المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قصص رعب

جوع الكالسيوم

صورة
ظهر السن الأول في قالب لا يخص فمًا حيًا. وجدته سُمية الباسل عند السابعة مساءً، حين رفعت نصف الفك الجصي من جهاز المسح. كان القالب مخصصًا لمريض فقد ضرسه السفلي الأيسر؛ تجويف الخلع ظاهر في طبعة السيليكون، والسن البديل مرسوم في الطلب الإلكتروني. لكن من قلب التجويف خرج نتوء أبيض أملس، لا يشبه حبة الجص ولا فقاعة الهواء. انحنت سُمية تحت المصباح، وخدشته بأداة معدنية. صدر صوت قاسٍ رفيع. عاج حقيقي. وقفت وحدها في قسم النماذج بمختبر «السنابل» لتركيبات الأسنان. خلف الزجاج كانت آلات الطحن الصغيرة تدور داخل حجيراتها، وفي الغرفة المجاورة أضاءت الطابعات ثلاثية الأبعاد بألوان خضراء ساكنة. انتهت الوردية النهارية قبل ساعة، وبقي معها ماهر، فني التلميع، في آخر الممر، ورَكان صاحب المختبر داخل مكتبه. نادتهما. جاء ماهر أولًا، يمسح غبار السيراميك عن ساعديه. أخذ القالب وقربه من وجهه. قال: «جزء من سن المريض انكسر داخل الطبعة.» «التجويف كان فارغًا عندما صببته.» «ربما علق في السيليكون ولم تريه.» أرته الطبعة السالبة. مكان الضرس غائر ونظيف، ولا أثر لقطعة مكسورة. وصل رَكان وهو يغلق أزرار سترته. كان في الخمسي...

أعمق من الماء

صورة
في الثانية وست وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل، ابتلع الحوض ستة آلاف لتر ولم يرتفع ماؤه مليمترًا واحدًا. استدعى النظام غَيْداء من مختبر جودة المياه في الطابق الأرضي. كان الحوض السادس خاليًا من الأسماك، ومغلقًا أمام الزوار منذ أسبوعين لإعداده لمعرض الكائنات البحرية الباردة. يبلغ عمقه أربعة أمتار وثمانين سنتيمترًا، وسعته معروفة حتى آخر خزان جانبي. لذلك لم يكن من الممكن أن يضيع فيه مقدار يملأ شاحنة صغيرة من دون أن يفيض أو يتسرب. وصلت غيداء إلى الممر العلوي فوجدت كِنان، غواص الصيانة، واقفًا عند الحافة. أوقف صمام التعويض، ثم أضاء أسفل الحوض بمصباح يدوي. ابتلع الماء الشعاع قبل أن يصل إلى القاع. قال: «أفرغناه ونظفناه قبل ثلاثة أيام. لا يوجد فيه سوى الماء والرمل الجديد.» تفقدت غيداء الأنابيب. أرضية غرفة المضخات جافة، وخزان الطوارئ لم يمتلئ، ومصرف الفائض مغلق. راجعت عداد التدفق؛ دخلت الكمية فعلًا. لم يكن الخلل رقمًا عالقًا على شاشة. أحضرت قضيب القياس المصنوع من الألمنيوم، وطوله خمسة أمتار. أنزلته عموديًا حتى لامس مقبضه الماء، ولم يصطدم بشيء. نظر كنان إليها. «القضيب منحني؟» أخرجاه. كان مست...

حين يجفّ

صورة
ظهر أثر الإصبع من داخل الوعاء، في موضع لا تستطيع يد بشرية بلوغه. أمسكت جُلنار القطعة بقفازها الحراري وقربتها من مصباح الفحص. كان الوعاء صغيرًا، بعنق أضيق من معصم طفل، وقد صنعته دُجى على الدولاب من كتلة واحدة ثم أغلقته قبل أن يجف. مع ذلك، امتد على جداره الداخلي انطباع واضح لإصبع سبابة: خطوط الجلد متقاربة، وفي وسطها ندبة هلالية قصيرة. قال لؤي، مساعد الأفران: «ربما ضغطت دُجى الطين قبل أن تغلق العنق.» أجابت جلنار: «الانطباع متجه إلى الخارج. كأن إصبعًا كان داخل الوعاء ودفع جداره.» لم يضحك لؤي. منذ فتحا الفرن صباحًا، بدت أشياء أخرى غير صحيحة. اثنان من الأكواب انكمشا أكثر من النسبة المتوقعة، وصحن بقي دافئًا بعد أن بردت بقية الحمولة، وتمثال طائر صغير صار أثقل مما سجله صاحبه قبل الحرق. لكن العيوب الغريبة تحدث في الخزف: جيب هواء، خلل في الخلط، مادة مجهولة داخل الطين. أما بصمة كاملة في تجويف مغلق، فليست عيبًا تعرفه المهنة. وضعت جلنار الوعاء في خزانة العزل، وكتبت على ورقته: «لا يُسلّم قبل الفحص.» لم تستخدم كلمة بصمة. كانت تدير أفران مركز «دار الطين» منذ تسع سنوات، وتعرف سرعة تحول الملاحظة غي...

نبض الجذور

صورة
 لم يبدُ جذع النخلة مريضًا، لكنه ردّ على يد رَواء بنبضة. ثبتت كفها على القشرة الرمادية الخشنة، تنتظر الخشخشة التي يصنعها سوس النخيل حين يقرض الأنسجة من الداخل. كان جهاز الالتقاط المعلّق بحزامها يحوّل أدق الاهتزازات إلى موجات خضراء على شاشة صغيرة، وقد اعتادت أن تسمع عبر سماعتيها طقطقة اليرقات واحتكاك الفكوك الدقيقة، أصواتًا جافة تشبه كسر أعواد ثقاب بعيدة. غير أن ما جاءها من النخلة لم يكن قضمًا. ضربة واحدة عميقة، ثم سكون، ثم ضربة ثانية. رفعت أصابعها. توقف الصوت. أعادت كفها. عادت الضربات، متباعدة بانتظام يكاد يطابق خفقان قلبها بعد الرحلة الطويلة. قال مظفّر، صاحب البستان، وهو يقف وراءها: «وجدتِ الحشرة؟» نزعت رَواء السماعة ببطء. كانت الشمس تنحدر خلف صفوف النخيل، فتتحول السعفات العليا إلى رماح سوداء فوق سماء نحاسية. امتد بستان العَمود على أرض منخفضة عند حافة ناحية الهنادرة، محاطًا بسياج من القصب اليابس وقناة ري أعيد فتحها قبل شهر. في الصور التي أرسلها مظفّر إلى مديرية الزراعة ظهرت ست نخلات منكسرة عند القاعدة، مع تجاويف في الجذوع توحي بإصابة شديدة بالسوسة الحمراء. لكن الأشجار الماثلة أمام...

برد الشمس

صورة
حين وصلت رَيْدة السُّرَيْحي إلى محطة السِّراج، كانت الشمس تهبط خلف سهل مَرْهَج الحجري كقرص نحاسي أُخرج لتوّه من فرن. امتدت آلاف المرايا حول البرج المركزي في دوائر دقيقة، وكل واحدة منها مائلة بزاوية مختلفة، حتى بدا السهل كعين حشرة هائلة انقسمت إلى اثني عشر ألف بؤبؤ. لم تكن ريدة تحب محطات الطاقة الشمسية عند الغروب. في النهار تطيع المرايا الشمس، أما بعد اختفائها فتبقى شاخصة إلى السماء، بلا وظيفة، كوجوه نسيت لماذا رفعت رؤوسها. استدعتها الشركة لتفسير عجز يتكرر منذ سبع ليالٍ في مخزون الحرارة. كانت محطة السراج تضخ أملاح النترات المصهورة إلى خزان ساخن، ثم تستعيد حرارتها ليلًا كي تولد البخار والكهرباء. الحسابات تقول إن الخزان يحتفظ بما يكفي لتشغيل التوربينات عشر ساعات، لكن الطاقة تضيع كل ليلة بمقدار أحد عشر ميغاواطًا ساعيًّا، من غير تسرب ظاهر ولا خطأ في العدادات. قال جابر الوَشْلي، مدير التشغيل، وهو يقودها عبر البوابة: — أريد جوابًا قبل طلوع الشمس. إذا كتبتِ كلمة تسرب في تقريرك، سيوقفون المحطة أسبوعًا، والخسارة لن يدفعها جهازك الحراري. كان رجلًا عريض الكتفين، يتكلم كما لو أن كل جملة أمر طو...

ما حفظه الملح

صورة
وصلني التسجيل قبل أن أنطق الجملة التي يحتويها بثلاثة أيام. كان ملفًا صوتيًّا مدته إحدى عشرة ثانية، بلا اسم مرسل ولا عنوان. في بدايته تنفس متقطع، يتبعه احتكاك يشبه جر حقيبة فوق حصى، ثم جاء صوتي واضحًا، قريبًا من الميكروفون، يقول: «إذا سمعتموني من داخل الجدار، فلا تجيبوا». استمعت إليه خمس مرات. قارنت النبرة بتسجيلات محاضراتي، وبالملاحظات الصوتية التي أرسلها إلى نفسي حين تخطر لي فكرة في الطريق. لم يكن تقليدًا رديئًا ولا تركيبًا آليًّا ظاهرًا؛ كان صوتي بما فيه من بحة خفيفة عند حرف الحاء، وبالوقفة التي أتركها قبل الجملة الأخيرة حين أكون خائفًا وأحاول ألا أبدو كذلك. مسحت الملف، فعاد بعد دقيقة إلى صندوق الوارد. أغلقت الحاسوب، لكنه اشتغل وحده عند الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، وبدأ التسجيل من مكبراته. نزعت القابس من الجدار، وسكت الصوت. أقنعت نفسي أن زميلًا يمزح معي بسبب المهمة الجديدة التي أخبرتهم عنها: فحص منجم ملح مهجور قبل أن تحوله شركة «السديم» إلى مخزن تحت الأرض للوثائق والأجهزة الحساسة. بعد ثلاثة أيام كنت أقف أمام بوابة منجم القَفْر، على مسافة ساعتين من آخر بلدة مأهولة. لم...