حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
مراعي الرعد
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
انشق البرق أفقيًا، فعرفت هَديل أن القطيع سينجب قبل بلوغ الممر.
لم يكن برقًا هابطًا من السحاب إلى الأرض، بل خيطًا أبيض امتد داخل السحابة الكبرى من طرفها الشرقي إلى طرفها الغربي، ثم انطفأ وترك وراءه خطين من الضوء الخافت. فوق هضبة السُّرُج، كانت سبع سحب داكنة تزحف منخفضة، متباعدة كما علّمها الرعاة، وتلقي على البازلت ظلالًا باردة. وحدها السحابة المسماة غَمْرة أخذت تنتفخ من وسطها، حتى صار نصفاها يتدافعان كجبلين يريد كل منهما طريقًا مستقلًا.
غرست هديل عصاها العازلة في شق بين الصخور، وأشارت إلى مِهْيار أن يوقف دق الأوتاد.
قال الفتى، وهو يمسح غبار الكلس عن حاجبيه: «بقيت سبعة أوتاد إلى عنق الممر.»
«لن تلحق بها غمرة.»
نظر إلى السحابة ثم إلى القرص النحاسي الصغير المعلق في حزامه. كان المؤشر يرتجف بين علامتي الانقسام والهدوء. قال: «السجل يقول إن ولادتها بعد يومين.»
«السحاب لا يقرأ سجلاتنا.»
كان مهيار في عامه الأول بين رعاة الرعد، وما يزال يثق بالأرقام أكثر مما يثق بجلده. أما هديل فتعلمت أن الخطر يعلن نفسه قبل أن تقيسه الأدوات: بطعم المعدن على اللسان، وبوقوف شعر الساعدين، وبالصمت الذي يسبق تبدل الريح. رفعت كفها. تحركت حبات الحصى تحت أصابعها قليلًا، لا نحو غمرة، بل بعيدًا عنها.
وصل شَوْذَب، كبير الرعاة، يركض بخطوات قصيرة فوق الصخر. كان يحمل على ظهره حزمة أوتاد حديدية، وفي يده مطرقة ذات مقبض من العظم. لم يحتج إلى سؤال. رأى الخطين الباقيين في جوف السحابة، فخلع الحزمة وأسقطها.
قال: «كم يبعد حوض الصدى؟»
أجابت هديل: «ثلاثة فراسخ بعد الممر. ساعتان إن ظلت الريح معنا.»
«ولن تظل.»
وراء القطيع ارتفع جدار رمادي من رماد البركان القديم. لم يكن عاصفة كبيرة بعد، لكنه كان يطوي الأفق ببطء، ويزحف في الاتجاه نفسه. إذا لحق الرماد بالسحب قبل الولادة، التصقت حباته بقطراتها وصارت ثقيلة. تهبط السحابة عندئذ إلى مستوى البيوت، ويضرب برقها ما يجد أمامه من حجر ولحم.
قال مهيار: «نقسم القطيع. آخذ الست إلى الممر، وتبقيان مع غمرة.»
هز شوذب رأسه. «إذا ولدت هنا، سيخرج الوليدان جائعين إلى الشحنة. واحد منهما سيتبع القطيع الآخر، فيمزقه.»
كانت سحب الرعد تولد حول أحجار خفيفة يسمونها نوى السماء. لا يعرف أحد كيف ارتفعت الأحجار أول مرة، لكن كل نواة ظلت معلقة في قلب سحابتها، تجمع بخار الماء وتحفظ الكهرباء في طبقات متوازنة. وحين تكبر السحابة بما يكفي، تنشطر نواتها إلى نصفين. في حوض الصدى، تحيط الصخور السوداء بالمكان دائرة كاملة، فترد البرق إلى الوسط حتى يكتمل الانقسام من غير أن يشعل السهل. أما على الهضبة المفتوحة، فقد تنطلق النواتان في اتجاهين متعاكسين، وتجذبان خلفهما كل شحنة قريبة.
نظرت هديل إلى الأرض. خط الأوتاد الذي صنعوه منذ الفجر يمتد نحو الممر كصف من المسامير السوداء. كان الرعاة يدقون الوتد الأول أمام القطيع، ثم يصلونه بالأرض بقرص من الكلس الرطب. تقفز إليه شرارة صغيرة، فتتذوق السحابة الطريق وتتقدم. بعد مرورها، ينزعون الوتد الأخير ويزرعونه في المقدمة. بهذه الطريقة تسير السحب إلى مراعيها فوق الأراضي العطشى من دون أن تدمر قرية أو تحرق قطيعًا من الماشية.
قالت هديل: «لن نأخذها إلى الحوض.»
قطب شوذب. «لا يوجد موضع ولادة آخر.»
أشارت إلى جبل أجوف يظهر طرفه وراء ستار الرماد. «فم القِدر. جدرانه أعلى من حوض الصدى، وقاعه خالٍ منذ جف النبع الكبريتي.»
قال مهيار: «لكنه في الجهة المعاكسة.»
«وأقرب بنصف المسافة.»
لم يعترض شوذب على الاسم الذي يخشاه الصغار. اعترض على ما يعرفه: الطريق إلى فم القدر يمر فوق ألواح سوداء رقيقة، تخفي تحتها فجوات من هواء ساخن. وزن الإنسان يحتمله بعضها، أما ضربة برق واحدة فقد تشقق عشرات الألواح. وفوق ذلك، لم يقد أحد سحابة إلى هناك من قبل، فلا أوتاد ثابتة ولا علامات شحنة.
انشق البرق داخل غمرة مرة ثانية. هذه المرة تبعه دوي كأن صخرتين اصطدمتا في السماء.
قال شوذب: «نذهب إلى فم القدر.»
أمر مهيار أن يقود السحب الست إلى تجويف منخفض شرق الممر، حيث يمكنها الدوران ساعات من غير أن تتزاحم. بقي هو وهديل مع غمرة. نزعا الأوتاد المزروعة، وأبقيا ثلاثة منها لتثبيت القطيع البعيد. قبل أن ينطلق الفتى، أمسكت هديل كتفه.
قالت: «لا تزرع وتدين في اللحظة نفسها. دع الأولى تشرب الشحنة حتى النهاية.»
أومأ بسرعة، ثم حمل سبعة أوتاد ومضى يركض. كانت خطواته واثقة أكثر مما ينبغي، لكن لم يكن لديهم وقت لتعليم طويل.
استدارت هديل نحو غمرة. لدفعها غربًا، احتاجت إلى محو أثر الطريق القديم أولًا. نثر شوذب الكلس الجاف حول الأوتاد المنزوعة، فامتص الرطوبة وقطع المسار الكهربائي. ثم حمل أول وتد إلى الصخر الغربي ودقه حتى نصفه. علق به شريطًا من صوف أزرق، وانتظر.
خرجت من أسفل غمرة شعيرة برق، ترددت في الهواء، ثم اتصلت برأس الوتد. أضاء الصوف لحظة ولم يحترق. تحركت السحابة مقدار ذراع.
قال شوذب: «قبل ثلاثين سنة قدنا واحدة إلى منخفض الملح. كانت تحتضر، لا تلد. احتجنا إلى اثني عشر راعيًا.»
«لدينا سحابة تريد أن تتحرك.»
«لدينا سحابتان تتشاجران في جلد واحد.»
تناوبا على الطريق. يدق أحدهما وتدًا أمام غمرة، بينما ينزع الآخر ما خلفها. كان عليهما الحفاظ على مسافة واحدة؛ إذا تقاربت الأوتاد، أسرعت السحابة وازدادت شحنتها، وإذا تباعدت انقطعت عن المسار واختارت أعلى جسم تراه. بعد نصف ساعة بلغا حافة الألواح السوداء.
بدت الأرض هناك كبحيرة تجمدت لحظة غليانها. صفائح من زجاج بركاني معتم تتراكب فوق تجاويف، وفي الشقوق يتنفس بخار أصفر دافئ. ضرب شوذب أول لوح بمقبض المطرقة، فصدر صوت ممتلئ. ضرب الثاني، فجاءه رنين أجوف.
قال: «على الممتلئ فقط.»
اختارا مواضع الأقدام والأوتاد بضربات قصيرة. عبرت غمرة فوقهما لا بوزن، بل بضغط جعل الهواء يهبط من جوفها. كلما أضاء برقها، ارتجت الصفائح. تقدمت هديل وهي تحبس أنفاسها، إلى أن سمعت خلفها فرقعة جافة.
انكسر لوح تحت قدم شوذب.
هوى نصف جسده في الفجوة، وتعلقت حزمة الأوتاد بحافة الزجاج. اندفعت هديل نحوه، لكنها توقفت قبل أن تمسك يده. وقف شعرها دفعة واحدة. كان الوتد الذي يحمله شوذب قد صار أعلى نقطة في المكان، وغمرة فوقهما مباشرة.
صرخت: «اترك الحديد!»
فك الحزام ورماه بعيدًا. لحظة ارتطم بالأرض، ضربه البرق. انفجر لوحان وتطايرت شظايا سوداء. تدحرجت هديل، ثم زحفت إلى شوذب وسحبته من تحت إبطيه. خرجت ساقه اليمنى، لكن حذاءه بقي في الفجوة، وقد شقت حافته الزجاجية جلده من الكاحل إلى الربلة.
ربطت الجرح بقطعة من عباءتها. كان الدم أقل مما خافت، لكن الرجل لم يستطع الوقوف. خلفهما مالت غمرة عن الطريق؛ فالضربة أفرغت الوتد الأمامي وأفسدت الشحنة التي كانت تقودها. أخذ نصفها الجنوبي ينتفخ باتجاه أرض الألواح.
قال شوذب: «عودي بها إلى الشرق.»
«الرماد هناك.»
«إذن اتركيها هنا، وابتعدي.»
نظرت هديل إلى السحابة. ظهر في جوفها ضوءان دائريان، أحدهما أعلى من الآخر. بدأت النواة تنقسم. لم يبق وقت للعودة ولا للانتظار.
نزعت المطرقة من يد شوذب وأخذت وتدين فقط. قالت: «فم القدر وراء الحافة. سأجعلها تقفز.»
«السحب لا تقفز.»
«لم يقدها أحد فوق أرض لا تصلح للمشي.»
غرست الوتد الأول عند آخر لوح ممتلئ. أما الثاني، فلم تبحث له عن صخر. رفعته بكلتا يديها وقذفته إلى ما وراء الألواح، نحو أرض حمراء تبعد أربعين خطوة. سقط مائلًا، ولم ينغرس إلا بمقدار إصبع. كان بعيدًا أكثر مما ينبغي، لكن المعدن احتفظ بشحنة الضربة السابقة.
لامست شعيرة من البرق الوتد القريب، ثم امتدت فوق الأرض تبحث عن التالي. ظلت تتفرع في الهواء ولا تجد شيئًا. رفعت هديل المطرقة وضربت الوتد القريب ضربة واحدة. صعدت شحنته كاملة، فقفز البرق في قوس طويل إلى الوتد البعيد.
اندفعت غمرة وراءه.
مر بطنها فوق أرض الألواح دفعة واحدة، وهبط ضغطها على الطرف الآخر. تصدعت الصفائح تحت هديل مثل جليد رقيق. ركضت إلى شوذب، جرته فوق قطعة كبيرة انفصلت عن حافتها، ثم دفعتها بالمطرقة كما تدفع زلاجة خشنة. انزلقا فوق اللوح المائل حتى الأرض الحمراء، وفي اللحظة التالية انهارت الألواح خلفهما داخل الفجوات. صعد بخار أصفر كثيف، لكنه بقي تحت السحابة التي تجاوزته.
ضحك شوذب مرة واحدة رغم الألم. «الآن صارت السحب تقفز.»
لم تبتسم هديل. الوتد البعيد مال تحت جذب غمرة، ولم يبق معهما إلا مطرقة وأدوات كلسية لا تقود سحابة. أما حزمة الحديد، فتركتها الضربة منصهرة على الجانب الآخر.
كان فم القدر قريبًا، حفرة بركانية واسعة يحيط بها جدار متعرج. لكن الوصول إلى مدخلها يحتاج إلى مسار من خمسة أوتاد على الأقل. على الأرض الحمراء انتشرت أعمدة حجرية قصيرة، مسامية وخفيفة، هي بقايا أبخرة تصلبت حول فتحاتها. لم تكن موصلة كالحديد.
قال شوذب: «في جرابي مسماران.»
فتشتهما هديل. وجدت مسمارَي تثبيت صغيرين، وإبرة عباءة، وحلقة إبزيم. أربعة موصلات لا يبلغ أطولها كفًا. غرست الأول في الأرض، وربطت به شريطًا من قماش الجرح المبلل. التقط شحنة ضعيفة. ثبتت الثاني بعد عشر خطوات، ثم الإبرة، ثم الحلقة. تحركت غمرة، لكن كل قطعة احترقت بعد أن مرت بها الشرارة.
عند الحلقة توقفت السحابة على بعد مئتي خطوة من فم القدر.
جدار الرماد صار قريبًا بما يكفي ليحجب الشمس. بدأت حبات سوداء تتساقط فوق كتفي هديل، ثم تصعد نحو بطن غمرة بدل أن تهبط. جذبتها الشحنة كما يجذب الصوف الغبار. كل حبة دخلت السحابة جعلت طرفها أثقل.
