خريطة المطر الصاعد

خريطة المطر الصاعد
في صباح اليوم الذي ارتفع فيه النهر قبل موعده، كانت أيسُل تصلح شقًّا في خريطة لا ينبغي أن تتمزق. ثبتت الورقة المصنوعة من جلد السحاب فوق منضدة النحاس، ومررت إبرة زجاجية في حافتها، ثم نفخت على الخيط حتى تحول إلى خط أزرق نابض. في الخارج، كانت أجراس المراسي تضرب وحدها، وتعلو من الأزقة رائحة الطين المبلل، مع أن الماء لم ينزل من السماء منذ أحد عشر شهرًا. عاشت مدينة سَرْمَد عند قاع وادٍ واسع تحيط به سبع هضاب سوداء. لم تكن أنهار ذلك العالم تجري إلى البحار، بل تصعد إليها. في أول الخريف، ينتفض الماء من مجاريه، يرتفع في أعمدة ملتوية، ثم ينتشر فوق البلاد ليغذي البحر المعلق في السماء. ومنه تتساقط أمطار الشتاء على المدن والحقول. وكان على رسامي المسالك أن يرسموا كل سنة الطريق الذي سيسلكه الماء صعودًا؛ فإذا أخطأوا ميلًا واحدًا، اقتلع النهر حيًّا أو ترك قرية تموت عطشًا. لم تكن أيسُل رسامة مسالك بعد. كانت ناسخة في دار الخرائط، أصغر من يُسمح له بلمس جلد السحاب، وابنة امرأة حُذف اسمها من سجلات الدار. قبل اثني عشر عامًا، اتُّهمت أمها مِهاد بتحريف خريطة الارتفاع الكبرى، فضاع بسببها ــ كما قيل ــ أرخبيل كامل خلف جدار من الضباب. لم يجدوا جثة، ولا حطام مركب، لكن مجلس المسالك نقش كلمة «الخائنة» تحت صورتها، وربت أيسُل في بيت خالتها وهي تتعلم ألا ترفع عينيها إلى النقش. حين خرجت إلى الشرفة، رأت النهر ينسلخ عن سريره. ارتفع سطحه ذراعًا فوق الحصى، مستويًا كقطعة قماش يشدها خيط خفي. الأسماك سبحت في الهواء، وراحت قوارب السوق تتأرجح تحت الماء بدل أن تطفو فوقه. كان الارتفاع المبكر مستحيلًا؛ فالمنارات السبع لم تُشعل، وخريطة الموسم ما تزال في خزانة رئيس الدار. دخل رِئام، كبير رسامي المسالك، وهو يجر عباءته الرمادية. كان رجلًا طويلًا ذا عين واحدة، يحمل على كتفه حقيبة المساطر وعلى عنقه مفتاح الخزانة. نظر إلى النهر، ثم إلى الشق الذي أصلحته أيسُل، وقال: — من لمس خريطة الجنوب؟ — لا أحد منذ أن ختمتها أمس. رفع الورقة نحو الضوء. تحت الخيط الأزرق ظهرت حروف صغيرة لم تكن موجودة قبل تمزقها. لم تُكتب بالحبر، بل تشكلت من عروق الجلد نفسه: «إذا صعد الماء قبل النار، فاتبعوا الجزء الذي يرسم نفسه». عرفت أيسُل الخط. كانت مِهاد تجعل ذيل حرف الفاء مستقيمًا، كأنه سهم، وتترك بين الكلمتين مسافة تكفي لحبة قمح. لم تقل شيئًا، لكن رِئام رأى المعرفة في وجهها. أغلق أبواب الشرفة، وأنزل الستائر، ثم وضع الخريطة على الأرض. أخذت الخطوط المرسومة تتحرك ببطء. انسحب مسار النهر من حول العاصمة واتجه غربًا، نحو بقعة بيضاء في الخرائط الرسمية؛ المكان نفسه الذي كان فيه أرخبيل نَمْرَق قبل اختفائه. قال رِئام: — أخفت أمكِ رسالة في نسيج الخريطة، لا تظهر إلا إذا جاء الماء مبكرًا. — إذن كنت تعرف أنها لم تخن الدار. لم يجب مباشرة. أخرج من الحقيبة قطعة عاج على هيئة نصف دائرة، ووضعها في كفها. كانت نصف بوصلة، منقوشًا على حافتها اسم مِهاد. — كنت أعرف أنها غيّرت المسار. لم أعرف لماذا. بعد ساعة سيكتشف المجلس حركة الخطوط، وسيحرق الخريطة كي لا تتبعها الأنهار. أمامنا وقت يكفي للوصول إلى مرسى الجذور، إن قررتِ أن تعرفي الحقيقة. كرهت أيسُل طريقته في وضع القرار أمامها كأنه لم يحتفظ بنصف البوصلة اثني عشر عامًا. أرادت أن تصرخ، أن تسأله كم مرة مر بها تحت صورة أمها وقرأ الإهانة. لكن النهر في الخارج ارتفع إلى مستوى النوافذ، وبدأ زجاج الدار يرتجف. أخذت الخريطة والبوصلة، وقالت: — سأذهب، وأنت ستأتي لتجيبني في الطريق. في مرسى الجذور كانت المراكب معلقة تحت جسور حجرية، مربوطة بحبال تنبت منها أوراق. صُممت لتبحر في الماء الصاعد: هيكلها من خشب خفيف، وأشرعتها مفتوحة إلى الأسفل، وفي قاعها خطاطيف تمسك بتيار النهر كما تمسك مخالب الطائر بالريح. اختار رِئام مركبًا صغيرًا اسمه «القُنبرة»، ووجد فيهما راكبًا ثالثًا ينتظر. كان زَرْقان، دليلًا من قبائل الهضاب، عريض الكتفين، وعلى ذراعيه وشوم تتغير ألوانها بحسب اتجاه المطر. حمل قوسًا بلا وتر وقارورة مليئة ببذور ذهبية. ما إن رأى أيسُل حتى قال لرِئام: — اتفقنا على رسام واحد. — وهي تقرأ خط مِهاد. تبدل وجهه عند الاسم، ثم انحنى لأيسُل انحناءة قصيرة. — أمكِ أنقذت قبيلتي. لهذا مُحي اسمها. قبل أن تسأله، دوّى جرس الخطر. خرج حرس المجلس إلى المرسى، تتقدمهم عربة نار تحمل وعاء الحبر الأحمر الذي تُبطل به الخرائط. قطع رِئام الحبل. قفزت القُنبرة من تحت الجسر، لا إلى الأمام بل إلى الأعلى، فهبطت المدينة تحتهم سريعًا. مروا بين شرفات البيوت، فوق برج الساعة، ثم دخل المركب قلب النهر المعلق. صار الماء جدارًا شفافًا عن يمينهم، والهواء واديًا مفتوحًا عن يسارهم. كانت الأسماك تنظر إليهم من الجانب، كأنهم هم الغارقون. ثبتت أيسُل الخريطة على لوح القيادة. لم يعد المسار خطًّا واحدًا؛ تشعب إلى ثلاثة، وكل فرع يؤدي إلى غرب مختلف. أشار رِئام إلى العلامات وقال إن جلد السحاب لا يرسم المكان، بل الاحتمال الذي يسمح الماء بحدوثه. إذا اختاروا فرعًا، صار هو الطريق، وانطفأ الآخران. قالت أيسُل: — وهل فعلتم هذا بنَمْرَق؟ اخترتم طريقًا فانطفأ الأرخبيل؟ أجاب زَرْقان بدلًا منه: — قبل اثني عشر عامًا جف البحر المعلق. كان على المجلس أن يختار: يرفع النهر فوق سَرْمَد لينقذ حقولها، أو يرسله غربًا لينقذ جزرنا وقبائل الهضاب. العاصمة أكبر، فقرروا أن يموت البعيدون بهدوء. قال رِئام إن مِهاد اكتشفت طريقًا رابعًا، مسارًا يمر في قلب «دوامة الأسماء»، وهي عاصفة لم يعد منها مركب. كان يمكنه تغذية الجهتين، لكنه يحتاج إلى مرساة حية تحفظ الطريق من الانغلاق. رفض المجلس الخطة، لأنها تضع موسم المطر كله في يد امرأة واحدة، فسرقت مِهاد الخريطة ونفذتها. وصل الماء إلى العاصمة والهضاب، لكن الأرخبيل اختفى داخل الدوامة، واختفت معه. — وسمحتم للناس أن يسموها خائنة. قال رِئام بصوت خافت: — وقّعتُ الحكم. صفعته أيسُل قبل أن تفكر. مال رأسه، ولم يدافع عن نفسه. كادت تضربه ثانية، لكن سهمًا من نار مر فوق كتفها وغاص في الشراع. ظهرت خلفهم ثلاثة مراكب للحرس، تتقدمها سفينة سوداء ذات مقدمة حديدية. كان عليها المراقب الأعلى أوداس، الرجل الذي حفظت أيسُل صوته من جلسات المجلس العامة. رفع بوقًا فضيًّا وناداهم أن يسلموا الخريطة، زاعمًا أن انحراف النهر سيغرق الأحياء الشرقية. نثر زَرْقان حفنة من البذور في الماء. نبتت فورًا إلى أغصان طويلة، التف بعضها حول السهم وانتزع النار، بينما امتد بعضها الآخر خلف القُنبرة كشبكة. اصطدمت بها أول سفينة فتوقفت، لكن السفينتين الباقيتين شقتا الأغصان بمقدمتيهما. أدار رِئام الدفة نحو الفرع الأوسط من الخريطة. صرخ زَرْقان أن ذلك الطريق يمر بسوق الرياح المسروقة، إلا أن رِئام أجاب أن الفرعين الآخرين سيعيدانهم إلى سَرْمَد. انطفأ مساران، واتسعت السماء أمامهم إلى ممر من سحب خضراء. خلف كل سحابة كان ريح محبوس يئن. باعة السوق يعيشون على منصات معلقة بسلاسل، يلتقطون الرياح في جرار ويبيعونها للمدن التي لا تصلها الفصول. وحين دخلت القُنبرة، خرجت امرأة مقنعة فوق منصة وصاحت بالسعر. لم يملكوا ما تدفعه السفن العابرة، فصفقت بيديها. فُتحت مئات الجرار دفعة واحدة. ضربتهم رياح الصيف والشتاء والعواصف الصحراوية من كل اتجاه. دار المركب حول نفسه، وانفصلت الخريطة عن اللوح. قفزت أيسُل وأمسكتها قبل أن تبتلعها سحابة. تدلت من الحافة، وتحت قدميها كانت سَرْمَد نقطة بنية بعيدة. أمسك رِئام معصمها بيد، وبالأخرى ثبت الدفة. للحظة استطاعت أن تترك أصابعها تفلت، فيسقط الرجل الذي حكم على أمها وهو يحاول إنقاذها. رأى الفكرة في عينيها وقال: — إن أردتِ حسابي، فأبقيني حيًّا حتى تسمعيه كاملًا. شدها إلى الداخل. أطلق زَرْقان سهمًا بلا وتر. حين غادر القوس صار طائرًا أسود، طاف حول الجرار المفتوحة وجمع الرياح خلف جناحيه، ثم قادها إلى شراع القُنبرة. اندفع المركب عبر السوق، محمولًا بكل الفصول مرة واحدة. لحق بهم مركب أوداس وحده؛ أما الآخر فارتطم بمنصة، والثالث اختفى في جرة عاصفة لم يغلقها الباعة. بعد السوق، تبدلت السماء. لم تعد الشمس فوقهم، بل صارت تحت المركب، قرصًا أبيض تراه أيسُل من خلال طبقات الهواء. وفي الأعلى ظهر البحر المعلق: سقف هائل من الماء الداكن، تتدلى منه جذور المطر مثل خيوط فضية. اقترب النهر منه لكنه لم يمتزج به؛ انعطف غربًا على سطح غير مرئي، وصاروا يبحرون بين ماءين. أخرجت أيسُل نصف البوصلة. بدأت إبرتها المكسورة ترتعش نحو بقعة لا تشير إليها الخريطة. أخرج زَرْقان من جيبه النصف الآخر. قال إن مِهاد أعطته لأبيه يوم دخلت الدوامة، وأوصته أن يسلمه إلى ابنتها إذا عاد النهر قبل المنارات. جمعت أيسُل القطعتين، فالتأم العاج وصار دائرة كاملة. لم تظهر فيها الجهات الأربع، بل أربع كلمات: «ما يُذكر»، «ما يُنسى»، «ما يُختار»، «ما يُدفع». استقرت الإبرة على «ما يُدفع». قال رِئام إن دوامة الأسماء لا تأخذ الأجساد أولًا. إنها تنتزع الاسم من ذاكرة العالم، ثم يصبح صاحبه غير قادر على العودة إلى مكان لا يتذكره. لهذا خلت السجلات من نَمْرَق تدريجيًّا، ولهذا لم يعد الناس يعرفون أين كانت الجزر. وحدهم الذين حملوا نصف البوصلة احتفظوا بذكر مِهاد. سألت أيسُل: — لماذا تذكرتها أنا من دونها؟ خفض رِئام عينه الوحيدة. — لأن أمكِ دفعت اسمكِ ثمنًا للدوامة، ثم استردته قبل أن يُمحى كاملًا. احتفظتِ بصورتها، لكنها نسيتكِ. كانت الجملة أشد من خبر موت. طوال سنواتها، تخيلت أيسُل لقاءً تعرف فيه أمها ملامحها قبل أن تراها، تمد ذراعيها، وتنطق الاسم الذي اختارته لها. لم تتخيل أن تصل إليها غريبةً تحمل من القرابة ما لا يستطيع الطرف الآخر تذكره. ظهر الضباب عند الغروب، جدارًا بنفسجيًّا تتخلله ومضات ذهبية. راحت الخريطة تمحو نفسها من الأطراف. كل جزيرة مرسومة، وكل جبل، وكل كلمة، ذابت حتى بقي خط رفيع يدخل الضباب. خلفهم اقترب مركب أوداس. لم يطلق النار هذه المرة، بل ناداهم أن الدار بدأت تنهار؛ النهر ترك مساره فوق المدينة، والبحر المعلق يتشقق. قال إن مِهاد لم تنقذ العالم، بل أجّلت انقسامه، وإن استمرار الطريق الرابع يحتاج كل اثني عشر عامًا إلى اسم جديد. التفتت أيسُل إلى رِئام. لم ينكر. — كنت تعرف أن الرسالة ستقودني إلى هنا لتأخذ الدوامة اسمي مكانها. — عرفت أن المرساة تضعف، ولم أعرف الثمن حتى اكتملت البوصلة. ضحك أوداس من سفينته، وقال إن رِئام يكذب كما كذب سابقًا. عرض على أيسُل أن تعود معه؛ سيحرقون الطريق الرابع، ويعيدون النهر إلى العاصمة. ستسقط قرى الهضاب ويظل الأرخبيل منسيًّا، لكن سَرْمَد ستنجو. «هذه ليست قسوة»، قال، «بل حساب. لا يمكن للخريطة أن تتسع للجميع». وقف زَرْقان عند الحافة، ووشومه سوداء تحت ضوء الدوامة. لم يطلب منها التضحية. قال إن قبيلته عاشت اثني عشر عامًا من الماء الذي اشترته مِهاد باسمها، وإن النجاة التي تحتاج كل مرة إلى شخص يُمحى ليست طريقًا، بل فمًا تعلم أن يجوع في موعده. دخلت القُنبرة الضباب. انقطعت أصوات البحر والريح، وحل صمت له وزن. ظهرت حولهم أشياء فقد العالم أسماءها: طيور شفافة تطير إلى الخلف، أبراج بلا أبواب، أشجار تحمل ثمارًا تشبه الوجوه، وجزر صغيرة تسير على أرجل حجرية. كلما مروا بشيء، حاولت أيسُل تسميته، لكن الكلمات انزلقت من لسانها. في وسط الدوامة، ظهر أرخبيل نَمْرَق. كانت الجزر السبع معلقة عموديًّا، واحدة فوق الأخرى، تربطها شلالات تصعد وتهبط في آن. البيوت مبنية على جوانب الصخور، وأشرعتها الملونة مفتوحة نحو مركز الدوامة. لم يمت أهلها. عاشوا اثني عشر عامًا داخل مكان لا يصل إليه الزمن إلا متقطعًا؛ أطفالهم كبروا في بعض الأيام وظلوا صغارًا في أيام أخرى، ومحاصيلهم نضجت ثم عادت بذورًا. استقبلتهم امرأة عند رصيف من الماء المتجمد. كان شعرها أبيض من جهة وأسود من الجهة الأخرى، ووجهها في عمرين متداخلين. حملت عصا خرائط من خشب أحمر، وعلى معصمها وشم يشبه الشق الذي أصلحته أيسُل صباحًا. قالت المرأة لرِئام: — تأخرت. ثم نظرت إلى أيسُل بأدب الغرباء. — من الناسخة؟ لم تستطع أيسُل الكلام. كانت هذه مِهاد، بصوتها الذي بقي في أطراف ذاكرتها، وبالحركة نفسها التي تزيح بها خصلة الشعر عن جبينها. إلا أن عينيها لم تحملَا أي اعتراف. قال رِئام: — هذه ابنتكِ. تراجعت مِهاد خطوة. وضعت كفها على فمها، لا لأن الذاكرة عادت، بل لأن غيابها صار واضحًا. طلبت اسم أيسُل، ورددته مرتين، كأنها تتعلم كلمة بلغة بعيدة. ثم قالت: — كنت أعرف أنني دفعت شيئًا لا يحتمل الدفع. لم أعرف أنه أنتِ. أرادت أيسُل أن تعاقبها بالصمت، لكنها رأت على ساعدها خطوطًا بيضاء تمتد نحو قلب الجزيرة. لم تكن مِهاد سجينة فحسب؛ كان جسدها متصلًا بمسارات الماء. كل نفس منها يفتح مجرى، وكل نبضة تحفظ جزيرة في موضعها. قالت إن الدوامة ليست عاصفة طبيعية، بل خريطة قديمة فقدت رسامها وظلت ترسم احتمالات بلا اختيار. حين دخلتها، ربطت المسار الرابع بنفسها، لكنها أدركت بعد فوات الأوان أن الخريطة ستطلب اسمًا جديدًا عند اكتمال كل دورة. وصل أوداس إلى الرصيف. قفز مع أربعة حراس، وفي يده وعاء الحبر الأحمر. أعلن أن المجلس سيبطل المسار ويخرج بمِهاد قبل انهيار العاصمة. اعترض رِئام، فطعنه أحد الحراس في كتفه. رفع أوداس الوعاء فوق النهر المرسوم في أرض الرصيف. أطلقت أيسُل نصف البوصلة نحوه. ارتطم العاج بيده وسقط الحبر، لكنه انسكب على طرف الخريطة الحية. انطفأت جزيرتان فورًا. لم تنفجرا ولم تسقطا؛ صارتا باهتتين، ثم عبر الناس بأعينهم موضعهما كأنهما لم تكونا هناك. صرخت مِهاد، وسقطت على ركبتيها. في البحر المعلق فوق الجميع ظهر صدع طويل، وبدأ الماء يتسرب منه إلى الفراغ. هجم زَرْقان على الحراس بقوسه. كل سهم أطلقه تحول إلى حيوان من ضوء: ذئب دفع رجلًا إلى الماء، وأيل حطم وعاء الحبر، وصقر انتزع المفتاح من عنق أوداس. أما أيسُل فانحنت فوق الخريطة. حاولت إصلاح البقعة بالإبرة الزجاجية، لكن الجلد لم يستجب. تذكرت العبارة التي ظهرت صباحًا: «اتبعوا الجزء الذي يرسم نفسه». لم تقل: أصلحوا الخريطة القديمة. نزعت الخيط الأزرق من الشق، فسال منه ضوء بارد. بدل أن تغلق التمزق، وسعته. صاح رِئام بها أن تتوقف، لكن مِهاد فهمت. قالت إن كل قرارات المجلس بُنيت على خريطة واحدة، ولذلك ظل العالم يختار بين العاصمة والهضاب والجزر. ما داموا يصلحون الورقة نفسها، فلن تظهر إلا الطرق التي سمح بها أول رسام. غرست أيسُل الإبرة في وسط الخريطة وشقتها نصفين. اهتز الأرخبيل. انقلب البحر المعلق، واندفعت الأنهار في كل اتجاه. سقط الجميع أرضًا، حتى أوداس الذي تشبث بحافة الرصيف. صارت القصاصتان بيضاوين، ثم بدأتا ترسمان نفسيهما بخطوط جديدة. لم تعد الخطوط أنهارًا قليلة تتفرع من مركز واحد، بل شبكة من الجداول الدقيقة تصل كل بقعة بأقرب غيمة، وكل غيمة بأقرب جبل، وكل جبل بما يخزنه من ثلج وجذور وآبار. لم يكن الماء مضطرًّا إلى المرور بسَرْمَد كي يصل إلى بقية العالم. لكن الخريطة الجديدة احتاجت إلى حبر. امتدت منها خيوط شفافة نحو أسماء الواقفين. أحست أيسُل باسمها يُسحب من صدرها، ورأت مِهاد تمد يدها لتمنع الخيط. قطع زَرْقان كفه، وترك قطرة دم تسقط على الورقة. قال: — لا تعطوها اسمًا كاملًا. أعطوها أثرًا من كل واحد. وضع رِئام إصبعه على الخريطة، ثم مِهاد، ثم أهل الأرخبيل. حتى بعض الحراس فعلوا ذلك حين رأوا الجزر تعود. قاوم أوداس، فمر الخيط به من غير أن يأخذ شيئًا؛ الخريطة الجديدة لم تقبل القسر. احتاجت إلى ما يُعطى. من كل شخص أخذت ذكرى صغيرة: مذاق ثمرة، وجه جار، لحن تهويدة، لون باب قديم. لم يُمحَ أحد، لكن الجميع فقد شيئًا يستطيع العيش من دونه كي يعيش الآخرون بما يحتاجونه. اختارت أيسُل ذكرى صباح واحد مع أمها، اليوم الذي علمتها فيه كيف تمسك الإبرة. شعرت بالتفصيل يغادرها: ضوء النافذة، دفء اليد حول أصابعها، الضحكة حين وخزت الجلد. بقيت تعرف أن أمها علمتها، لكنها لم تعد تستطيع رؤية المشهد. نزلت قطرتها إلى الخريطة، فاشتعلت الشبكة كلها بلون الفجر. تحررت الخطوط البيضاء من ذراع مِهاد. توقف الرصيف عن الارتجاف، واستقرت الجزر أفقيًّا تحت سماء حقيقية. خارج الدوامة، انقسم البحر المعلق إلى آلاف الغيوم، وسارت كل غيمة في طريق مستقل. للمرة الأولى منذ تأسيس دار الخرائط، لم يعد المطر ينتظر أمرًا من العاصمة. قبض زَرْقان على أوداس، لكن مِهاد منعته من دفعه إلى الفراغ. قالت إن الرجل ينبغي أن يعود ويرى مدينة لا تتحكم في عطش الآخرين. حملوا رِئام الجريح إلى القُنبرة، وربطوا مركب الحرس خلفها. وعندما غادروا نَمْرَق، لم يعد الضباب جدارًا؛ صار مطرًا بنفسجيًّا خفيفًا، يسقط إلى الأسفل مثل أي مطر عادي. استغرقت العودة ثلاثة أيام، لأن الطريق لم يعد خطًّا مباشرًا. مروا فوق قرى خرج أهلها يلمسون المطر بدهشة، وفوق الهضاب حيث امتلأت تجاويف الصخر من دون أن ينقص ماء العاصمة. وحين ظهرت سَرْمَد، وجدوها مبتلة لا غارقة. كانت مناراتها السبع مطفأة، أما ساحات دار الخرائط فازدحمت بالناس الذين اكتشفوا أن الأنهار تستطيع الوصول من غير أختام المجلس. حُوكم أوداس، ولم يقل إنه كان شريرًا. قال إنه حمى الأكثر عددًا، وإن المدن لا تُدار بالعواطف. لكن زَرْقان عرض سجلات القرى التي مُسحت، وأخرج رِئام نسخة الحكم الذي وقعه، وشهد على نفسه قبل أن يشهد على أوداس. نُزع مفتاح الخزانة من عنقه، وأُلزم أن يقضي أعوامه يعيد أسماء الأماكن التي وافق على حذفها. لم يغفر له الناس لمجرد أنه اعترف، ولم يطلب ذلك. أما مِهاد فلم تستعد ذكرياتها فجأة. عادت إلى بيت ابنتها كزائرة تتعلم موضع الأكواب، وتسأل أي الطعام تحبه أيسُل، وتعتذر حين تكرر السؤال. كان بينهما حب غير متساوٍ: أيسُل تحمل طفولة كاملة، ومِهاد تحمل خبرًا عن تلك الطفولة. أوجعها هذا في البداية. ثم فهمت أن العلاقة لا تُعاد من الجانب المفقود؛ تُبنى من الجهة التي يقفان فيها الآن. أُغلقت دار الخرائط القديمة، لا لأن الخرائط صارت بلا فائدة، بل لأنها لم تعد أوامر. افتتحت أيسُل في المرسى بيتًا صغيرًا لتعليم خرائط الاحتمال. جاءها أطفال من العاصمة والهضاب ونَمْرَق، وكان أول درس تمنحه لهم أن الورقة التي لا تتسع للجميع ليست العالم، مهما كان ختمها عظيمًا. احتفظت بالخريطة المشقوقة فوق المنضدة، لا تصلحها ولا تخفي أثرها. كلما هطل المطر، ظهرت في موضع الشق طرق جديدة ثم اختفت. وفي بعض الصباحات كانت مِهاد تقف إلى جوارها، تمسك الإبرة بالطريقة التي نسيتها أيسُل، فتراقبها الابنة وتحاول أن تتعلم الحركة مرة أخرى، لا بوصفها ذكرى مستردة، بل مهارة تولد بينهما للمرة الثانية. بعد عام، ارتفع النهر في موعده، لكنه لم يصعد عمودًا واحدًا. انقسم عند بوابة سَرْمَد إلى أسراب من الماء، اتخذ كل سرب شكل طائر وسافر نحو جهة. صعد الناس إلى الأسطح ليروه، ولم تقرع أجراس الخطر. مدت مِهاد يدها إلى أيسُل وسألتها عن اسم الطيور. قالت أيسُل إنها بلا اسم بعد. — أيمكن أن نسميها معًا؟ فكرتا طويلًا، ثم اختارتا كلمة لم تكن في أي سجل. وحين نطقتاها، مالت أسراب الماء فوق المدينة كأنها سمعت، ثم تابعت طريقها إلى القرى والجزر البعيدة. لم تحفظ أيسُل الكلمة بعد ذلك؛ كانت الخريطة قد أخذتها ثمنًا صغيرًا. لكنها بقيت تذكر أن أمها قالتها معها، وأن العالم، في تلك اللحظة، اتسع لاسم لا يملكه أحد وحده.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9