المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص حزينة

تدريب على الغياب

صورة
في صباح الأحد الأول من شباط، أغلقت ألطاف منبّه ابنها قبل أن يرن، ثم أعادته إلى مكانه على الطاولة القريبة من سريره. لم تكن تريد منعه من الذهاب إلى العمل، بل أرادت أن تعرف إن كان سيستيقظ وحده حين تخونه العادة. جلست في المطبخ، تلف أصابعها حول كوب لم تشرب منه، وتراقب عقرب الدقائق يتقدم. عند السابعة إلا عشر دقائق خرج مهيب من غرفته مذعورًا، بقميص لم يُغلق أزراره على نحو صحيح، وسألها لماذا لم توقظه. قالت وهي تتجنب عينيه: «ظننت أنك ستسمع المنبّه». أجاب بحدة لم تعهدها منه: «أنا أسمعه عندما تتركينه يرن». فاتته الحافلة ذلك الصباح، وتأخر عن ورشة تجليد الكتب نصف ساعة. وحين عاد بعد الظهر، وضع حقيبته على الأرض بعنف محسوب، كأنه يريدها أن تسمع غضبه من دون أن يكسر شيئًا. كان في الرابعة والثلاثين، طويلًا، عريض الكتفين، يتعلم ببطء ويذكر التفاصيل بدقة تدهش من يظنه لا يفهم. كان يعيش معها في الطابق الثالث من بناية قديمة في حيّ الصوّان، ويقطع بالحافلة ست محطات إلى عمله. منذ طفولته، وصف الأطباء حالته بأنها إعاقة ذهنية بسيطة؛ لكنه كان يعرف طريق الورشة، ويقرأ أسماء الشوارع، ويقيس عرض كعب الكتاب حتى نصف السنتيمت...

السنة المؤجَّلة

صورة
  لم تكن أريج تعرف أن بعض القرارات لا تغيّر حياتنا في اللحظة التي نتخذها فيها، بل تنتظر بصمت، ثم تكبر معنا، وتجلس إلى جوارنا بعد سنوات كأنها شخصٌ آخر يسألنا: ماذا لو لم تفعلي ذلك؟ في صباح يوم الاثنين، استيقظت قبل المنبّه بدقائق. بقيت مستلقية على فراشها الضيق، تحدّق في السقف الذي ظهرت عند زاويته بقعة رطوبة جديدة بعد مطر الليلة الماضية. كان البيت ساكناً إلا من صوت ثلاجة قديمة تعمل لدقائق ثم تصمت، وصوت أبيها في الغرفة المجاورة وهو يسعل محاولاً أن يخنق السعال داخل صدره كي لا يوقظ أحداً. كانت تعرف تلك السعلة. صار لها أكثر من شهر تسمعها كل صباح. لكنها كانت تعرف أيضاً أن أباها سيقول، إذا سألته: — برد عادي. نهضت، ارتدت عباءتها، وخرجت إلى المطبخ. كان شهاب يجلس عند الطاولة البلاستيكية الصغيرة، وأمامه كأس شاي لم يشرب منه سوى القليل. قالت: — ليش صاحي من هسه؟ رفع عينيه إليها وابتسم. — وأنتِ ليش؟ — عندي محاضرة ثمانية. — اليوم اثنين؟ ضحكت. — إي بابا، من عشرين سنة والأسبوع بيه اثنين. ضحك معها، ثم وضع كفه على صدره عندما داهمته سعلة قصيرة. راقبته أريج. كان في الثانية والخمسين، لكنه بدا في ذلك الصباح...

أمي خلف الزجاج

صورة
 لم أفهم معنى السجن حين رأيت أمي للمرة الأولى خلف لوح زجاجي سميك. كنت في الثانية عشرة، قصيرة إلى حد أن جدتي اضطرت إلى رفع المقعد البلاستيكي تحت قدمي كي أرى وجهها كاملاً. جلست أمي في الجهة الأخرى ترتدي عباءة داكنة لا أعرفها، وشعرها الذي كانت تجمعه بعناية كل صباح بدا مهملاً حول جبينها. أمسكت سماعة الهاتف المثبتة على الحائط، وأشارت إليّ أن أفعل مثلها. رفعت السماعة، لكنني لم أقل شيئاً. كنت أبحث في وجهها عن دليل يؤكد أنها أمي حقاً. كانت شاحبة، وعيناها محاطتين بسواد ثقيل، وفوق حاجبها الأيسر خدش صغير. لم تكن ترتدي خاتمها الفضي، ولا ساعتها، ولا ذلك العطر الذي كان يسبقها إلى الغرفة كلما عادت من العمل. قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً: — شلونج يا رؤى؟ نظرت إلى جدتي الواقفة خلفي، ثم عدت إليها. — زينة. — وأخوج؟ — زين. كان أخي آسر جالساً في آخر قاعة الزيارة، يرفض الاقتراب. وضع رأسه بين ذراعيه فوق الطاولة، وبقي ينظر إلى الأرض. كان أصغر مني بثلاث سنوات، لكنه في تلك الأيام بدا أصغر من عمره بكثير. قالت أمي: — ليش ما جاء يحچي وياي؟ لم أعرف بماذا أجيب. كان آسر يعتقد أن الشرطة أخذت أمي لأ...

دفتر اليد اليسرى

صورة
 في مساء شتوي ثقيل، جلست رُفيدة خلف مكتب خشبي تتخلله شقوق رفيعة، وأخذت تنقل أسماء الغائبين من سجل الحضور إلى ورقة منفصلة. كان المبنى الذي تعمل فيه مدرسة ابتدائية في الصباح، ومركزاً لمحو الأمية وتعليم المتسربين بعد الغروب. وما إن يخرج الأطفال بحقائبهم الملونة حتى يدخل مكانهم عمال متعبون، وباعة متجولون، وأمهات أخفين سنوات طويلة عجزهن عن القراءة. توقفت رُفيدة عند اسم تكرر غيابه أربع مرات خلال أسبوعين: سراج نوري. كان أصغر طلاب صفها، في الخامسة عشرة تقريباً، نحيل الجسد، طويل الأصابع، ويأتي غالباً مرتدياً قميص عمل أزرق تفوح منه رائحة الزيت والحديد. لم يكن أمياً تماماً، فقد أنهى الصف الخامس قبل أن يترك المدرسة، لكنه كان يخطئ في الإملاء، ويتعثر في قراءة النصوص الطويلة، ثم يفاجئ الجميع حين يحل مسائل الحساب قبل أن تنتهي رُفيدة من كتابتها على السبورة. في الليلة الأولى التي حضر فيها، جلس في المقعد الأخير ولم يرفع رأسه. وعندما طلبت من الطلاب أن يكتب كل واحد منهم سبب عودته إلى الدراسة، كتب سراج جملة قصيرة: «أريد أن أفهم الرسوم التي على الآلات». صححت رُفيدة كلمة «الرسوم»، ثم كتبت تحت الجملة: ...