سمعا صرخة بعيدة. ظهر مهيار فوق ربوة، يركض نحوهما. لم يحمل أوتادًا؛ كان يلوح بذراعيه، وخلفه في السماء سحابة صغيرة شديدة السواد تتبعه.
عرفت هديل من حركتها أنها ليست واحدة من الست. كانت أسرع، أشد انخفاضًا، وفي قلبها نقطة ضوء زرقاء. أحد ولدي غمرة انفصل من غير أن يشعرا، ووجد شحنة مهيار المعدنية قبل أن يجد طريقه.
وصل الفتى لاهثًا. «السحب الست في التجويف. ثم خرجت هذه من جوف غمرة كقبضة، والتصقت بمساري. زرعت وتدين معًا حتى أسرع القطيع، كما حذرتني ألا أفعل. حين نزعتهما تبعتني.»
لم توبخه هديل. كان الرعب في وجهه يفعل ذلك.
قال شوذب: «ارم كل معدن تحمله.»
خلع مهيار حزامه والقرص النحاسي والمسامير الصغيرة. ألقاها بعيدًا. لم تتبعها السحابة الوليدة. ظلت فوق رأسه، تومض من أسفلها إلى أعلى.
راقبت هديل الغبار حول قدميه. كانت الحبات ترتفع إلى السحابة، لكن الشظايا الخفيفة من حجر الخفاف تهرب مبتعدة. تذكرت الحصى عند بداية الولادة، وكيف تحركت بعيدًا عن غمرة لا نحوها. نصف النواة الجديد لم يكن يبحث عن الشحنة الموجبة التي تصنعها الأوتاد؛ كان ينفر منها. مهيار لم يجذبه بمعدنه، بل ظل يطارده لأن جسمه أقل شحنة من الأرض المحيطة.
قالت: «قلبها مقلوب.»
سأل مهيار: «كيف نقود شيئًا يهرب من الطريق؟»
أشارت إلى غمرة الأم. «نجعل الطريق وراءه.»
كان الوليد بينهما وبين فم القدر. إذا صنعوا شحنة قوية خلفه، ابتعد عنها إلى الحفرة. لكنهم بلا أوتاد. نظرت هديل إلى الأعمدة الحجرية المسامية. لا توصل الكهرباء وهي جافة، غير أن مسامها تستطيع حفظ الماء.
قالت لمهيار: «قربة السقي.»
كانت معه نصف قربة. مزجت هديل الماء بمسحوق الكلس، ثم صبته داخل أقرب عمود. امتلأت مسامه وصار موصلًا ضعيفًا. أسندت إليه القرص النحاسي، وضربه مهيار بالمطرقة. قفزت شرارة نحو السحابة الوليدة، فتراجعت في اتجاه فم القدر.
انتقلوا إلى العمود التالي. احتاج كل واحد إلى ما بقي من الماء، ثم إلى قطعة معدن صغيرة تبدأ التفريغ. استعملوا إبزيم الحزام، ونصل سكين، وأسنان مشط مهيار. كانوا يستعيدون القطعة بعد كل ضربة، لكن الماء تناقص بسرعة.
وصل الوليد إلى فتحة الحوض، بينما بقيت غمرة الأم خارجه. ظهر في جانبها الشمالي شق مضيء يتسع. الوليد الثاني لم ينفصل بعد. لو دخل الأول وحده، ثم اكتمل شقيقه في الخارج، جذب كل منهما الآخر عبر الجدار البركاني، وضرب البرق الصخر حتى يهدمه.
قال شوذب: «أدخلا الأم أولًا.»
قالت هديل: «لا تستجيب إلا لوتد موجب، وليس معنا حديد.»
رفع مهيار القرص النحاسي. «هذا يكفي لشرارة.»
«ولا يكفي لمسار.»
كان الرماد يبتلع مؤخرة غمرة الآن. هبطت السحابة حتى لامست أطرافها رؤوس الأعمدة. إذا انتظرت هديل دقائق أخرى، صارت ثقيلة أكثر من أن تعبر جدار الحوض.
نظرت إلى فم القدر. في داخله وقف الوليد المقلوب فوق القاع الجاف، يدور مبتعدًا عن الأعمدة الرطبة. وفي الخارج توقفت أمه لأنها تبحث عن موصل. كانا يريدان شيئين متعاكسين. عندئذ فهمت أن الطريق لا يحتاج إلى أوتاد متتابعة. يحتاج إلى حدين يتحرك بينهما الاثنان معًا.
