حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
العمق المناسب
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
في الحصة الأولى، تعلّمت آسية أن الماء لا يهتم بما حققته خارجه.
كانت في السابعة والثلاثين، تدير فريقًا لمراجعة مطالبات التأمين، وتعرف كيف توقف اجتماعًا خرج عن موضوعه وكيف تعيد ملفًا ناقصًا من دون أن ترفع صوتها. لكن حين طلبت المدربة إيناس من المبتدئين أن يضعوا وجوههم في الماء ويطلقوا الهواء ببطء، رفعت آسية رأسها بعد ثانيتين، تسعل وتتمسك بحافة المسبح.
إلى جوارها، فعل تميم الشيء نفسه، لكنه حاول أن يحول سعاله إلى ضحكة.
قال: «على الأقل لم نشرب أكثر من اشتراكنا.»
لم تضحك. كانت منشغلة بمنع قلبها من إعلان حالة طوارئ بسبب ماء لا يتجاوز صدرها.
ضمت الدورة ثمانية بالغين، تتفاوت أعمارهم ومهاراتهم. بعضهم يستطيع عبور الحوض بحركات فوضوية، وبعضهم جاء لأنه لا يعرف كيف يطفو. أما آسية وتميم فوضعتهما إيناس في الممر الضحل، حيث تمتد الأرضية الزرقاء تحت القدمين بوضوح مطمئن.
كان التمرين التالي أن يمد كل متدرب ذراعيه فوق الماء بينما يسنده زميله من الكتفين. حين جاء دور آسية، وقف تميم خلفها وسأل قبل أن يلمسها:
«هل أضع يدي هنا؟»
أشار إلى أعلى ذراعيها، وانتظر حتى أومأت.
استلقت. دخل الماء أذنيها، فتحول صوت المسبح إلى ضجيج بعيد. أحست بيدي تميم ثابتتين، لا تدفعانها إلى الخلف ولا تتركانها فجأة كي تثبت لنفسها شيئًا. حين قالت إنها تريد الوقوف، أعادها فورًا.
في دوره، طلب منها أن تبقي كفًا تحت كتفه الأيسر لأن جسده يميل إلى ذلك الجانب. نفذت طلبه. بعد خمس ثوانٍ، شد بطنه وغاصت ساقاه، فوقف غاضبًا من الماء كأنه خالف اتفاقًا بينهما.
قالت آسية: «أنت تحاول رفع نفسك.»
«أليس هذا المطلوب؟»
«المطلوب أن تتركه يحملك.»
«لا أثق بشيء يدخل أنفي.»
ضحكت هذه المرة.
بعد الحصة، وجدته عند آلة تجفيف الشعر يحاول تشغيلها بقطعة نقدية لا تقبلها. كانت الآلة مجانية بزر صغير تحت الحافة. ضغطته له، فانطلق الهواء وصدم شعره المبلل إلى الخلف.
قال: «لن أخبر أحدًا أنك أنقذتني.»
أجابته: «أخبرهم أنني شرحت لك جهازًا. الإنقاذ يحتاج إلى زي خاص.»
كان تميم في الأربعين ويعمل مشرفًا على صيانة المصاعد في مجمعات سكنية. أخبرها بذلك وهما يرتديان معطفيهما قرب الخزائن. قالت إن عمله لا ينسجم مع خوفه من الماء، فأجاب أن المصعد، مهما تعطل، لا يدخل الرئتين. ثم سألها لماذا تتعلم الآن.
كادت تقول إنها تحب اكتساب مهارات جديدة. كانت إجابة أنيقة تشبه أجوبة المقابلات، لكنها نظرت إلى شعرها المبلل في المرآة وقالت الحقيقة: أمضت عمرها ترفض الرحلات التي تتضمن قوارب أو مسابح، وتدعي أن الشمس تتعبها. قبل شهر، دعتها زميلاتها إلى استراحة في منتجع، فجلست وحدها قرب الماء بينما سبح الجميع. عادت وهي غاضبة من الكذبة أكثر من خوفها.
قال تميم: «أنا أقول إن الكلور يسبب لي صداعًا.»
«هل يسببه؟»
«لا أعرف. لم أبقَ قربه بما يكفي.»
في الحصة الثانية، تذكرا كذبتيهما كلما ترددا. لم تصبح الحركة أسهل، لكنها صارت أقل عزلة. وفي الحصة الثالثة، استطاعت آسية أن تطفو سبع ثوانٍ بلا يد تحت كتفيها. عدها تميم بصوت مرتفع، ثم بالغ في الاحتفال حتى التفت إليهما الممر المجاور.
أما هو فظل يقاوم الماء في اللحظة التي تبتعد فيها يد المدربة. لم تسخر منه، ولم تقدم نصائح لم يطلبها. جلست على الحافة تنتظر محاولته التالية، وقدماها تحركان دوائر صغيرة.
بعد انتهاء الحصة، سألها إن كانت تشرب القهوة.
قالت: «ليس بملابس مبللة.»
«يمكننا أن نجف أولًا.»
«أقصد أنني لا أريد تحويل الدورة إلى موعد، ثم أضطر إلى تغيير توقيتي إذا لم ينجح.»
فكر قليلًا وقال: «ثماني حصص. بعد الثامنة أسألك من جديد.»
«وإذا نسيت؟»
«أنت تعملين في مراجعة المطالبات. سترسلين لي إشعارًا.»
كان يمكنها أن تنهي الحديث بابتسامة، لكنها مدت يدها. صافحها على الاتفاق.
مضت الأسابيع التالية وفق قاعدة لم يكتباها: داخل المسبح هما زميلان، وخارجه لا يختلقان سببًا للبقاء. يتحدثان في الدقائق بين الخزائن والباب، ثم يذهب كل منهما إلى سيارته. عرف أنها تكره الرسائل الصوتية، وعرفت أنه يحمل في حقيبته جوربًا إضافيًا لأنه ينسى إبعاد حذائه عن أرضية غرفة التبديل. حكى لها عن المصاعد التي تتوقف بسبب أشياء صغيرة، كحبة حصى تمنع الباب من الانغلاق. أخبرته عن ملفات ضخمة يفسدها مربع واحد لم يُعلّم.
لم يكن الحب قد بدأ بعد. لكن كليهما صار يصل قبل الموعد بعشر دقائق.
في الحصة الخامسة، نقلت إيناس آسية إلى الممر الأوسط. كان عمقه يزيد تدريجيًا، وفي آخره لا تستطيع قدماها بلوغ الأرض. سألتها إن كانت مستعدة، فنظرت إلى تميم. كان يثبت لوح الطفو بين ذراعيه في الممر الضحل، وعيناه على الماء.
قالت: «أريد المحاولة.»
عبرت نصف المسافة ثم عادت. في المرة الثانية وصلت إلى العلامة الحمراء على الحافة. خرجت تضحك من شدة التوتر، فصفق لها أفراد مجموعتها. صفق تميم أيضًا، لكنه فعل ذلك متأخرًا، بعد أن رأى الآخرين.
في غرفة الانتظار، كان أكثر صمتًا من المعتاد. سألته إن كان متعبًا، فقال إن يومه طويل. صدقته حتى الحصة التالية، حين اقترحت إيناس أن يعيد تجربة الطفو من دون مساعدة، فاعتذر بسبب شد في كتفه لم يذكره قبل دقائق.
بعد الدرس، وضع حقيبته على المقعد بعنف.
قالت آسية: «هل يؤلمك كتفك فعلًا؟»
«قليلًا.»
«أم أنك لا تريد أن تحاول وأنا أشاهد؟»
رفع سحاب الحقيبة، ثم أعاد فتحه لأن المنشفة بقيت خارجها. قال إن الأمر ليس مسابقة.
«أنا لم أقل إنه مسابقة.»
«من السهل أن تقولي ذلك بعد أن نقلوك إلى الممر الثاني.»
استندت إلى الخزانة. لم يؤلمها أنه غار؛ آلمها أنه أراد منها أن تنكر ما رأته كي تحميه من تسميته.
قالت: «كنت أتمنى أن تفرح لي.»
«فرحت.»
«ثم انسحبت من تمرينك.»
أجاب بأن التقدم ليس متساويًا، وأنها ربما كانت أقل خوفًا منذ البداية. ذكّرها بأنها طفت قبله، وضبطت تنفسها أسرع، ولم تحتج إلى تكرار بعض التمارين. كانت كل جملة صحيحة وحدها، لكنها حين اجتمعت صنعت لائحة يتهم بها نفسه ويطلب منها الدفاع عنه.
قالت: «كنت تعرف أننا لسنا بالسرعة نفسها عندما اتفقنا على القهوة.»
«لم نتفق على القهوة. اتفقنا أن أسألك.»
«لا تسأل إذن.»
أغلقت خزانتها وغادرت. لم تنتظره عند الباب، ولم ترسل في اليوم التالي رسالة تعتذر فيها عن حدتها، مع أنها كتبت واحدة ثم حذفتها.
في الحصة السابعة، جاء تميم قبلها، لكنه اختار الطرف الآخر من الممر. لم يتبادلا إلا التحية. ركزت آسية على حركة ساقيها، وركز هو على إخراج الهواء تحت الماء. حين تمكن من الطفو وحده أربع ثوانٍ، كاد وجهها ينفتح بابتسامة، لكنها تذكرت أنه لم ينظر إليها يوم انتقلت إلى الممر الأوسط. صفقت مع الجميع فقط.
في نهاية الحصة، أعلنت إيناس أن الأحد التالي سيكون تدريبًا مفتوحًا. يستطيع كل متدرب تجربة ما تعلمه، ثم يقرر إن كان ينتقل إلى دورة أعلى أو يعيد المستوى نفسه. لم تسمه اختبارًا، لكن الكلمة انتشرت بينهم فور خروجها.
لحق تميم بآسية في الممر المؤدي إلى المواقف.
قال: «لم يكن كتفي يؤلمني.»
توقفت.
«أعرف.»
«كنت غاضبًا لأنك فعلت ما جئنا لفعله.»
«هذا اختصار قاسٍ، لكنه صحيح.»
قال إنه اعتاد أن يكون الشخص الذي يفهم الآلة قبل الآخرين، والذي يُستدعى حين يتوقف شيء. في الماء، لا تنفعه خبرته ولا قوته، وحين تقدمت هي شعر أن المسافة بينهما تكشفه. لم يطلب منها أن تتأخر، لكنه تصرف كأن تقدمها إهانة موجهة إليه.
سألته: «لماذا تشرح الآن؟»
«لأنني إذا طلبت القهوة بعد الحصة الثامنة كأن شيئًا لم يحدث، ستقولين لا. وإذا لم أطلبها، سأحوّل الاتفاق إلى عقاب جديد.»
كانت إجابته أفضل مما توقعت، وهذا جعل موقفها أصعب لا أسهل. قالت إنها لا تريد رجلًا يحتاج منها إلى أن تصغر كي يطمئن. أجاب بأنه لا يريد أن يكون ذلك الرجل أيضًا، لكن الرغبة ليست دليلًا على أنه تغيّر.
مرّ شخص بينهما يدفع عربة تنظيف، فابتعدا إلى جانب الممر.
قال تميم: «سأعيد المستوى.»
ظنت أنه يقولها خجلًا، فأضاف أن أربع ثوانٍ من الطفو ليست سباحة، وأن الانتقال الآن محاولة للحاق بها لا للتعلم. سجل اسمه مع المجموعة التالية قبل أن يكلمها.
قالت: «هذا قرار جيد.»
«ليس عرضًا عاطفيًا.»
«لهذا قلت إنه جيد.»
عند باب المواقف، سألها إن كان الاتفاق ما زال قائمًا. نظرت إلى التاريخ المطبوع على جدول الدروس خلف الزجاج.
«بقيت حصة.»
هذه المرة افترقا وهما يعرفان أن المسافة بينهما ليست عقابًا، بل وقتًا قصيرًا يحتاجه كلام صادق كي يستقر.
في صباح الأحد، بدا المسبح مختلفًا عن حصص المساء. دخل الضوء من النوافذ العالية، فرسم مستطيلات باهتة على سطح الماء. لم تكن هناك موسيقى من قاعة التمارين المجاورة، ولا أصوات فرق الأطفال. بدت كل حركة أوضح، كأن الماء نفسه يراقب.
بدأ تميم في الممر الضحل. وضع وجهه في الماء، أخرج الهواء، ثم استلقى. بقي جسده فوق السطح ست ثوانٍ قبل أن تنخفض ساقاه. وقف مبتسمًا، لا ينظر حوله ليتأكد ممن رأى.
كانت آسية في الممر الأوسط، تتدرب على عبوره كاملًا. فعلتها مرة، ثم ثانية. في المحاولة الثالثة، طلبت منها إيناس أن تكمل إلى الجزء الذي يزيد عمقه، على أن تسبح قرب الحافة.
انطلقت آسية ببطء. عند منتصف الطريق، تسرب الماء إلى نظارتها. لم يكن الأمر خطرًا؛ تستطيع أن تتوقف وتمسك الحافة التي لا تبعد أكثر من ذراع. لكنها فتحت عينيها فرأت القاع أبعد مما تتوقع، وعاد إليها الخوف كاملًا، لا بالتدريج الذي تعلمت مقاومته.
رفعت رأسها، فضاع انتظام تنفسها. ضربت الماء بيدها، ولم تصل إلى الحافة من المحاولة الأولى.
سمعت إيناس تأمرها بالانقلاب على ظهرها، لكن الأصوات امتزجت بصدى القاعة. كان تميم في الممر المجاور، على بعد أمتار. تحرك نحو الحاجز الفاصل كأنه سيقفز فوقه، ثم توقف. لم يكن سباحًا يستطيع الوصول إليها بأمان، وكان دخوله سيضيف جسدًا خائفًا إلى الماء.
نادى المدربة، وأشار إلى مكان آسية. كانت إيناس قد رأتها بالفعل، لكنها صارت أقرب خلال ثوانٍ. أمسكت ساعدها وقادتها إلى الحافة.
تشبثت آسية بها، تسعل. أرادت الخروج فورًا، إلا أن إيناس طلبت منها أن تبقى في الماء عند السلم حتى يهدأ تنفسها. جلس تميم على ركبتيه خارج الممر، على مسافة لا تعيق المدربة.
قال: «أربع عدات شهيق، وست زفير.»
كان هذا الإيقاع الذي تدربا عليه. لم يقل لا تخافي، ولم يخبرها أن شيئًا لم يحدث. عدّ فقط. في المحاولة الثالثة، استطاعت أن تتبعه.
بعد دقائق، خرجت وجلست على المقعد، ملتفة بمنشفتها. أحضر تميم نظارتها من الحافة ووضعها إلى جوارها. لم يسألها لماذا لم تمسك الجدار، ولم يمد يده إلى كتفها.
قالت: «فكرت أن تقفز.»
«نعم.»
«لماذا لم تفعل؟»
«لأنني كنت سأحتاج إلى من ينقذني أيضًا.»
ضحكت رغم ارتجافها. جلست إيناس أمامها وتأكدت أنها بخير، ثم شرحت لها ما حدث دون تلطيف: حين دخل الماء إلى النظارة، رفعت رأسها بدل أن تنقلب إلى ظهرها، وفقدت وضع الجسد. قالت إن الخوف طبيعي، لكن عليها تكرار الخروج الآمن في المنطقة الضحلة قبل العودة إلى ذلك العمق.
سألت آسية إن كانت قد فشلت في الدورة.
أجابتها إيناس: «الدورة ليست محكمة. أنت سبحت المسافة مرتين اليوم، ثم احتجت إلى مساعدة. كلاهما صحيح.»
عادت المدربة إلى المجموعة، وبقي تميم قرب المقعد.
قالت آسية: «لو حاولت إنقاذي، لكرهتك.»
«حتى لو نجح الأمر؟»
«خصوصًا لو نجح. كنت ستجعل أسوأ دقيقة لي قصة عن شجاعتك.»
فهم أنها لا تتحدث عن الماء وحده. مد ساقيه أمامه، وقال إنه تعلم بالأمس أن النية الطيبة قد تكون مجرد غرور يرتدي ملابس مناسبة.
سألته عن مصدر هذه الحكمة.
«فكرت في القهوة كثيرًا.»
«قبل أن تطلبها؟»
«كنت أبحث عن جملة تجعل الرفض صعبًا.»
نظرت إليه. «وهل وجدتها؟»
«قررت ألا أستخدمها.»
عادا إلى الماء قبل نهاية الوقت. تدربت آسية عند السلم على قلب جسدها إلى الظهر، مرة بعد أخرى. وفي الممر المجاور، ترك تميم اللوح وطفا وحده. لم يراقب أحدهما الآخر باستمرار، لكنهما كانا يعرفان مكان الآخر من صوت الماء.
حين انتهت الحصة، قالت إيناس لآسية إنها تستطيع الانتقال إلى المستوى التالي بشرط حضور تدريب إضافي على الأمان. أما تميم فأكدت تسجيله في دورة المبتدئين الجديدة. لم يعتذر ولم يساوم. سألها عن الموعد فقط.
خرجا من غرفتي التبديل في الوقت نفسه تقريبًا. كان شعر آسية لا يزال رطبًا، وحمل تميم حقيبته بطريقة جعلت الجورب الاحتياطي يتدلى من السحاب.
أشارت إليه. «خبرتك تتسرب.»
أعاده إلى الحقيبة، ثم وقف قبالتها. «انتهت الحصة الثامنة.»
«صحيح.»
«هل تشربين القهوة معي؟ لا لأحتفل بتقدمك ولا لتعزيني على إعادتي المستوى. قهوة لأنني أريد أن أعرفك خارج رائحة الكلور.»
قالت: «نعم.»
لم يطلب منها أن تذهب فورًا. اتفقا على مساء الأربعاء، في مقهى قريب من عملها، ثم افترقا. أعجبها أن أول موعد بينهما لم يكن مكافأة على خوف هُزم، ولا تعويضًا عن خوف بقي. كان موعدًا فقط.
جاء الأربعاء من دون موسيقى خافتة أو مصادفة مصنوعة. وصلا في موعدهما، طلب كل منهما ما يشربه، وتحدثا ساعتين. أخبرها تميم أنه لم يتزوج من قبل، لا لأن العمل سرق حياته كما كان يجيب أقاربه، بل لأنه قضى سنوات يظن أن الاستعداد للحب يعني ألا يراه أحد مرتبكًا. قالت آسية إنها أنهت علاقة قبل ثلاث سنوات لأنها كانت تُعامل كل خلاف كملف يجب إغلاقه في اليوم نفسه، ثم اكتشفت أن البشر لا يملكون خانة للحل النهائي.
لم يتعهدا بشيء تلك الليلة. اتفقا على لقاء ثانٍ.
بعد شهر، كانا قد تعلما ما لا يظهر في المسبح. تميم يتأخر حين يكون في مبنى تعطلت فيه عدة مصاعد، لكنه يرسل وقتًا حقيقيًا بدل عبارة «أنا في الطريق». آسية تحتاج إلى الصمت بعد العمل، ولا يعني صمتها أنها تعاقبه. حين يختلفان، كان هو يميل إلى المزاح قبل أن يفهم المشكلة، وكانت هي تميل إلى شرحها حتى تختنق المساحة بالتفاصيل. تعلما أن يتوقفا عند جملة واحدة واضحة، ثم يعودا إلى البقية.
بقيا في مجموعتين مختلفتين. انتقلت آسية إلى المستوى التالي، وأعاد تميم دروس الطفو والتنفس. في أحد الأيام حضرت مبكرًا ورأته يحاول عبور الممر الضحل. قاومت رغبتها في الإشارة إلى ساقه المنخفضة. بعد الحصة قال إنه رآها خلف الزجاج وشكرها لأنها لم تتحول إلى مدربة.
أجابته: «كان الأمر صعبًا.»
«عرفت ذلك من وجهك.»
«هذا وجهي حين أمارس ضبط النفس.»
لم تتحول غيرته القديمة إلى ذكرى لطيفة؛ بقيت موضوعًا يعودان إليه حين يظهر في صورة أخرى. عندما حصلت آسية على ترقية في عملها، سكت تميم لحظة أطول مما ينبغي. لاحظت، فانتظرت كلامه. قال إنه شعر بالفرح والخوف معًا، وإن جزءًا صغيرًا فيه بدأ يعد المسافة بينهما. لم تمدحه على صدقه، ولم تخفف إنجازها. سألته فقط ماذا سيفعل بذلك الجزء.
قال: «لن أعطيه المقود.»
في مساء شتوي، بعد أربعة أشهر من الحصة الأولى، جلسا في السيارة أمام المركز الرياضي. كان تميم قد عبر الممر كاملًا للمرة الأولى، وآسية أنهت تدريبًا في الجزء العميق من دون أن تفقد إيقاعها. لم يشاهد أحدهما إنجاز الآخر؛ تقاطعت مواعيدهما عند الخروج فقط.
مد يده فوق المسند بين المقعدين. لم يمسك يدها قبل أن تفتح كفها.
قال: «أحبك.»
لم يكن اعترافًا خرج بعد خطر أو فراق، ولم يحمل وعدًا أكبر من حياتهما. كان جملة قالها رجل ما زال يعيد مستوى المبتدئين لامرأة ستدخل غدًا مسبحًا أعمق.
أجابته: «وأنا أحبك.»
ثم طلبت منه أن يقود، لأنها جائعة.
في الأحد التالي، دخلا وقت السباحة الحرة. اختار تميم الممر القريب من الحافة، واختارت آسية الممر الأوسط. سبحت هي دورتين بينما تمرن هو على التنفس. عند نقطة التقاء الحبلين، توقفا لحظة.
سألها: «قهوة بعد أن تنتهي؟»
قالت: «بعد أن تنهي أنت دورتك.»
دفع نفسه عن الحافة، ومضى في الماء ببطء. لم تنتظره كي يلحق بعمقها، ولم يطلب منها العودة إلى مكان تستطيع فيه قدماه ملامسة الأرض. سبح كل منهما في الممر الذي يناسبه، وحين وصلا إلى الطرف الآخر كان بينهما حاجز من الحبال ومسافة ذراع واحدة.
مد تميم يده فوق الحاجز. لم يسحبها إلى ممره؛ لمس أطراف أصابعها فقط.
وفي تلك المسافة الصغيرة، التي لا يملكها أحدهما على حساب الآخر، وجدا مكانًا يتسع لهما معًا.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق