حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
الحبر الأخير
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
حين فقد الباب اسمه، لم يسقط من مفصلاته ولم يتشقق خشبه؛ صار أملس فحسب، كأن أحدًا مسح منه فكرة الدخول والخروج.
وقفت مَيْسان أمامه تحمل صندوق أدوات التجليد، ومدّت يدها إلى المقبض النحاسي. كانت تعرف هذا الباب منذ طفولتها. خلفه مخبز العم نُبهان، حيث تتعلق رائحة السمسم بثياب العابرين، وحيث كان أخوها الصغير يبادل رسمةً برغيف ساخن كل خميس. لكنها عندما ضغطت المقبض لم تجد مقاومة، ولم ينفتح شيء. مرت كفها خلال الخشب الباهت، ثم خرجت من الجهة الأخرى باردة ومرتعشة.
قال نُبهان من الداخل: «من هناك؟»
أجابته، لكنه لم يعرف صوتها. وبعد لحظات نسي أنه سأل أصلًا.
رفعت ميسان عينيها إلى اللوحة الصغيرة فوق المدخل. كان اسم المخبز محفورًا عليها صباح أمس. الآن لم يبقَ سوى مستطيل أبيض. وعلى امتداد زقاق السُّدُف، أخذت الأشياء تفقد أسماءها واحدًا بعد آخر: مصباح بلا رقم، نافذة لا يتذكر ساكنها لأي غرفة تطل، بئر ينظر الناس إلى مائه ولا يعرفون ما الذي يُفعل به.
في مدينة نُسُق، لم تكن الأسماء زينة. كل شيء يوجد ما دام مكتوبًا في «السِّفر الأم» المحفوظ تحت دار القيّمين. البيوت، الأزقة، المهن، الولادات، حتى الجسور التي تعبر قنوات الحبر؛ لكل منها سطر يثبته في العالم. وحين يبهت السطر، يضعف الشيء. وحين يُمحى، لا ينهدم، بل ينساه الوجود كما ينسى النائم وجهًا رآه لحظة.
أخرجت ميسان عدستها ذات الإطار العظمي ونظرت إلى الباب. ظهرت تحت سطحه شعيرات سوداء دقيقة تنسحب نحو الحائط، كأن الحبر يُمتص من داخله. لم يكن بهتانًا طبيعيًا. كان محوًا متعمدًا.
ركضت إلى البيت.
وجدت أخاها رِئبال جالسًا على الأرض، يحيط نفسه بأوراق مطوية صنع منها طيورًا وأسماكًا. كان في الثانية عشرة، نحيلًا، كثير الأسئلة، ويملك ذاكرة تحفظ الطرق من روائحها لا من أسمائها. رفع ورقة على هيئة طائر وقال: «هذه تطير إذا نفختِ تحت جناحها.»
سألته: «ما اسم أمنا؟»
ضحك أولًا، ثم انطفأ وجهه.
على الجدار قبالتهما كانت صورة امرأة تضم طفلين. بقي وجهها واضحًا، لكن اللوح النحاسي أسفل الصورة صار أبيض. ضغط رئبال صدغيه محاولًا انتزاع الاسم من رأسه. تذكر دفء يدها، وأغنية قصيرة كانت ترددها وقت المطر، وندبة عند طرف حاجبها؛ لم يتذكر الاسم.
أما ميسان فتذكرته لأن أمها خاطته قديمًا داخل بطانة صندوق أدواتها، بخيط أزرق لا يخضع لحبر المدينة. فتحت الغطاء، تحسست الغرز، وهمست: «سُلاف.»
كرر رئبال الاسم، لكنه انزلق من ذاكرته في اللحظة نفسها.
قالت ميسان: «بدأوا بالسُّدُف.»
لم يسأل مَن تقصد. كان الجميع يعرف أن دار القيّمين تستطيع تصحيح السِّفر، لكنها تقسم أن المحو لا يحدث إلا للأشياء الخطرة أو المكررة أو الميتة. وكان حي السدف قديمًا وفقيرًا، لكنه لم يكن ميتًا. فيه سبعة آلاف شخص، وسوق للنحاس، وثلاث مدارس، ومخبز لا يزال عجينه يختمر خلف باب يتلاشى.
تركت رئبال عند الجارة، واتجهت إلى مشغل التجليد في طرف الحي. كان معلمها هَدْلان قد أغلق النوافذ وأشعل مصباحًا واحدًا. فوق طاولته رُصّت طلبات إصلاح جاءت من دار القيّمين: صفحات ممزقة من سجل الضرائب، أغلفة دفاتر الميلاد، وحزم من بطاقات الأسماء القديمة.
لم يبدُ متفاجئًا حين أخبرته. سحب من تحت ثوبه قصاصة رمادية مختومة بالشمع الذهبي. حملت جدولًا للمحو يبدأ بزقاق السدف، ثم سوق النحاس، ثم الحي كله قبل الفجر الثالث.
قالت: «من أين حصلت عليها؟»
«من كتاب جاءني لإصلاح كعبه. أخفاها ناسخ بين الصفحات.»
«لماذا يمحوننا؟»
رفع هَدلان كفيه، وكانت أصابعه مثقبة من الإبر. «لأن بئر الهوامش يجف. بقي في دار القيّمين من الحبر الحي ما يكفي لتثبيت قلب المدينة أو أطرافها، لا الاثنين.»
قلب المدينة يعني قصور الفهرس، ساحات التجار، خزائن القضاة، والأحياء التي تملك أسماء طويلة محفورة بالذهب. أما الأطراف فهي السدف وما يشبهه: أسماء قصيرة، بيوت متلاصقة، وأناس لا يصل صوتهم إلى القاعة العليا.
قالت ميسان: «يمكنهم إخبارنا.»
«فيهرب الناس إلى المركز، فيفنى الحبر أسرع. اختاروا أن يمحوا الحي بهدوء، على دفعات، كي لا تفزع المدينة.»
وضعت القصاصة فوق اللهب. لم تحترق. ظهرت في أسفلها كتابة خفية لم تكن ترى إلا بحرارة المصباح: «تُنقل الحصة المستردة إلى باب الخلود.»
عرفت الاسم. باب الخلود مشروع القيّم الأكبر وَرْدان؛ بوابة سوداء في ساحة الفهرس، وعد الأغنياء بأنها ستحفظ أسماءهم وأسماء أبنائهم مهما أصاب المدينة. دفعوا له وزنًا من الفضة مقابل كل حرف.
قالت ميسان: «البئر لا يجف وحده. هو يسحب حبرنا إلى البوابة.»
أمسك هَدلان بذراعها قبل أن تتحرك. «الوصول إلى السِّفر مستحيل من فوق. الحراس في كل باب.»
«إذن ندخل من الكعب.»
نظر إلى أدواتها، ثم إلى الخيط الأزرق في بطانة الصندوق. فهم ما تنوي. كان السِّفر الأم كتابًا بحجم مبنى، موضوعًا أفقيًا تحت الدار، وكعبه الحجري يمتد وراء الجدران إلى حي الورّاقين. كل عشر سنوات يُفتح نفق العصب كي يصل المجلدون إلى خيوط الربط ويشدّوها. عملت ميسان هناك مرة وهي متدربة. تعرف أن الكتب، مهما بلغت قدسيتها، تبقى أشياء مربوطة بالخيط والغراء.
أعطاها هَدلان سكينًا رفيعة ومفتاحًا من عظم الحوت. «العصب سيتعرف إلى زي المجلدين. لكنه لن يتعرف إلى نيتك.»
«وهل للكتاب عين؟»
أجاب: «له كل العيون المكتوبة فيه.»
كان رئبال ينتظر خارج المشغل. رفض البقاء عند الجارة، وقال إن المرأة نسيت اسمه مرتين خلال ساعة. ثم أخرج طائرًا ورقيًا صغيرًا؛ كتب داخل جناحه اسم أمه بالخيط الأزرق الذي سرقه من الصندوق.
قالت ميسان بغضب خافت: «قلت لك ابقَ هناك.»
«إذا مُحي الحي وأنا بعيد، قد أنسى طريق العودة إليك.»
لم تجد جوابًا أقسى من خوفه، فأخذته معها.
دخلا نفق العصب من باب خلف مستودع الجلود. كان ضيقًا في أوله، ثم اتسع حتى صارا يمشيان فوق خيوط سميكة كجذوع الأشجار. فوقهما ارتفعت حزم الصفحات طبقات لا تنتهي، وبينها تسرب نور حليبي ورائحة ورق مبتل. في كل مرة قلب القيّمون صفحة من السِّفر، اهتز النفق كله، ومر فوق رأسيهما هدير يشبه عاصفة بعيدة.
تقدمت ميسان نحو عقدة الربط الثالثة، حيث توجد فتحة صيانة تقود إلى الهوامش السفلى. لكنها وجدت الخيط مقطوعًا حديثًا. أطرافه سوداء ومبللة، وعلى الأرض آثار أقدام صغيرة بلا أصابع.
همس رئبال: «شيء سبقنا.»
خرجت المخلوقات من بين الصفحات عندما أدار المصباح. كانت بحجم الأطفال، مسطحة الوجوه، ترتدي بقايا أثواب لا لون لها. لم تكن وحوشًا؛ كانت أشخاصًا مُحوا من السِّفر وبقيت أجسادهم عالقة في كعبه. أفواههم تتحرك، لكن أسماءهم زالت، فلم يستطع الصوت أن يجد طريقه إلى العالم.
اقترب أحدهم من رئبال ومد يده إلى الطائر الورقي. سمع الصبي همسة داخل رأسه: «أعطني اسمًا.»
سحب الطائر إلى صدره. اندفعت المخلوقات كلها.
قطعت ميسان خيطًا جانبيًا بسكينها، فتراخت حزمة صفحات وانطبقت بينهما وبين المطاردين. لم تسحقهم؛ ابتلعتهم في بياضها، ثم ظهرت ظلال أيديهم تزحف تحت السطح. ركض الأخوان فوق العصب المتأرجح حتى بلغا فتحة الصيانة.
هناك كان ينتظرهما ناسخ شاب يحمل مصباحًا أخضر وقوسًا قصيرة. وجه السهم إلى ميسان، ثم أنزله عندما رأى زيها.
قال: «أنت تلميذة هَدلان.»
«وأنت صاحب القصاصة.»
عرّف نفسه باسم أَسْوار، ناسخًا من الطبقة الثانية في دار القيّمين. كان هو من اكتشف جداول المحو، وحاول تهريبها قبل اعتقاله. هرب إلى العصب لأنه المكان الوحيد الذي لا تستطيع مرايا الحراسة رؤيته.
سألته ميسان عن باب الخلود. قال إن وردان لم يبنه لحماية المدينة، بل لصنع صفحة لا يمكن تعديلها. حين يكتمل، سيكتب فيها أسماء أسر محددة، فتظل موجودة حتى لو مُحي بقية السِّفر. يحتاج الباب إلى ثلث حبر البئر، لذلك بدأت الأحياء الخارجية تتلاشى قبل الموعد المتوقع بسنوات.
قال رئبال: «نكسر الباب.»
هز أسوار رأسه. «إذا انكسر وهو ممتلئ، يعود الحبر إلى البئر ميتًا. الحبر الحي يتنفس داخل الكلمات؛ حبسه في الذهب يقتله.»
«إذن نفتح السِّفر ونكتب الأحياء من جديد.»
نظر إلى ميسان بشفقة. «بأي حبر؟»
أخرجت قارورة صغيرة من صندوقها. كان فيها مقدار إصبع من سائل داكن، تركته أمها قبل اختفائها. ظنت طوال سنوات أنه حبر عادي جف نصفه، لكن العدسة أظهرت داخله نبضًا بطيئًا.
شهق أسوار. «حبر البدء.»
تقول الحكايات إن السِّفر كُتب أول مرة بسبع قطرات منه، وإن قطرة واحدة تستطيع إنشاء سطر جديد لا نسخه. لكنه لا يكفي لإعادة حي كامل، وقد لا يبقى حيًا إن فتحوا القارورة قبل الوصول إلى قلب الصفحة.
تابع الثلاثة طريقهم عبر الهوامش. تحتهم تدفقت قناة سوداء عريضة تحمل الحبر من أطراف السِّفر إلى المركز. فوق القناة امتدت جسور من ورق أبيض مطوي، تهتز كلما مر فيها اسم مسروق. رأت ميسان أشياء الحي تطفو في السائل: ضحكة نُبهان، لون باب المدرسة، صوت مطرقة النحاس، والاسم الذي نسيه رئبال. لم تكن ذكريات مجازية؛ كانت ومضات حقيقية، تظهر لحظة على سطح الحبر ثم تُسحب نحو باب الخلود.
وصلوا إلى منتصف الجسر حين هبطت عليهم طيور المقص. أجسامها من فولاذ رقيق، وأجنحتها شفرتان تفتحان وتغلقان. أطلقها الحراس لقطع كل ما يتحرك بلا تصريح بين الصفحات.
أصاب سهم أسوار طائرًا، فتفكك وتناثرت مساميره في القناة. قص طائر آخر طرف الجسر، فمالت الصفحة تحت أقدامهم. انزلق رئبال نحو الحبر. أمسكت ميسان معصمه بيد، وغرست سكين التجليد في الورق باليد الأخرى. تحت الصبي تدفقت أسماء مسروقة، وكلما لامست قدماه بخارها نسي شيئًا: لون قميصه، عمره، سبب وجوده.
صرخ: «من أنتِ؟»
أوجعها السؤال أكثر من ثقل جسده. لف أسوار خيط القوس حول خصرها، وساعدها على سحبه. عندئذ أطلق رئبال طائره الورقي. نفخ تحت جناحه كما علّمها في البيت، فانتفخ الخيط الأزرق وانطلق الطائر بين طيور المقص. تبعته الآلات لأنها التقطت الاسم المحفوظ داخله، فابتعدت عنهم وراحت تطارده فوق القناة.
قالت ميسان: «اسم أمي!»
أجاب الصبي وهو ينهض: «أنقذ أسماء حي كامل.»
عبروا قبل أن يعود السرب. في الضفة الأخرى، كانت ذاكرة رئبال ترجع ببطء، إلا اسم أمه. أما الطائر فظل بعيدًا، يلمع خيطه الأزرق بين الشفرات حتى اختفى.
قادهم أسوار إلى غرفة المسودات المرفوضة. تراكمت فيها بيوت لم تُبنَ، مواليد ألغيت أسماؤهم قبل تسجيلها، قوانين شُطبت، ورسائل اعتذار لم يجرؤ أصحابها على إرسالها. كانت الأشياء نصف موجودة: درج يصعد إلى لا شيء، نوافذ معلقة بلا جدران، ظلال أشخاص لم يولدوا. ومن وسطها مروا إلى باطن دار القيّمين.
وصلوا عند منتصف الليل. بقي للفجر الثالث أقل من ست ساعات، لكن المحو تسارع. من فتحة في الأرض رأوا حي السدف على صفحة مفتوحة في الأسفل. كان كرسمة شاحبة تحت زجاج، تمحى شوارعه من الأطراف نحو البيت الذي تركاه. الناس يتحركون مرتبكين، يدخلون بيوت غيرهم، وينادون أبناءهم بأسماء خاطئة.
وقف وردان عند منضدة الفهرس، طويلًا بثوب أبيض تتدلى من كتفيه سلاسل مفاتيح. لم يكن حوله حراس. كان يتوقعهم.
قال لأسوار: «كنت أعرف أن القصاصة ستجد مجلدًا عنيدًا.»
رفع أسوار قوسه، لكن وردان أشار إلى الصفحة المفتوحة. «اقتلني إن أردت. لن يمتلئ البئر. أنا لم أصنع الجفاف، بل حاولت أن أقرر مَن ينجو منه.»
فتحت ميسان القارورة أمامه دون أن تزيل سدّها. تغير وجهه.
«من أين لك هذا؟»
«من سُلاف بنت مِدراس.»
للمرة الأولى بدا وردان خائفًا. قال إن سُلاف لم تكن امرأة عادية من الحي؛ كانت آخر قارئة للسِّفر. قبل خمسة عشر عامًا اكتشفت أن البئر لا يصنع الحبر، بل يستعيده من ذاكرة الناس حين تُقرأ المدينة كاملة. في الأزمنة القديمة كان القارئ يقف كل عام في قاعة الفهرس وينطق أسماء الأحياء واحدًا واحدًا، فيتذكر سكان المركز الأطراف، وتتذكر الأطراف بعضها، فيدور الحبر بدل أن ينفد.
لكن القراءة توقفت بعدما تمردت ثلاثة أحياء على الضرائب. أمر مجلس القيّمين بحذف أسمائها من التلاوة عقابًا لها. رفضت سُلاف، وحاولت فتح الفهرس للعامة. حدث صراع، وانسكب حبر البدء. ابتلع البياض جسدها، وبقي اسمها خارج السِّفر. منذ ذلك اليوم، صار البئر يستهلك الذاكرة دون أن يجددها أحد.
قالت ميسان: «أنت محوت أمي.»
«أنا أغلقت الصفحة كي لا تمحو الفوضى المدينة كلها. كنت يومها أصغر القيّمين، وأجبنهم.»
أشار إلى باب الخلود خلفه. كان إطارًا هائلًا من الذهب الأسود، تتوهج في سطحه آلاف الأسماء. «حين تأكدت أن القراءة الكاملة لن تعود، صنعت وسيلة لحفظ جزء من نُسُق. نعم، اخترت مَن يملك ثمن البقاء. هذا ظلم. لكنه ظلم يترك بشرًا أحياء بدل عدالة تمحو الجميع.»
قال رئبال: «أنت لا تُبقيهم أحياء. تُبقي أسماءهم بعد أن تجعلهم ينسون الآخرين.»
تقدم وردان نحو القارورة. «أعطيني حبر البدء. يكفي لتثبيت الباب مئة عام. خلال ذلك ربما نجد حلًا.»
سألت ميسان: «وهل يعيد أمي؟»
سكت، ثم قال: «يمكنه أن يكتب اسمًا واحدًا كتابة لا تُمحى.»
اهتزت القارورة بين أصابعها. اسم واحد. تستطيع أن تعيد سُلاف إلى الصورة والذاكرة، وربما إلى جسدها العالق بين المسودات إن بقي منه شيء. خمسة عشر عامًا وهي تجمع شذرات أمها من الروائح والأغاني والغرز. كان يكفي أن تكتب الاسم في صفحة البدء، فيتذكرها رئبال، ويعرف الناس أنها وُجدت.
أمّا الحي، فيحتاج أكثر من قطرة.
سمعوا في الأسفل صراخًا خافتًا. اختفى طرف سوق النحاس، وسقط رجل على ركبتيه لأنه نسي المهنة التي أمضاها أربعين عامًا يتعلمها. في المخبز، فتح نُبهان الفرن وحدق في النار غير عالم لماذا أشعلها.
وضعت ميسان القارورة على منضدة الفهرس.
قالت: «أين تبدأ القراءة؟»
ضحك وردان بمرارة. «حتى لو فتحت الفهرس، تحتاج إلى قارئ يعرف جميع الأسماء. مات آخرهم.»
«لا يحتاج شخصًا واحدًا.»
فهم أسوار قبل الآخرين. ركض إلى مرايا النداء المثبتة في جوانب القاعة. كانت تستخدم لبث أوامر القيّمين إلى الساحات. حطم الأقفال عن أغطيتها ووجهها نحو الصفحة المفتوحة. أما رئبال فصعد إلى منصة القراءة، وأخذ ينادي أول اسم يتذكره من حيهم.
لم يحدث شيء.
قالت ميسان: «الحبر.»
نزعت سد القارورة. انتشرت رائحة تراب يصيبه المطر لأول مرة. لم تسكب القطرة على اسم أمها ولا على باب الخلود. غرست إبرة التجليد في السائل، ثم ثقبت بها أول خيط من خيوط السِّفر عند حافة الصفحة. شرب الخيط الحبر الأزرق الداكن، وامتد الضوء فيه إلى الكعب، ومن الكعب إلى آلاف الصفحات.
استيقظت المدينة.
دقت الأجراس من تلقاء نفسها. أضاءت مرايا النداء في البيوت والأسواق والممرات. سمع سكان نُسُق صوت رئبال الصغير يقول: «زقاق السدف.»
رد هَدلان من مشغله: «سوق النحاس.»
قالت امرأة من نافذة بعيدة: «درج السقّائين.»
وأضاف طفل: «ساحة الرمان.»
كل اسم يُنطق كان يظهر خيطًا من الحبر في الصفحة. لم يكن المطلوب أن يعرف قارئ واحد المدينة كلها؛ كان المطلوب أن يمنح كل إنسان ذاكرته للآخرين. انهمرت الأسماء عبر المرايا: أحياء الأغنياء والفقراء، الأزقة الجميلة والقذرة، الجسور المهجورة، المقابر، المدارس، الورش، والبيوت التي لا يزورها أحد. تردد الناس أولًا، ثم أدركوا أن الصمت يمحوهم جميعًا.
انتفخت قنوات الحبر تحت الدار. انعكس التيار، وبدأ باب الخلود يفرغ ما خزنه. صرخ وردان وأمسك بذراع ميسان. «إذا عاد كله دفعة واحدة، تتمزق الصفحة!»
كان محقًا. تشققت الأرض، وارتفعت موجة سوداء في القاعة. انكسرت منضدة الفهرس، وانزلقت الصفحة التي تحمل حي السدف نحو بئر الهوامش. تشبث رئبال بالمنصة، بينما سقط أسوار بين إطارين ذهبيين.
ركض وردان إلى باب الخلود وأدار مفاتيحه كلها. لم يحاول إنقاذ الأسماء المختارة؛ فتح المصارف الجانبية لتوزيع الحبر على الصفحات. لكن السلاسل التفّت حول ساقيه وسحبته نحو السطح الأسود.
كان يمكن لميسان أن تتركه. غير أنها ثبتت خيط التجليد في عمود، وزحفت حتى أمسكت يده. ساعدها أسوار، وبعد جهد أفلتوه من السلاسل. صاح وردان بأن العقدة الرئيسية في الكعب لن تتحمل. إذا انفكت، تناثرت صفحات المدينة وصار كل حي عالمًا معزولًا لا يتذكر غير نفسه.
أخرجت ميسان بكرة الخيط الأزرق. لم يبقَ منها ما يكفي لعقدة بحجم السِّفر.
عندئذ عاد الطائر الورقي.
دخل من إحدى مرايا النداء ممزق الجناحين، تتبعه طيور المقص. كان الخيط الأزرق في داخله قد طال كلما ردّد الناس الاسم المخيط فيه، حتى صار خلفه شريطًا يمتد عبر الساحات والبيوت. التقطه رئبال قبل أن تقصه الشفرات، ورمى طرفه إلى أخته.
رأت ميسان اسم أمها بين الغرز. لم يعد كلمة محفوظة لامرأة واحدة؛ آلاف الأصوات نطقته عندما مر الطائر بالمرايا، لأنهم سمعوا قصة القارئة التي مُحيت وهي تحاول إبقاءهم معًا. نما الخيط من تذكّرهم لها.
قفزت ميسان إلى حافة الصفحة. تحتها كان العصب يتشقق، وفوقها هاجت طيور المقص. لف أسوار عباءته حول ذراعه وصد الشفرات، فيما أمسك وردان الصفحة برافعة الفهرس. هبطت ميسان بين طبقات السِّفر، يتبعها الخيط الأزرق، حتى بلغت العقدة الرئيسية.
كانت أضخم من بيت، وقد انفتح نصفها. الصفحات تضرب بعضها كأبواب في عاصفة. دخلت بين الخيوط، وغرست إبرة أمها في الشق، ثم مررت الأزرق حول الحزم واحدة تلو أخرى. كلما شدّت عقدة، سمعت حيًا يستعيد صوته. عاد رنين المطارق إلى سوق النحاس. تذكر نُبهان الخبز فأخرج الأرغفة قبل أن تحترق. ظهرت أسماء الأطفال في سجلات مدارسهم.
لكن آخر حزمة كانت أبعد من ذراعها. انقطع موطئ قدمها وسقطت.
امتدت من البياض يد بلا ملامح وأمسكتها.
كان أحد الممحوين الذين طاردوهم في النفق. ثم ظهرت أيدٍ أخرى، تحملها نحو العقدة. لم يطلبوا أسماء هذه المرة. كان الحبر العائد يرسم وجوههم ببطء، وكل اسم تنطقه المدينة يعيد واحدًا منهم إلى وزنه وصوته.
ربطت ميسان العقدة الأخيرة.
انغلق السِّفر بصوت هز نُسُق من أساسها إلى أبراجها. انطفأت طيور المقص وسقطت كأوراق معدنية. تحطم باب الخلود إلى ألواح فارغة، وتحررت الأسماء منه مثل أسراب من الضوء، كل واحد يبحث عن صاحبه.
عندما فتحت ميسان عينيها كانت في قاعة الفهرس. رأسها في حجر رئبال، وهَدلان واقف عند الباب مع عشرات من أهل السدف. لم يعد الحراس يعرفون مَن ينبغي اعتقاله؛ وردان نفسه أمرهم بفتح الدار لكل من يحمل اسم مكان نسيه السجل.
نهضت ميسان واتجهت إلى صفحة أمها. ظهر فيها سطر قصير: «سُلاف بنت مِدراس، قارئة نُسُق، فتحت الفهرس ولم تكمل القراءة.» لم تعد المرأة إلى الحياة، ولم تخرج من غرفة المسودات كما تمنت ابنتها في أضعف لحظاتها. لكن وجهها ثبت في الصورة، وتذكر رئبال صوتها دفعة واحدة حتى بكى قبل أن ينطق الاسم.
أما الممحونون، فعاد بعضهم، وبقي بعضهم ظلالًا تحتاج إلى من يتذكر تفاصيلها. فُتحت في دار القيّمين قاعة جديدة، يأتي إليها الناس ليروا الصور القديمة والأدوات والرسائل، ويمنحوا أصحابها أسماءهم من جديد. لم يكن الإصلاح معجزة كاملة؛ كان عملًا طويلًا، اسمًا بعد اسم.
حُوكم مجلس القيّمين علنًا. لم يطلب وردان العفو، وشهد بكل ما فعله وبكل اسم سمح بمسحه. وحين سأله القاضي لماذا ساعد في النهاية، قال: «كنت أحسب المدينة صفحة يجب إنقاذها من الناس. ثم رأيت أن الصفحة من دونهم ليست سوى بياض مؤجل.»
بعد عام، لم يعد لنُسُق قارئ واحد. في الليلة الأولى من كل شهر تُفتح مرايا النداء، ويقرأ كل حي أسماء الحي الذي يليه. يذكر سكان القصور الأزقة البعيدة، ويذكر أهل الأطراف الجسور والحدائق والمقابر. وإذا تغيّر اسم أو وُلد شارع جديد، لا يُعتمد حتى يسمعه الجميع.
تولت ميسان ترميم السِّفر، لكنها رفضت لقب القيّمة الكبرى. كتبت على باب مشغلها، بالخيط لا بالحبر، أن الكتب الكبيرة لا يحفظها أصحاب المفاتيح وحدهم، بل الذين يرفضون ترك صفحة لا يقرؤها أحد.
وفي صباح خميس، مرّت بمخبز نُبهان مع رئبال. كان الباب ثابتًا، واللوحة فوقه تحمل اسمها بوضوح. ناولهما الخباز رغيفين، ثم أشار إلى طائر ورقي موضوع في صندوق زجاجي قرب الفرن. جناحاه ممزقان، وفي صدره خيط أزرق على هيئة اسم.
سأل رئبال: «هل نحتفظ به هنا؟»
قالت ميسان: «لا. الأشياء التي أنقذت مدينة لا تُحبس.»
فتح الصندوق. حمل الصبي الطائر إلى عتبة المخبز ونفخ تحت جناحه. ارتفع قليلًا، دار فوق الزقاق الذي كاد يختفي، ثم مضى بين البيوت.
لم يتبعه أحد ليعرف أين حط.
ففي نُسُق الجديدة، لم يعد كل ما يغادر صفحة يُعد ضائعًا؛ أحيانًا كان يذهب ليعلّم صفحة أخرى كيف تتذكر.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق