ميزان البحر

ميزان البحر
عند الظهر، انسحب البحر من مرفأ مَهْرانة دفعة واحدة، حتى إن سبع سفن هوت على بطونها فوق الطين قبل أن يتمكن البحارة من إنزال مراسيها. تدحرجت الأسماك بين الحبال، وانقلبت القوارب الصغيرة على جوانبها، وظل جرس الميناء يتأرجح فوق الرصيف من غير أن يصدر صوتًا، كأن الهواء نفسه فوجئ بما حدث. كانت لُبنى السِّلالي في دار الموازين، تفحص أثقال النحاس التي تُختم بها حمولات السفن، حين سمعت صياح الناس. خرجت وفي يدها ثقل معياري صغير، فرأت الماء يبتعد عن المدينة مسرعًا، لا على هيئة موجة راجعة، بل كستارة زرقاء تُسحب فوق أرض مستوية. بعد دقائق ظهر قاع الخليج كاملًا: سلاسل صدئة، مراسٍ غارقة، جرار محطمة، وهياكل سفن مات أصحابها قبل أن يولد أجدادها. وعلى امتداد الأفق ارتفع البحر جدارين شاهقين، أحدهما شمال المرفأ والآخر جنوبه، وبينهما طريق من الوحل اللامع يقود إلى أرض لم ترها الشمس منذ ثمانية عشر عامًا. كان موعد الجزر الكبير بعد ثلاثة أيام، في الليلة التي يكتمل فيها قمر الخريف. يعرف كل طفل في مهرانة قصته، وتحفظ مدارسها القاعدة التي كُتبت فوق أبواب المخازن: ما يؤخذ من مدينة سُدُم يُترك مكانه وزنًا بوزن، وما يُنقصه الطامع يسترده البحر من جسده. غير أن البحر لم ينتظر القمر هذه المرة، ولم ينسحب لليلة واحدة كما تقول السجلات. انسحب في عز النهار، وسكت جرس الميناء، وبدأت آبار المدينة تتذوق الملح. وصل شَمْهور، ناظر المرفأ ورئيس مجلس التجار، محاطًا بالحراس. كان رجلاً عريض الصدر، يرتدي معطفًا أخضر تتدلى من كتفه سلسلة من مفاتيح المخازن. صعد إلى صندوق شحن مقلوب ورفع يديه حتى خفت الضجيج. قال إن حجر العودة سُرق من بيت المد، وإن البحر لن يرجع إلى موضعه ما لم يُستعد الحجر من سُدُم قبل حلول الليل. ثم أعلن أنه سيقود بعثة من اثني عشر رجلاً، يحملون صندوق المقابلة المملوء بالأثقال المقدسة، ويعيدون الحجر إلى برج الميزان وسط المدينة الغارقة. لم تصدق لُبنى كلمة واحدة. كانت قد عايرت أثقال صندوق المقابلة في بداية الشهر. أربعة وعشرون ثقلًا من نحاس أسود، وزن الواحد منها ثلاثة أرطال مهرانية لا تزيد حبة ولا تنقص. أما الصندوق الذي حمله الحراس أمام الناس فكان خفيفًا إلى حد أن رجلين رفعاه بسهولة، مع أن ستة رجال كانوا يحتاجون عادة إلى نقله. وحين وضعوه لحظة على منصة الرصيف، سمعت لُبنى رنينًا أجوف من داخله. تقدمت وقالت: «افتحوا الصندوق أمام دار الموازين.» رمقها شمهور من فوق كتف أحد الحراس. «لدينا وقت لإنقاذ المدينة، لا لإرضاء شكوكك.» «الأثقال داخله مفرغة.» تبادل الناس النظرات. اقتربت لُبنى وضربت جانب الصندوق بثقلها الصغير. جاءها الصدى خفيفًا واضحًا. أضافت: «إن نزلتم بها إلى سُدُم فلن تعادل ما تحملونه منها.» ابتسم شمهور ابتسامة ضيقة. «أمضيتِ عمرك بين كفتي ميزان حتى صرت تظنين أن العالم كله دكان حبوب. هذه أثقال بيت المد، وليست بضاعتك.» أمر الحراس بإبعادها، ثم تحركت البعثة فوق القاع المكشوف بعربتين عريضتي العجلات. كان بينهم نَديم، صانع الأشرعة، وقد ربط على ظهره لفافة حبال طويلة. لمحته أخته غَيْثاء من بين الواقفين، فاندفعت وراءه، لكن الحارس ردها بعصاه. التفت نديم إليها مرة واحدة، وهز رأسه كمن يقول لها ألا تتبعه، ثم مضى. عرفت لُبنى غيثاء معرفة عابرة. كانت تقود زوارق البريد بين الجزر في الفصول التي تعجز فيها السفن الكبيرة عن عبور الشعب المرجانية. نحيلة، سريعة الحركة، ولها عينان لا تستقران على شيء إلا بعد أن تعرفا أقصر طريق إليه. اقتربت من لُبنى وقالت بصوت خافت: «أخي لا يعرف شيئًا عن حجر العودة. استدعوه صباحًا وقالوا إنهم يحتاجون إلى رجل يفهم الأشرعة.» «لأنهم لا ينوون العودة بالعربات.» نظرت غيثاء إلى الجدارين البعيدين من الماء. «ماذا ينوون؟» «لا أعرف بعد.» عادت لُبنى إلى دار الموازين. وضعت في حقيبة جلدية ميزانًا نابضيًا، وأربعة أثقال معيارية، ومطرقة قصيرة، ومبردًا، وسكين حبال. ثم أخذت من المستودع لوحين مقوسين كان عمال الملح يثبتونهما تحت أقدامهم لعبور السبخات. وجدت غيثاء تنتظرها عند الباب، تحمل شراعًا مطويًا وقضيبين من الخيزران. قالت: «إذا كنت ذاهبة، فلن تصلي من دوني. الطين بعد حافة الخليج يبتلع الرجل حتى خصره.» ربطتا اللوحين إلى قدميهما، وانزلقتا فوق القاع وراء آثار العربتين. كانت رائحة الأعشاب المكشوفة ثقيلة، وتحت الشمس راحت برك الماء الصغيرة تغلي حول السرطانات. مرّتا بجانب سفينة غارقة بقيت صواريها قائمة، وقد تعلقت في أعلاها قناديل بحر كأنها ثمار شفافة. وفي مواضع أخرى ظل الماء معلقًا في الهواء على هيئة كرات ضخمة، تسبح داخلها أسماك مذعورة. كلما اقتربت إحداهما من كرة انبعج سطحها، لكنه لم ينفجر. قالت غيثاء: «كان جدي يقول إن سُدُم لا تسمح للماء أن يغادرها كله.» أجابت لُبنى وهي تفحص أثر عجلة غاصت في الوحل: «كان جدك أذكى من مجلس التجار.» بعد ساعتين وصلتا إلى شق طويل في القاع. عبرت البعثة قبله بجسر حبال كان محفوظًا في إحدى العربتين، ثم قطعت الطرف البعيد وأسقطته في الهوة. وقفت غيثاء عند الحافة. في الأسفل كانت مياه داكنة تتحرك، ولم يكن للشق قاع ظاهر. نشرت الشراع فوق الأرض، وأدخلت قضيبَي الخيزران في حافتيه، ثم ربطت الحبال عند الزوايا. صنعت منه طائرة صغيرة لا تكفي لحملهما طويلًا، لكنها قد تُبطئ السقوط. ثبتتا الحبل المتبقي في مرساة صدئة، وركضتا معًا قبل أن تقفزا. انتفخ الشراع، ورفعهما الهواء الصاعد من الشق، فتأرجحتا فوق السواد. ارتطم اللوحان بالحافة الأخرى، وانزلقت غيثاء على ركبتيها، بينما بقي نصف جسد لُبنى معلقًا فوق الهوة. أمسكت غيثاء بحزامها وسحبتها حتى تدحرجتا بعيدًا. ضحكت غيثاء، ضحكة قصيرة متوترة. قالت لُبنى: «ما المضحك؟» «أنك حملتِ أربعة أثقال نحاسية إلى مكان كان سيقتلك فيه نصف رطل زائد.» نزعت لُبنى الطين عن حقيبتها. «لهذا يجب أن يعرف المرء ما يحمله.» ظهرت سُدُم قبيل العصر. لم تكن خرائب كما تصورتها لُبنى، بل مدينة كاملة تحتفظ بهيئتها في قاع البحر: أبراج من حجر أزرق، جسور مقوسة، ساحات مرصوفة بالصدف، وتماثيل بلا وجوه تحمل أحواضًا بقي فيها الماء. غطت طبقة رقيقة من الملح النوافذ، فكانت المباني تلمع كما لو أنها منحوتة من جليد. وفي وسطها ارتفع برج الميزان، تعلوه أربع كفات حجرية ضخمة تشير إلى الجهات الأربع. وجدتا أول عربة عند المدخل، مقلوبة ومحورها مكسور. لم يكن حولها أحد. أما صندوق المقابلة فكان مفتوحًا، وفي داخله قوالب نحاسية براقة. رفعت لُبنى واحدًا ووضعته في ميزانها النابضي. كان يفترض أن يزن ثلاثة أرطال، لكنه لم يبلغ نصف رطل. خدشت سطحه بالمبرد، فانقشرت طبقة رقيقة وظهر تحتها خشب خفيف. قالت غيثاء: «لماذا يتعب نفسه بصنعها؟» «كي يراه الناس وهو يغادر بالصندوق. الأثقال الحقيقية لم تخرج من المدينة.» اتبعتا آثار الأقدام إلى بوابة سُدُم. كان لها مصراعان مرتفعان، وأمامهما منصتان من الحجر. تراكمت فوق المنصة اليمنى تماثيل صغيرة وأوانٍ وخناجر مرصعة، أخذها رجال البعثة من البيوت في طريقهم. وعلى اليسرى وُضعت الأثقال الزائفة. بقي المصراعان مفتوحين، لكن ظلال ثلاثة رجال التصقت بأرض الممر خلفهما، في حين لم يظهر لأصحابها أثر. توقفت غيثاء. «ماذا فعلت بهم المدينة؟» ركعت لُبنى قرب أقرب ظل. كان مسطحًا ساكنًا، إلا أن أطراف أصابعه تحركت حين مرت سحابة فوق الشمس. قالت: «استردت النقص. لم تجد وزنًا في الصندوق، فأخذت ما تعبر به الأجساد من الضوء.» أفرغت حقيبتها فوق المنصة اليسرى، وأضافت الأثقال الأربعة وأدواتها وحزامها الجلدي. تحرك مؤشر حجري في أعلى البوابة، لكنه توقف قبل المنتصف. وضعت غيثاء سكينها ومشابك شعرها ولفافة النقود. بقي العجز كبيرًا. نظرتا إلى الجسر الحجري وراءهما. كانت التماثيل المسروقة على المنصة الأخرى أكثر مما يمكنهما معادلته. قالت لُبنى: «لن نشتري عبورنا. سنعيد ما لم يكن لهم.» حملتا القطع واحدة بعد أخرى إلى البيوت المفتوحة. لم تعرفا الموضع الأصلي لكل قطعة، فاكتفتا بإخراجها من حيازة العابرين ووضعها داخل حدود المدينة. كلما أعادتا شيئًا انكمش أحد الظلال الملتصقة بالممر. وعند آخر إناء نهضت الظلال الثلاثة من الأرض كدخان رقيق، ثم اندفعت بين الأزقة. دقت البوابة دقة واحدة. أصبح المرور آمنًا. في الساحة الكبرى وجدتا رجلًا من البعثة جالسًا إلى عمود، شاحبًا وعاجزًا عن الوقوف. أخبرهما أن شمهور وعدهم بمخزن من الياقوت البحري، ثم أخذهم إلى قاعة المواسم وأجبرهم على حمل ما فيها. حين اعترض ثلاثة منهم، ابتلعت البوابة ظلالهم، فهرب الباقون. أما نديم فواصل السير لأن شمهور هدده بإحراق ورشة أسرته إن عاد خالي اليدين. سألته لُبنى عن حجر العودة. قال الرجل: «لم يُسرق. كان معه منذ بدأنا. رأيته يخرجه من تحت معطفه عندما دخل البرج.» اتضح الأمر. سرق شمهور الحجر من بيت المد، ثم حرّك به آلة الجزر قبل موعدها، وأعلن بعثته حتى يصل إلى المدينة تحت ستار إنقاذ مهرانة. لم يكن البحر قد خان دورته؛ رجل واحد هو الذي كذب على ميزانه. تركتا الرجل يسير نحو البوابة بعد أن أعطته غيثاء أحد لوحي الملح. ثم أسرعتا إلى برج الميزان. في الطريق اهتزت الأرض، وبدأ الجداران البعيدان من الماء يميلان إلى الداخل. لم يبق على الغروب أكثر من ساعة. كان باب البرج مستديرًا، وفي مركزه تجويف على هيئة كف. وضعت لُبنى يدها فلم يحدث شيء. جربت غيثاء، فبقي مغلقًا. فوق الباب نُقشت أربع صور: يد تحمل إناء، ويد تعيده، ويد فارغة، ثم كفتان متساويتان. قالت لُبنى: «لا يسأل عمّن نحن. يسأل عمّا دخلنا به.» وضعت أحد الأثقال المعيارية في التجويف، فانفتح الباب بمقدار إصبع. أضافت الثاني والثالث والرابع، فاتسعت الفتحة نصف ذراع ثم توقفت. كان عليها أن تترك آخر ما تملك من معيار المرفأ الصغير، القطعة التي ورثتها مع وظيفة دار الموازين وظلت معلقة في عنقها عشرة أعوام. نزعتها، حدقت في ختم المدينة المحفور عليها، ثم وضعتها في الكف الحجرية. انفتح الباب كاملًا. قالت غيثاء: «ستفقدين عملك إذا عدنا.» أجابتها لُبنى: «إذا لم نعد فلن يبقى مرفأ يحتاج إلى عملي.» صعدتا سلّمًا يلتف داخل البرج. كانت الجدران مغطاة بقنوات زجاجية تتحرك فيها قطرات من ماء مضيء، وتتجمع عند دوائر نحاسية ثم تنقسم بالتساوي. في أعلى السلم سمعتا شجارًا. دخلتا قاعة واسعة بلا سقف، تتوسطها آلة تشبه ميزانًا ذا أربع كفات، وتحتها بئر مربعة يتقلب فيها ماء أسود. وقف شمهور عند الكفة الغربية، يحمل حجرًا أزرق بحجم رأس طفل. كان نديم مربوط اليدين قرب العمود، بينما يحاول حارسان رفع تاج نحاسي ضخم من منصة وسط الآلة. صرخت غيثاء باسم أخيها. التفت شمهور، ولم يبدُ متفاجئًا. قال: «كنت أعلم أن دار الموازين سترسل صاحبتها. لهذا تركت البوابة تتولى أمرك.» أجابته لُبنى: «البوابة لا تعمل عندك.» أشار إلى التاج. كان مكوّنًا من أربع حلقات متداخلة، على كل واحدة مسار يمثل خليجًا من خلجان الأرخبيل. قال إن القدماء لم يبنوا آلة لإعادة البحر فحسب، بل للتحكم في موضعه. إذا أدار الحلقة الغربية، ظل خليج مهرانة جافًا وظهرت مناجم النحاس المدفونة تحت سُدُم. وإذا أغلق المسار الشرقي، غمر الماء جزر منافسيه ولم تعد سفنهم تصل إلى طرق التجارة. قالت لُبنى: «هذه ليست مسارات جزر. إنها مجاري توزيع الضغط. إذا أغلقت واحدًا، فلن ينتقل ماؤه إلى خليج آخر. سيندفع تحت القاع.» «أنت تزنين أكياس الدقيق، فلا تحدثيني عن صناعة الملوك.» ضرب شمهور الحجر في موضعه على الكفة الغربية. انخفضت الكفة، ودارت إحدى حلقات التاج. اهتز البرج بعنف، واندفع من البئر عمود ماء ارتطم بالحافة. من الخارج جاء صوت تكسّر متتابع. انشقت ساحة المدينة بخط أسود، وبدأ أحد الأبراج يغوص في الأرض. قالت لُبنى: «القاع أجوف. البحر لا يقف خلف الجدارين؛ الآلة تحمله موزعًا فوق تجاويف المدينة. إذا حبسته عن العودة انهارت السقوف، وسقطت مهرانة معه.» نظر الحارسان إلى شمهور. ترددا، فصاح بهما أن يرفعا التاج. استغلت غيثاء اللحظة، ورمت قضيب الخيزران بين ساقي أحدهما. سقط، وأفلت الحلقة التي يحملها، فارتطمت بالكفة الشمالية. قفزت لُبنى نحو الحجر الأزرق، لكن شمهور أمسك معصمها ودفعها إلى حافة البئر. لم يكن قويًا بقدر ما بدا؛ كان معطفه مثقلًا بقطع معدنية سرقها من القاعة. أمسكت لُبنى بالسلسلة على كتفه وشدتها، فانفتحت بطانة المعطف وتساقطت منها أقراص ذهبية وأختام وتمائم. كل قطعة ارتطمت بالأرض جعلت الآلة تميل في اتجاه مختلف. راحت الحلقات تدور بسرعة، والجدران الزجاجية تمتلئ بالماء. حررت غيثاء نديم بسكين الحبال، ودفعا الحارس الثاني بعيدًا عن التاج. أما الأول ففر إلى السلم. حاول شمهور جمع الذهب، لكن الأرض مالت، فانزلقت الأقراص نحو البئر. ارتمى فوقها وضمها بذراعيه. قالت لُبنى: «اتركها! لا يمكن ضبط الآلة وفيها أوزان متحركة.» أجاب وهو يلهث: «هذه مدينة كاملة من الثروة.» «وهذا بحر كامل فوق رؤوسنا.» بلغ الماء حافة البئر، وارتفعت منه دوامة جذبت القطع الصغيرة. انزلق شمهور معها، فتدلى نصف جسده فوق الماء الأسود. كان بوسع غيثاء أن تتركه، لكنه أمسك بطرف ثوبها وهو يصرخ. ثبتت قدميها، وأمسك نديم بخصرها. ركضت لُبنى وساعدتهما حتى سحبوه إلى الأرض. وحين نهض شمهور لم يجد الذهب؛ ابتلعته الدوامة كله. أغلقت لُبنى الحجر الأزرق بين ذراعيها. وزنه أثقل مما يوحي حجمه. وضعته في الميزان النابضي، فوجدته سبعة وثلاثين رطلاً بالضبط. بحثت حول قاعدة الآلة، فرأت على الكفة المقابلة تجويفًا فارغًا ونقشًا بالعدد نفسه. لم يكن الحجر مفتاحًا يوجه البحر، بل ثقل المعايرة الذي يحفظ الكفات متساوية عندما تكون المدينة مكشوفة. قالت لنديم: «أعد التاج إلى المنصة، ولا تدع الحلقات تتحرك.» أمسك نديم وغيثاء جانبيه، بينما ثبّتت لُبنى المسارات واحدًا فوق الآخر. كانت العلامات الأربع لا تمثل الشمال والجنوب والشرق والغرب كما ظن شمهور، بل الأعماق الأربعة: الساحل، والشعاب، والممر، والغور. رتبتها من الأخف إلى الأثقل، وفق مقدار الماء المنقوش بجانب كل مسار. هدأت القنوات الزجاجية، لكن الكفة الغربية بقيت منخفضة بسبب الحجر. احتاجت الكفة الشرقية إلى سبعة وثلاثين رطلاً. جمعوا أدوات الحارسين والأسلحة والأقراص القليلة التي لم تسقط. بلغ الوزن تسعة وعشرين. أضاف نديم أبازيمه وحذاءيه، وأضافت غيثاء قضيبَي الخيزران ومشبك الحزام. صار خمسة وثلاثين رطلاً وثماني أوقيات. لم يبق مع لُبنى شيء؛ تركت أثقالها عند الباب. نظرت إلى شمهور. كان ما يزال يرتدي سلسلة مفاتيح المخازن المصنوعة من الحديد، وفي إصبعه خاتم المجلس الثقيل. قالت: «السلسلة والخاتم.» خبأ يده خلف ظهره. «الخاتم سلطة المدينة.» مالت الكفة أكثر، وارتفع الماء إلى أقدامهم. قال نديم: «بعد دقائق لن تكون هناك مدينة تحكمها.» نزع شمهور الخاتم ببطء، ثم السلسلة، ووضعهما في كف لُبنى. بقي نقص أربع أوقيات. شقت لُبنى البطانة الجلدية الثقيلة من حقيبتها المبتلة، وقطعتها شرائط، ثم أضافت منها حتى استقام مؤشر الميزان فوق العلامة الدقيقة. توقفت الحلقات. هبط الحجر الأزرق في تجويفه، وأصدرت الآلة نغمة عميقة أحسوا بها في عظامهم. اندفع الماء المضيء داخل القنوات في الاتجاه المعاكس. ومن أعلى البرج رأوا الجدارين البحريين ينتصبان من جديد بدل أن يميلا إلى الداخل. لكن البحر كان يستعد للعودة. لم يكن أمامهم وقت لاستعادة الأثقال التي تركتها لُبنى عند الباب أو العربتين. أخذت غيثاء الشراع، وثبته نديم إلى لوح عريض انفصل من سقف البرج. صنعوا مزلقًا بثلاثة حبال، ووضعوا الرجل المنهك والحارسين عليه. رفض شمهور الجلوس معهم، ثم دوى خلفهم انهيار القاعة، فركب صامتًا. اندفعوا عبر الشارع الرئيسي. كانت المدينة ترتج تحت أقدامهم، ونوافذها المالحة تتشقق، لكن الأبراج توقفت عن الغوص. عند البوابة، أعادت الكف الحجرية أثقال لُبنى الخمسة دفعة واحدة، كأنها لفظتها. التقطتها من دون أن تتوقف، وربطتها في الحقيبة، ثم صعد الجميع فوق المزلق. رفع نديم الشراع. التقطته الريح التي يجرها البحر العائد، فانطلقوا فوق القاع بسرعة جعلت المباني تنسحب وراءهم كالخيال. استخدمت غيثاء قضيبًا مكسورًا لتوجيه اللوح، بينما جلست لُبنى عند المقدمة تراقب ميل الأرض. على جانبيهم تحركت كرات الماء المعلقة، فانفجرت واحدة تلو الأخرى، وأطلقت الأسماك في جداول متسارعة لحقت بالموجة القادمة. وصلوا إلى الشق العميق، فلم يجدوا الجسر. كان الجدار الجنوبي قد بدأ ينهار من أعلاه، وتقدمت موجة بيضاء تملأ الأفق. صاح نديم أن يثبت الجميع أيديهم في الحبال، ثم أدار الشراع بزاوية حادة. ضربتهم الريح من الخلف، وقفز المزلق عن الحافة. للحظة صاروا معلقين بين قاعين: تحتهم ظلام الشق، وخلفهم بحر كامل يتقدم مثل جبل متحرك. مال اللوح، وكاد شمهور يسقط، فأمسكت لُبنى سلسلة معطفه الخالية. ارتطموا بالحافة المقابلة، وانكسر طرف المزلق، لكن الزخم دفعهم إلى الأمام. جروا ما بقي منه حتى تجاوزوا السفينة الغارقة والبرك المغلية. كانت مهرانة أمامهم، وقد تجمع أهلها فوق المرتفعات خلف المرفأ. رأوا البعثة العائدة فصاحوا، لكن أصواتهم ضاعت تحت هدير الماء. بقيت مسافة طويلة إلى أول الرصيف، والموجة أسرع منهم. أشار نديم إلى سفن المرفأ المطروحة على الطين. إذا وصل الماء إليها قبل أن يبتعد الناس، دفعها نحو البيوت كالمطارق. قالت لُبنى لغيثاء: «وجهي المزلق إلى جرس الميناء.» «الطريق أعلى من قدرتنا.» «لا نحتاج إلى الصعود. نحتاج إلى حبله.» انحرفوا نحو قاعدة البرج الخشبي. قفزت لُبنى قبل أن يتوقف اللوح، وركضت إلى الحبل المتدلي من الجرس الصامت. ربطته بحلقة السلسلة الرئيسية التي تصل السفن السبع. ساعدها نديم في تمريره حول عمود حجري، ثم جذب البحارة الطرف الآخر من أعلى الرصيف. توترت السلسلة، واستقرت مقدمات السفن في اتجاه المجرى بدل البيوت. صعد الجميع المنحدر في اللحظة التي وصل فيها أول الماء إلى أقدامهم. لم تكن موجة واحدة قاتلة، بل ارتفاعًا هائلًا سريعًا. امتلأت الحفر، ثم طفت القوارب، وارتفعت السفن السبع وهي تشد السلسلة حتى صرّ العمود الحجري. ضربت إحداها جانب الرصيف، لكن مقدمتها انحرفت كما أرادت لُبنى، فمرت بمحاذاة المخازن ولم تهدمها. عاد البحر إلى حدوده قبل غروب الشمس بقليل. رن جرس الميناء أخيرًا، لا لأن أحدًا سحبه، بل لأن الماء رفع البرج الخشبي من أساسه ثم أعاده إلى موضعه. جاءت ضربته الأولى غليظة، وتبعتها ست ضربات متتابعة. ومع الضربة السابعة صفت مياه الآبار، وانطفأ البريق الأزرق في حجر العودة داخل سُدُم. وُضع شمهور تحت الحراسة في دار المجلس. حاول أن يقول إنه خاطر بنفسه لاستعادة الحجر، لكن الرجال الذين رافقوه شهدوا بما رأوا، وأخرجت لُبنى القوالب الخشبية المكسوة بالنحاس من العربة. وحين فُتح مخزنه الخاص، وُجدت الأثقال الحقيقية مخبأة خلف أكياس البهار، كما وُجدت رسوم لمناجم سُدُم وقوائم بأسماء تجار وعدهم بحصص منها. لم تُعقد محاكمة سريعة؛ أهل مهرانة كانوا قد تعلموا في ذلك اليوم أن الوزن الصحيح لا يصنعه الغضب. عُرضت الشهادات والأدلة، وأُعطي شمهور حق الرد، ثم نُزعت عنه رئاسة المرفأ وأُلزم بالعمل في إصلاح السفن التي حطمها الجزر المبكر، قبل أن يُنفى عن إدارة التجارة إلى الأبد. أما نديم فأعاد بناء ورشته، لكنه علق فوق بابها السلسلة المكسورة التي ربطت السفن، لا تذكارًا لشمهور، بل تذكيرًا بأن شيئًا صغيرًا في موضعه الصحيح قد يمنع قوة هائلة من الانحراف. وعادت غيثاء إلى زوارق البريد، وصارت أول من يرفض حمل طرد لا يُكتب وزنه الحقيقي، ولو كان مختومًا بخاتم المجلس. اقترح أهل المدينة أن تتولى لُبنى رئاسة المرفأ، فرفضت. قالت إن الموانئ تحتاج إلى من يحاسبها أكثر مما تحتاج إلى من يتوج فوقها. اكتفت بتوسيع دار الموازين، وجعلت بابها مفتوحًا لكل من يريد فحص ثقل أو عقد أو ضريبة. وضعت القوالب المزيفة في صندوق زجاجي، وإلى جانبها ثقلها الصغير القديم الذي فتح باب البرج، ثم كتبت على لوح من الخشب جملة واحدة: الميزان الذي لا يراه الناس يسهل على الطامع أن يكذب باسمه. بعد ثلاثة أيام اكتمل القمر في موعده، لكن البحر لم ينسحب ثانية. بقي هادئًا حول الأرصفة، كأن ما حدث استوفى دورة الجزر كلها. خرجت لُبنى وغيثاء إلى نهاية الحاجز الحجري. تحت الماء الصافي ظهرت للحظة قمم أبراج سُدُم بعيدة، ثم مر سرب من السمك فحجبها. سألت غيثاء: «هل تظنين أن المدينة أعادت لنا كل ما تركناه؟» فتحت لُبنى حقيبتها. كانت الأثقال الخمسة فيها، وكذلك المطرقة والمبرد والميزان. وحدها الشرائط التي قطعتها من بطانة الحقيبة لم تعد. قالت: «أعادت ما كان لنا، واحتفظت بما دفعناه بإرادتنا.» «وهل يكفي ذلك ثمنًا لبحر كامل؟» نظرت لُبنى إلى السفن السبع وهي تتمايل آمنة فوق الماء. لم تقل إنهما أنقذتا البحر، فالقول نفسه بدا لها نوعًا من الغرور الذي أوقع شمهور. لقد فعلتا شيئًا أصغر وأدق: وجدتا موضع الخلل، ثم أعادتا إلى الكفة ما ينقصها. أجابت: «لم يطلب البحر ثمنًا. طلب وزنًا صادقًا.»

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9