المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص خيالية

الحبر الأخير

صورة
حين فقد الباب اسمه، لم يسقط من مفصلاته ولم يتشقق خشبه؛ صار أملس فحسب، كأن أحدًا مسح منه فكرة الدخول والخروج. وقفت مَيْسان أمامه تحمل صندوق أدوات التجليد، ومدّت يدها إلى المقبض النحاسي. كانت تعرف هذا الباب منذ طفولتها. خلفه مخبز العم نُبهان، حيث تتعلق رائحة السمسم بثياب العابرين، وحيث كان أخوها الصغير يبادل رسمةً برغيف ساخن كل خميس. لكنها عندما ضغطت المقبض لم تجد مقاومة، ولم ينفتح شيء. مرت كفها خلال الخشب الباهت، ثم خرجت من الجهة الأخرى باردة ومرتعشة. قال نُبهان من الداخل: «من هناك؟» أجابته، لكنه لم يعرف صوتها. وبعد لحظات نسي أنه سأل أصلًا. رفعت ميسان عينيها إلى اللوحة الصغيرة فوق المدخل. كان اسم المخبز محفورًا عليها صباح أمس. الآن لم يبقَ سوى مستطيل أبيض. وعلى امتداد زقاق السُّدُف، أخذت الأشياء تفقد أسماءها واحدًا بعد آخر: مصباح بلا رقم، نافذة لا يتذكر ساكنها لأي غرفة تطل، بئر ينظر الناس إلى مائه ولا يعرفون ما الذي يُفعل به. في مدينة نُسُق، لم تكن الأسماء زينة. كل شيء يوجد ما دام مكتوبًا في «السِّفر الأم» المحفوظ تحت دار القيّمين. البيوت، الأزقة، المهن، الولادات، حتى الجسور التي ...

ممر السكون

صورة
حين دقّ ناقوس الرحيل أول مرة، أجابه الجبل قبل أن يكتمل صداه. لم يكن الجواب صدىً عاديًا. الصدى يعود ضعيفًا ومتأخرًا، أما هذه الدقة فخرجت من الصخر أثقل من الأصل، وسبقت يد أَرْغَد إلى الضربة الثانية. شعر بها أهل رَواسي في نعالهم، وارتعشت أواني النحاس داخل البيوت المثبتة فوق الزحافات. كانت جُلَّنار الوحيدة التي لم ترفع رأسها نحو الناقوس. جثت على ركبة واحدة، وضغطت كفها العارية على أرض المغارة. لم تسمع الدقة الأولى ولا جوابها؛ فقدت سمعها في طفولتها بعد حمى طويلة. لكنها أحست بطبقتين من الاهتزاز: إحداهما هبطت من برج الناقوس، والأخرى جاءت من أمام القافلة، من الممر الذي يفترض أن يكون فارغًا. كان عملها الرسمي فحص أرض الطريق قبل جر البيوت فوقها. تحمل صفائح بسماكات مختلفة، وتطرقها بقبضة يدها، ثم تقرأ ما يعود إلى عظام أصابعها. عرفت بهذه الطريقة مواضع الملح الهش والجيوب الساخنة والطبقات التي لا تتحمل ثقل الزحافات. لم يعد أهل رَواسي يعدّون صممها نقصًا، لكن كثيرين ظلوا يرون إحساسها بالحجر حرفة احتياطية، نافعة عند الشك ولا تنافس يقين النواقيس. هي نفسها لم تدّع أن الجبل يكلمها؛ كانت تقول إنه يتحرك، و...

مراعي الرعد

صورة
انشق البرق أفقيًا، فعرفت هَديل أن القطيع سينجب قبل بلوغ الممر. لم يكن برقًا هابطًا من السحاب إلى الأرض، بل خيطًا أبيض امتد داخل السحابة الكبرى من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي، ثم انطفأ وترك وراءه خطين من الضوء الخافت. فوق هضبة السُّرُج، كانت سبع سحب داكنة تزحف منخفضة، متباعدة كما علّمها الرعاة، وتلقي على البازلت ظلالًا باردة. وحدها السحابة المسماة غَمْرة أخذت تنتفخ من وسطها، حتى صار نصفاها يتدافعان كجبلين يريد كل منهما طريقًا مستقلًا. غرست هديل عصاها العازلة في شق بين الصخور، وأشارت إلى مِهْيار أن يوقف دق الأوتاد. قال الفتى، وهو يمسح غبار الكلس عن حاجبيه: «بقيت سبعة أوتاد إلى عنق الممر.» «لن تلحق بها غمرة.» نظر إلى السحابة ثم إلى القرص النحاسي الصغير المعلق في حزامه. كان المؤشر يرتجف بين علامتي الانقسام والهدوء. قال: «السجل يقول إن ولادتها بعد يومين.» «السحاب لا يقرأ سجلاتنا.» كان مهيار في عامه الأول بين رعاة الرعد، وما يزال يثق بالأرقام أكثر مما يثق بجلده. أما هديل فتعلمت أن الخطر يعلن نفسه قبل أن تقيسه الأدوات: بطعم المعدن على اللسان، وبوقوف شعر الساعدين، وبالصمت الذي يسبق ت...

ميزان البحر

صورة
عند الظهر، انسحب البحر من مرفأ مَهْرانة دفعة واحدة، حتى إن سبع سفن هوت على بطونها فوق الطين قبل أن يتمكن البحارة من إنزال مراسيها. تدحرجت الأسماك بين الحبال، وانقلبت القوارب الصغيرة على جوانبها، وظل جرس الميناء يتأرجح فوق الرصيف من غير أن يصدر صوتًا، كأن الهواء نفسه فوجئ بما حدث. كانت لُبنى السِّلالي في دار الموازين، تفحص أثقال النحاس التي تُختم بها حمولات السفن، حين سمعت صياح الناس. خرجت وفي يدها ثقل معياري صغير، فرأت الماء يبتعد عن المدينة مسرعًا، لا على هيئة موجة راجعة، بل كستارة زرقاء تُسحب فوق أرض مستوية. بعد دقائق ظهر قاع الخليج كاملًا: سلاسل صدئة، مراسٍ غارقة، جرار محطمة، وهياكل سفن مات أصحابها قبل أن يولد أجدادها. وعلى امتداد الأفق ارتفع البحر جدارين شاهقين، أحدهما شمال المرفأ والآخر جنوبه، وبينهما طريق من الوحل اللامع يقود إلى أرض لم ترها الشمس منذ ثمانية عشر عامًا. كان موعد الجزر الكبير بعد ثلاثة أيام، في الليلة التي يكتمل فيها قمر الخريف. يعرف كل طفل في مهرانة قصته، وتحفظ مدارسها القاعدة التي كُتبت فوق أبواب المخازن: ما يؤخذ من مدينة سُدُم يُترك مكانه وزنًا بوزن، وما يُنق...

أطلس الريح العمياء

صورة
لم تكن مدينة لُجّان معلّقة في السماء كما تزعم كتب المدارس؛ كانت تسقط ببطء شديد، إلى حدّ أن أجيالًا كاملة عاشت وماتت وهي تظنّ ثباتها قانونًا من قوانين الكون. لم يعرف الناس حقيقة ذلك إلا صباح اليوم الذي توقفت فيه دواليب الريح الشرقية. استيقظ الخبازون فوجدوا الطحين يتصاعد من الأفران بدل أن يستقر فيها، وانحنت أجراس الأبراج نحو الغرب مع أن الهواء كان ساكنًا، ثم ارتطم طرف الجسر النحاسي بجزيرة صغيرة كانت تفصلها عن لُجّان مسافة يوم كامل. عند الظهيرة، صار بحر السحاب أقرب بمئة ذراع، وبدأت قمم سوداء تظهر تحته مثل أسنان مخلوق ينتظر فريسته. كانت تُهامة السَّروجي في غرفة الخرائط حين انكسر أول مقياس للارتفاع. رأت الإبرة ترتجف فوق الصفر، ثم تدور إلى الجهة التي لم تُسمَّ قط. في الخرائط الرسمية أربع جهات، وفي خرائط المهربين ست، أمّا تلك الإبرة فاختارت فراغًا بين الجهات، واستقرت عليه بثقة مخيفة. أخرجت تُهامة من جيبها قرصًا نحاسيًا ورثته عن أمها. لم يكن بوصلة، بل خريطة مطوية على هيئة دوائر متداخلة، بلا أسماء ولا مقاييس. منذ اختفاء أمها قبل اثني عشر عامًا ظل القرص قطعة باردة لا تستجيب لشيء. لكن حين قرّ...

خريطة المطر الصاعد

صورة
في صباح اليوم الذي ارتفع فيه النهر قبل موعده، كانت أيسُل تصلح شقًّا في خريطة لا ينبغي أن تتمزق. ثبتت الورقة المصنوعة من جلد السحاب فوق منضدة النحاس، ومررت إبرة زجاجية في حافتها، ثم نفخت على الخيط حتى تحول إلى خط أزرق نابض. في الخارج، كانت أجراس المراسي تضرب وحدها، وتعلو من الأزقة رائحة الطين المبلل، مع أن الماء لم ينزل من السماء منذ أحد عشر شهرًا. عاشت مدينة سَرْمَد عند قاع وادٍ واسع تحيط به سبع هضاب سوداء. لم تكن أنهار ذلك العالم تجري إلى البحار، بل تصعد إليها. في أول الخريف، ينتفض الماء من مجاريه، يرتفع في أعمدة ملتوية، ثم ينتشر فوق البلاد ليغذي البحر المعلق في السماء. ومنه تتساقط أمطار الشتاء على المدن والحقول. وكان على رسامي المسالك أن يرسموا كل سنة الطريق الذي سيسلكه الماء صعودًا؛ فإذا أخطأوا ميلًا واحدًا، اقتلع النهر حيًّا أو ترك قرية تموت عطشًا. لم تكن أيسُل رسامة مسالك بعد. كانت ناسخة في دار الخرائط، أصغر من يُسمح له بلمس جلد السحاب، وابنة امرأة حُذف اسمها من سجلات الدار. قبل اثني عشر عامًا، اتُّهمت أمها مِهاد بتحريف خريطة الارتفاع الكبرى، فضاع بسببها ــ كما قيل ــ أرخبيل كا...

مرفأ السحاب

صورة
لم يكن جرس المرسى يرنّ إلا إذا حاولت جزيرة أن تهرب من السماء. لذلك، حين دوّى صوته عند الفجر، نهضت ناردين من فراشها قبل أن تفتح عينيها، واندفعت إلى الشرفة بثوب النوم وقد نسيت حذاءها. تحت بيتها كانت مدينة أَجْراس معلّقة فوق بحر من السحاب، تحملها سبعة جذور فضية تمتد من صخرة الجزيرة إلى أعماق لا يراها أحد. ستة منها ظلت مشدودة كالعادة. أما الجذر السابع، المتصل بحيّ المرسى، فكان يرتعش ويطلق ومضات زرقاء، فيما تنزلق البيوت القريبة منه ببطء نحو الحافة. في الساحة، كان الناس يركضون حاملين أطفالهم وصناديقهم، والحراس يدفعون العربات بعيدًا عن الشق الذي اتسع في الرصيف. وصلت ناردين إلى برج الموازين وهي تلهث. لم تكن حارسة ولا ساحرة؛ كانت تصلح الساعات الجوية التي تقيس ميل الجزيرة، وهي مهنة ورثتها عن أبيها ولم يتوقف المجلس عن تذكيرها بأنها أصغر من أن تؤتمن عليها. فتحت غطاء الميزان المركزي، فرأت الإبر السبع تتخبط. ستة مؤشرات تميل إلى الغرب، والسابع يدور بلا توقف حتى انكسر طرفه. قال قائد الحرس، مِصْباح، من خلفها: — هل انقطع الجذر؟ وضعت أذنها على صندوق النحاس. كان داخله صوت خافت يشبه دقات قلب تحت ماء عم...