قالت لمهيار: «خذ القرص إلى داخل الحوض. بلل أكبر عمود، واشحنه كلما اقترب الوليد من المخرج. ادفعه نحو الوسط.»
«وأنت؟»
«سأصنع للأم وتدًا يمشي.»
وقفت عند الفتحة، ورفعت المطرقة الحديدية فوق رأسها.
صاح شوذب باسمها. ضرب البرق رأس المطرقة في اللحظة نفسها. لم يدخل جسدها لأن مقبضها العظمي عزل يدها، لكنه جعل ذراعها ترتد حتى كاد كتفها ينخلع. جرت إلى داخل الحوض والمطرقة ما تزال تلمع. تبعتها غمرة.
كلما تباطأت السحابة، ضربت هديل الصخر بالمطرقة ففرغت بعض الشحنة، ثم رفعتها ثانية. كان عليها أن تبقى أمام الأم وخلف الوليد. ومن الجهة الأخرى، كان مهيار يشحن العمود الرطب، فيفر الوليد نحوها. صارت السحابتان تدفعان هديل بينهما إلى قلب الحوض.
هبط الرماد مع غمرة عبر الفتحة، وحجب شوذب خارجها. دوى الرعد بين الجدران عشر مرات أقوى. تكسرت قطع من الحافة، وارتد البرق من جدار إلى آخر، لكنه لم يجد طريقًا إلى السهل.
بلغت هديل وسط الحوض. فوقها، انفتح شق غمرة تمامًا. خرج منه الوليد الثاني، رماديًا واسعًا، ونواته مضيئة كجمرة تحت الماء. اندفع نحو أخيه المقلوب، ثم توقف على مسافة قصيرة. كان أحدهما يجذب الشحنة والآخر يطردها؛ بدأ الهواء بينهما يدور، يحمل الرماد في حلقة سوداء.
صرخ مهيار من عند العمود: «إنهما يبتعدان!»
رأت هديل أن الوليد المقلوب يحاول الفرار من شحنة شقيقه. إذا اصطدم بالجدار، ارتد فوقهم. لم يعد يكفي دفعه من الخارج. كان لا بد من منحه بقعة بلا شحنة يقف فيها حتى تستقر نواته.
رفعت عينيها إلى الحلقة الدوارة. الكلس العالق بثيابها كان جافًا، والكلس يطفئ المسارات حين يمتص الرطوبة. فتحت كيس المسحوق عند حزامها، لكنه لم يحتو إلا حفنتين.
قالت لمهيار: «حين أقول الآن، اضرب العمود بكل قوتك، ثم ابتعد عنه.»
ركضت تحت الوليدين. ألقت الحفنة الأولى في الهواء، فابتلعتها الريح. صعدت ذراتها داخل الحلقة وراحت تمتص القطرات المشحونة. للحظة اتسعت بقعة ساكنة بين النواتين.
«الآن!»
ضرب مهيار العمود. اندفعت شرارة زرقاء من طرف الحوض نحو الوسط. فر الوليد المقلوب منها، بينما انجذب شقيقه إليها. تقاطعا فوق البقعة الساكنة. ألقت هديل الحفنة الثانية.
انطفأ كل الضوء.
ساد صمت قصير، حتى إنها سمعت سقوط المطرقة من يدها. ثم دوى صوت عميق واحد، لا كالصاعقة بل كإغلاق باب هائل. انفصلت النواتان تمامًا، ووقفت كل منهما في مركز سحابتها. لم تعدا تجذبان بعضهما ولا تتنافران. انبسطت غمرة الأم حولهما لحظة، ثم تلاشت حافتها القديمة، موزعة ماءها عليهما.
بدأ المطر.
هبط أولًا في قطرات كبيرة سودها الرماد، ثم صفا وصار غزيرًا. غسل وجه هديل وثيابها، وملأ شقوق القاع. ابتعد مهيار عن العمود قبل أن يصيبه التفريغ الأخير، وارتمى خلف صخرة. أما البرق، فظل يدور بين جدران فم القدر، يضعف مع كل ارتداد حتى صار ومضات بنفسجية قصيرة، ثم سكن.
دخل شوذب الحوض يعرج مستندًا إلى عصا حجرية. وجد هديل جالسة في الماء الضحل، تحرك أصابعها لتتأكد أن ذراعها لم تنكسر. فوقهم سبحت سحابتان صغيرتان متساويتان، إحداهما داكنة من أسفل والأخرى مضيئة الحواف.
قال مهيار: «كيف نعيد المقلوبة إلى القطيع؟ الأوتاد ستطردها دائمًا.»
أجابت هديل: «لا نعيدها بالطريقة القديمة.»
حين خف المطر، جمعوا الماء في القرب، وملؤوا مسام الأعمدة الواقعة على طريق الخروج. قادوا الوليد المقلوب من الخلف بالشحنة، وقادوا شقيقه من الأمام بما بقي من قطع الحديد. تحركا جنبًا إلى جنب، لا لأنهما متشابهان، بل لأن لكل واحد منهما طريقًا يناسبه.
عند المساء التقيا بالسحب الست في التجويف الشرقي. كان القطيع قد حافظ على دورانه، ولم تمسسه عاصفة الرماد؛ فقد أسقط الوليدان معظمها مطرًا داخل الحوض. أحصى شوذب السحب: ثمان بدل سبع. ثم نظر إلى مهيار وقال: «السجل كان مخطئًا بيومين.»
هز الفتى رأسه. «وأنا أخطأت بوتدين.»
قالت هديل: «اكتب الأمرين. السجل الذي لا يعترف بخطئه أخطر من الراعي الذي يخطئ.»
احتاجوا ثلاثة أيام للوصول إلى المراعي الشمالية. كانت الأرض هناك صفراء متشققة، والناس ينتظرون عند حدود القرى ولا يقتربون من خط الأوتاد. مر القطيع ببطء، سحابة بعد سحابة، وأطلق المطر في حقول متباعدة. أما الوليد المقلوب، فسار خارج الصف. كان مهيار يقوده بأعمدة حجرية مبللة، يدفعه من الخلف بدل أن يجذبه من الأمام. تعجب الناس من سحابة تبدو كأنها ترفض الراعي، ولم يعرفوا أنها كانت تطيعه بلغتها الخاصة.
في نهاية الموسم، عاد الرعاة إلى فم القدر. ثبتوا حوله مخازن ماء صغيرة، ووضعوا علامات فوق الأعمدة الصالحة للترطيب. لم يحولوه إلى حوض دائم؛ فالأرض الهشة لا تحتمل قطيعًا كاملًا. جعلوه ملجأ للولادات المبكرة، وطريقًا بديلًا إذا جاء الرماد من الشرق.
أما الألواح التي قفزت فوقها غمرة، فلم يصلحوها. تركوا الفجوات ظاهرة، ونصبوا عند طرفها عمودًا حجريًا أسود بدل الوتد الحديدي. لم يحمل العمود اسم هديل ولا شوذب ولا مهيار. كان له وجهان فقط: أحدهما مكسو بطبقة نحاس، والآخر مليء بالمسام.
إذا اقتربت منه سحابة عادية، جذبها الوجه الأول. وإذا جاءت سحابة مقلوبة، ملأ الرعاة الوجه الآخر بالماء، وأشعلوا الشحنة خلفها. تعلم الصغار منذ يومهم الأول أن الطريق الواحد لا يقود كل سماء، وأن القطيع لا يفسد حين تخرج منه سحابة مختلفة؛ إنما يفسد الراعي إذا أصر أن يحملها على طاعة أداة لا تفهمها.
كبر الوليدان خلال الشتاء. صار الأول يمطر حين يُستدعى، أما الثاني فظل يكره الحديد ويفر من القرى ذات الأسقف النحاسية. لذلك قادته هديل فوق السفوح النائية، حيث لا تصل الأوتاد القديمة. هناك وجد ينابيع بخار لم تكن السحب الأخرى تبلغها، وجمع منها ماءً دافئًا حمله إلى حقول عالية ظلت جافة أجيالًا.
وفي أول ربيع، وقفت هديل على حافة هضبة السرج تشاهد القطيع يعود من الشمال. تقدمت سبع سحب في خط الأوتاد المعروف، وسارت الثامنة بمحاذاتها على طريق من الأعمدة الرطبة. لم تكن متأخرة ولا شاردة. كانت تحفظ المسافة نفسها، وتلقي مطرها في المواضع التي يعجز الآخرون عن بلوغها.
حين مرّت فوق أرض الألواح، أضاء برقها من الأرض إلى السماء، على خلاف كل ما اعتاده الرعاة. رفع مهيار مطرقته تحية لها، ولم يدق وتدًا.
هذه المرة، عرف الطريق متى يترك لها مكانًا.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق