الحبر الأخير
حين فقد الباب اسمه، لم يسقط من مفصلاته ولم يتشقق خشبه؛ صار أملس فحسب، كأن أحدًا مسح منه فكرة الدخول والخروج. وقفت مَيْسان أمامه تحمل صندوق أدوات التجليد، ومدّت يدها إلى المقبض النحاسي. كانت تعرف هذا الباب منذ طفولتها. خلفه مخبز العم نُبهان، حيث تتعلق رائحة السمسم بثياب العابرين، وحيث كان أخوها الصغير يبادل رسمةً برغيف ساخن كل خميس. لكنها عندما ضغطت المقبض لم تجد مقاومة، ولم ينفتح شيء. مرت كفها خلال الخشب الباهت، ثم خرجت من الجهة الأخرى باردة ومرتعشة. قال نُبهان من الداخل: «من هناك؟» أجابته، لكنه لم يعرف صوتها. وبعد لحظات نسي أنه سأل أصلًا. رفعت ميسان عينيها إلى اللوحة الصغيرة فوق المدخل. كان اسم المخبز محفورًا عليها صباح أمس. الآن لم يبقَ سوى مستطيل أبيض. وعلى امتداد زقاق السُّدُف، أخذت الأشياء تفقد أسماءها واحدًا بعد آخر: مصباح بلا رقم، نافذة لا يتذكر ساكنها لأي غرفة تطل، بئر ينظر الناس إلى مائه ولا يعرفون ما الذي يُفعل به. في مدينة نُسُق، لم تكن الأسماء زينة. كل شيء يوجد ما دام مكتوبًا في «السِّفر الأم» المحفوظ تحت دار القيّمين. البيوت، الأزقة، المهن، الولادات، حتى الجسور التي ...