مرفأ السحاب
لم يكن جرس المرسى يرنّ إلا إذا حاولت جزيرة أن تهرب من السماء. لذلك، حين دوّى صوته عند الفجر، نهضت ناردين من فراشها قبل أن تفتح عينيها، واندفعت إلى الشرفة بثوب النوم وقد نسيت حذاءها. تحت بيتها كانت مدينة أَجْراس معلّقة فوق بحر من السحاب، تحملها سبعة جذور فضية تمتد من صخرة الجزيرة إلى أعماق لا يراها أحد. ستة منها ظلت مشدودة كالعادة. أما الجذر السابع، المتصل بحيّ المرسى، فكان يرتعش ويطلق ومضات زرقاء، فيما تنزلق البيوت القريبة منه ببطء نحو الحافة.
في الساحة، كان الناس يركضون حاملين أطفالهم وصناديقهم، والحراس يدفعون العربات بعيدًا عن الشق الذي اتسع في الرصيف. وصلت ناردين إلى برج الموازين وهي تلهث. لم تكن حارسة ولا ساحرة؛ كانت تصلح الساعات الجوية التي تقيس ميل الجزيرة، وهي مهنة ورثتها عن أبيها ولم يتوقف المجلس عن تذكيرها بأنها أصغر من أن تؤتمن عليها. فتحت غطاء الميزان المركزي، فرأت الإبر السبع تتخبط. ستة مؤشرات تميل إلى الغرب، والسابع يدور بلا توقف حتى انكسر طرفه.
قال قائد الحرس، مِصْباح، من خلفها:
— هل انقطع الجذر؟
وضعت أذنها على صندوق النحاس. كان داخله صوت خافت يشبه دقات قلب تحت ماء عميق.
— لا. ما زال متصلًا بشيء، لكنه لم يعد يسحبنا إلى الأسفل.
— الجذور لا تسحب. إنها تربط أَجْراس بالسماء.
رفعت رأسها إليه.
— لو كانت تربطنا بالسماء، لسقطنا حين ارتخى واحد منها. إنها تربطنا بما تحت السحاب.
كره مِصباح الجملة، لا لأنها مستحيلة، بل لأنها تشبه سؤالًا حُظر على أهل المدينة منذ أجيال. كانت كتب المدارس تقول إن العالم السفلي ابتلعه الضباب السام، وإن الأسلاف رفعوا الجزيرة لينجوا، وإن النظر طويلًا إلى الأسفل يورث الجنون. لكن أبا ناردين كان يقول لها سرًا إن كل حبل يحتاج إلى طرفين، وإن الجذر الذي يغيب في السحاب لا يمكن أن يكون مربوطًا بالفراغ.
قبل اثني عشر عامًا، نزل أبوها في سلّة الفحص ليتفقد الجذر الرابع ولم يعد. رفع الحراس السلّة فارغة، وعلى أرضها وجدوا سكينه وحفنة تراب أسود. أعلن المجلس أن الضباب أكله، وأغلق ملفه. احتفظت ناردين بالتراب في قارورة، وكانت كلما قرّبتها من أحد الموازين استقرت إبرته لحظة، كأن حفنة الأرض الصغيرة أثقل من المدينة كلها.
وصل أعضاء مجلس الارتفاع بعباءاتهم البيضاء. تقدمتهم الرئيسة دِيمة، امرأة ذات شعر قصير وصوت لا يعلو لأنه لا يحتاج إلى ذلك. نظرت إلى الشق وإلى البيوت المائلة، ثم أمرت بإخلاء حي المرسى وقطع الجذر السابع قبل أن يجذب بقية الجذور معه.
قالت ناردين:
— إذا قطعناه خسرنا واحدًا من سبعة. لا نعرف ما الذي سيحدث للجزيرة.
— نعرف ما يحدث للجسد حين يتعفن إصبع منه.
— الجذر ليس متعفنًا. إنه يرسل نبضًا.
اقتربت دِيمة من الميزان، ولمست الصندوق بأطراف أصابعها. ظهر في عينيها شيء سريع، معرفة حاولت إخفاءها.
— لديكِ حتى غروب الشمس لتثبتي أنه قابل للإصلاح. بعدها يُقطع.
لم يكن ذلك وقتًا كافيًا لصناعة سلّة نزول، لكنه كان كافيًا لسرقتها. في المستودع السفلي وجدت ناردين مركبًا صغيرًا من خشب السرو، له شراع مطوي ومروحتان نحاسيتان. صُمم قديمًا لعبور طبقات السحاب، ثم حُوّل إلى قطعة متحفية بعدما حظر المجلس الهبوط. كان هَزّاع، صانع الأشرعة، نائمًا داخل المركب وبين ذراعيه بكرة حبال. أيقظته بركلة خفيفة.
فتح عينًا واحدة وقال:
— إذا جئتِ لتسرقي المركب، فقد سبقتك إليه.
كان هَزّاع صديق طفولتها، سريع الضحك، بطيء الثقة، وله يد يسرى من خشب الجوز صنع مفاصلها بنفسه بعد حادث في طاحونة الريح. منذ سنوات وهو يبيع للمغامرين خرائط مزيفة للأماكن المحظورة، لا ليخدعهم بل ليصرفهم عنها. لم يعترف قط بأنه يخاف الارتفاع رغم أنه وُلد في مدينة لا أرض لها.
قالت ناردين:
— سينقطع الجذر السابع عند الغروب.
— أعرف. لذلك سأغادر قبل أن تميل الجزيرة وتسكبنا جميعًا.
— سأهبط لأرى ما يمسكه.
نظر إليها طويلًا، ثم تنهد ووضع بكرة الحبال جانبًا.
— كنت أتمنى مرة واحدة أن تدخلي مستودعًا وفي رأسك جريمة صغيرة.
دفعا المركب عبر باب الصيانة قبل أن يصل الحراس. ما إن تجاوز مقدمته حافة الجزيرة حتى انفتح الشراع بفعل تيار هابط، واندفع الخشب إلى بحر السحاب. أمسكت ناردين بالدفة، فيما أدار هَزّاع المروحتين بيده الخشبية والسليمة. اختفت المدينة فوقهما خلال دقائق، وبقي الجذر السابع إلى جانب المركب، عريضًا كجسر، يلمع في البياض ثم يغيب.
في الطبقة الأولى كان الضباب باردًا ورقيقًا. في الثانية صار أخضر وله رائحة معدن. أما الثالثة، التي قالت الكتب إنها قاتلة، فكانت دافئة وممطرة. فتح هَزّاع فمه ليلتقط قطرة، ثم بصقها وقال إنها مالحة. لم يموتا، ولم يجنّا. وحين اخترقا آخر السحب، ظهرت تحتهما أرض واسعة مغمورة بضوء ذهبي.
لم يكن العالم السفلي خرابًا. كانت هناك غابات زرقاء، وحقول مدرّجة على جوانب جبال سوداء، وأنهار تلمع وهي تتلوى نحو بحر بعيد. وعلى امتداد الأفق ارتفعت جذور فضية أخرى، تحمل جزرًا طافية لا تُرى من أَجْراس. بعض الجذور خرج من أبراج حجرية، وبعضها من حفر تحيط بها قرى. أما جذرهم السابع فانتهى داخل بحيرة دائرية جف نصفها، والتف حول بناء ضخم يشبه قبضة مغلقة.
هبط المركب قرب الماء. ما إن لامست قدما ناردين الطين حتى شعرت بدوار، كأن جسدها يتذكر وزنًا حُرم منه طويلًا. جثت على ركبتيها وغرست أصابعها في الأرض. كان التراب أسود، مطابقًا لما بقي في قارورة أبيها.
خرج أناس من بين القصب يحملون رماحًا قصيرة. كانت ثيابهم مصبوغة بألوان داكنة، وعلى معاصمهم أساور من حجر. تقدمت امرأة مسنة ذات جديلتين رماديتين وسألت:
— من أي جزيرة سقطتما؟
قال هَزّاع:
— لم نسقط بعد.
رفعت المرأة بصرها إلى الجذر المرتعش.
— ستفعلون إذا بقيت القبضة مغلقة.
عرّفت نفسها باسم سُهَيْلة، أمينة بحيرة الرَّواسي. قادتهما إلى القرية، حيث كانت البيوت مبنية حول تجاويف في الأرض لا فوقها، كأن السكان يتعمدون الاحتماء من السماء. رأيا أطفالًا يجمعون قطرات فضية تتساقط من الجذر في أوعية فخارية. كل قطرة تتحول إلى حصاة ثقيلة. قالت سُهَيْلة إن أهل أَجْراس يسمون ما يربط جزيرتهم جذورًا، لكن أهل الأسفل يسمونه مجاري الوزن. فمنذ أربعة قرون، رفعت سبع مدن نفسها بسرقة خفة الهواء وثقل الأرض معًا، وربطت كل جزيرة بمحطة تحفظ توازنها. كلما ارتفعت جزيرة، خفّت الأرض تحتها حتى صارت المحاصيل تقتلع نفسها، والماء يقفز من الآبار، والمواليد يولدون بعظام هشة.
قالت ناردين:
— ولماذا لم تقطعوا المجاري؟
أجاب رجل عند الباب:
— حاولنا. في كل مرة نقطع واحدًا يسقط حي كامل فوقنا.
كان الرجل في أواخر الخمسينيات، نحيلًا، وعلى حاجبه ندبة بيضاء. عرفت ناردين سكينه المعلقة إلى حزامه قبل أن تعرف وجهه. المقبض من قرن داكن، وفيه ثلاث حفر صنعتها هي طفلة حين حاولت نحت اسمها.
لم تجرؤ على قول «أبي» أولًا. خرجت الكلمة من هَزّاع همسًا. التفت الرجل، وسقط الوعاء من يده. لم يركض نحوها. وقف بينهما اثنا عشر عامًا من الغياب، كثيفة إلى حد أن خطوتين بدتا رحلة أخرى.
قالت ناردين:
— وجدوا سكينك في السلّة.
نظر إلى السكين عند خاصرته، ثم فهم.
— وضعوا نسخة منها. كنت أحمل الأصل حين هبطت.
— قالوا إن الضباب قتلك.
— قالوا لكِ ما قلته أنا لكثيرين قبلك.
كان اسمه رَهْوان، وقد أصبح أحد حرّاس محطة الوزن. أخبرها أنه نزل يومًا لإصلاح الجذر الرابع، فاكتشف القرى وما تفعله الجزر بالأرض. حاول العودة، لكن فريق المجلس رفع السلّة وأحرق حبلها حين رآه يتحدث إلى أهل الأسفل. وصلته بعد أيام رسالة تعرض السماح له بالصعود إذا وقّع تقريرًا يصف القرى بأنها أوهام يخلقها الضباب. رفض. لم يرسل خبرًا إلى ناردين لأن أي رسول صاعد كان سيقود المجلس إلى المحطة التي أخفاها السكان.
صفعته ناردين.
لم يتحرك أحد. بقي وجه رهوان مائلًا، ثم قال:
— تستحقين جوابًا أفضل من صمتي.
— كنت أستحق أن أعرف أنك حي.
— نعم.
كانت تتوقع دفاعًا يريح غضبها، سببًا كبيرًا يجعل ترك طفلة في التاسعة بطولة لا هجرًا. لكن موافقته نزعت من الغضب حافته وتركته ألمًا خالصًا. سألته لماذا يرتعش الجذر السابع. أشار إلى القبضة الحجرية وسط البحيرة.
قال إن المحطة تعمل بقلب من حجر يُسمى «المِثقال»، يقسم الوزن بين الجزيرة والأرض. قبل أسبوع أغلق المجلس من الأعلى بوابات الجذر ليجمع خفة إضافية استعدادًا لرفع أَجْراس فوق موسم العواصف. أدى ذلك إلى جفاف البحيرة وامتلاء المثقال بثقل لا يستطيع تصريفه. إذا ظل مغلقًا حتى الغروب، سينفجر. لن تسقط الجزيرة فورًا؛ ستقذف المحطة ثقلها في القرية أولًا، فتغوص الأرض بمن عليها، ثم ينقطع الجذر وتلحق بهم أَجْراس.
قال هَزّاع:
— الرئيسة تعرف إذن. كانت تريد قطع الجذر لتمنع انفجار الثقل نحو المدينة.
أومأ رهوان.
— وتتركه ينفجر هنا.
لفتح القبضة، كان عليهم دخول المحطة وتحريك ثلاث حلقات حجرية في اللحظة نفسها: حلقة على باب البحيرة، وأخرى في غرفة المثقال، وثالثة داخل الجذر نفسه. بقي أقل من خمس ساعات على الغروب. أرسلت سُهَيْلة أهل القرية لإخلاء الأطفال نحو التلال، بينما أخذ رهوان ناردين وهَزّاع إلى ممر ينزل تحت الماء الجاف.
في البداية كانت الجدران صخرًا طبيعيًا. ثم ظهرت عليها رسوم لمدن أرضية، وأسواق، وأشجار مثمرة، قبل أن تتبدل الرسوم إلى جزر تصعد وسكان يلوحون من تحتها. في آخر الممر وجدوا سبعة تماثيل لرجال ونساء يحمل كل منهم مدينة فوق ظهره. السادس محطم الرأس، والسابع يشبه امرأة تضع تاجًا من الريش. قرب قدميها قرأت ناردين نقشًا: «لا مدينة تعلو وحدها؛ ما يرتفع فيها يثقل في سواها».
قالت إن كتب أَجْراس تنسب العبارة إلى مؤسس المدينة بمعنى التعاون بين أهل الجزيرة. ضحك رهوان بمرارة.
— حذفوا نصف الجملة، ثم علموكم الحكمة نفسها بعد أن فرغت من ضحاياها.
وصلوا إلى مفترق. أخذ رهوان طريق الحلقة الخارجية، وتولى هَزّاع الصعود داخل قناة الجذر، بينما دخلت ناردين غرفة المثقال. اتفقوا على إدارة الحلقات عند دقة الغروب الأولى، مستعينين بساعة جيب أصلحتها ناردين وضبطتها على جرس المدينة الذي يُسمع عبر الجذر. قبل أن يفترقوا أمسك رهوان بذراعها.
— إذا انفتح المثقال بسرعة، سيبحث الثقل عن أقرب جسد. لا تلمسي الحجر.
قالت:
— هذه أول نصيحة أبوية منك منذ اثني عشر عامًا.
ترك يدها كأن الجملة أحرقته.
كانت غرفة المثقال كروية، وفي وسطها حجر أسود معلق بلا سلاسل. دارت حوله حلقات محفورة بأسماء أحياء أَجْراس، وبينها حي المرسى وحي الساعات وساحة المجلس. كلما اقتربت ناردين، شعرت بثقل ذكريات ليست لها: امرأة في القرية تحاول تثبيت طفلها إلى الفراش كيلا يطفو، فلاح يربط جذور القمح بحجارة، جنازة يُربط فيها الميت بالأرض لأن التراب لا يحتفظ به. فهمت أن المثقال لا يخزن الوزن وحده؛ يخزن أثر ما فُقد حين سرقته المدينة.
وضعت يديها على الحلقة من دون لمس القلب. كانت عالقة. استخدمت مفتاح الموازين لفك ترس صدئ، فسال من الشق ضوء فضي وتحولت ذراعها إلى شيء ثقيل لا تستطيع رفعه. سمعت عبر الجدار صرير الحلقة التي يحركها رهوان. أما الحلقة الثالثة فلم تتحرك.
دق جرس الغروب الأول من مكان بعيد فوق السحاب.
دفعت ناردين بكل جسدها. تحركت حلقتها مقدار إصبع. صرخ رهوان من الممر أن حلقته انفتحت. بقي هَزّاع صامتًا. دق الجرس ثانية، وبدأ الحجر الأسود يهبط. تشققت أرض الغرفة تحت قدميها.
تركت الحلقة وركضت إلى قناة الجذر. وجدته معلقًا فوق هوة، يده الخشبية محشورة بين أسنان الحلقة الثالثة. كان أحد مفاصلها قد انكسر، ولم يستطع تحريرها أو إكمال الدوران. ربط نفسه بالحبل حتى لا يسقط، لكن الحبل أخذ يتمزق مع كل اهتزاز.
قال لها:
— عودي إلى حلقتك!
— لن تفتح من دون هذه.
— ولن تفتح إذا متنا هنا معًا.
نزعت قارورة التراب الأسود من عنقها. كانت تحملها منذ اختفاء أبيها، ولم تعرف قط لماذا أعادت إبر الموازين إلى الاتزان. سكبت التراب بين أسنان الحلقة. سقط بعضه إلى الهوة، لكن الحبيبات الباقية صارت ثقيلة حتى انخفض الترس فوقها. صرخ هَزّاع حين انضغطت يده، ثم دار الترس نصف دورة وتحررت الأصابع الخشبية المحطمة.
دق الجرس الثالث.
في اللحظة نفسها، تحركت الحلقات الثلاث. انفتحت القبضة الحجرية وسط البحيرة، واندفع من قلبها عمود من الماء والضوء. ارتفع الجذر السابع كأفعى استيقظت، ثم غاص عميقًا في الأرض. تدفق الثقل من المثقال في الاتجاهين، لكن البوابات العليا ظلت مغلقة. تجمع الضغط داخل المحطة، وبدأت النقوش تتساقط من السقف.
عاد رهوان إليهما وهو يصرخ أن المجلس أقفل رأس الجذر. لن يكتمل التوازن إلا إذا فُتحت البوابات من برج الموازين في أَجْراس، ولا أحد هناك يعرف الشفرة سوى ناردين. كانت المسافة إلى المدينة تحتاج ثلاث ساعات بالمركب، ولم يبق للمحطة إلا دقائق.
قالت سُهَيْلة، التي وصلت مع عدد من الحراس:
— يوجد طريق أسرع، لكنه لم يُستخدم منذ الرفع الأول.
أشارت إلى المثقال. يستطيع القلب نقل حامل جزء من وزنه على امتداد الجذر، كما ينتقل الصوت في معدن الجرس. لكن العبور يتطلب أن يترك المسافر خلفه شيئًا يساوي وزنه، لا باللحم بل بما يربطه بالمكان. استخدم مؤسسو الجزر الطريق مرة، ودفع كل منهم ذكرى لا يستطيع العيش من دونها.
قال رهوان فورًا:
— سأذهب.
— أنت لا تعرف شفرات البرج، أجابته ناردين.
— علمتُك أولها.
— وغيرتها بعد رحيلك.
عرف كلاهما أنها الوحيدة القادرة. اقتربت من المثقال. أمسكها أبوها، هذه المرة بقوة.
— لا تدفعي ذكرى مني. قد تصلين فلا تعرفين لماذا جئتِ.
نظرت إلى وجهه. كانت تخشى أن يأخذ الحجر صباحًا قديمًا جمعتهما فيه ورشة الساعات، أو صوته وهو يعلمها الإصغاء إلى التروس، أو حتى غضبها منه؛ فالغضب آخر دليل على أنه كان يعني لها شيئًا. ثم فهمت أن المثقال لا يطلب منها اختيار الذكرى. يطلب رابطًا كاملًا.
قالت:
— إن أخذ ما بيننا، أخبرني بالحقيقة مرة أخرى حين أعود.
— وإذا لم تصدقي؟
— لا تختفِ هذه المرة.
وضعت كفها على الحجر.
لم يكن الألم نارًا ولا جرحًا، بل بابًا يُغلق بهدوء. رأت أباها شابًا يحملها على كتفيه، ثم بهت وجهه. رأت سكينه في يدها الصغيرة، والحفر الثلاث، ثم اختفت يدها من المشهد. حاولت التمسك باسمه، فتحول إلى صوت بلا حروف. وفي آخر لحظة سمعت رجلًا يبكي ويقول لها إنه آسف، لكنها لم تعرف لماذا ينبغي أن يهمها بكاؤه.
انقلب العالم.
وجدت نفسها على أرض برج الموازين في أَجْراس، وثوبها مبلل بطين البحيرة. حولها كان أعضاء المجلس والحراس يستعدون لضرب الجذر السابع بفأس بلوري. صاحت دِيمة وأمرت بالقبض عليها، لكن الجزيرة مالت فجأة، فسقط الجميع إلى جهة واحدة.
نهضت ناردين متشبثة بصندوق الميزان. لم تتذكر كيف وصلت، ولا الرجل النحيل الذي بقي وجهه كفراغ مؤلم في رأسها. لكنها تذكرت الشفرة. أدخلت مفتاحها في سبع فتحات على ترتيب دقات الجرس: اثنتان قصيرتان، واحدة طويلة، ثلاث قصيرة، ثم سكون. انفتح الغطاء الداخلي، وظهرت رافعة سوداء ختمها المجلس بالشمع منذ قرون.
وقفت دِيمة أمامها.
— إذا فتحتِها ستنخفض أَجْراس. سنفقد ارتفاعنا ومكانتنا وممرات التجارة. قد نهبط حتى الأرض.
— والناس تحتنا؟
— عاشوا أربعة قرون. سيتكيفون كما تكيفوا دائمًا.
— أنتم لم تنجوا من عالم ميت. جعلتموه يدفع ثمن نجاتكم.
رفعت دِيمة الفأس. قبل أن تضرب، أمسك مِصباح بمقبضها. نظر إلى ناردين وقال:
— أصلحي ما جئتِ لإصلاحه.
سحبت الرافعة.
انطلقت من الجذور السبعة أصوات مختلفة، عميقة كأن سبعة جبال تنادي بعضها. توقفت الجزيرة عن الصعود، ثم بدأت تهبط. في الشوارع تعالت الصرخات، وانكسرت نوافذ، وتدحرجت العربات نحو الساحات. لكن الجذور ظلت سليمة. كانت أَجْراس لا تسقط؛ كانت تستعيد وزنًا نسيه أهلها.
استمر الهبوط طوال الليل. خرج السكان إلى الشرفات فرأوا للمرة الأولى السحب ترتفع فوقهم بدل أن تكون أرضًا تحت أقدامهم. وعند الفجر ظهرت الجبال والأنهار والقرى. لم يجنّ أحد من النظر. بكى بعض الشيوخ، وسجد بعضهم، وأغلق آخرون أعينهم لأن الحقيقة أوسع من أن تدخل دفعة واحدة.
استقرت الجزيرة فوق البحيرة، لا على الأرض تمامًا، بل على ارتفاع قامة إنسان. امتدت منها الجذور كجسور فضية، وصعد أهل الرَّواسي. كان أولهم هَزّاع، يحمل يده الخشبية المكسورة تحت ذراعه ويضحك. خلفه جاءت سُهَيْلة، ثم الرجل النحيل ذو الندبة.
اقترب الرجل من ناردين وتوقف على بعد خطوة. شعرت نحوه بحزن لا تملك قصته.
قال:
— اسمي رهوان.
— أعرف أنني دفعت شيئًا كي أصل.
— دفعتِ اثني عشر عامًا مني.
لم تفهم، لكن صوته ارتجف بالطريقة التي يرتجف بها شيء يحاول ألا ينكسر. أخرج سكينًا قديمة وأراها الحفر الثلاث في مقبضها. حكى لها عن طفلة أفسدت سكين أبيها وهي تتعلم النحت، وعن رجل وعدها أن يصلح المقبض ثم لم يفعل، وعن يوم هبط ولم يعد. لم تأتِ الذكريات، ولم ينفتح الباب المغلق في رأسها. بقيت القصة قصة رجل غريب.
قال رهوان:
— لن أطلب منكِ أن تسميني أبي.
نظرت إلى يديه، فرأت فيهما آثار الزيوت نفسها التي تلطخ أصابعها بعد إصلاح الموازين. مدت إليه مفتاح البرج.
— إذن ابدأ بأن تساعدني. المدينة تحتاج إلى سبعة موازين جديدة، وأنا لا أعرف كيف نقيس وزن أرض لم نعش عليها.
أخذ المفتاح بحذر، كما لو أنها ناولته شيئًا حيًا.
في الأسابيع التالية، لم تعد أَجْراس جزيرة ولا صارت قرية. بقيت معلقة فوق البحيرة، تصلها بالأرض سلالم وجسور. فُتح مخزن المجلس، وظهرت سجلات تثبت أن الارتفاع لم يكن نجاة بل صفقة مؤقتة تحولت إلى امتياز موروث. حوكمت دِيمة ومن شاركها إغلاق المجاري، ثم اختار أهل الأعلى والأسفل مجلسًا مشتركًا لإعادة الوزن تدريجيًا إلى الحقول والآبار.
أما ناردين، فكانت تعمل كل صباح مع رهوان في برج الموازين. لم تستعد طفولتها معه. أحيانًا كان يذكر تفصيلًا فتشعر بوخزة بلا صورة؛ رائحة قشر البرتقال على موقد الورشة، لحنًا ناقصًا كان يصفّر به، علامة قلم على باب قديم. لم تتظاهر بالتذكر كي تريحه، ولم يطالبها هو بعاطفة يدينها بها الماضي. كان يصل في موعده، يجيب حين تسأل، ويبقى حين تصمت.
وذات مساء، انتهيا من تركيب الميزان السابع. وضع رهوان أذنه على صندوق النحاس، ثم أشار إليها أن تفعل. سمعت الجذور تنبض بين الأرض والمدينة بإيقاع واحد. لم يكن الصوت شبيهًا بقلب تحت الماء هذه المرة؛ كان أشبه بخطوات كثيرة تعبر جسرًا في الاتجاهين.
سألها:
— هل الميزان مستقيم؟
راقبت الإبر السبع تستقر في منتصف أقواسها.
— ليس تمامًا.
ارتبك.
ابتسمت وأدارت مسمارًا صغيرًا حتى اتزنت الإبرة الأخيرة.
— الآن صار مستقيمًا.
في الأسفل، كانت مصابيح الرَّواسي تشتعل حول البحيرة. وفي الأعلى، لم تعد البيوت تخاف الحافة، لأن الحافة نفسها صارت تطل على طريق يمكن نزوله. بقيت في ذاكرة ناردين مساحة فارغة لن يعيدها حجر ولا اعتذار، لكنها لم تعد حفرة تسقط فيها كلما نظرت إلى وجه الرجل. صارت مكانًا يبنيان فيه شيئًا لم يحدث من قبل: معرفة تبدأ بعد الفقد، وقرابة لا تستند إلى ما تتذكره، بل إلى من اختار أن يبقى.
وعندما رن جرس المرسى في الليلة التالية، لم يركض الناس مذعورين. كان ذلك أول جرس يعلن وصول قافلة من الأرض، لا محاولة جزيرة للهرب من السماء.

تعليقات
إرسال تعليق