ممر السكون

ممر السكون
حين دقّ ناقوس الرحيل أول مرة، أجابه الجبل قبل أن يكتمل صداه. لم يكن الجواب صدىً عاديًا. الصدى يعود ضعيفًا ومتأخرًا، أما هذه الدقة فخرجت من الصخر أثقل من الأصل، وسبقت يد أَرْغَد إلى الضربة الثانية. شعر بها أهل رَواسي في نعالهم، وارتعشت أواني النحاس داخل البيوت المثبتة فوق الزحافات. كانت جُلَّنار الوحيدة التي لم ترفع رأسها نحو الناقوس. جثت على ركبة واحدة، وضغطت كفها العارية على أرض المغارة. لم تسمع الدقة الأولى ولا جوابها؛ فقدت سمعها في طفولتها بعد حمى طويلة. لكنها أحست بطبقتين من الاهتزاز: إحداهما هبطت من برج الناقوس، والأخرى جاءت من أمام القافلة، من الممر الذي يفترض أن يكون فارغًا. كان عملها الرسمي فحص أرض الطريق قبل جر البيوت فوقها. تحمل صفائح بسماكات مختلفة، وتطرقها بقبضة يدها، ثم تقرأ ما يعود إلى عظام أصابعها. عرفت بهذه الطريقة مواضع الملح الهش والجيوب الساخنة والطبقات التي لا تتحمل ثقل الزحافات. لم يعد أهل رَواسي يعدّون صممها نقصًا، لكن كثيرين ظلوا يرون إحساسها بالحجر حرفة احتياطية، نافعة عند الشك ولا تنافس يقين النواقيس. هي نفسها لم تدّع أن الجبل يكلمها؛ كانت تقول إنه يتحرك، وإن الحركة تترك أثرًا لمن يصبر حتى يشعر به. رفعت يدها وأغلقت أصابعها، إشارة التوقف المتفق عليها. توقفت الدواب الستية الأرجل عن جر الزحافات. كانت مخلوقات عمياء، عريضة الظهور، تعرف طرق باطن الجبل من حرارة الحجر ورائحة الفطر. خلفها امتدت رَواسي كبلدة مفككة على عجلات: ثلاثة وأربعون بيتًا خشبيًا، وفرن، ومستوصف، وخزانان، ومشاتل مضيئة، وبرج يحمل اثني عشر ناقوسًا. ينتقل أهلها كل أربعين يومًا من مغارة إلى أخرى، قبل أن يخبو الطحلب المنير الذي يزرعونه في السقوف. لم تكن الهجرة رحلة يختارونها، بل نظام حياة كامل. الطحلب الذهبي ينمو مرة واحدة في كل مغارة ثم يدخل سباتًا يمتد سنوات، والفطر الذي يطعم الدواب يحتاج إلى حرارته. لذلك بُني كل شيء ليُفك أو يُجر: الأسرة داخل الجدران، وخزائن الدقيق تحت الأرضيات، وحتى فرن الخبز له مفاصل حديدية تسمح بإمالته عند المنحدرات. كان فقدان طريق واحد يعني فقدان حلقة من سلسلة الغذاء، ولا توجد قبة قريبة يمكن بلوغها قبل نفاد المؤن. نزل أَرْغَد من منصة البرج. كان أصغر ضابطي النواقيس سنًا، وأكثرهم حرصًا على الطقس القديم. أشار إلى جلنار بالسؤال، ثم تكلم ببطء كي تقرأ شفتيه: «هل انشق الطريق؟» هزت رأسها. أخرجت من جرابها صحنًا رقيقًا من الطين المحروق، ونثرت فوقه مسحوق الكلس. وضعته على الأرض. بعد لحظة قفز المسحوق في خطوط متوازية، ثم دار نصف دورة من تلقاء نفسه. كتبت بإصبعها على اللوح الشمعي: «الجدار الأمامي يتحرك.» وصل مِرْداس، قائد الرحلة، تتبعه مجموعة السائقين. كان موعد مغادرتهم لا يحتمل التأجيل؛ مشاتل المغارة القديمة فقدت نصف ضوئها، وخزانات الفطر تكفي يومين فقط. أما قبة السراج، محطتهم التالية، فتقع وراء ممر الحناجر، ولم تتخلف رَواسي عن عبوره منذ سبعة أجيال. قال مرداس: «النواقيس تفتح الحناجر. هذا ما فعلناه كل عام.» قرأ أرغد كلماته لجلنار بالإشارة. كتبت: «كل عام كان الجبل يجيب بعد الدقة السابعة. اليوم أجاب قبل الثانية.» صعد أرغد إلى البرج وضرب ناقوسًا أصغر. جاءت الدقة المضادة فورًا. هذه المرة انحنى طرف الممر كما تنحني ستارة ثقيلة، ثم اصطكت كتلتان صخريتان في عمقه. اندفعت موجة غبار أطفأت مصابيح الفطر القريبة. لم يحتج مرداس إلى برهان آخر. أمر بفك مقدمة القافلة، واختار جلنار وأرغد لاستطلاع الطريق. كان أحدهما يعرف لغة الاهتزاز، والآخر يعرف كيف يصنعه. لم يكونا صديقين؛ أرغد رأى طويلًا أن عمل قارئة الحجر لا يزيد على الحذر المبالغ فيه، وجلّنار رأت أن ضابطي النواقيس ينسبون إلى ألحانهم ما تفعله المصادفة. لكن الطريق أمامهما لم يهتم برأيهما. زاد التوتر بينهما منذ الرحلة السابقة، حين أوقفت جلنار القافلة ساعتين بسبب رجفة ضعيفة تحت جسر ملحي. سخر أرغد يومها من خوفها، ثم انهار الجسر بعد عبور آخر دابة بدقائق. لم يعتذر، وهي لم تطلب اعتذارًا، لكن كليهما تذكر الحادثة كلما اختلفا. الآن ناولها أحد قنديليه من غير جدال، وربط حول معصمه شريطًا أبيض كي ترى إشاراته في العتمة. حملا حبالًا وقناديل فطرية وصفائح طين ومساطر اهتزاز، ودخلا الممر من دون ناقوس. بعد خمسين خطوة اختفى ضوء القافلة وراء انعطاف لم يكن في السجل القديم. كان ممر الحناجر مؤلفًا من أعمدة طبيعية طويلة، جوفاء من الداخل. إذا مر الهواء فيها أطلقت نغمات منخفضة، ولذلك ظن الأقدمون أنها تغني للقوافل. وجدت جلنار الأعمدة في غير مواضعها؛ بعضها استدار، وبعضها انطبق على جاره، وظهرت بينها فتحات جديدة تقود إلى ظلام لم تطأه قدم. ثبت أرغد خيطًا على أول عمود ليعرفا طريق العودة. ما إن شد العقدة حتى مر احتكاك خفيف في الصخر. تحرك العمود قدر عرض كف، واختفت الفتحة التي دخلا منها. نظر إليها، ثم إلى الخيط. قال: «حتى اللمس يوقظه.» وضعت جلنار كفها على الأرض. الاهتزاز الذي صنعته العقدة انتقل إلى أسفل، ثم عاد مضخمًا عبر تجاويف الأعمدة. أشارت إليه أن يبقى ساكنًا. انتظرا. بعد نصف دقيقة هدأت الرجفة، وتحرك العمود ببطء إلى موضعه الأول، فعادت الفتحة. كتبت: «السكون يعيده.» تقدما بخطوات قصيرة، وتوقفا بعد كل خطوة حتى يهدأ الصخر. عند أول تفرع، أخرج أرغد مطرقة لينة وضرب أحد الأعمدة دقة خافتة. انفرجت ثلاثة ممرات دفعة واحدة، ثم بدأت تدور حولهما. جذبت جلنار ذراعه قبل أن يكرر الضربة. جلسا متلاصقين إلى الأرض فيما مرت الجدران حولهما مثل أسنان رحى بطيئة. بعد أن خمد الصوت، استقرت الممرات، لكن الطريق الخلفي صار فوق مستوى رأسيهما. لم تعد المسألة فتح باب بنغمة صحيحة. كل صوت يعيد ترتيب المتاهة بأكملها. بلغ الاثنان حجرة واسعة تتدلى من سقفها آلاف القضبان المعدنية الطبيعية. لم تكن معدنًا خالصًا ولا صخرًا؛ لمع سطحها بلون رمادي، وامتد بعضها داخل الجدران. قربت جلنار صحن الكلس من أحدها، فرأت المسحوق يتحرك قبل أن تلمسه. كانت القضبان تنقل ارتعاش القافلة البعيدة: وقع الدواب، صرير المحاور، بكاء رضيع، وطرق حداد يصلح حلقة. أدركت أن الجبل لم يجب الناقوس وحده. رَواسي كلها كانت تعزف داخله. رفع أرغد قنديله. عند الطرف الآخر من الحجرة ظهر نقش قديم محفور في طبقة الملح: صف من الناس يمشون تحت أجراس مقلوبة، وأكفهم موضوعة على أفواههم. لم تكن هناك كلمات، بل مسافات متساوية بين الأقدام، وبين كل مجموعة وأخرى دائرة مشقوقة. قال أرغد: «ظننت الدوائر نواقيس.» مررت جلنار أصابعها فوقها، ثم أشارت إلى الأرض. كانت من موضعها تحس برجفة عميقة تتكرر بانتظام: دفعة طويلة، فسكون، ثم دفعة أخرى. الدوائر لم تمثل نواقيس، بل نبضات الجبل. أما الأقدام المتباعدة فكانت تتحرك داخل النبض، وتتوقف بين نبضتين. كتبت: «الطقس ناقص. لم تكن النواقيس تفتح الممر. كانت تغطي وقع القافلة حتى تعبر.» اعترض أرغد. «لو كان الأمر كذلك، لتحرك الجبل مع كل دقة.» كتبت: «وقد تحرك. لكن الناس كانوا يسيرون في أثناء الحركة نفسها، فلم يروها.» لفهم النقش احتاجا إلى اختبار. وضع أرغد ثلاث حصيات في خط مستقيم بين قضيبين. ضرب نغمة قصيرة، فدارت الأرضية وحملت الحصيات إلى اليمين. انتظرا عودة السكون، فلم ترجع إلا حصاتان؛ الثالثة سقطت في شق ظهر ثم انغلق. بعدها راقبت جلنار النبض الطبيعي. في لحظة بدئه قفزت خطوة كاملة. تحركت الأعمدة، لكن قفزتها لم تضف اتجاهًا جديدًا إلى حركتها. كررت الأمر في النبضة التالية، فعبرت بين عمودين قبل أن ينطبقا. تبعها أرغد. كان عليه أن يراقب يدها، لأنها تشعر ببداية الرجفة قبل أن يسمعها هو بنصف نفس. قادته عبر سلسلة من الحجرات بهذه الطريقة: إشارة، ثلاث خطوات سريعة، ثم تجمد كامل. في إحداها كان السقف منخفضًا، وفي أخرى اتسعت الأرض إلى هاوية لا يرى قاعها، تعبرها ألواح حجرية معلقة بلا دعائم. كل لوح مال مع وقع القدم، لكنه عاد إلى مستواه إذا ثبت العابر حتى جاءت نبضة الجبل. بعد الهاوية دخلا دهليزًا امتلأت جوانبه بصفائح معدنية أرق من أوراق الشجر. لم يحركها الهواء، لأن الهواء نفسه كان ساكنًا، لكن كل نفس من أرغد جعلها تميل نحوه. حاول أن يقول شيئًا، فارتفعت عشرات الصفائح وانطبقت خلفه، فاصلة بينهما. رأى جلنار شفتيه تتحركان ولم يصلها بالطبع أي صوت. أشارت إليه أن يصمت، ثم وضعت القنديل على الأرض وأطفأت لهبه كي لا يفرقع زيته. ظلا على جانبي الحاجز بلا حركة. مرت نبضة من الأسفل، فارتعشت الصفائح. أدخلت جلنار إصبعين بين اثنتين منها عند ذروة الرجفة، ثم وسعت الفتحة في النبضة التالية. احتاجا سبع نبضات كي يلتقيا من جديد. حين خرج أرغد، وضع يده على حلقه وتعهد بالإشارة ألا يتكلم. ابتسمت جلنار للمرة الأولى؛ فقد تعلم في دقائق ما احتاج أهل القافلة أعوامًا لقبوله: الصمت ليس فراغًا، بل أداة لها توقيت. في نهاية الدهليز وجدا حوضًا حجريًا جافًا تتراكم فيه قطع معدنية من أنواع مختلفة. أخذ أرغد قطعتين متشابهتين، وعلقهما بخيط واحد. حين ضرب الأولى اهتزت الثانية بعكسها، وخفت رجفة الخيط بينهما. كرر التجربة بأحجام متعددة، بينما تابعت جلنار أثرها في مسحوق الكلس. لم يختف الاهتزاز لأن المعدن سحري، بل لأن شكل القطعتين أجبر كل واحدة على مقاومة الأخرى. منحتهما الحجرة مبدأً، لا حلًا جاهزًا. على الضفة الأخرى وجدا بقايا عربة صغيرة تحجرت عجلاتها في الجدار. كانت أقدم من رَواسي، وعليها الأجراس المقلوبة نفسها. لم تكن لها ألسنة تضرب جوانبها؛ عُلقت داخل كل جرس قطعة مقابلة له في الحجم، بحيث تهتز القطعتان معًا ولا يخرج منهما صوت. رفع أرغد واحدًا منها. طرق حافته بأصبعه، فلم يسمع شيئًا. إلا أن جلنار أحست باهتزازين متساويين يتدافعان داخل المعدن وينتهيان عند المقبض. قال وهو يحدق في الجرس: «صنعوا ناقوسًا يمحو دقته.» لم يكن الغرض تغطية وقع القافلة، كما ظنت، بل إلغاء الرنين الذي يصنعه العبور. النبض الطبيعي يمنحهم لحظات للحركة، والأجراس المزدوجة تمتص ما يبقى من اهتزاز قبل أن يصل إلى القضبان المعدنية. الطقس الذي ورثوه فقد نصفه على مر القرون؛ بقيت الألحان، وضاعت القطع المقابلة التي تصنع السكون. اهتزت الأرض بعنف. لم تكن نبضة طبيعية، بل انهيارًا جاء من جهة القافلة. ركضا في النبضات التالية، وتوقفا بينهما مهما ضاق الوقت. عند الحجرة الأولى وجدا الممر الخلفي قد انخفض حتى صار شقًا يمر منه شخص زاحفًا. دفع أرغد الجرس المزدوج إلى جلنار، ثم انبطح. أثناء عبوره سقط حجر وحصر ساقه. حاول دفعه، فارتج العمود المجاور وبدأ يطبق الشق. وضعت جلنار الجرس على الأرض، وضغطت القطعة الداخلية حتى لامست جداره في نقطتين. ثم ضربت الحافة بحجر. لم تسمع النغمة، لكنها رأت الغبار يسكن حول الجرس في دائرة صغيرة. داخل تلك الدائرة توقف العمود. سحبت أرغد من ساقيه قبل أن تنتهي الرجفة المعاكسة. خرج وفي حذائه شق طويل، لكن عظمه بقي سليمًا. حمل الجرس هذه المرة بحذر يشبه الاحترام. حين عادا، كانت مقدمة رَواسي قد انحشرت بين جدارين. تسبب الانهيار في إغلاق طريق الرجوع، وسقطت كتل ملحية على خزان الماء الصغير فشقته. لم يبق أمام القافلة سوى العبور، ولا يكفي الماء للانتظار يومًا آخر. شرح أرغد ما اكتشفاه، مستخدمًا ذراعيه وقطعًا من الخشب ليري السائقين كيف تتعادل الرجفتان. لم يطلب مرداس إحياء الطقس القديم؛ سأل سؤالًا أبسط: «هل نستطيع صنع ثلاثة وأربعين جرسًا قبل نفاد الماء؟» أجابت جلنار بالإشارة: «لا نحتاج واحدًا لكل بيت. نحتاج إلى إلغاء الرنين عند مصدره.» كان مصدره الأكبر برج النواقيس نفسه. فكت الحدادون الألسنة من النواقيس الاثني عشر، وعلقوا داخل كل واحد صفيحة نحاسية من مخزون السقوف. لم تتطابق الكتل، فاستعمل أرغد أكياس الرمل لتعديل الوزن، بينما وضعت جلنار صحون الكلس تحت البرج. كلما ضرب حافة ناقوس، راقبت هي أشكال المسحوق: إذا امتدت الخطوط إلى الخارج زاد الرمل، وإذا ارتدت نحو المركز أنقصه. قبيل نفاد المصابيح، نجحا في جعل ستة أزواج من النواقيس تتبادل اهتزازًا لا يغادر البرج. لفوا حوافر الدواب بطبقات من لباد الفطر، وحشوا مفاصل الزحافات بالقماش المشمع. ثُبتت الأواني، وأُطفئت الأفران، وحُمل الرضع داخل أرجوحات سميكة. تعلم الجميع ثلاث إشارات: استعداد، حركة، سكون. استغرق إعداد البلدة وقتًا أثقل من العمل نفسه. كانت لكل دار جلاجل صغيرة معلقة عند الأبواب كي يهتدي الناس إليها في الظلام، واضطر أصحابها إلى نزع الألسنة ولفها بالقماش. جمع الخباز أرغفة لم يكتمل نضجها لأن إشعال الفرن أثناء العبور سيجعل الحديد يتمدد ويطقطق. أفرغ الصيادون أقفاص الحشرات المضيئة داخل أوعية من اللباد، وربط السقاؤون أغطية القِرَب بحبال مزدوجة. حتى السعال صار له استعداد؛ وزع المستوصف قطع قماش رطبة على المرضى كي يكتموا أصواتهم إن جاءهم أثناء السكون. لم يَعِدهم مرداس بأن الخطة آمنة. وقف حيث يراه الجميع وقال بالإشارة التي تعلمها للتو إن الطريق القديم لم يعد موجودًا، وإنهم سيصنعون طريقهم بحركتهم المشتركة. لم يطلب منهم الثقة بالنواقيس ولا بجلنار ولا به. طلب أمرًا أصعب: أن يثق كل بيت بأن البيت الذي وراءه سيتوقف في اللحظة نفسها. دخلت جلنار الممر في المقدمة، ويدها اليسرى على الأرض، واليمنى مرفوعة حيث تراها القافلة. وقف أرغد عند حبال النواقيس المعدلة. لم يكن مطلوبًا منه أن يعزف لحنًا؛ كان عليه أن يضرب كل زوج في اللحظة التي تبدأ فيها العجلات الحركة، كي يبتلع أحد الناقوسين رجفة الآخر ورجفة البرج معه. جاءت نبضة الجبل. أغلقت جلنار قبضتها ثم فتحتها. تحركت رَواسي. تقدمت الدواب ثلاث خطوات، وانزلقت البيوت فوق الزحافات. ضرب أرغد الزوج الأول. ارتج البرج، لكن مسحوق الكلس بقي ساكنًا خارج دائرته. انتهت النبضة، فقبضت جلنار يدها. توقفت القافلة كلها، حتى بدا أن البلدة تحولت إلى نحت خشبي داخل الصخر. مرت النبضة الثانية، ثم الثالثة. دخلت البيوت تباعًا بين الأعمدة التي تدور مع الجبل. لم يصرخ أحد حين انغلقت الممرات خلفهم، ولم ينادِ سائق دابته. كانت الإشارات تنتقل من يد إلى يد، من المقدمة حتى آخر زحافة. عند الهاوية المعلقة ظهر الخلل الأول. اللوح الحجري الذي يحمل فرن القافلة مال أكثر مما فعل في الاستطلاع؛ وزن البيت فوقه أكبر من قدرة النبضة على تثبيته. تدحرجت أكياس الدقيق داخل الفرن واصطدمت بالجدار. انتقلت الرجفة إلى القضبان، وبدأت ألواح الجسر تتباعد. ضرب أرغد زوجًا ثانيًا من النواقيس، لكن إحدى الصفائح الداخلية انفلتت. خرجت دقة كاملة، واضحة وقوية. استدارت الأعمدة حول الهاوية، وارتفع طرف اللوح حتى كاد يقلب الزحافة. كان بوسعهم ترك الفرن. لم يكن فيه أحد، لكن سقوطه سيضرب قاع الهاوية ويوقظ المتاهة كلها. أشارت جلنار إلى السائقين أن يثبتوا الحبال، ثم زحفت تحت منصة البيت. رأت أرغد يصرخ باسمها، ولم تسمعه. ما شعرت به كان الفوضى في الحجر: رنين الناقوس المنفرد يكرر نفسه بين القضبان، وكل عودة تدفع الجسر إلى اتجاه جديد. لم تستطع إسكات الدقة بعد خروجها، لكنها استطاعت أن تمنحها دقة معاكسة. أشارت إلى أرغد بالرقم الرابع، ثم إلى الصفيحة الساقطة. فهم. فك كيس الرمل من الناقوس الرابع، وربطه في الحبل المقطوع، ثم ضربه. خرجت نغمة أخفض من المطلوبة. هزت جلنار رأسها بعنف، وأشارت أن ينقص الرمل. فعل، وضرب ثانية. هذه المرة رأت الغبار تحت الجسر يتوقف في الهواء لحظة، كأن الزمن نفسه نسي أن يهبط. ثبت اللوح. في دائرة السكون القصيرة، قطع السائقون حبال أكياس الدقيق ورموها إلى الجهة الآمنة، فخف وزن الفرن. قادت جلنار الدواب فوق اللوح، بينما واصل أرغد ضرب النغمتين المتعاكستين. لم يسمع أهل القافلة صمتًا؛ سمعوا صوتين عظيمين. لكن الحجر، حيث التقت الموجتان، لم يسمع شيئًا. عبرت الزحافة الأخيرة قبل أن يتمزق اللوح ويسقط. لم تصل من الهاوية ضربة ارتطام. ابتلع الظلام الحجر كما لو أن القاع أبعد من أن يجيب. بقي الممر الأخير، وكان أضيق من برج النواقيس. حاول السائقون تدويره، فاصطدم سقفه بقوس صخري. لا يمكن تفكيكه داخل المتاهة، ولا يمكن تركه قائمًا؛ حبال النواقيس هي التي تصنع دائرة السكون حول بقية القافلة. نظر مرداس إلى البرج الذي رافق رَواسي سبعة أجيال. لم يحتج إلى تصويت. أمر بفك قواعده وتركه عند مدخل الممر، مع إبقاء الحبال ممتدة إلى الجهة الأخرى. عبر الناس والبيوت والدواب. بقي أرغد عند البرج يضرب الأزواج، فيما وقفت جلنار بعد الممر تراقب صحون الكلس. كل ضربة تحفظ الطريق، لكنها تؤخر عبوره. وعندما لم يبق سواه، لم يعد هناك من يمسك الحبال من الجانب الآخر. ربطها أرغد إلى ذراعه وبدأ ينسحب خطوة خطوة. جاءت نبضة الجبل، فأشارت جلنار بالحركة. ركض. انتهت النبضة وهو في منتصف الممر، وبدأت الأعمدة تنطبق لأن الحبال جرّت النواقيس خلفه وأخرجت رنينًا غير متعادل. أمسكت جلنار الحبل الرئيسي. كان عليها أن تختار بين سحبه وإنقاذ أرغد، أو تركه ليواصل ضبط البرج. لم تفعل أيًا منهما. لفت الحبل حول وتد الزحافة الأخيرة، ثم أشارت إلى السائق أن يتحرك عند النبضة التالية. جذب وزن البيت الحبال الاثني عشر معًا. دقت النواقيس كلها في لحظة واحدة، واهتزت صفائحها الداخلية بعكسها. اتسعت دائرة السكون من البرج إلى الممر، وثبتت الأعمدة وهي على مسافة ذراع من جسد أرغد. ركض آخر الخطوات وارتمى خارجًا. قطعت جلنار الحبل بسكينها. بقي البرج في الداخل يدق من قوة الشد المتبقية. لم يسمعوا سوى النواقيس، نغمة فوق أخرى، لكن الجبل لم يجب. تحركت الأعمدة بعد ابتعاد القافلة، وأغلقت الممر على البرج. انقطعت الأصوات دفعة واحدة. خرجت رَواسي إلى قبة السراج قبل نفاد الماء بساعتين. كانت المغارة الجديدة أوسع مما وصفتها السجلات، وسقفها مغطى بطحلب ذهبي لم يمسسه دخان. أنزل الناس بيوتهم عن الزحافات، وأطلقوا الدواب نحو أحواض الفطر، وبدأوا إصلاح الخزان. أحصوا الخسائر عند الصباح: برج النواقيس، وثلث الدقيق، ولوحان من جسر الفرن، وحذاء أرغد الممزق. لم يفقدوا شخصًا ولا دابة. أما البيوت التي مرت أولًا، فقد مدت حبالها إلى البيوت الأخيرة وساعدتها على الصعود، حتى استقرت رَواسي كلها فوق أرض واحدة للمرة الأولى منذ بداية العبور. لم يصفق أحد؛ التصفيق عادة لم تعد بريئة بعد تلك الليلة. اكتفوا برفع أكفهم في الضوء الذهبي، وهي علامة ابتكروها هناك للشكر الذي لا يحتاج إلى صوت. لم يبنوا برجًا جديدًا. صنع أرغد نواقيس صغيرة مزدوجة، لا لتعزف، بل لامتصاص صرير المحاور ووقع الخطوات في الرحلات المقبلة. أما جلنار فحوّلت إشارات العبور إلى لغة كاملة يتعلمها الأطفال والسائقون، ثم صنعت ألواحًا من الطين ينثر فوقها الكلس كي يرى كل شخص ما كانت تحسه بكفها. بعد أربعين يومًا حان موعد الرحيل مرة أخرى. اصطف أهل رَواسي أمام ممر جديد، بلا لحن افتتاحي ولا قائد يرفع مطرقة. وضعوا أكفهم على الأرض، من أكبرهم إلى أصغرهم، وانتظروا. جاءت نبضة الجبل، طويلة وعميقة. رفعت جلنار يدها. وتحركت المدينة في المسافة التي تركها لها الحجر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9