعفاء، بل لأنني كنت بحاجة إلى التأكد أنني لا أخلط الامتنان بالرغبة.

سألها:

— وهل تأكدتِ؟

نظرت إليه طويلًا.

— تأكدت أنني أريد أن أعرفك عندما لا تكون هناك أجرة ولا موعد علاج ولا طريق مغلق.

لم يمد يده فوق الطاولة، ولم يحاول تحويل اللحظة إلى مشهد أكبر منها. ابتسم وقال:

— هذا يكفيني كبداية.

حين خرجا، كان الثلج القديم يذوب عند حواف الأرصفة، والهواء يحمل رائحة مطر قريب. عرض أن يطلب سيارة، فأشارت مُزن إلى سيارتها في الجهة الأخرى من الشارع. مشيا إليها، وتوقف سِنان تلقائيًا عند الباب الخلفي، المكان الذي حفظ حدوده منذ الرحلة الأولى.

فتحت مُزن الأبواب، ثم أشارت إلى المقعد الأمامي.

قالت:

— هذه المرة لا يوجد راكب وسائقة.

تردد لحظة، كأنه يمنحها فرصة للتراجع، ثم جلس إلى جوارها. وضعت الهاتف في الحامل، لكنها لم تفتح تطبيق العمل. لم يكن هناك عنوان مطلوب، ولا مؤقت يحسب الدقائق، ولا نجوم تنتظر في نهاية الطريق.

أدارت المحرك وسألته:

— إلى أين؟

نظر إلى الشارع المبتل أمامهما، ثم إليها.

— اختاري أنتِ طريقًا لم تسلكيه من قبل.

انطلقت ببطء، لا لأنها تخشى التقييم، بل لأنها لم تعد تريد الوصول سريعًا. وفي المرآة بدا المقعد الخلفي خاليًا تمامًا؛ للمرة الأولى لم يبدُ فراغه خسارة، بل دليلًا على أن شيئًا ما غادر مكانه الصحيح ليجلس، بإرادتهما، في مكان أقرب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*