نبض الجذور


 لم يبدُ جذع النخلة مريضًا، لكنه ردّ على يد رَواء بنبضة.


ثبتت كفها على القشرة الرمادية الخشنة، تنتظر الخشخشة التي يصنعها سوس النخيل حين يقرض الأنسجة من الداخل. كان جهاز الالتقاط المعلّق بحزامها يحوّل أدق الاهتزازات إلى موجات خضراء على شاشة صغيرة، وقد اعتادت أن تسمع عبر سماعتيها طقطقة اليرقات واحتكاك الفكوك الدقيقة، أصواتًا جافة تشبه كسر أعواد ثقاب بعيدة. غير أن ما جاءها من النخلة لم يكن قضمًا.


ضربة واحدة عميقة، ثم سكون، ثم ضربة ثانية.


رفعت أصابعها. توقف الصوت.


أعادت كفها. عادت الضربات، متباعدة بانتظام يكاد يطابق خفقان قلبها بعد الرحلة الطويلة.


قال مظفّر، صاحب البستان، وهو يقف وراءها: «وجدتِ الحشرة؟»


نزعت رَواء السماعة ببطء. كانت الشمس تنحدر خلف صفوف النخيل، فتتحول السعفات العليا إلى رماح سوداء فوق سماء نحاسية. امتد بستان العَمود على أرض منخفضة عند حافة ناحية الهنادرة، محاطًا بسياج من القصب اليابس وقناة ري أعيد فتحها قبل شهر. في الصور التي أرسلها مظفّر إلى مديرية الزراعة ظهرت ست نخلات منكسرة عند القاعدة، مع تجاويف في الجذوع توحي بإصابة شديدة بالسوسة الحمراء. لكن الأشجار الماثلة أمامها لم تحمل العلامات المعتادة: لا ثقوب بيضوية، ولا سائل بني، ولا رائحة تخمر.


قالت: «لا أسمع يرقات.»


تنفس مظفّر براحة لم تعجبها. «إذن تقريرك يقول إن البستان سليم.»


«تقريري لم يبدأ بعد.»


كان قد ورث الأرض عن عمّ لم يزرها في سنواته الأخيرة. ماتت معظم النخيل عطشًا حين طمر الطين القناة، ثم استأجر مظفّر حفارة، نظف المجرى، وشغّل البئر الارتوازية القديمة. خلال أسبوعين اخضرّت التيجان على نحو لافت. وبعد أسبوع آخر بدأت الجذوع تسقط ليلًا من غير ريح.


قادها إلى أول نخلة ساقطة. لم تكن مكسورة؛ انفصلت عن قاعدتها بسطح مستوٍ ناعم، كأن شيئًا دار داخلها وقشط أليافها طبقة طبقة. انحنت رَواء وأدخلت مصباحًا في التجويف. كان اللب فارغًا حتى عمق ذراعها، والجدار الداخلي لامعًا ورطبًا. قرب الحافة وجدت صفًا من انبعاجات صغيرة متساوية.


لمست واحدة منها بطرف الملقط، فتراجعت يدها.


لم تكن آثار فكوك حشرة. بدت كطبعات أسنان بشرية، غائرة من الداخل إلى الخارج.


سألت: «من قطع هذا الجذع بعد سقوطه؟»


«لا أحد.»


«ومن نظف اللب؟»


«لهذا استدعيتكم.»


جاءهما وضّاح، مشرف العمال، يحمل صندوق الأدوات. كان طويلًا بكتفين ضيقتين، وعلى عنقه ندبة بيضاء تصل إلى أسفل أذنه. وضع الصندوق وقال إن عاملًا يدعى نَشوان سمع الجذع يطقطق بعد منتصف الليل، وحين اقترب وجده يهتز، مع أن سعفه ساكن. في الصباح كان مطروحًا على الأرض.


«أين نشوان؟» سألت رَواء.


أجاب وضّاح: «ترك العمل.»


قاطعه مظفّر: «هرب. قبض أجر الأسبوع واختفى. العمال هنا يخافون ظلالهم.»


لم تعلق رَواء. أخذت عينات من الحافة واللب، ثم طلبت رؤية منظومة الري. ساروا بين الأحواض الدائرية التي تحيط بالجذوع. كان التراب فوقها داكنًا مشبعًا بالماء، رغم أن وضّاح أكد أن السقي توقف منذ الفجر. وكلما غاص حذاؤها في الطين، شعرت بذبذبة خافتة تصعد من النعل إلى ركبتها، كاهتزاز مولد بعيد.


انتهت القناة عند بناء إسمنتي قصير يضم المضخة. الأنبوب الرئيسي يهبط في بئر محفورة منذ أكثر من خمسين عامًا، ثم يتفرع إلى سواقي ضيقة. على الجدار لوحة تشغيل حديثة، أما تحتها فبقيت عجلة حديدية ضخمة من المنظومة القديمة.


قال وضّاح إن الماء يُدفع ساعتين عند الفجر، لكن مستوى الأحواض يرتفع أحيانًا بعد إطفاء المضخة. ظن أن صمام الرجوع تالف. انحنت رَواء قرب الأنبوب، فسمعت من داخله احتكاكًا رطبًا. لم يكن تدفق ماء؛ كان أقرب إلى حبال سميكة تُسحب ببطء على جدار معدني.


سأل مظفّر بضيق: «كم تحتاجين؟»


«ليلة واحدة على الأقل. الحشرة تنشط في الهدوء، وسأثبت مجسات على الأشجار المصابة.»


قال إنه سيعود إلى المدينة ويأتي صباحًا. بقي وضّاح ومعه ثلاثة عمال في دار طينية عند طرف الأرض، أما رَواء فاختارت أن تضع معداتها تحت مظلة الآلات المفتوحة. لم تكن تؤمن بحكايات العمال، لكنها آمنت منذ سنوات بأن الصوت الذي لا يجد له الخبير تفسيرًا ينبغي ألا يُترك وحده في الظلام.


ثبتت اثني عشر مجسًا: ستة على النخلات التي ظهرت عليها رطوبة غريبة، وأربعة على السليمة، واثنين على الأنبوب والبئر. وصلت الأسلاك بمسجل متعدد القنوات، ثم رسمت خريطة دقيقة للأرقام والمواقع. عند التاسعة مساءً هدأ البستان. لم يبق سوى صرير الجنادب واحتكاك السعف بنسيم خفيف.


في التاسعة وسبع عشرة دقيقة ظهر أول نبض.


بدأ من النخلة رقم أربعة، ثم انتقل إلى السابعة، فالعاشرة. لم تتطابق الإشارات في القوة، لكنها تكررت بالمسافة نفسها. بعد دقيقة أجاب الأنبوب بنبضة أطول، فتلقفتها الأشجار كلها تقريبًا. بدت الشاشة كأنها تعرض تخطيط قلب هائل موزعًا تحت الأرض.


نادت وضّاح. جاء يحمل فانوسًا، وخلفه العاملان سُهيل وبَدري. وضعت السماعة على أذن وضّاح وسألته إن كان قد سمع ذلك من قبل. ما إن وصل الصوت إليه حتى شحب وجهه، ومد يده إلى الندبة في عنقه.


قال: «أطفئي الجهاز.»


«الجهاز لا يصنع الصوت.»


«لكنه يجعله قريبًا.»


أخبرها سهيل أن عجوزًا كانت تسكن قرب البستان حذرتهم حين أعادوا الماء. قالت إن النخيل القديم لا يموت عطشًا، بل ينام، وإن أول شربة توقظه جائعًا. ضحك مظفّر يومها ومنعها من دخول الأرض.


سألت رَواء وضّاح: «ما قصة رقبتك؟»


لم يجب. أما بدري فقال إن وضّاح وُلد في هذا البستان، وكان أبوه قيّمًا عليه قبل أن تُهجر الأرض. نظر إليه وضّاح نظرة حادة، فتراجع الرجل خطوة.


عند العاشرة وأربع دقائق انقطعت أصوات الجنادب دفعة واحدة.


لم تهب ريح، ومع ذلك مالت تيجان النخيل في اتجاه واحد، نحو بناء المضخة. لم يكن الميل كبيرًا، لكنه حدث في اللحظة نفسها، كما لو أن جذوعًا متباعدة تشاركت عضلة واحدة. جاءت من باطن الأرض رجفة جعلت أكواب الشاي ترتعش على الطاولة.


ثم صرخ سهيل.


كان واقفًا قرب النخلة رقم سبعة. التصق باطن كفه بالجذع، وانشد ذراعه إلى الأمام حتى لامس كتفه القشرة. أمسكه بدري من وسطه، بينما ركضت رَواء إليهما. حاول سهيل جذب يده، فتقشرت راحته وبقيت خيوط رفيعة بلون العاج خارجة من جلده إلى شقوق الجذع.


أخرج وضّاح سكين التقليم وقطع الخيوط بضربة واحدة. سقط سهيل على ظهره وهو يئن، لكن الخيوط المقطوعة لم تسقط. انكمشت داخل النخلة بسرعة، تاركة على القشرة نقاط دم صغيرة.


غسلوا يد سهيل. كانت الجروح سطحية، غير أن أصابعه ظلت منقبضة كأنها تقبض على شيء لا يراه سواها. أصر بدري على أخذه إلى البلدة. قاد الشاحنة الصغيرة وغادرا، وبقي وضّاح جالسًا قرب بوابة البستان، لا ينظر إلى رَواء.


قالت: «كنت تعرف.»


«كنت أعرف أن الماء يجب ألا يعود.»


«لماذا؟»


أشار إلى الأشجار. «لأنها لا تشربه وحده.»


حكى أخيرًا أن أباه كان يوقظه قبل الفجر في مواسم الحر، ويأخذه إلى نخلة بعيدة عن بقية الصفوف، قصيرة الجذع كثيفة السعف. كان الرجال يسمونها الأم، لا لعمرها بل لأن كل فسيلة في البستان أُخذت منها. قبل أربعين سنة انشق حوضها، وظهرت تحته فتحة تؤدي إلى تجويف طبيعي. نزل الأب بحبل، ثم خرج فاقد النطق، وعلى ذراعيه خدوش حلقية. عاش شهرين بعد ذلك. في أيامه الأخيرة كان يضغط أسنانه على الخشب، ويستيقظ وفي فمه ألياف نخيل.


«قطع عمي النخلة ودفن جذعها داخل الفتحة. ثم أغلق البئر وتركنا الأرض.»


نظرت رَواء إلى الخريطة. «إذا قُطعت، فأين كانت؟»


أشار وضّاح إلى بناء المضخة.


فهمت سبب الصوت داخل الأنبوب. المضخة الجديدة لم تُحفر بجوار البئر القديمة؛ ثُبتت فوق التجويف نفسه، ومد أنبوب السحب خلاله. لم يكن الماء وحده ما وصل إلى الجذور النائمة.


عادت إلى المسجل. قارنت أزمنة النبضات بمواقع المجسات، وحسبت التأخير بينها. كانت الإشارة تنتشر من مركز واحد تحت المضخة بسرعة أبطأ من الصوت في الماء وأسرع من انتقالها في الخشب الجاف. شبكة الجذور كلها متصلة بذلك المركز.


قالت: «علينا إيقاف الماء وفتح الصمام السفلي لتجفيف الخط.»


هز وضّاح رأسه. «لو كان الإغلاق يكفي، لما مات أبي.»


«لم يمت أبوك لأنهم أغلقوا الماء. دخل إلى شيء لم يفهمه.»


«وأنتِ ماذا تفعلين الآن؟»


قبل أن تجيب، سمعا محركًا عند البوابة. عادت الشاحنة من دون بدري. كان سهيل خلف المقود، ويده المصابة ملفوفة بقماش مبلل. توقفت المركبة ببطء، وبقي جالسًا يحدق أمامه.


سأله وضّاح: «أين بدري؟»


فتح سهيل فمه، لكن الذي خرج لم يكن كلامًا. صدر من حلقه احتكاك طويل، نفس الصوت الذي سجلته رَواء في أنبوب البئر. ثم أدار رأسه نحو بناء المضخة.


هبط من الشاحنة. مشى بخطوات جامدة، وذراعه المصابة ممدودة أمامه. أمسكه وضّاح، فدفعه سهيل بقوة لم يتوقعاها. انفتح القماش عن كفه؛ لم تعد الجروح حمراء. امتلأت بخيوط فاتحة تشابكت تحت الجلد، وتحركت مع حركة أصابعه.


لم يهاجمهما. اتجه إلى لوحة التشغيل وضغط زر المضخة.


اهتز الأنبوب، واندفع الماء في السواقي. امتلأت الأحواض بسرعة، أسرع مما تسمح به المضخة. ارتفع الطين حول الجذوع ثم انتفخ في خطوط متعرجة، كأن أفاعي غليظة تمر تحته. بدأت النخلات الساقطة تتحرك على الأرض. لم ترفع جذوعها، لكنها دارت ببطء حتى واجهت تجاويفها مجرى الماء.


ركضت رَواء إلى اللوحة وسحبت القاطع الرئيسي. انطفأ المحرك، إلا أن الماء استمر في الاندفاع.


صاح وضّاح: «البئر تدفعه وحدها!»


أمسك بعجلة الصمام القديمة وحاول تدويرها. كانت عالقة. ساعدته رَواء، فانفلتت بعد جهد، ودارت نصف دورة. خفت الماء لحظة، ثم جاءت من أسفلها ضربة عنيفة قذفت الاثنين إلى الجدار. انفتح غطاء صيانة عند قاعدة الأنبوب، وخرجت منه كتلة من الجذور البيضاء، ملتفة بعضها حول بعض مثل أصابع بلا أظفار.


تراجعت رَواء، لكن سهيل أمسك كاحلها. كان راكعًا في الطين، وقد التصقت يده المصابة بالأرض. امتدت الخيوط من راحته إلى شقوق التراب. ضرب وضّاح ساعده بمقبض السكين حتى تركها. لم يبدُ على سهيل ألم؛ رفع وجهه، واتسعت عيناه نحو تاج النخيل، ثم قال بصوت بشري خافت: «إنها ترى.»


جذبها وضّاح إلى خارج البناء. كان البستان قد تغير. صفوف الأشجار التي بدت مستقيمة نهارًا انحنت نحو الممر الأوسط. السعف يحتك بعضه ببعض من غير ريح، وصوت الاحتكاك متصل كتنفس جماعة نائمة. عند النخلة رقم أربعة انشق الجذع طوليًا. لم يخرج منه سوس ولا سائل، بل ظهر تجويف ضيق مبطن بألياف وردية، وفي داخله هيئة إنسان واقف، بلا ملامح، ما زالت متصلة بالجدار بآلاف الخيوط.


كان طول الهيئة وبنية كتفيها يماثلان نشوان، العامل المختفي.


تذكرت الانبعاجات الشبيهة بالأسنان في الجذع الساقط. لم تكن شيئًا يحاول دخول الشجرة. كان إنسانًا يحاول الخروج منها.


قالت لوضّاح: «نشوان لم يهرب.»


تقدم خطوة، فأمسكت ذراعه. داخل التجويف تحرك الرأس غير المكتمل. لم تكن له عينان، ومع ذلك اتجه نحوهما. انفرج موضع الفم، وانطبعت على الألياف صفوف أسنان من الداخل.


ابتعدا. أشارت رَواء إلى مظلة الآلات حيث تركت حقيبتها. فيها مثقاب حقن، وأنابيب مبيد جهازي مركز يستخدم في معالجة النخيل المصاب. لا يكفي لقتل شبكة بهذا الحجم، لكنه قد يكشف اتجاه جريان النسغ. كانت تحتاج إلى معرفة موضع الجذر الأم، لا إلى رش الأشجار كلها.


وصلا إلى المسجل. الشاشة غطتها موجات متراكبة. نزعت أحد المجسات من جذع قريب وثبّتته على الأرض، ثم حركته بين الأحواض. كانت الإشارة تشتد قرب المضخة، لكنها لم تبلغ أقصاها هناك. قادها النبض إلى ممر خلف البناء، حيث رُدمت فسحة بحصى حديث.


ركعا وحفرا بأيديهما وبمجرفة قصيرة. على عمق شبر ظهرت حلقة إسمنتية قديمة، ثم لوح حديد صدئ. قال وضّاح إن هذا غطاء الفتحة التي نزل إليها أبوه. كان بناء المضخة يغطي جانبًا منها فقط؛ أخفاها مظفّر تحت الردم كي تمر فوقها مركبات الصيانة.


وصل سهيل إلى طرف الممر. لم يعد يمشي وحده. من كفه الملتصقة بالطين امتد جذر مشدود يجره كدمية، وكلما قاوم انغرست الخيوط أعمق في ذراعه. خلفه كانت التشققات تنتقل من حوض إلى آخر.


رفعت رَواء اللوح الحديدي. صعد هواء دافئ برائحة التمر المختمر والدم. وجهت المصباح إلى الأسفل، فرأت تجويفًا لا يتجاوز عمقه ثلاثة أمتار. في وسطه بقي جذع الأم المقطوع، لكنه لم يكن ميتًا. نمت منه كتلة شاحبة ملأت القاع، وضربت جدرانه بجذور لحمية. وعلى سطحها برزت وجوه غير مكتملة: جباه، شفاه، جفون مغلقة، وأفواه تطبق على الألياف المحيطة بها.


كان بينها وجه رجل يحمل الندبة نفسها على عنق وضّاح.


ترنح وضّاح. «أبي.»


قالت رَواء بسرعة: «ليس أباك. إنها احتفظت بالشكل الذي أخذته منه.»


فتح الوجه عينيه. لم تكن فيهما حدقتان، بل دوائر متتابعة كحلقات جذع مقطوع. تحركت شفتاه، وفي اللحظة نفسها وضع وضّاح يده على نَدبته واختنق. برز تحت جلد رقبته خيط أبيض أخذ يصعد نحو فكه.


أدركت رَواء أن الندبة لم تكن أثر جرح قديم. حين كان طفلًا قرب أبيه، وصل إليه شيء من الشبكة وبقي ساكنًا طوال سنوات الجفاف. الماء أعاده إلى الحياة.


جذبت السكين من حزام وضّاح وشقت الجلد فوق الخيط. صرخ، وانحنى. أمسكت الطرف بالملقط وسحبته. خرج من عنقه ليف رطب بطول إصبع، يتلوى محاولًا العودة إلى الجرح. أسقطته على الحديد وسحقته. شهق وضّاح، ثم سقط على ركبتيه وهو يتنفس.


بلغ سهيل الغطاء ومد يده السليمة إليها. ضربته رَواء بالمجرفة، فانحرف وسقط نصف جسده داخل الفتحة. في الأسفل انتفضت الكتلة، وارتفعت جذور لاستقباله.


أمسك وضّاح بحزامه قبل أن يسقط كاملًا. صاح برَواء أن تساعده، لكنها رأت الخيوط تمتد من وجه الكتلة إلى يد سهيل المصابة. ما دام الاتصال قائمًا فلن يستطيعوا جذبه.


فتحت حقيبة الحقن. ركبت أوسع ريشة في المثقاب، وثقبت الأنبوب المعدني الذي يمر بمحاذاة الفتحة. كان هذا خط الدفع الرئيسي، والماء فيه يعود إلى كل الأحواض. أفرغت عبوات المبيد في خزان الحقن، ثم أضافت المادة الصابونية الناشرة التي تساعده على اختراق الأنسجة. لم تكن الكمية قاتلة لبستان كامل، لكنها ستصل مركزة إلى القلب ما دام الجريان معكوسًا من البئر نحو الجذور.


قال وضّاح وهو يشد الحزام: «لن يكفي.»


نظرت إلى عجلة الصمام قرب المضخة. «لا أريده أن يكفي. أريده أن يجعلها تنكمش.»


شغلت أداة الحقن اليدوية. دخل السائل في الأنبوب. مرت ثوان بلا شيء، ثم ارتجت الأرض تحتهم. انغلقت الوجوه في القاع كما تنغلق قبضات، وتراجعت الجذور عن سهيل قليلًا. جذبه وضّاح خارج الفتحة.


في أنحاء البستان دوى صوت واحد، لا يشبه صراخًا ولا تكسّر خشب، بل زفيرًا هائلًا خرج من مئات الشقوق معًا. انخفض تدفق الماء. ركضت رَواء إلى العجلة ودفعتها بكل وزنها. لحق بها وضّاح، وأداراها دورة كاملة، ثم ثانية. حاولت الجذور الخارجة من غطاء الصيانة الالتفاف حول المحور، لكن المبيد جعل أطرافها ترتعش وتتقلص.


أُغلق الصمام.


انقطع الماء عن السواقي. تهاوت السعفات، وسقطت النخلة رقم أربعة على جانبها. تمزق التجويف الذي يحمل هيئة نشوان، وخرج منه سائل داكن، ثم انكمشت الملامح قبل أن تكتمل.


ظل سهيل مستلقيًا في الطين. كانت الخيوط تحت جلده ساكنة. قطعت رَواء الجزء الظاهر من كفه، وغمرت الجرح بالمحلول المعقم وربطته بإحكام. لم تعرف إن كان سينجو، لكنها شعرت بنبض حقيقي في عنقه، سريعًا وغير منتظم، لا يتزامن مع الأرض.


مع اقتراب الفجر وصل بدري بصحبة شرطيين وسيارة إسعاف. قال إنه حاول منع سهيل من العودة، فضربه سهيل وتركه على الطريق. لم يحتج أحد إلى تصديق الحكاية كاملة؛ كان يكفيهم أن يروا الأحواض المشققة، والجذوع المفتوحة، والجذر الأبيض الذي اخترق معدن الأنبوب.


عاد مظفّر بعد الشروق غاضبًا من إتلاف شبكة الري. أصر أن ما حدث إصابة فطرية يمكن علاجها، وأن قطع الماء سيقتل ما بقي من الأشجار. لم تجادله رَواء طويلًا. أخرجت من حقيبتها كيس العينة التي أخذتها من أول جذع، وكانت الألياف داخله قد نسجت خلال الليل شكل خمسة أصابع صغيرة ملتصقة بالبلاستيك.


وضعت الكيس أمامه وقالت: «إذا شغلت البئر، لن أكتب تقريرًا عن آفة زراعية. سأطلب عزل الأرض بوصفها خطرًا حيويًا، ولن تدخلها بعد ذلك إلا بإذن رسمي.»


نظر إلى الكيس، ثم إلى سهيل وهو يُحمل إلى سيارة الإسعاف. لم يعتذر. سلّمها مفتاح لوحة التشغيل وانصرف.


استغرق إخلاء البستان ثلاثة أيام. جاءت لجنة من الجامعة، وأخذت عينات لم تستطع تصنيفها. وجد المختبر خلايا نباتية منتظمة، وبينها بروتينات بشرية لا يفترض أن تتكون في النخيل. أما الحمض النووي فكان خليطًا متشظيًا من عدة أشخاص، أقدمهم رجل مات قبل عقود، وأحدثهم سهيل ونشوان.


لم يعثروا على جثة نشوان. حفروا تحت النخلة المنفتحة، فوجدوا حذاءيه على عمق متر، واقفين جنبًا إلى جنب، وقد اخترقتهما جذور دقيقة من الداخل. قررت السلطات ردم البئر بالإسمنت بعد اقتلاع الجذوع وحرقها في الموقع. أصرت رَواء على ألا تُنقل فسيلة واحدة خارجه.


وقف وضّاح إلى جوارها يوم صب الإسمنت. كان عنقه مضمدًا، وصوته أجش، لكنه لم يعد يشعر بالحركة تحت جلده. سألها إن كان الوجه الذي رآه يعود حقًا إلى أبيه.


قالت: «أظن أن الشجرة لا تحفظ الإنسان. تحفظ ما تحتاجه لتقليده.»


«وما الذي تحتاجه؟»


نظرت إلى العمال وهم يفرغون الخلاطة في الفتحة. «اليد التي تفتح الماء.»


ظل الإسمنت يهبط حتى اختفى الجذع الأم والوجوه والجذور. ثبتوا فوق البئر غطاء فولاذيًا، ثم صبوا طبقة ثانية. حين انتهى العمل، طلبت رَواء دقيقة من الصمت. وضعت مجسها على السطح الجديد وارتدت السماعة.


لم تسمع نبضًا.


لم تسمع إلا تشقق الإسمنت وهو يبرد، وصوت أنفاسها، وخفقان قلبها الخاص، سريعًا ثم أبطأ. للمرة الأولى منذ وصولها، لم يجبها شيء.


بعد شهر، عادت وحدها لإجراء الفحص الأخير. كان البستان أرضًا مفتوحة تغطيها دوائر من رماد أسود، وبدت السماء فوقها أكبر مما ينبغي بعد غياب التيجان. فحصت الغطاء، وقاست الرطوبة، ثم مشت إلى أول جذع سقط يوم استدعائها. بقيت قطعة منه لم تصل إليها النار، نصف مدفونة قرب السياج.


قلبتها بحذائها. كان التجويف الداخلي جافًا وخاليًا، وآثار الأسنان فيه واضحة. لمست القشرة بطرف المجس، وبقي الخط على الشاشة مستقيمًا.


قبل أن تغادر رأت وضّاح عند البوابة. جاء ليجمع أدوات أبيه القديمة من الدار الطينية. رفع يده محييًا، ثم توقف وسألها لماذا تحدق في عنقه.


لم تكن تنظر إلى الضماد. كان قد نزعه، وبقي مكان الجرح خط رفيع وردي. طلبت منه أن يقف ساكنًا، ووضعت إصبعين على شريانه. نبض قلبه تحت جلد دافئ: ضربة، فسكون قصير، فضربة ثانية.


طبيعي تمامًا.


ابتسم وضّاح للمرة الأولى. استدار ليغلق البوابة، فسمعت رَواء من القطعة اليابسة عند قدمها طقة ضعيفة. نظرت إلى المسجل؛ ظل الخط مستقيمًا. لم تأتِ الطقة من الجذع.


جاءت من صندوق أدوات الأب الذي يحمله وضّاح.


أنزله فورًا. فتحاه تحت الشمس، وأخرجا المناجل الصدئة والحبال والكماشة. في القاع وجد وضّاح مقبض فأس قديمًا، مصنوعًا من خشب نخلة الأم. كان أبوه قد نحته قبل إغلاق البئر واحتفظ به طوال حياته.


شقّت رَواء المقبض طوليًا بمنشار صغير. في قلب الخشب امتد ليف أبيض دقيق، ساكن لكنه طري. لم تنتظر حركة أخرى. وضعت المقبض وبقية الأدوات الخشبية في حفرة الرماد، سكبت عليها الوقود، وأشعلتها. بقيت تراقب حتى تحول كل شيء إلى جمر، ثم سحقت الجمر بالمجرفة وخلطته بالجير قبل دفنه تحت الإسمنت المتبقي.


سألها وضّاح: «هل انتهى الآن؟»


أجابت بعد أن ثبتت المجس في الرماد، وانتظرت عشر دقائق كاملة: «الآن نعم.»


غادرا البستان معًا. أغلق وضّاح البوابة بسلسلة جديدة، وسلّم المفتاح إلى مركز الشرطة تمهيدًا لنزع ملكية الأرض. لم يحتفظ بأداة، ولم تأخذ رَواء عينة. في تقريرها النهائي كتبت أن كل مادة نباتية مرتبطة بالبئر أُتلفت في الموقع، وأن مصدر الماء عُزل عزلاً دائمًا.


أما التسجيلات، فاحتفظت بها المديرية ضمن ملف مغلق. كان آخرها صامتًا تقريبًا: ريح خفيفة تمر فوق أرض خالية، صوت مجرفة تكسر جمرًا، ونبضان بشريان متباعدان لا يتزامنان مع أي شيء تحت التراب.


نبض رَواء.


ونبض وضّاح.


لا ثالث لهما.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9