حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
بعد الضيوف
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
بعد أن غادر آخر ضيف حفل الخطوبة، بقي في القاعة شخصان لا يعرف أحدهما كيف يودع الآخر.
كانت سُهى تجمع الأكواب الورقية من الطاولات، مع أن عامل القاعة أخبرها مرتين أن التنظيف داخل الأجرة. وعلى الطرف الآخر كان غسان يطوي الكراسي الزائدة ويعيدها إلى الجدار، كأنه يحتاج إلى عمل يؤخر وقوفه وحيدًا عند الباب.
قبل ساعات جلسا متقابلين بصفتهما والدي سُلاف وكِنان. تبادلا عبارات الترحيب، واتفقا أمام العائلتين على موعد أولي للزفاف، ثم انشغلا باستقبال الأقارب. لم تتح لهما محادثة حقيقية حتى خلت القاعة.
قال غسان وهو يحمل كرسيين: «إذا واصلتِ جمع الأكواب، سيعيدون لنا أجرة التنظيف.»
أجابت سُهى: «وإذا واصلتَ طي الكراسي، سيعرضون عليك وظيفة.»
ضحك، ووضع الكرسيين جانبًا. كان في الخامسة والخمسين، بشعر رمادي قصير ووجه يبدو صارمًا ما لم يبتسم. توفيت زوجته قبل ثماني سنوات، وربّى كِنان وشقيقته الصغرى وحده. أما سُهى، التي بلغت الثانية والخمسين، فقد ترملت قبل أحد عشر عامًا، وعاشت مع سُلاف حتى تخرجت ابنتها وعملت في مختبر للأغذية.
عرف كل منهما هذه المعلومات من أحاديث الأولاد والأقارب. لكنها بدت مختلفة حين صارت أمامهما حياةً كاملة، لا فقرة تعريفية تسبق المصاهرة.
سأل غسان: «هل أنتِ راضية عن الموعد؟»
قالت: «راضية إذا كانا يعرفان كلفته. ستة أشهر تمر أسرع مما يظنان.»
«كِنان يعتقد أن الأعراس تُجهز بمجرد حجز القاعة.»
«وسُلاف تعتقد أن الميزانية تتمدد إذا كتبنا الأرقام بقلم صغير.»
جلسا إلى طاولة بقي فوقها طبق حلوى لم يُمس. تحدثا عشر دقائق عن القاعة والمصور وعدد المدعوين. ثم امتد الحديث من غير تخطيط إلى سنوات تربية طفل واحد داخل بيت فقد أحد والديه، وإلى الطريقة التي يتعلم بها الأب أو الأم أن يكون حازمًا وحنونًا في اليوم نفسه.
حين دخل عامل القاعة لإطفاء الأنوار، اكتشفا أن عشر الدقائق صارت ساعة.
في الأسابيع التالية صار الاتصال بينهما ضرورة. كان كِنان يعمل في شركة شحن ويمضي أيامًا خارج المدينة، فيما تدخل سُلاف المختبر قبل الثامنة ولا يسمح لها العمل باستخدام هاتفها إلا في الاستراحة. لذلك تولت سُهى وغسان متابعة القاعة والطعام وقائمة الضيوف.
في البداية بدأت كل مكالمة بجملة: «بخصوص الأولاد.» وبعد شهر لم يعودا يحتاجان إلى قولها.
عرف غسان أن سُهى تشرف على سجلات المخزون في شركة توزيع، وأنها تستطيع اكتشاف خطأ في فاتورة من نظرة واحدة، لكنها تنسى أين وضعت نظارتها كل مساء. وعرفت هي أنه يملك ورشة لإصلاح الأجهزة المنزلية، وأنه يرفض رمي أي قطعة قبل محاولة إصلاحها، حتى إن شرفة بيته امتلأت بمراوح ومحركات صغيرة يؤكد أنها «قد تنفع يومًا».
كان يتصل ليسألها عن عدد الطاولات، ثم يخبرها أن زبونًا أحضر ثلاجة لا عيب فيها سوى أنه لم يوصلها بالكهرباء. وكانت تتصل لتراجعه في عربون المصور، ثم تحكي له عن موظف أدخل مئتي صندوق في خانة الصنف بدل خانة الكمية.
لم يكن أي منهما يبحث عن حب. اعتادا أن يصفهما الناس بكلمتين نهائيتين: أرمل وأرملة. كأن الفقد أغلق ما قبله وما بعده، وترك لكل واحد دورًا اجتماعيًا واضحًا: أب أو أم للأبناء، وجدّ محتمل، وشخصًا يُدعى إلى المناسبات كي يبارك للآخرين.
بدأ التغيير في صباح السبت الذي ذهبا فيه لاختيار الطعام. تأخر صاحب المطبخ، فانتظرا أمام المحل المغلق. اقترح غسان أن يمشيا في السوق بدل الوقوف. كان الشارع يستيقظ ببطء؛ أصحاب الدكاكين يرفعون الأبواب المعدنية، وبائع الزهور يرتب أوعية الريحان والياسمين.
توقفت سُهى عند شتلة ياسمين صغيرة. قالت إن شرفة بيتها ظلت خالية منذ ماتت النبتة التي زرعها زوجها، لأنها لم تشأ استبدالها كأنها تستبدل ذكرى.
قال غسان: «النبتة الجديدة لا تأخذ مكان القديمة. تأخذ مكانها هي.»
نظرت إليه. لم يكن يواسيها ولا يقدم حكمة جاهزة. اشترى قبل عام شجرة ليمون ووضعها قرب المقعد الذي كانت زوجته تجلس عليه. أخبرها أن الشجرة لم تخفف غيابها، لكنها أعادت إلى الشرفة سببًا لفتح النافذة.
اشترت سُهى شتلة الياسمين. حملها غسان حتى سيارتها، ثم قال قبل أن يضعها في الصندوق: «هل يمكن أن أسألك سؤالًا لا يخص الأولاد؟»
أغلقت سُهى باب السيارة وانتظرت.
«هل تقبلين أن نلتقي مرة لاختيار شيء لا علاقة له بالزفاف؟»
لم تتظاهر بأنها لم تفهم. قالت: «أحتاج إلى التفكير.»
أجاب: «فكري. لن أسأل ثانية قبل أن تجيبي.»
استغرقت ثلاثة أيام. لم تكن تخشى غسان بقدر ما تخشى اتساع الدائرة حولهما: ابنتها، وابنه، وأخوتها، وأقارب زوجها الراحل، وكل من يعتقد أن عمر المرأة يُنهي حقها في بداية لا يفهمها الآخرون. لكنها أدركت أن رفض اللقاء خوفًا من الكلام يمنح الكلام سلطة قبل أن يُقال.
اتصلت به مساء الثلاثاء وقالت: «أريد أن أشتري أصيصًا للياسمين. لا أعرف هل يعد ذلك موعدًا.»
قال: «يعتمد على الأصيص.»
التقيا في مشتل عند طرف الحي. اختارا وعاءً فخاريًا واسعًا، ثم مشيا بين صفوف النباتات. لم يتحدثا عن سُلاف وكِنان طوال ساعة كاملة. حكى لها غسان عن السنة الأولى بعد وفاة زوجته، حين طبخ الأرز سبع مرات وفشل في كل مرة لأن ابنه لم يخبره أنه يضع ضعف الماء. وحكت له عن أول يوم أصلحت فيه صنبور البيت وحدها، ثم بكت لا بسبب الصنبور، بل لأنها لم تجد من تخبره بنجاحها.
عند الخروج دفع كل واحد ثمن ما اختاره. لم يحمل غسان حقيبتها إلا بعدما سأل، ولم تقل سُهى إن اللقاء عابر. اتفقا على المشي مرة أخرى بعد أسبوع.
استمرت لقاءاتهما شهرًا. كانت في أماكن مفتوحة وفي أوقات معلومة، لا لأنهما ارتكبا خطأ، بل لأن سُهى لم ترد أن تبني شيئًا جيدًا داخل سر. ومع ذلك أخّرا إخبار الأولاد حتى يفهما ما الذي يحدث بينهما.
سبقتهما الأخبار.
رأتهما قريبة بعيدة في المشتل، واتصلت بأخت سُهى تسألها بفضول إن كان «الزفاف سيصبح زفافين». حاولت الأخت إغلاق الموضوع، لكن العبارة وصلت إلى سُلاف قبل أن تعود أمها إلى البيت.
كانت سُلاف تنتظر في غرفة الجلوس، لا غاضبة فقط، بل مجروحة.
قالت: «منذ متى؟»
جلست سُهى قبالتها. «نلتقي منذ شهر.»
«وكنتِ ستخبرينني متى؟ بعد زفافي؟»
«حين أعرف أن الأمر يستحق أن أخبرك.»
«هو أبو كِنان يا أمي.»
«أعرف من هو.»
قالت سُلاف إن أي خلاف بينهما سيضعها وزوجها في الوسط، وإن الناس سيتهمون العائلتين باستغلال الخطوبة، وإنها لا تريد أن يصبح فرحها بابًا لمشكلة لا تستطيع التحكم بها.
سمعت سُهى الخوف تحت الكلمات. لم تقل لابنتها إنها أنانية، ولم تطلب منها أن تفرح فورًا. قالت: «لديك حق في الخوف على زواجك. وليس لديك حق في اختيار حياتي عني. الأمران صحيحان معًا.»
في بيت غسان دار حديث مشابه. كان كِنان أقل غضبًا، لكنه أكثر عملية. سأله ماذا سيحدث إذا تزوجا، وأين سيعيشان، وهل ستصبح أموال العائلتين مختلطة، ومن سيتدخل إذا اختلف سُلاف معه يومًا.
أجابه غسان: «إذا صار خلاف بينك وبين زوجتك، فلن يكون خلافًا بين أبيها وأمك، لأنهما غير موجودين بهذه الصفة. ونحن لن نصبح محكمة لزواجكما.»
«وهل تستطيع ضمان ذلك؟»
«أستطيع ضمان تصرفي. لا أستطيع ضمان أن الحياة لن تتعقد.»
اتصل غسان بسُهى في تلك الليلة. قال إن أسهل حل هو أن يتوقفا حتى يمر الزفاف، وربما نهائيًا إذا كان الثمن قلق الأولاد.
رفضت سُهى.
«التوقف خوفًا سيجعلهم يظنون أن ما فعلناه كان خطأ. والاستمرار كأن خوفهم لا يهم ظلم لهم. نحتاج إلى حدود، لا إلى اختفاء.»
اجتمعت العائلتان في بيت سُهى، لكن هذه المرة لم تكن هناك ضيافة رسمية ولا أقارب. جلس الأربعة حول طاولة المطبخ. قالت سُهى وغسان إنهما يتعارفان، ولم يقررا زواجًا ولا سكنًا ولا مالًا مشتركًا. واتفقا أمام سُلاف وكِنان على ثلاث قواعد: ألا يتخذا قرارًا كبيرًا قبل انقضاء ثلاثة أشهر على زفاف الأولاد، وألا يستخدما أحد الزوجين لنقل كلام إلى الآخر، وألا يتحول نجاح علاقتهما أو فشلها إلى مسؤولية الابنين.
قالت سُلاف: «وماذا تريدان مني الآن؟»
أجابت أمها: «لا أطلب موافقة على شعوري. أطلب أن تعرفي الحقيقة، وأن تقولي مخاوفك من دون أن تهينيني.»
نظر كِنان إلى أبيه وقال: «وأنت؟»
قال غسان: «أريد الشيء نفسه.»
لم ينته الاجتماع بعناق جماعي. بقيت سُلاف متحفظة، وطلب كِنان وقتًا. لكن السر خرج من مكانه الضيق، وصار موضوعًا يمكن الحديث عنه بدل أن يكبر في الظنون.
استمرت تحضيرات الزفاف. فصل غسان وسُهى دوري الوالدين عن علاقتهما الجديدة. لم يتخذا القرارات نيابة عن العروسين، ولم يجلسا دائمًا معًا في الزيارات، ولم يسمحا للأقارب بتحويل الأمر إلى نكتة. وحين قالت امرأة في جلسة عائلية إن سُهى «وجدت نصيبها مع نصيب ابنتها»، أجابتها سُهى بهدوء: «نصيبي ليس ملحقًا بزفاف أحد.»
سمعت سُلاف الجملة. في طريق العودة قالت لأمها: «كنت خائفة أن يصير عرسي قصتك أنت.»
قالت سُهى: «وأنا خفت أن أعيش بقية عمري هامشًا في قصة غيري. لا أريد أن آخذ يومك، ولا أن أختفي بعده.»
أمسكت سُلاف يد أمها عند إشارة المرور. لم تقل إنها صارت مرتاحة تمامًا، لكن يدها بقيت هناك حتى تحركت السيارة.
بعد ذلك بأسبوع دعت سُهى غسان إلى الغداء بحضور سُلاف وكِنان. لم تضعه في صدر المائدة، ولم يحاول هو تمثيل دور الأب الجديد. تحدثوا عن تأخر بطاقات الدعوة وغلاء الأثاث، ثم انتقل الحديث إلى أشياء عادية لا تخص الزفاف. سأل كِنان سُهى عن طريقة حفظ الطعام التي تعتمدها شركتها، وسألت سُلاف غسان عن غسالتها التي تهتز عند العصر. أجابها أن تفحص استواء الأرجل أولًا قبل أن تدفع أجرة إصلاح.
بعد الغداء خرجوا إلى الشرفة لنقل الياسمين إلى أصيصه الجديد. أصر غسان على أن تخرج سُهى الجذور بيدها لأنها صاحبة النبتة، واكتفى بإسناد الوعاء الثقيل. كانت سُلاف تراقبهما من الباب، فرأت علاقة لا تقوم على أن يحل أحدهما محل شخص غائب، ولا على أن يعجز أحدهما من دون الآخر. كل ما فعلاه أنهما تقاسما ثقل الأصيص، ثم ترك كل واحد للآخر الجزء الذي يعرفه.
حين غادر غسان، قالت سُلاف: «هو لا يتكلم كثيرًا.»
أجابت سُهى: «يتكلم عندما يكون لديه ما يقوله.»
«وأنتِ يعجبك هذا؟»
«تعرفين أنني أملك من الكلام ما يكفينا نحن الاثنين.»
ابتسمت سُلاف للمرة الأولى كلما جاء اسمه.
جاء يوم الزفاف بعد ستة أشهر من حفل الخطوبة. وقف غسان عند مدخل القاعة يستقبل ضيوف ابنه، ووقفت سُهى مع ابنتها في الغرفة الداخلية حتى حان موعد الدخول. لم يتبادلا سوى تحية قصيرة طوال الساعات الأولى. كان لكل منهما مكان واضح في ذلك اليوم.
عند نهاية الحفل غادر سُلاف وكِنان وسط الأقارب. انصرف الضيوف تباعًا، ثم خفتت الموسيقى وأضيئت مصابيح التنظيف. وجدت سُهى نفسها تجمع أكوابًا مهملة كما فعلت في ليلة الخطوبة. وفي الجانب الآخر كان غسان يطوي كرسيًا.
توقفا ونظرا إلى بعضهما، ثم ضحكا.
قالت: «يبدو أن القاعات تخرج أسوأ عاداتنا.»
ترك الكرسي في مكانه. «انتهت الأشهر الثلاثة التي اتفقنا ألا نقرر خلالها شيئًا.»
«هي تبدأ من اليوم، لا تنتهي.»
«صحيح. كنت أختبر الحساب.»
جلسا إلى طاولة خالية. لم يكن أمامهما طبق حلوى هذه المرة، بل مزهرية صغيرة نسي أحدهم أخذها. سألها غسان إن كانت ما تزال تريد الاستمرار حين لم تعد هناك قوائم ضيوف تجمعهما.
قالت: «كنت أخشى أن تكون راحتنا معًا مجرد نتيجة لأن كلينا يعرف تعب الآخر.»
«وماذا وجدتِ؟»
«وجدت أن فهم التعب ليس سببًا ناقصًا. لكنه ليس السبب الوحيد.»
قال إنه يحب وضوحها، حتى حين يجعله يراجع نفسه. ويحب أنها لا تطلب منه أن يمحو حياة زوجته الراحلة كي يصنع مكانًا لها. قالت إنها تحب فيه أنه لا يتعامل معها كمن تنتظر من ينقذها، وأن صمته لا يستخدم للعقاب بل للتفكير.
لم يتبادلا وعدًا أكبر من المرحلة التي وصلا إليها. اتفقا على أن يواصلا اللقاء، وأن يناقشا السكن والمال والعائلتين بعد ثلاثة أشهر، لا أن يتركا التفاصيل لما بعد قرار عاطفي.
خلال تلك الأشهر ظهرت خلافات لم تكشفها جولات المشي. افترض غسان في حديث عابر أن سُهى ستنتقل إلى بيته إذا تزوجا. رفضت أن تترك شقتها القريبة من عملها، ورفض هو بيع البيت الذي نشأ فيه أولاده. بقي الخلاف أسبوعين، وكادا يحولانه إلى اختبار حب.
قالت سُهى: «لا أريد أن أدخل بيتًا ما زالت كل غرفة فيه مرتبة لحياة سبقتني.»
قال غسان: «ولا أريد أن أبيع تاريخ أولادي لأثبت أنني بدأت من جديد.»
وجدا حلًا لا يطلب من أحدهما محو شيء. احتفظ غسان ببيته، على أن تسكن فيه ابنته الصغرى أثناء دراستها، واحتفظت سُهى بشقتها لتؤجرها لاحقًا إن أرادت. استأجرا معًا شقة أصغر في حي متوسط المسافة بين عملهما وبيتي الأولاد. دفع كل واحد حصته بعقد واضح، واتفقا على مصروف مشترك محدود مع بقاء حسابيهما منفصلين.
حين أخبرا سُلاف وكِنان بنيتهما الزواج، لم تكن المفاجأة في القرار، بل في مقدار التفاصيل التي سبقت اتخاذه. قرأ كِنان عقد الإيجار، وسألت سُلاف أمها عن العمل والمواصلات. ثم قالت: «إذا كنتِ متأكدة، فأنا معك.»
أجابتها سُهى: «لست متأكدة من كل يوم سيأتي. أنا متأكدة أننا تعلمنا كيف نتكلم قبل أن نعد.»
عقدا زواجهما بعد عشرة أشهر من زفاف الأولاد. حضر أفراد العائلتين وعدد قليل من الأصدقاء. لم يستعيرا القاعة الكبيرة، ولم يطلبا من سُلاف وكِنان تنظيم شيء. أقيمت مأدبة صغيرة في فناء البيت الجديد، تحت مصابيح دافئة علقها غسان بنفسه، ووُضعت شتلة الياسمين قرب الباب في أصيصها الفخاري.
غادر الضيوف قبل منتصف الليل. حاولت سُهى جمع الصحون، فأخذ غسان واحدًا من يدها ووضعه على الطاولة.
قال: «هذه المرة دفعنا أجرة من ينظف.»
«وهل ستترك الكراسي؟»
«كلها. تعلمت من التجربة.»
جلسا عند الباب بعد أن هدأ البيت. كان في الداخل أثاث قليل؛ بعضه لها وبعضه له، وأشياء اشترياها معًا ولم تحمل ذكرى سابقة. فوق الطاولة استقر مفتاحان متشابهان للشقة، لا مفتاح واحد سُلّم للآخر.
قال غسان: «هل تعرفين ما الذي تغير منذ ليلة خطوبة الأولاد؟»
فكرت سُهى. «لم نعد نحتاج إلى عمل يؤخر الوداع.»
مد يده إليها، فوضعت يدها فيها. خلفهما بقيت الكراسي مبعثرة كما تركها الضيوف، وأمامهما باب واحد يحمل مفتاحين.
هذه المرة لم يبقيا لأنهما لا يعرفان كيف يغادران.
بقيا لأن المكان صار لهما.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق