منسوب الضوء

منسوب الضوء
عند الثالثة وأربع عشرة دقيقة من بعد ظهر الثلاثاء، وضعت غيداء مرسال جهاز قياس الإضاءة على المقعد السابع من الصف الأخير، فظهر على شاشته رقم لم يكن ينبغي أن يظهر في مبنى مغلق منذ أحد عشر عامًا. رفعت رأسها فرأت شريطًا رفيعًا من الشمس يتسلل عبر ثقب في الستارة الحديدية، يعبر الغبار المعلّق، ثم يستقر فوق أرضية سينما «الروابي» كأن أحدًا فتح للنهار طريقًا لا يعرفه سواهما. قال صوت من أعلى السلم الخشبي: «لا تسجلي هذه القراءة.» كان الرجل واقفًا عند شرفة العرض، يحمل لوحًا زجاجيًا مكسور الحافة. لم تعرف غيداء متى دخل، ولا كيف صعد من دون أن تسمع وقع قدميه. أجابته وهي تعيد الجهاز إلى موضعه: «أسجل ما يقيسه الجهاز، لا ما يناسب التقرير.» نزل نائل السجواني آخر درجتين، ووضع الزجاج على المقعد المجاور. كان مشرف الصيانة الذي كلّفته بلدية مرسى الغدير بمرافقتها خلال دراسة تحويل السينما القديمة إلى مكتبة عامة وأرشيف للصور. في ملفه الوظيفي سطران فقط: فني كهرباء، واحد وأربعون عامًا. لكن يديه كانتا تحملان آثار مهن أكثر؛ خدوش نجار، وسواد أسلاك، وبقع طلاء لم تغادر أظافره. قال: «الثقب لم يكن موجودًا صباحًا. فتحته حين نزعت اللوح من غرفة العرض، ولذلك فالضوء طارئ.» كتبت غيداء في دفترها: مصدر مؤقت، ثم سألت: «ولماذا نزعته؟» «لأن خلفه نافذة.» صعدت وراءه إلى غرفة ضيقة تفوح منها رائحة الحديد والزيت القديم. كان جهاز العرض مغطى بقماش رمادي، وعلى الجدار المقابل مستطيل من الزجاج الأزرق طُلي بالسواد من الداخل. أزال نائل الطلاء عن زاوية صغيرة، فانسكب شعاع بارد على وجهه. شرح أن الغرفة كانت تضم ثلاث نوافذ قبل أن يحجبها صاحب السينما في التسعينيات كي لا يتسرب الضوء إلى الشاشة. أما مخطط البلدية الجديد فكان يقضي بإبقاء الجدران مغلقة وتركيب مصابيح قوية فوق قاعة القراءة. لم يعترض أحد؛ فالمهندس السابق افترض أن المبنى بلا فتحات أصلية. قال نائل: «إذا عادت النوافذ، لن تبقى القاعة صندوقًا.» أجابته غيداء: «وإذا عادت بلا حساب، ستصير الكتب قربها صفراء خلال عامين. أنا هنا لأحدد مقدار الضوء، لا لأفتح كل ما تجده خلف الطلاء.» بدت خيبته شخصية، مع أنها لم تكن تعرفه منذ عشر دقائق. أعطاها مفتاح الغرفة وقال إن الدرج الغربي غير آمن، ثم ابتعد ليصلح قاطعًا في المدخل. بدأت مهمتهما بتعارض بسيط: هو يريد للضوء أن يدخل، وهي تريد أن تعرف ما الذي سيفعله حين يدخل. كان أمام غيداء اثنا عشر يومًا لتسليم الدراسة. عقدها مع مكتب هندسي في العاصمة ينتهي بعد ستة أشهر، وهذه أول مهمة تتولاها وحدها منذ انضمامها إليه. لم تكن السينما مشروعًا ضخمًا، لكن نجاحه قد يثبت أن تخصصها في الإضاءة الوقائية ليس ترفًا يمكن حذفه من الميزانية. لذلك حضرت في اليوم التالي بأجهزة إضافية، وثبتت حساسات في خمسة مواضع، وطلبت من نائل ألا يغيّر شيئًا قبل انتهاء القياس. امتثل حتى الظهر. ثم وجدته يزيل غطاء نافذة ثانية. قالت بحدة: «اتفقنا.» أشار إلى سحابة كبيرة خلف الزجاج. «السماء ملبدة. أردت أن نعرف الفرق.» «أنا التي أحدد شروط الاختبار.» «وأنا الذي أعرف أن المطر يبدأ هنا من الغرب، وأنك إذا انتظرت جدول العاصمة ستخسرين يومين.» كادت تطلب من البلدية استبداله، لكنها نظرت إلى الحساسات فرأت أن كلامه صحيح؛ كانت الغيوم تمنحها فرصة نادرة لمقارنة القراءات في الوقت نفسه. نزعا الطلاء عن نصف النافذة فقط، وقاسا الضوء كل عشر دقائق. لم يعتذر نائل عن مخالفته، ولم تشكره غيداء على ملاحظته. في نهاية اليوم، أعطاها جدولًا كتبه بخط دقيق يبين اتجاه الغيوم وساعات اشتدادها، فوجدت فيه ما لم تسجله محطة الطقس البعيدة عن الساحل. خلال الأيام التالية، صار خلافهما أكثر تنظيمًا. يضع نائل شريطًا أحمر على كل شيء يريد تحريكه، فتفحصه غيداء قبل أن يسمح لنفسه بلمسه. وترسم هي بقلم طباشيري مواقع الحساسات، فيبني حولها حواجز صغيرة حتى لا يسقط عليها العمال. اكتشفت أنه لا يدافع عن كل أثر قديم؛ وافق على إزالة المقاعد المتآكلة، وعلى تحويل غرفة التذاكر إلى منحدر للكراسي المتحركة، بل اقترح توسيع الباب الجنوبي ولو أدى ذلك إلى خسارة زخرفة كان أبوه قد صنعها. سألته: «ظننت أنك تريد تجميد المكان كما كان.» قال: «لو أردته كما كان لتركت بابه مغلقًا. أريد أن يبقى منه ما يمكن أن يعمل.» في الخامسة من كل يوم كان يغسل يديه، يبدل قميصه في غرفة الحارس، ويغادر مهما بقي من عمل. اعتقدت غيداء أولًا أن لديه وظيفة أخرى، ثم رأته ذات مساء في متجر صغير قرب الميناء، يشتري حفاضات للكبار ودواءً للذاكرة. لم تسأله، لكنه لمحها عند الصندوق وقال ببساطة إن أباه، عارف، يعيش معه منذ بدأ ينسى طريق البيت قبل عامين. قالت: «لهذا تغادر في الخامسة.» «تأتي جارتي قبل الظهر، ولا أستطيع أن أطلب منها البقاء أكثر.» ثم سألها إن كانت تقيم في الفندق المطل على المحطة. وحين قالت نعم، أخبرها أن مطعمه يبالغ في سعر العشاء، ودلها على فرن شعبي يبيع فطائر جيدة. لم يعرض أن يرافقها، ولم يحول اعترافه إلى طلب تعاطف. أعجبها ذلك أكثر مما أرادت. كانت غيداء في الثامنة والثلاثين، مطلقة منذ خمس سنوات، ولها ابنة اسمها سلمى تقيم معها في العاصمة. في الأسبوع الأول للمهمة بقيت سلمى عند خالتها لتستعد لامتحانات المدرسة. اتصلت بها كل ليلة في السابعة. وفي مساء الخميس، تعطلت سماعة هاتف غيداء، فاضطرت إلى تشغيل المكالمة بصوت مرتفع وهي تجمع الأجهزة. سمع نائل سلمى تحتج لأن أمها نسيت شراء ورق خاص بمشروع العلوم. بعد انتهاء المكالمة، سأل: «هل تحتاجينه من هنا؟» رفضت بسرعة. لم تكن تحب أن يدخل الرجال إلى حياتها من باب الخدمات الصغيرة؛ خبرتها مع طليقها علمتها أن المعروف قد يتحول لاحقًا إلى سجل ديون. في الصباح وجدت على مكتبها اسم متجر في مرسى الغدير ورقم الصنف المطلوب، لا الورق نفسه. قال نائل إن المتجر يوصل الطلبات إلى العاصمة بالحافلة المسائية، ثم عاد إلى عمله. طلبت الورق ودفعته بنفسها. حين أخبرت سلمى، سألتها ابنتها: «من الذي عرف المتجر؟» قالت غيداء: «مشرف الصيانة.» ضحكت سلمى. «تقولينها كأنه عمود إنارة.» لم تجبها، لكن الاسم صار بعد تلك الليلة أقل شبهًا ببند في ملف. في اليوم السابع، فتحا النوافذ الثلاث كاملة للمرة الأولى. كانت الشمس منخفضة، والبحر يعكس ضوءًا أبيض إلى سقف القاعة. وقف نائل على سلم متحرك يثبت مرشحًا تجريبيًا، بينما تابعت غيداء الأرقام من الأسفل. طلبت منه أن يميل اللوح درجتين إلى اليمين. فعل، فانخفضت القراءة قرب الجدار وبقي الممر مضاءً. أعادا التجربة مرات حتى امتد الضوء على الأرض من دون أن يصيب الرفوف المقترحة. عندما نجحت الزاوية، ابتسم نائل ابتسامة كاملة لم ترها من قبل. لم يقل: أخبرتك، بل نظر إلى الشريط المضيء كطفل أعاد تشغيل لعبة قديمة. شعرت غيداء برغبة مفاجئة في أن تكون هي السبب في تكرار تلك الابتسامة، فأزعجها وضوح الفكرة. جلسا فوق حافة المنصة يأكلان حبتين من اليوسفي أحضرهما من حديقة جارته. كان ضوء الغروب يمر عبر المرشحات الزرقاء، فيرسم على الأرض ثلاث مساحات بلون الماء. قال نائل: «أبي لا يتذكر اسمي بعض الصباحات، لكنه يتذكر هذه القاعة.» عرفت منه أن عارف كان يصمم الملصقات اليدوية للسينما. بعد إغلاقها، احتفظ بمفتاحها، وكان يأتي مرة كل شهر لتهوية المقاعد وتشغيل جهاز العرض بلا فيلم. حين اشتد مرضه، أعاد نائل المفتاح إلى البلدية وطلب وظيفة الصيانة كي يبقى قريبًا منه ومن المكان. سألته غيداء: «هل تريد المكتبة من أجله؟» هز رأسه. «لن يعرفها بعد الترميم. وربما لا يستطيع دخولها يوم الافتتاح. أريدها لأنني تعبت من حراسة شيء لا يستخدمه أحد.» ثم سألها لماذا اختارت تخصصًا يقيس ما لا يستطيع الناس الإمساك به. قالت إنها في طفولتها كانت تغير مكان دراستها طوال النهار هربًا من وهج نافذة بيتهم. ضحك، فحكت له عن أمها التي ظنتها كثيرة الحركة، وعن أول مرة رأت فيها مهندسًا يوجه الضوء بسطح معدني صغير. لم تذكر طلاقها ولا خوفها من انتهاء عقدها، لكنه لم يضغط على الأبواب المغلقة. حين نهضا، قال: «أحب الطريقة التي تنظرين بها إلى المكان قبل أن تقرري ماذا ينقصه.» لم تعرف هل كانت الجملة عن عملها وحده. حملت الجهاز وقالت: «وأنا أحب أنك تعلمت وضع الشريط الأحمر.» بدت إجابتها هزيلة، لكنه ضحك، وبقي دفء ضحكته معها حتى الفندق. في صباح اليوم التالي وصل وفد البلدية مبكرًا. عرضت غيداء تصورها: فتح النوافذ الأصلية، تركيب مرشحات قابلة للتعديل، توزيع الرفوف خارج مسار الشمس، واستخدام مصابيح أقل كلفة. كان الحل أغلى من إغلاق النوافذ في مرحلة التنفيذ، لكنه يوفر الكهرباء ويحمي الكتب على المدى البعيد. قاطعها مدير المشروع قائلًا إن منحة الترميم لا تغطي المرشحات المصنوعة حسب الطلب. ثم طلب منها إعداد خيار أرخص خلال يومين، وإلا سيعودون إلى المخطط الأول. توقع نائل أن تجادل، لكنها قالت إنها ستراجع الحسابات. بعد خروجهم، وجدته يجمع أدواته بعنف. قال: «سيغلقونها ثانية، وهذه المرة سيكتبون فوق الإغلاق كلمة مكتبة.» أجابته: «الغضب لا يخفض سعر الزجاج.» «وتقريرك المتزن لن يصنع المال.» أغلق حقيبته وغادر قبل الخامسة. جرحتها كلماته لأنها لامست خوفها الحقيقي: أن تقدم دراسة صحيحة يعرف الجميع أنها لن تنفذ. وفي المساء أرسل إليها مدير المكتب رسالة يذكرها بأن المطلوب تسليم التقرير في موعده، لا إنقاذ مشروع البلدية من ميزانيته. ظلت في السينما وحدها حتى انطفأت المساحات الزرقاء عن الأرض. ثم لاحظت أن المرشح التجريبي مثبت داخل إطار قديم صنعه نائل من زجاج غرفة العرض، لا من القطعة الجديدة التي طلبتها. قاست نفاذ الضوء، فوجدت الفرق محدودًا. اتصلت به، لا لتصالحه، بل لتسأله عن كمية الزجاج القابل للاستعادة. أجاب بعد صمت أن المخزن الخلفي يحتوي على اثني عشر لوحًا، لكن تنظيفها وقصها يحتاجان إلى عمل يدوي طويل. قالت: «إذا صلحت ثمانية ألواح، تنخفض الكلفة إلى النصف.» «ومن يضمن صلاحيتها؟» «أنا، بعد الاختبار. ومن يقصها؟» قال: «أنا، إذا اعتذرت عن جملة الغضب.» لم تفهم أولًا، ثم أدركت أنه لا يطلب اعتذارها بل يقدم اعتذاره. قالت: «مقبول، بشرط ألا تجعلني أستخرج اعتذاراتك بالحساب كل مرة.» عاد بعد أن نام أبوه وتولت أخته المبيت معه. عملا حتى الواحدة صباحًا. كان نائل ينظف الألواح ويحدد الشقوق، بينما تقيس غيداء سماكتها ونفاذها. لم تكن الليلة رومانسية بالصورة السهلة؛ تفوح منها رائحة المذيب، وتؤلمهما القفازات، ويتشاجران حول صلاحية كل قطعة. لكنهما توصلا قبل الفجر إلى تسعة ألواح يمكن استخدامها. عند الباب، عرض أن يوصلها إلى الفندق. قالت إن المسافة قصيرة، ثم تراجعت وأضافت: «يمكنك أن تمشي معي، لا أن توصلني.» فهم الفرق. سار إلى جانبها من دون أن يأخذ حقيبتها. كانت الشوارع خالية إلا من عمال المخبز، والهواء يحمل رطوبة البحر. أخبرته أن عقدها قد لا يجدد، وأنها تتظاهر أمام سلمى بأن الأمر لا يقلقها. قال إنه تلقى عرضًا للعمل في مجمع سياحي على بعد مئتي كيلومتر، براتب يتيح له استئجار ممرضة لأبيه. توقفت تحت شجرة كافور. «هل ستذهب؟» «لم أقرر.» لم تسأله إن كانت هي سببًا يمكن أن يبقيه؛ لم يكن بينهما ما يسمح بهذا السؤال. لكنها شعرت بخسارة شيء لم يبدأ بعد. قال نائل: «أريد أن أراك بعد انتهاء المشروع.» كان تصريحًا مباشرًا، بلا استعارة من الضوء ولا حماية خلف المزاح. قالت: «وأنا أريد ذلك. لكنني لا أريد وعدًا يصنعه اثنان لأنهما عملا ليلًا في مكان جميل.» «إذن نلتقي نهارًا في مكان قبيح.» ضحكت. اتفقا على غداء يوم الجمعة في مطعم صغير قرب محطة الحافلات، حيث النوافذ البلاستيكية والإضاءة البيضاء التي لا ترحم وجهًا. لم يلمس يدها، ولم تحتج إلى اللمسة كي تعرف أن الطريق القصير إلى الفندق غيّر موضعًا داخليًا فيها. في ظهر الجمعة وصل نائل متأخرًا عشرين دقيقة، واتصل مرتين خلال الغداء للاطمئنان إلى أبيه. تكلمت غيداء عن سلمى أكثر مما قصدت، واعترفت بأنها رفضت ترقية سابقة لأنها كانت تتطلب سفرًا متكررًا. سألها إن كانت نادمة، فقالت إن القرارات التي تحمي من نحبهم قد تكون صحيحة ومؤلمة في الوقت نفسه. أخبرها أنه يخشى قبول الوظيفة الجديدة فيصبح الأب آمنًا مع ممرضة وغريبًا عن ابنه، ويخشى رفضها فيتحول اهتمامه به إلى غضب مكتوم. لم تقدم له حلًا. اقترحت أن يجرب الممرضة أسبوعين قبل أن يقرر، وأن يسأل أخته عما تستطيع تحمله فعلًا بدل افتراض أنه وحده المسؤول. قال: «كنت أتمنى جوابًا أقل عقلانية.» أجابت: «هذه عيّنتي المجانية. بقية الأجوبة بعقد.» حين افترقا، سألها إن كان الغداء القبيح قد أفسد ما حدث ليلًا. قالت إنه أصلحه. اكتمل النموذج البديل في الموعد. وافقت البلدية على استخدام الزجاج المستعاد، بشرط أن يتولى فريق الصيانة قصه وتركيبه داخل الإطارات الجديدة. قدم نائل جدولًا واقعيًا للعمل، وأضافت غيداء بند فحص كل ستة أشهر. لم ينتصر أحد على الآخر؛ دخل الضوء بمقدار يمكن للمكان أن يحتمله. في آخر يوم، أعادت غيداء الأجهزة إلى صناديقها. كان يفترض أن تغادر بحافلة السادسة، لكن عاصفة بحرية ضربت البلدة عند العصر. تسرب الماء من فتحة في سقف غرفة العرض، وبدأ يقترب من الألواح المنظفة. لم يكن نائل قد وصل؛ كان في المستشفى بعد أن سقط أبوه في الحمام وأصيب بجرح احتاج إلى خياطة. اتصل بها وطلب منها أن تترك المكان، فقد أرسل عاملين. لكنها نظرت إلى الماء ثم إلى الزجاج الذي عملا عليه، وقررت نقله إلى القاعة المرتفعة. حين وصل العاملان، كانت قد حملت ثلاثة ألواح وحدها. أوقفاها، وصنعا سلسلة قصيرة لنقل البقية. لم تبق لتثبت إخلاصها لنائل، بل لأنها وقعت على سلامة المواد وأصبحت مسؤولة عنها. وصل نائل بعد ساعة، مبتلًا ومرهقًا. كان أبوه قد عاد إلى البيت مع أخته. وجد الألواح مصفوفة فوق المنصة، والماء محصورًا تحت أغطية زرقاء. اقترب من غيداء، ثم توقف كأنه يسأل بعينيه. هي التي مدت يدها هذه المرة. أمسكها بهدوء، وبقيا لحظة وسط القاعة بينما البرق يضيء النوافذ الثلاث. قال: «فاتتك الحافلة.» «هناك واحدة في الصباح.» «وفاتنا العشاء الذي وعدتك به.» «لم تعد المطاعم القبيحة تحتاج إلى مواعيد رسمية.» جلسا مع العاملين يأكلون خبزًا وجبنًا فوق صناديق الأدوات. لم يكن المشهد الذي تخيلته غيداء لبداية حب، لكنه كان أول مشهد لم تحاول أن تقيس نهايته قبل أن تعيشه. عادت إلى العاصمة في اليوم التالي. خلال الأسابيع الثلاثة اللاحقة، لم يتحول نائل إلى صوت دائم في هاتفها. اتفقا على مكالمتين في الأسبوع كيلا يسرقا الوقت من سلمى وعارف، وزارها مرة فتعرف إلى ابنتها في معرض المدرسة، لا في البيت. انقطعت مكالمتهما إحداهن حين نسي عارف الموقد مشتعلًا، وألغت غيداء زيارة أخرى بسبب تسليم عاجل. بدا الحب أقل لمعانًا خارج السينما، لكنه صار أكثر صدقًا كلما نجا من يوم عادي. جرب نائل الاستعانة بممرضة نهارية، واكتشف أن أباه تقبلها بعد أيام. شاركته أخته نوبات المساء، فقبل وظيفة المجمع السياحي بشرط العمل أربعة أيام متتالية ثم العودة ثلاثة أيام. لم يطلب من غيداء الانتقال إلى مرسى الغدير، ولم تطلب منه رفض العرض. أما مكتبها فجدد عقدها سنة بعد اعتماد تصميم السينما نموذجًا لمبنيين آخرين. بعد خمسة أشهر افتتحت المكتبة. دخل عارف متكئًا على ذراع نائل، وتوقف تحت النوافذ التي لم يعد يتذكر أنها كانت مخفية. نظر إلى المساحات الزرقاء على الأرض وسأل: «متى يبدأ الفيلم؟» أجابه نائل: «بعد قليل.» لم تصحح له غيداء، ولم تنظر إليه بحزن. قادت سلمى إلى جهاز عرض صغير يعرض صور البلدة القديمة، ثم جلست قرب عارف تشرح له الصور كلما نسي ما رآه قبل دقيقة. عند الغروب خفتت الإضاءة الآلية وارتفع الضوء الطبيعي على الممر، كما حسبته غيداء في تقريرها. وجدها نائل عند المقعد السابع من الصف الأخير، وهو واحد من أربعة مقاعد احتفظت بها المكتبة للقراءة. وضع جهاز القياس القديم في يدها؛ كان قد أصلح غطاءه الذي انكسر ليلة العاصفة. قال: «كم صار المنسوب؟» نظرت إلى الشاشة، ثم إلى سلمى التي تضحك قرب الصور، وإلى عارف النائم بأمان، وإلى الرجل الذي لم يطلب منها أن تجعل حياتها أصغر كي تتسع له. قالت: «مناسب للبقاء.» جلس إلى جوارها، لا قريبًا بما يفرض شيئًا ولا بعيدًا بما ينكره. وبعد أن غادر الزوار، خرجا معًا إلى الساحة. كانت أمامهما مدينتان، وأب مريض، وابنة تكبر، ووظيفتان لا تتفقان دائمًا. لم يحولا الصعوبة إلى علامة على فشل الحب، ولم يسميا الحب حلًا لها. فتحا تقويميهما، حددا الزيارة التالية، ثم سارا نحو البحر ويداهما متشابكتان للمرة الأولى في ضوء النهار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9