حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
جوع الكالسيوم
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
ظهر السن الأول في قالب لا يخص فمًا حيًا.
وجدته سُمية الباسل عند السابعة مساءً، حين رفعت نصف الفك الجصي من جهاز المسح. كان القالب مخصصًا لمريض فقد ضرسه السفلي الأيسر؛ تجويف الخلع ظاهر في طبعة السيليكون، والسن البديل مرسوم في الطلب الإلكتروني. لكن من قلب التجويف خرج نتوء أبيض أملس، لا يشبه حبة الجص ولا فقاعة الهواء. انحنت سُمية تحت المصباح، وخدشته بأداة معدنية.
صدر صوت قاسٍ رفيع.
عاج حقيقي.
وقفت وحدها في قسم النماذج بمختبر «السنابل» لتركيبات الأسنان. خلف الزجاج كانت آلات الطحن الصغيرة تدور داخل حجيراتها، وفي الغرفة المجاورة أضاءت الطابعات ثلاثية الأبعاد بألوان خضراء ساكنة. انتهت الوردية النهارية قبل ساعة، وبقي معها ماهر، فني التلميع، في آخر الممر، ورَكان صاحب المختبر داخل مكتبه.
نادتهما. جاء ماهر أولًا، يمسح غبار السيراميك عن ساعديه. أخذ القالب وقربه من وجهه.
قال: «جزء من سن المريض انكسر داخل الطبعة.»
«التجويف كان فارغًا عندما صببته.»
«ربما علق في السيليكون ولم تريه.»
أرته الطبعة السالبة. مكان الضرس غائر ونظيف، ولا أثر لقطعة مكسورة. وصل رَكان وهو يغلق أزرار سترته. كان في الخمسين، طبيب أسنان ترك العيادة منذ سنوات ليدير المختبر، ويحب أن يذكر أن الجودة تبدأ من التفاصيل التي لا يراها المريض.
فحص النتوء بمسبار، ثم قال إنه تكلس في الجص، وإن مسحوقًا قديمًا ربما اختلط بالدفعة الجديدة.
قالت سُمية: «التكلس لا يصنع طبقة مينا.»
«ومن قال إنها مينا؟»
«أسمعها تحت الأداة.»
ابتسم رَكان بلا اقتناع. طلب منها تصوير القالب ورميه، ثم إعادة الصب بمسحوق جديد. كان عليهم تسليم ثلاثين حالة صباحًا، ولا يحتمل الجدول نقاشًا طويلًا حول نتوء أصغر من حبة العدس.
كسرت سُمية القالب قبل التخلص منه. امتد السن داخله بجذر قصير متشعب، تحيط به خيوط شفافة دقيقة. لم تكن الخيوط جزءًا من الجص؛ انكمشت حين لامسها الهواء، وتركت قطرة رطبة فوق سطح الكسر.
وضعت القطعة في وعاء عينات وأغلقت الغطاء.
استخدمت كيسًا جديدًا من الجص، وماءً مقطرًا من عبوة محكمة، ووعاء خلط معقمًا. صبت الطبعة نفسها، وتركتها تتصلب أربعين دقيقة. خرج القالب الثاني سليمًا. صورته وأرسلت المقارنة إلى رَكان، ثم بدأت مسحه.
عندما دار النموذج الرقمي على الشاشة، ظهر تحت سطح التجويف جسم صغير كثيف لا تراه العين. كبّرت الصورة المقطعية. كان جذرًا آخر يتشكل داخل الجص.
سمعت ماهر خلفها يقول: «لا تقتربي كثيرًا.»
كان يضغط على فكه الأيمن.
سألته إن كان يتألم. قال إن ضرس العقل يؤذيه منذ الصباح، مع أنه نزعه قبل خمس سنوات. ضحك وهو يقولها، لكنه لم يرفع يده عن خده.
أوقفت سُمية الماسح، وأخرجت سجل المواد. بدأ الأمر، على الأرجح، من مادة دخلت القالب أو الماء أو الطبعة. السيليكون جاء من العيادة، والجص من مخزون قديم، أما جهاز الفصل الذي طُلي به القالب قبل المسح فكان من عبوة جديدة بلا ملصق واضح.
وجدت العبوة في الخزانة السفلية. سائلها شفاف أثخن قليلًا من الماء، وعلى غطائها رمز مطبوع بحبر باهت: «ك-17». لم يحمل اسم شركة أو تعليمات سلامة.
دخل رَكان ورآها تمسكها. تغير وجهه لحظة، ثم مد يده.
«هذه ليست مادة فصل. أعطيني إياها.»
«ماذا تكون؟»
«محلول تجريبي. وصل إلى القسم الخطأ.»
«استُخدم على كم قالب؟»
لم يجب فورًا. أخذ العبوة ووضعها في جيبه، ثم طلب منها التوقف عن العمل حتى الصباح. قال إنه سيتصل بالمورّد ويعرف إن كان هناك خطأ في الشحنة.
سألته سُمية: «لماذا لا توجد بطاقة بيانات سلامة؟»
«لأنه نموذج غير مخصص للبيع.»
«ولماذا هو هنا؟»
رفع صوته: «قلت إنني سأعالج الأمر.»
في اللحظة نفسها سقط من غرفة التلميع شيء معدني، ثم جاء صوت ماهر مختنقًا. ركضا إليه. كان منحنيًا فوق الحوض، يبصق دمًا. في راحته ضرس صغير كامل الجذر.
قال وهو يلهث: «خرج وحده.»
فتحت سُمية فمه تحت المصباح. مكان الضرس القديم، الذي يفترض أن يكون ملتئمًا، لم يكن فارغًا. برزت منه قمة سن جديدة، بيضاء ناصعة، وخلفها انتفاخان صلبان تحت اللثة.
أخرج رَكان هاتفه ليتصل بالإسعاف. أمسك ماهر ذراعه وقال إنهم إن ذكروا المادة فسيغلقون المختبر. دفعه رَكان بعيدًا واتصل رغم ذلك.
بينما كانوا ينتظرون، بدأ صوت الطرق يأتي من غرفة النماذج. لم يكن على باب ولا جدار. كانت نقرات قصيرة متتابعة، كصوت عشرات الأدوات المعدنية تضرب الزجاج.
دخلت سُمية أولًا. الوعاء الذي وضعت فيه قطعة السن تحرك فوق الطاولة. لم يهتز من محرك قريب؛ كانت القطعة في داخله تضرب الغطاء بجذرها. وحول الأحواض، ظهرت شقوق بيضاء في القوالب التي صُبت خلال الأسبوع. من كل شق ارتفعت رؤوس أسنان صغيرة.
قال رَكان: «اخرجوا من القسم.»
لكن ماهر لم يستطع المشي. سقط على ركبتيه، ووضع يديه حول فمه. انتفخ جانباه من الداخل، ثم سُمع صوت تشقق خافت. لم يكن عظم فكه ينكسر؛ كانت أسنان جديدة تدفع القديمة من جذورها.
وصل المسعفون وأخذوه إلى المستشفى. أخبرتهم سُمية عن المادة المجهولة، وسلمتهم العبوة بعد أن انتزعتها من جيب رَكان. احتج، ثم سكت حين رأى الدم على الأرض.
أغلقت الشرطة باب المختبر مؤقتًا، لكن موظف السلامة لم يصل قبل الصباح. بقيت سُمية ورَكان في الخارج، تحت مصباح موقف السيارات، يقدمان إفادتيهما. قال رَكان إن المادة عينة بحثية لم يستخدمها عمدًا، وإن عامل المخزن وضعها مع مواد الفصل خطأ.
قالت سُمية أمام الشرطي: «لم يكن لدينا عامل مخزن هذا الأسبوع. أنت رتبت الخزائن بنفسك.»
نظر إليها رَكان طويلًا. لم ينكر، لكنه طلب محاميًا.
في المستشفى، أظهرت صورة الأشعة لماهر ثمانية تراكيب سنية جديدة على امتداد الفك السفلي. لم تكن أضراسًا مكتملة، بل براعم ذات جذور سريعة النمو تضغط على الأعصاب. أدخلوه الجراحة، ووُضع في جناح عزل لأنهم لم يعرفوا إن كانت الحالة معدية.
عند الثالثة فجرًا اتصلت الطبيبة المناوبة بسُمية. سألتها عن احتمال تعرض ماهر لرذاذ التلميع أو غبار مادة حيوية. كان عليه بقع من المحلول في رئتيه وثيابه، ووجد المختبر في دمه خلايا لا تطابق نسيجه.
قالت سُمية: «هو يعمل على تيجان الزركونيا. لا نستخدم خلايا حية.»
«هناك ما يستخدمها.»
أرسلت الطبيبة صورة مكبرة من إحدى البراعم المنزوعة. حول طبقة العاج نسيج وردي رفيع يحوي أوعية دموية حديثة. لم تكن الأسنان تنمو مستقلة عن جسده؛ كانت تجبر جسده على تغذيتها.
عاد رَكان إلى المختبر عند السابعة بحضور مفتش السلامة وفريق من الصحة العامة. فُصلت الكهرباء عن آلات الطحن والطابعات، وأُخذت عينات من الهواء والماء والجص. أصر رَكان على أن العينة لم تستخدم إلا مساء أمس، لكن سجل المشتريات كشف أنه تسلم أربع عبوات قبل ثلاثة أسابيع.
وجدوا عبوتين فارغتين في حاوية النفايات الكيميائية.
قالت سُمية: «كم حالة خرجت من هنا؟»
أجاب رَكان بصوت منخفض: «اثنتان وأربعون.»
كانت المادة تُدعى داخليًا «ميناء-17»، تطويرًا لشركة ناشئة حاولت صناعة بطانة حيوية تساعد السن المحضر على تكوين طبقة عاج تحمي العصب تحت التيجان. يحتوي المحلول على هياكل بروتينية وخلايا سنية مشتقة من ضروس العقل المتبرع بها. فشلت التجارب لأن الخلايا لم تتوقف عند تكوين طبقة رقيقة؛ واصلت صنع العاج والمينا ما دام حولها كالسيوم وماء وحرارة.
أوقفت الشركة المشروع وأمرت بإتلاف العينات. لكن رَكان كان مستثمرًا صغيرًا فيها، وحصل سرًا على أربع عبوات قبل إغلاق المختبر البحثي. ظن أنه يستطيع تخفيف المحلول واستخدامه في التيجان المؤقتة؛ إذا نجح، امتلك تقنية تسبق المنافسين، وإذا فشل في الجص فلن يتضرر أحد.
قال مفتش الصحة: «لكنك أرسلته داخل أفواه المرضى.»
أجاب: «بتركيز واحد إلى ألف. لم تظهر أي مشكلة في الاختبارات الأولية.»
سألته سُمية: «على مَن اختبرت؟»
لم يجب.
فهمت من نظرته إلى ماهر الغائب. كان الفني يشكو ألم فكه منذ أيام، لا منذ الصباح. ربما عرف بالمادة وقبل تجربتها مقابل المال، ثم أخفى الأعراض حتى خرج السن من مكان خلع قديم.
أرسلت الصحة العامة فرقًا إلى المرضى الاثنين والأربعين. نُقل سبعة منهم للفحص العاجل بعد الإبلاغ عن ضغط في الفك أو حساسية غريبة. كان الباقون قد تلقوا تيجانًا لم تلامس المادة مباشرة، أو لم تظهر عليهم أعراض بعد.
قال المفتش إن الخطر محصور في الحالات البشرية.
قالت سُمية: «ليس محصورًا.»
قادته إلى غرفة النماذج. خلال ساعات الليل شقت الأسنان عشرات القوالب. في بعضها لم تخرج من مواضع الفم وحدها؛ نبتت من قواعد الجص، ومن أرقام الحالات المحفورة، ومن أطراف الأوعية. كانت الخيوط الشفافة تمتد بين القوالب فوق الرف، باحثة عن الرطوبة.
رفع أحد الموظفين جهاز قياس الحرارة. بلغت حرارة الرفوف سبعًا وثلاثين درجة، مع أن التكييف مضبوط على عشرين.
وجدوا مصدر الماء تحت الحوض. مرّت خيوط بيضاء في خرطوم الصرف، وصنعت حول المصفاة حلقة صلبة من الأسنان الصغيرة. لم تكن الأسنان كائنات منفصلة، بل أعضاء تنتجها شبكة الخلايا وهي تتبع الأملاح في الجص ومياه التلميع.
أمر المفتش بإخلاء المبنى كله. كان مختبر السنابل يشغل الطابق الأرضي من مجمع تجاري، وفوقه عيادة جلدية ومركز تدريب ومخزن أدوية. إذا بلغت الخلايا خط الصرف الرئيسي، فقد تصل إلى أماكن أخرى تتوفر فيها الحرارة والكالسيوم.
أغلقوا صمامات الماء، وحقنوا خط الصرف بمحلول معقم قوي. تراجعت الخيوط عند المصفاة، ثم عادت بعد دقائق أغلظ من قبل. أظهر الفحص السريع أن الهيكل البروتيني يحميها من الكلور المعتاد.
قال رَكان إن الشركة استخدمت محلولًا خاصًا لإيقاف النمو في المختبر البحثي، لكنه لا يعرف تركيبه الكامل. اتصل بمديرة المشروع السابقة. رفضت في البداية الحديث، ثم أرسل إليها المفتش أمر الطوارئ وصور القوالب.
قالت عبر مكبر الهاتف: «لا تضيفوا مزيدًا من الماء. الخلايا تدخل طورًا ساكنًا عند الجفاف، لكنها تنتشر مع السوائل.»
«كيف نقتلها؟»
«حرارة تتجاوز ستمئة درجة، أو إذابة معدنية بحمض لا يمكن سكبه في شبكة الصرف.»
كان في المختبر فرن حرق يستخدم لإزالة الشمع من قوالب السبائك، ويصل إلى تسعمئة درجة، لكنه لا يتسع إلا لدفعات صغيرة. أما شبكة النمو فقد دخلت الأنابيب والجدران الرطبة.
أشارت سُمية إلى جهاز شفط الغبار المركزي. يمتد أنبوبه فوق كل الأقسام وينتهي في خزان معدني خلف المبنى. كان ماهر يلمع التيجان المطلية بالمحلول، فامتص الجهاز الرذاذ ثلاثة أسابيع. إذا كانت الخلايا تتبع الكالسيوم، فإن الخزان الممتلئ بغبار الأسنان والسيراميك أكبر مستعمرة لها.
فتح رجال الطوارئ باب الحجرة الخلفية وهم يرتدون أقنعة كاملة. بدا الخزان من الخارج ساكنًا، لكن معدنه كان دافئًا. حين أزالوا غطاء الفحص، انبعث هواء برائحة الحليب المحروق.
في الداخل لم يعد الغبار مسحوقًا. التصق في كتلة رمادية بحجم إنسان جالس، تغطيها صفوف غير منتظمة من الأسنان. بعضها صغير كحبوب الأرز، وبعضها أضراس كاملة. وبين الصفوف تحركت أغشية رطبة تنقبض ببطء، دافعة الأسنان بعضها على بعض. كان صوت الطرق الذي سمعوه يصدر من هنا، وينتقل عبر الأنابيب إلى غرفة النماذج.
تراجع أحد الرجال وأغلق الغطاء.
قال المفتش: «سننتظر فريق المواد الخطرة.»
جاء من الخزان صوت احتكاك طويل، ثم انبعج جانبه إلى الخارج.
قالت سُمية: «لا يمكننا الانتظار.»
كانت الكتلة تستهلك غبار الكالسيوم وتنتج نسيجًا أصلب كل دقيقة. إذا مزقت الخزان انتشرت شظاياها في الحجرة والهواء. اقترحت فصل أنبوب الشفط من الداخل، وإغلاق طرفه، ثم نقل الخزان كاملًا إلى فرن صناعي. لكن المعدن مثبت بالأرض، ولا يمكن إخراجه دون فتحه.
تذكر رَكان فرن صهر السيراميك في المصنع المجاور. يُستخدم لصناعة الطوب الطبي، وحجرته كبيرة بما يكفي للخزان. توجد بين المبنيين عربة تحميل ومسار معدني، لكن نقل الكتلة يحتاج إلى إبقائها باردة وساكنة.
قالت مديرة المشروع إن الخلايا تبطئ تحت أربع درجات. أحضروا الثلج الجاف من مخزن الأدوية، ولفوا الخزان ببطانيات عازلة. انخفض صوت الاحتكاك، وتوقف الانبعاج. قطع فريق الطوارئ البراغي وحمل الخزان إلى العربة.
بقيت شبكة الأنابيب. قرروا تفكيكها على أقسام، وإغلاق كل قسم وإدخاله الفرن تباعًا. بدأ العمل قبل الظهر. كان كل أنبوب يخرج أثقل مما ينبغي، مبطنًا من الداخل بطبقة من العاج والخيوط.
عند فك الجزء فوق غرفة التلميع، سقطت منه قطعة بيضاء والتصقت بقناع أحد العمال. انتشرت فوق البلاستيك خيوط دقيقة كالأصابع. نزع القناع وألقاه في حاوية الحرق قبل أن تصل إلى جلده.
أشرفت سُمية على فرز المواد لأنها تعرف مسار كل أداة وحالة. لم تسمح بخروج قالب أو تاج أو كيس غبار. عثروا في درج ماهر على حقنة صغيرة من «ميناء-17» ودفتر سجل فيه الأيام والأعراض. بدأ التجربة قبل ثمانية عشر يومًا. في اليوم الخامس كتب: «أشعر بشيء صلب تحت الندبة.» وفي اليوم الثاني عشر: «قال رَكان إن هذا دليل نجاح، وإن الألم طبيعي.» أما السطر الأخير فكان: «أسمع المضغ عندما يكون فمي مفتوحًا.»
وصل خبر من المستشفى: انتهت جراحة ماهر، وأزيلت البراعم كلها مع جزء من عظم الفك. حالته مستقرة، ولا يظهر نمو جديد بعد غسل الأنسجة بالمحلول المثبط الذي أرسلته الشركة السابقة.
لم تشعر سُمية بالراحة. سألت الطبيبة إن فُحصت رئتاه. جاء الصمت قصيرًا، ثم قالت الطبيبة إنهم وجدوا بؤرًا متكلسة صغيرة، وإنه سيبقى تحت المراقبة.
عند المساء نُقل الخزان إلى فرن المصنع. وقف رَكان مكبل اليدين إلى جوار سيارة الشرطة؛ صدر أمر بتوقيفه بعد العثور على دفتر ماهر والعقود السرية. طلب أن يرى عملية الحرق، لا بصفته صاحب المختبر بل بصفته الشخص الوحيد الذي يعرف مقدار المادة المفقودة.
قال إن العبوات الأربع كانت تحتوي على لترين. استُخدم لتر وستمئة مليلتر في الحالات والتجارب. بقي أربعمئة مليلتر في العبوة التي أخذها المسعفون.
راجعت سُمية الأرقام. العبوة المسلمة لم تحتو إلا على مئتين وخمسين.
سألته عن الباقي.
أقسم أنه لا يعرف.
فتشوا المختبر مرة أخرى. وجدوا آثار سائل تحت طاولة الخلط، تتجه إلى شق بين البلاط. رفع العمال البلاطات، فظهر أن المحلول تسرب إلى طبقة التسوية ثم بلغ أنبوب الماء البارد. لم يكن نموه ظاهرًا لأن الأنبوب مغلق منذ الصباح.
أمر المفتش بعدم إعادة الماء، لكن الضغط داخل الخط أخذ يرتفع من جهة المبنى. لم تكن المضخة تعمل. شيء في الأنبوب يضيّق المجرى ويدفع الماء أمامه.
اتبعت سُمية المخطط إلى آخر نقطة قبل الشبكة العامة: سخان صغير في غرفة الاستراحة. كان خزانه يحتفظ بعشرين لترًا من الماء الدافئ، غنيًا بالرواسب الكلسية. وضع أحد العمال يده على سطحه، فسحبها فورًا. كان ينبض.
أغلقوا الباب، وفصلوا الأنبوب الخارجي عند الصمام، ثم جروا السخان كاملًا إلى عربة الحرق. ومع كل اهتزاز صدر من داخله صوت أسنان تتلامس.
أدخلوا الخزان والسخان والأنابيب والقوالب إلى فرن المصنع. رفعت الحرارة تدريجيًا كي لا تنفجر الأوعية المعدنية. عند مئتي درجة بدأ الطرق. عند أربعمئة صار الخزان يقفز فوق أرضية الفرن، رغم وزنه. ظهرت على سطحه نتوءات حادة تحاول اختراق الفولاذ.
قال المشرف إنهم إذا واصلوا التسخين بسرعة تمزق المعدن قبل موت الخلايا. خفض اللهب مؤقتًا، لكن الكتلة استغلت الدقائق. شق سن طويل جانب الخزان، وخرجت حوله خيوط سوداء من الحرارة.
أشارت سُمية إلى أكياس مسحوق الزجاج المستخدم في صناعة الطوب. إذا غطوا الخزان به، انصهر عند الحرارة العالية وصنع غلافًا يحتجز الشظايا. دفع العمال الأكياس عبر فتحة التغذية الآلية حتى دُفن المعدن تحت طبقة بيضاء.
رفعوا الحرارة إلى سبعمئة درجة.
انقطع الطرق دفعة واحدة.
بعد ساعتين فتحوا نافذة المراقبة. تحول المسحوق إلى كتلة زجاجية معتمة، وفي قلبها ظهرت ظلال مئات الأسنان، سوداء ومتشققة، لا تتحرك.
أبقوا الفرن يعمل حتى الصباح.
أُغلق مختبر السنابل نهائيًا، وفُككت شبكة مياهه كاملة. عولج المرضى السبعة، ولم تظهر حالات أخرى بعد ستة أشهر من المتابعة. خضع ماهر لعمليات ترميم طويلة؛ فقد جزءًا من فكه، لكنه عاش، وشهد بأن رَكان طمأنه إلى أن النمو علامة على تجدد العظم. حُكم على رَكان بتهم التجارب غير المرخصة وتعريض الناس للخطر وإخفاء مادة بيولوجية محظورة.
لم تعد سُمية إلى صناعة الأسنان. عملت بعد ذلك في وحدة سلامة المواد الطبية، تراجع طرق التخلص من المنتجات التي توصف بأنها فاشلة. كانت تقول في محاضراتها إن الفشل لا ينتهي عندما يتوقف التمويل؛ ينتهي فقط عندما يُعرف مكان كل عينة.
احتفظ المصنع بالكتلة الزجاجية داخل صندوق نفايات خطرة إلى أن نُقلت إلى محرقة حكومية. حضرت سُمية عملية تكسيرها قبل الحرق النهائي. لم تجد الخيوط ولا الأغشية، ولم يظهر في التحليل أي نشاط خلوي. لم يبق إلا رماد معدني وزجاج وأسنان متفحمة.
طلبت عدّها.
سأل المفتش عن جدوى ذلك، لكنها أصرت. قارنوا كتلة الكالسيوم بما دخل الفرن وبعدد الحالات والقوالب. جاءت النتيجة مطابقة ضمن هامش القياس. لم يهرب شيء مع الماء، ولم تبق عينة مجهولة.
في المساء زارت ماهر في مركز التأهيل. كان يتعلم الكلام بطقم مؤقت، ويجد صعوبة في نطق اسمها. وضع أمامها الدفتر وسألها لماذا أنقذته بعدما أخفى عنها التجربة.
قالت: «لأن الخطأ لا يصير لك وحدك عندما يستطيع أن ينمو.»
قبل أن تغادر، رفع كوب الماء وشرب من دون ألم. لم تسمع سُمية مضغًا، ولم تر حركة تحت جلده.
خرجت إلى الممر، وأغلقت ملف آخر فحص له: لا براعم، لا خلايا غريبة، لا تكلسات جديدة.
للمرة الأولى منذ تلك الليلة، كان الفراغ في فكه مجرد فراغ.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق