حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
أطلس الريح العمياء
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
لم تكن مدينة لُجّان معلّقة في السماء كما تزعم كتب المدارس؛ كانت تسقط ببطء شديد، إلى حدّ أن أجيالًا كاملة عاشت وماتت وهي تظنّ ثباتها قانونًا من قوانين الكون.
لم يعرف الناس حقيقة ذلك إلا صباح اليوم الذي توقفت فيه دواليب الريح الشرقية. استيقظ الخبازون فوجدوا الطحين يتصاعد من الأفران بدل أن يستقر فيها، وانحنت أجراس الأبراج نحو الغرب مع أن الهواء كان ساكنًا، ثم ارتطم طرف الجسر النحاسي بجزيرة صغيرة كانت تفصلها عن لُجّان مسافة يوم كامل. عند الظهيرة، صار بحر السحاب أقرب بمئة ذراع، وبدأت قمم سوداء تظهر تحته مثل أسنان مخلوق ينتظر فريسته.
كانت تُهامة السَّروجي في غرفة الخرائط حين انكسر أول مقياس للارتفاع. رأت الإبرة ترتجف فوق الصفر، ثم تدور إلى الجهة التي لم تُسمَّ قط. في الخرائط الرسمية أربع جهات، وفي خرائط المهربين ست، أمّا تلك الإبرة فاختارت فراغًا بين الجهات، واستقرت عليه بثقة مخيفة.
أخرجت تُهامة من جيبها قرصًا نحاسيًا ورثته عن أمها. لم يكن بوصلة، بل خريطة مطوية على هيئة دوائر متداخلة، بلا أسماء ولا مقاييس. منذ اختفاء أمها قبل اثني عشر عامًا ظل القرص قطعة باردة لا تستجيب لشيء. لكن حين قرّبته من المقياس المكسور، انفتح نصفين، وتسربت من مفاصله خيوط ضوء فيروزية رسمت في الهواء طريقًا ينتهي عند علامة تشبه وجهًا أملس بلا عينين.
دخل كبير الخرائطيين قَسْوَر دَمْران من غير أن يطرق الباب. كان طويلًا، يلبس معطف نقابة المسالك ذا الياقة السوداء، ويتبعه حارسان يحملان صناديق إغلاق الخرائط.
قال وهو ينظر إلى القرص المفتوح:
— إذن تركت لكِ المفتاح فعلًا.
أطبقت تُهامة القرص، فانطفأت الخيوط.
— أي مفتاح؟
— مفتاح أطلس الريح العمياء. أمكِ سرقته من النقابة، وبسببه فُقد الشمال اليوم.
لم تكن الرياح في أرخبيل السُّرى مجرد هواء يتحرك. لكل اتجاه ريح تحفظ المسافة بين الجزر الطافية: الشرقية تدفع لُجّان عن جارتها، والغربية تمنعها من الهبوط، والشمالية تقود السفن عبر فجوات العاصفة. ومن يملك خرائطها يملك التجارة والماء والبريد وحركة الجيوش. لهذا بنت نقابة المسالك ثروتها على سر واحد: لا تسافر سفينة إلا بخريطة مستأجرة، تنطفئ علاماتها عند انتهاء الرحلة.
قال قَسْوَر إن الريح الشمالية انقطعت عن سبع جزر، وإن لُجّان ستدخل طبقة البرق قبل الغروب التالي. لا سبيل لإعادتها إلا الوصول إلى مرصد الجهات المهدوم، حيث خُبّئ الأطلس قبل قرون. كان يريد القرص، ووعد تُهامة أن يرسل أفضل طاقمه.
سألته:
— ولماذا لم تذهبوا حين كان الطريق آمنًا؟
صمت لحظة قصيرة، لكنها كانت كافية.
قالت:
— لأن الطريق لا يظهر لكم.
مد يده إلى القرص. أعادته إلى جيبها.
— سأذهب أنا.
— لستِ قائدة سفينة.
— وأنت لا تملك طريقًا.
لم يكن أمامه إلا الموافقة، لكنه فرض عليها مرافقًا من النقابة وحارسين. قبلت ظاهريًا، ثم خرجت من باب المخزن الخلفي، وهبطت إلى الرصيف الأدنى حيث كانت ترسو «الحَذِرة»، أصغر سفينة شراعية جوية في لُجّان وأكثرها سوء سمعة.
وجدت صاحبها رُهَيْف الصائغ نائمًا داخل صندوق الحبال. كان رجلًا تجاوز الستين، كثّ اللحية، فقد إصبعين في انفجار محرّك، ويقول إن السفن الكبيرة تُغرق أصحابها في الغرور قبل أن تسقط بهم في السحاب. أيقظته بركلة خفيفة، ووضعت أمامه كيسًا من قطع الفضة.
قال من دون أن يعدّها:
— لا أبحر اليوم. السماء فقدت ضلعًا.
فتحت القرص. امتدت الخيوط الفيروزية فوق وجهه، وانعكست في عينيه.
نهض فورًا.
— من أين حصلتِ على هذا؟
— من أمي.
— كان ينبغي أن تقولي ذلك أولًا، وتوفري فضتك.
أقلعت «الحَذِرة» قبل أن يصل رجال النقابة. لم تكن تشبه السفن المهيبة ذات الأشرعة السبعة؛ كانت زورقًا خشبيًا طويلًا، يتوسطه صاري واحد وجناحان من قماش مقوّى بالنحاس. تحت بطنها دارت ثلاث مراوح تجمع تيارات الرفع. وحين ابتعدت عن الرصيف، انزلقت لُجّان خلفهما إلى الأسفل بوضوح لم يعد بطيئًا.
قادتهما الخريطة إلى ممر لا يظهر في خرائط النقابة، بين جزيرتين مهجورتين تدوران حول بعضهما مثل حجرَي رحى. كان العبور بينهما مستحيلًا في الظاهر؛ كلما اقتربتا أطبقتا على الفراغ، ثم ابتعدتا لحظات قليلة. راقب رُهَيْف دورانهما وقال إن الفاصل أقصر من طول السفينة.
لكن تُهامة سمعت شيئًا آخر. منذ طفولتها كانت تميّز ضغط الهواء كما يميّز الموسيقي النغمات. أغمضت عينيها، وسمعت في الصمت نبضتين: الأولى لحركة الصخر، والثانية لريح خفية تضرب إحداهما من الداخل. أمرت رُهَيْف أن يطوي الجناح الأيسر قبل الانطباق بلحظة.
صاح:
— سننقلب.
— هذا ما نحتاجه.
مالت السفينة على جنبها، ودخلت الفجوة بعرضها لا بطولها. عبر الصاري على مسافة شبر من الصخر، وانفجرت حولهما أسراب من الطيور الزجاجية. وما إن خرجا حتى انطبقت الجزيرتان، فقصّتا طرف الدفة. ضحك رُهَيْف ضحكة قصيرة مذهولة.
— أمكِ كانت تفعل ذلك أيضًا. تطلب منا الخطأ الصحيح في اللحظة المناسبة.
التفتت إليه تُهامة.
— قلت إنك لا تعرفها.
— لم أقل. أنتِ لم تسألي.
اعترف أنه كان مهندس سفينتها في رحلتها الأخيرة. اسمها مَهْرة السروجي، أول خرائطية اكتشفت أن الجزر لا تثبتها الرياح وحدها، بل شبكة قديمة من المراصد تحتفظ بتوازن الأرخبيل. حين أرادت نشر اكتشافها، منعتها النقابة. كانت الخرائط المؤجرة مصدر سلطتها، وأي طريق حر يعني نهاية احتكارها. هربت مَهْرة بالقرص بحثًا عن المرصد المركزي، ولحق بها قَسْوَر. عاد هو وحده، وقال إن سفينتها ابتلعها الإعصار.
أخرج رُهَيْف من جيب سترته مسمارًا أزرق صغيرًا، تآكل نصفه بالصدأ، ووضعه قرب قدمَي تُهامة. عرفته فورًا؛ كان من صندوق الأدوات الذي احتفظت به أمها تحت سريرها، وكانت تمنع ابنتها من لمس محتوياته ثم تترك الغطاء مفتوحًا، كأن المنع درس في الفضول لا أمرًا بالطاعة. قال رُهَيْف إنه نزعه من صاري سفينة مَهْرة قبل أن يفترقا، وظل يحمله لا وفاءً، بل عقوبة يومية لا يراها أحد. رفعت تُهامة المسمار، وشعرت برغبة في رميه إلى الهاوية، إلا أنها أعادته إليه.
— لا تجعل ذنبك تذكارًا جميلًا، قالت. إذا عدنا، ستتكلم أمام الناس.
— وإذا لم نعد؟
— ستتكلم أمامي حتى آخر لحظة. أريد الحقيقة بلا بطولة، ولا عاصفة تلقي عليها اللوم.
هز رأسه، ثم أخبرها أن قَسْوَر لم يطلق النار على سفينة أمها ليقتلها؛ كان يريد تعطيل جناحها وإجبارها على الرجوع. لكن سهمًا أصاب خزان الرفع، فانحرفت السفينة نحو نطاق السكون. اختار الجميع مطاردتها لأن أمر النقابة كان أوضح من ضمائرهم. تلك العبارة آلمتها أكثر من الاعتراف نفسه: الشر لم يحتج وحشًا، بل رجالًا وجدوا الأمر المكتوب أسهل من القرار.
— ولماذا تركته يكذب؟ سألت تُهامة.
خفض رُهَيْف عينيه إلى الدفة.
— لأنني كنت على سفينته حين لحقنا بها.
لم تجد جوابًا يساوي اثني عشر عامًا من الانتظار. نزعت يدها عن الحبال، وكادت تطلب منه أن يعيدها، لكن القرص في جيبها سخن فجأة. خرجت منه خيوط الضوء، لا نحو الأمام هذه المرة، بل إلى أسفل.
انشق السحاب تحت «الحَذِرة»، وظهر سرب من الحيتان الهوائية يصعد من العتمة. كانت أجسادها شفافة، وفي داخل كل واحد منها ومضات برق صغيرة. ارتفع أكبرها تحت السفينة وحملها على ظهره. حاول رُهَيْف تشغيل المراوح، فأمسكت تُهامة بذراعه. الخريطة لم تكن تحذرها؛ كانت تدعوها إلى ترك القيادة.
انطفأت المراوح. حملهم الحوت عبر عاصفة سوداء لم يكن لأي شراع أن يقاومها. داخل الغيم بدأت قطرات مطر ترتفع من سطح السفينة نحو السماء، وكل قطرة تلامس جلد تُهامة كانت تعيد إليها ذكرى ليست لها: أمها تربط حبلًا حول معصمها، رُهَيْف يقف خلف قَسْوَر على سفينة سوداء، سهام النار تنطلق، وجسر حجري ينهار بين جزيرتين.
ثم جاءت ذكرى أخيرة. رأت أمها عند باب المرصد، حية، تدفع القرص داخل أنبوب إرسال صغير وتوجهه إلى لُجّان. كان قَسْوَر يقترب منها. لم تهرب مَهْرة. أغلقت الباب الحجري من الداخل، وأدارت آلية ضخمة حتى توقفت الريح حول المرصد، فعجزت سفينة النقابة عن الوصول. قبل أن يبتلعها السكون قالت لرُهَيْف عبر جهاز النداء:
— لا تحرس ابنتي من الطريق. احرس حقها في اختياره.
خرجت «الحَذِرة» من العاصفة عند الغروب. أمامها ظهر مرصد الجهات، محفورًا في جزيرة رأسية ترتفع من السحاب كإبرة مكسورة. دارت حوله حلقات نحاسية هائلة، بعضها ثابت وبعضها يدور عكس حركة السماء. وفي منتصف الجزيرة ارتفع تمثال حجري لرجل جالس، أعظم من الأبراج، وجهه أملس بلا عينين، ويداه مفتوحتان فوق الهاوية.
همس رُهَيْف:
— حارس الريح العمياء.
لم يكن الحارس تمثالًا. حين فتحت تُهامة القرص، تحركت أصابعه، وتساقط من مفاصلها حجر بحجم البيوت. خرج صوت من داخل الجزيرة، عميقًا إلى حد أن ألواح السفينة ارتجفت:
— قدّموا جهةً، تُفتح جهة.
ظهرت على القرص دوائر أربع، كل واحدة بلون ريح. فهم رُهَيْف العبارة بطريقته: كي يعيدوا الشمال، عليهم التضحية بإحدى الرياح الأخرى. لو اختاروا الشرق ستتصادم لُجّان بجارتها؛ ولو اختاروا الغرب ستسقط؛ ولو اختاروا الجنوب تنقطع عنها سحب المطر.
قال:
— لا يوجد اختيار ينقذ الجميع.
أجاب الحارس:
— لا توجد خريطة تنقذ الجميع.
رفعت تُهامة رأسها نحو الوجه الخالي من العينين.
— هذه جملة خرائطي، لا جملة ريح.
لم يجب.
رست السفينة عند ذراع الحارس. قفزت تُهامة إلى ممر يقود نحو صدره، وتبعها رُهَيْف. كان المرصد من الداخل مدينة من التروس. أنابيب زجاجية تحمل هواءً ملونًا، وأحجار معلقة تتحرك كلما تحركت جزيرة بعيدة. في القاعة المركزية وجدوا الأطلس.
لم يكن كتابًا. كان حوضًا دائريًا من ماء صافٍ، تطفو فوقه آلاف الصور الصغيرة للجزر، وبينها خطوط ريح مضيئة. بعض الخطوط قُطع، وبعضها عُقد حول جزر تابعة للنقابة. وفي قلب الحوض رأوا لُجّان تهبط نحو طبقة برق بنفسجية.
على حافة الحوض كانت بقايا معطف مَهْرة، ومشبك شعرها، ولا شيء آخر.
لم تبكِ تُهامة. جلست ووضعته في كفها، كأن الحزن شيء ثقيل يحتاج أولًا إلى مكان. بقي رُهَيْف بعيدًا عنها، ولم يطلب مغفرة لا يستحقها.
دوّى انفجار عند مدخل القاعة. وصلت سفينة النقابة.
دخل قَسْوَر يتقدمه أربعة حراس. كانت أشرعته ممزقة من العاصفة، لكنه ابتسم حين رأى الحوض.
— كنت أعلم أنكِ ستفتحين الطريق.
قالت تُهامة:
— وأنت كنت تعلم أن أمي وصلت إلى هنا.
— وصلت، وفشلت. أرادت أن تجعل المسالك ملكًا للجميع. هل تعرفين ماذا يعني أن يبحر كل أحمق حيث يريد؟ تصادم سفن، نهب، حروب بين الجزر. الاحتكار اسم قاسٍ للنظام، لكنه نظام.
اقترب من الحوض ومد يده إلى صورة لُجّان.
— أعيدي الشمال، وسنقول إنك أنقذت المدينة. سأعطيك مقعد أمكِ في مجلس النقابة.
— وبأي ريح أستبدله؟
— الجنوب. يمكن شراء الماء من جزر المطر.
— ومن لا يملك ثمنه؟
هز كتفيه.
— الخرائط لا تعالج الفقر.
عندئذ فهمت تُهامة لماذا سمّي الحارس أعمى. لم يكن بلا عينين لأنه عاجز عن الرؤية، بل لأن من صنعوه أرادوه ألا ينظر إلى المدن أو الناس. الأطلس يقيس الجزر كأوزان، ويوازنها بالتضحية بالأخف نفوذًا. كان السؤال الذي يكرره الحارس قانونًا كتبته النقابة القديمة: كل طريق جديد يُدفع ثمنه بإغلاق طريق آخر، ليظل العبور نادرًا، وتظل الخرائط سلعة.
فتحت قرص أمها فوق الحوض. لم تعرض دوائره طريقًا هذه المرة، بل أظهرت شقوقًا دقيقة بين طبقتيه. أدخلت مشبك مَهْرة في أحدها، فانفتح غطاء خفي. تحته كانت جملة محفورة بخط يد أمها: «الخريطة التي تخاف الضياع تصنع سجنًا».
قال قَسْوَر للحراس:
— خذوا القرص.
أمسك اثنان برُهَيْف، وتقدم ثالث نحو تُهامة. دفعت القرص في ماء الأطلس. اشتعلت الخطوط الفيروزية دفعة واحدة، وتحول سطح الحوض إلى ريح. اندفعت في القاعة عاصفة رفعت الرجال عن أقدامهم، ودارت صور الجزر حولهم.
قبض قَسْوَر على حافة الحوض وصاح:
— ستدمرين التوازن!
— لا. سأزيل الأقفال.
أدارت تُهامة القرص عكس اتجاه دوائره. قاومها كأنه ترس يجر وراءه وزن السماء. ساعدها رُهَيْف بعد أن ضرب أحد الحراس بمرفقه وأفلت. تحركت الدائرة نصف دورة، فظهرت داخل الماء مسالك خفية لا تصل بين الجزر عبر الجهات الأربع، بل عبر الارتفاع والحرارة وجذب الحيتان الهوائية. كانت آلاف الطرق موجودة طوال الوقت، لكن الأطلس أخفاها كي يبدو كل اتجاه وحيدًا.
استيقظ الحارس في الخارج. دخلت أصابعه الحجرية عبر جدران المرصد، لا لتحطمها، بل لتغلق حول الحوض. عاد صوته:
— قدّموا جهةً، تُفتح جهة.
صرخت تُهامة:
— لن أقدم لك شيئًا.
— إذن تُغلق الجهات كلها.
بدأت خطوط الريح تنطفئ. في الماء تسارعت صورة لُجّان نحو البرق. تشققت أرض القاعة، وانفتحت تحت قَسْوَر فجوة إلى السحاب. تعلق بحافة حجرية، وتدلت قدماه في الفراغ. كان أقرب الحراس إليه قد فر، وبقيت يده بعيدة عن يد تُهامة مقدار ذراع.
صاح رُهَيْف:
— اتركيه! إذا تحركتِ ضاع القرص.
كان عليها أن تبقي كلتا يديها على الدائرة كي لا تعود إلى موضعها. نظر قَسْوَر إليها، ولم يطلب النجدة. ربما عرف أنه لا يملك في حياته كلها فعلًا واحدًا يمنحه حق الطلب.
خلعت تُهامة حزامها بأسنانها، وثبتت طرفه حول معصمها، ثم رمت الطرف الآخر إليه. أمسكه. انتقل وزن جسده إلى كتفها، وكادت يدها تنفلت من القرص.
قالت لرُهَيْف:
— لا أستطيع فتح خريطة للجميع وأبدأها بترك رجل يسقط.
ربط رُهَيْف الحزام بعمود، ثم أمسك الدائرة وحده. سحب الحراس قائدهم، لكن قَسْوَر بقي على الأرض يلهث وينظر إلى تُهامة كمن رأى قانونًا لا يعرف كيف يستعمله.
أدركت أن القوة لن تكسر آلية بُنيت على المقايضة. نزعت القرص من الحوض. فورًا انطفأت المسالك، وارتفع الحارس أكثر. كانت لُجّان في الصورة على وشك ملامسة البرق.
رفعت تُهامة القرص بكلتا يديها، ثم ضربته بحافة الحوض.
صرخ رُهَيْف باسمها.
لم ينكسر من الضربة الأولى. ضربته ثانية، فانفصلت إحدى دوائره. وفي الثالثة تناثر القرص إلى قطع نحاسية صغيرة، كل قطعة تحمل جزءًا من الطريق.
ساد صمت كامل.
ثم حملت العاصفة القطع.
طارت عبر أنابيب المرصد، ومرت بين أصابع الحارس، وانتشرت في السماء كشظايا نجوم. كل قطعة اتجهت إلى جزيرة، وحين لامست هواءها اشتعل فوقها مسار لم تره من قبل. لم يعد الأطلس يملك خريطة واحدة يمكن إغلاقها. صار في سماء كل مدينة جزء من المعرفة، وصارت الأجزاء تتبادل الضوء فيما بينها.
تحركت صورة لُجّان داخل الحوض. لم ترتفع بفعل الريح الشمالية وحدها؛ جذبتها ثلاثة مسارات جديدة: تيار دافئ من جزيرة البساتين، وموجة رفع من سرب الحيتان، ودوامة صاعدة من طبقة البرق نفسها. توقفت عن السقوط، ثم ارتفعت ببطء.
أما الحارس، فتشقّق وجهه الأملس من المنتصف. لم تظهر خلفه عينان، بل فضاء واسع تتقاطع فيه طرق مضيئة. فتح كفيه، وترك المرصد.
قال للمرة الأخيرة:
— لا جهة تُقدَّم. كل جهة تتغير.
ثم عاد حجرًا.
انهارت القاعة قبل أن يفهموا إن كان ذلك قبولًا أم نهاية. ركضوا إلى السفن، لكن جسر المرصد انكسر. كانت «الحَذِرة» على الجانب الآخر، تتأرجح مربوطة بحبل واحد. سفينة النقابة أقرب، غير أن صاريها تهشم.
أمر قَسْوَر حراسه أن ينقلوا جناحها السليم إلى «الحَذِرة». لم يحتج أحد إلى مناقشة القيادة. عملوا جميعًا فيما الجزيرة ترتج. ثبت رُهَيْف الجناح، وتولت تُهامة الدفة، وجلس قَسْوَر عند المروحة اليدوية يديرها بذراع مصابة.
قفزت السفينة من المرصد لحظة سقوطه. لم تكن هناك ريح شمالية تقودهم، ولا خريطة تعطيهم خطًا آمنًا. لكن السماء امتلأت بمسالك فيروزية تأتي من كل جزيرة، تتبدل كلما تبدل الهواء. لم تعد الطريق أمرًا مطبوعًا؛ صارت حوارًا حيًا بين من يسافر ومن يعيش تحته.
اتبعت تُهامة تيارًا رفعته جزيرة مجهولة، ثم مالت مع سرب حيتان، وعبرت فوق البرق بدل الهرب منه. وحين ظهرت لُجّان عند الفجر، كانت أعلى مما كانت عليه في الأمس. حولها طافت عشرات السفن الصغيرة التي خرجت بلا خرائط مستأجرة، يقود أصحابها الضوء المنتشر في السماء.
استقبل الناس «الحَذِرة» على الرصيف الأدنى. حاول أعضاء النقابة إغلاقه، لكن خرائطهم نفسها كانت قد تغيرت؛ الأوراق البيضاء امتلأت بمسالك لا تحمل ختمًا ولا تاريخ انتهاء. في الأسواق، أخذ الأطفال يرسمونها على الجدران. وفي الموانئ البعيدة، أرسل البحارة إشارات ضوئية تؤكد أن الجزر السبع نجت.
استقال قَسْوَر من مجلس النقابة قبل محاكمته. لم يطلب العفو، وسلّم سجلات الرحلة الأخيرة لمَهْرة، وفيها اعترافه بملاحقتها وتركها في المرصد. أما رُهَيْف فبقي في ورشة الرصيف يصلح «الحَذِرة». لم تسامحه تُهامة بجملة واحدة، ولم تطرده. جعلته يروي الحقيقة كاملة لعائلات الذين ضاعوا بسبب الخرائط المغلقة، ثم تركت للزمن ما لا تستطيع العدالة وحدها إصلاحه.
بعد شهر، افتتحت تُهامة بيتًا عامًا للمسالك في غرفة الخرائط القديمة. لم تكن فيه خزائن ولا صناديق إغلاق. كل سفينة تصل تضيف ما تعلمته، وكل طريق يتغير يُمحى ويُرسم من جديد. فوق الباب علقت مشبك شعر أمها، وتحته تركت مكانًا فارغًا للقرص الذي لم يعد موجودًا.
سألها طفل جاء يحمل خريطة رسمها على قطعة قماش:
— كيف نعرف أن الطريق صحيحة إذا كانت تتغير دائمًا؟
أخذت تُهامة القماش، ونظرت إلى خط متعرج يقفز بين جزيرتين.
قالت:
— لا نعرف. لهذا نسافر معًا، ويعود من يصل ليخبر الآخرين.
في المساء خرجت إلى الشرفة. كانت لُجّان ثابتة، لا لأنها توقفت عن السقوط إلى الأبد، بل لأن آلاف التيارات حملتها في الوقت نفسه. بعيدًا، ظهر وجه الحارس الحجري بين السحب ثم اختفى. لم يعد أعمى؛ أو لعل السماء كلها صارت عينيه.
فتحت تُهامة كفها. وجدت فيها شظية صغيرة من قرص أمها، لم تحمل سهمًا ولا اسمًا، بل خطًا من الضوء يتجه نحو جزيرة لم يرسمها أحد بعد.
أغلقت أصابعها عليها، ثم ابتسمت.
لم تكن تلك نهاية الخريطة.
كانت أول مرة لا يحتاج فيها الطريق إلى مالك.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق