أعمق من الماء

أعمق من الماء
في الثانية وست وأربعين دقيقة بعد منتصف الليل، ابتلع الحوض ستة آلاف لتر ولم يرتفع ماؤه مليمترًا واحدًا. استدعى النظام غَيْداء من مختبر جودة المياه في الطابق الأرضي. كان الحوض السادس خاليًا من الأسماك، ومغلقًا أمام الزوار منذ أسبوعين لإعداده لمعرض الكائنات البحرية الباردة. يبلغ عمقه أربعة أمتار وثمانين سنتيمترًا، وسعته معروفة حتى آخر خزان جانبي. لذلك لم يكن من الممكن أن يضيع فيه مقدار يملأ شاحنة صغيرة من دون أن يفيض أو يتسرب. وصلت غيداء إلى الممر العلوي فوجدت كِنان، غواص الصيانة، واقفًا عند الحافة. أوقف صمام التعويض، ثم أضاء أسفل الحوض بمصباح يدوي. ابتلع الماء الشعاع قبل أن يصل إلى القاع. قال: «أفرغناه ونظفناه قبل ثلاثة أيام. لا يوجد فيه سوى الماء والرمل الجديد.» تفقدت غيداء الأنابيب. أرضية غرفة المضخات جافة، وخزان الطوارئ لم يمتلئ، ومصرف الفائض مغلق. راجعت عداد التدفق؛ دخلت الكمية فعلًا. لم يكن الخلل رقمًا عالقًا على شاشة. أحضرت قضيب القياس المصنوع من الألمنيوم، وطوله خمسة أمتار. أنزلته عموديًا حتى لامس مقبضه الماء، ولم يصطدم بشيء. نظر كنان إليها. «القضيب منحني؟» أخرجاه. كان مستقيمًا. ثبتا في طرفه حبلًا مدرجًا، وأضافا ثقلًا صغيرًا، ثم أعادا إنزاله. مرّ علامتا الخمسة والعشرة أمتار. عند اثني عشر مترًا ارتجف الحبل تحت أصابعهما، لا كأنه بلغ أرضًا، بل كأنه دخل تيارًا بعيدًا. قالت غيداء: «لا تسحب بسرعة.» رفعاه ببطء. عاد الثقل شديد البرودة، مغطى بطبقة رقيقة من طين أسود لم تكن موجودة في الحوض. حين وضعته على الصينية، تحركت فيه دودة بيضاء دقيقة ثم انكمشت حتى صارت خيطًا ساكنًا. أغلقا الباب واستدعيا حازم، مهندس منظومة الحياة. جاء بعد نصف ساعة وهو يظن أن المشكلة تجويف تحت الأرضية أو كسر في بطانة الحوض. نزل إلى غرفة الخدمة أسفله. كان سقفها الخرساني جافًا، والمسافة بين أرضية الحوض وسقف الغرفة أقل من متر. طرق المواضع كلها بمطرقة الفحص، فلم يسمع فراغًا. قال حين عاد: «إذا كان الحبل نزل اثني عشر مترًا، فقد مر عبر طابقين وموقف السيارات.» «لكنه لم يفعل.» قالت غيداء. «كان أمامنا طوال الوقت.» أراد حازم تفريغ الحوض. شغل مضخة التصريف، ووجّه الماء إلى خزانات المعالجة. خلال عشرين دقيقة خرج أحد عشر ألف لتر. لم ينخفض السطح. قاسه بنفسه عند أربع نقاط، ثم كرر القياس. ظل الماء على بعد سبعة سنتيمترات من الحافة. أوقف المضخة. بعد ثوان ظهرت في وسط الحوض فقاعة كبيرة. لم تصعد إلى السطح؛ تشكلت تحته، ثم هبطت ببطء حتى ابتلعها السواد. قال كنان: «الهواء لا يهبط.» أجابته غيداء: «ليس إذا كان الماء فوقه فقط.» لم يكمل أحد الفكرة. أغلق حازم الجناح كله، وأخبر الحارس أن هناك خطرًا في بنية الحوض. لم يذكر العمق. لو قال إن أربعة أمتار صارت أكثر من اثني عشر من دون أن يتغير المبنى، لاضطر أولًا إلى سماع الجملة بصوته. في غرفة التحكم راجعوا ما تغير خلال الليل. وصلت دفعة جديدة من مياه البحر عند الظهر، بعد تنقيتها من كائنات كبيرة. خُلطت بالماء الصناعي، ثم خُفضت الحرارة تدريجيًا إلى خمس درجات مئوية. عند منتصف الليل انطفأت إضاءة الصيانة تلقائيًا، وبدأت المنظومة دورة تدوير بطيئة تحاكي التيارات العميقة. بعد ذلك بساعة بدأ صمام التعويض يضيف الماء لأن الحساس سجل انخفاضًا مستمرًا في الحجم. قالت غيداء: «ليس المستوى هو الذي انخفض. السعة هي التي زادت.» حدق بها حازم. «الحوض لا يقرر أن يكبر.» «إذن أخبرني أين ذهبت سبعة عشر ألف لتر.» أخذوا عينات من السطح، ثم أنزلوا قارورة مربوطة بالحبل إلى أعماق مختلفة. عند مترين كان الماء مطابقًا للخليط الذي حضروه. عند ثمانية أمتار انخفضت الحرارة درجة كاملة، مع أن الحوض محاط بعازل. عند خمسة عشر مترًا خرجت القارورة منبعجة إلى الداخل، وكأن ضغطًا هائلًا عصرها ثم تركها تعود ناقصة الشكل. أما عينة العشرين مترًا فكانت رائحتها معدنية، وفي قاعها ثلاث حبيبات سوداء لامعة. وضع فني المختبر—الذي لم يعرف شيئًا عن الحوض—إحداها تحت المجهر، وقال إنها ليست من الرمل المستخدم في المعرض، وإنها تحمل بقايا كائنات مجهرية تعيش عادة في ماء قليل الأكسجين. قارن حازم كمية الماء المسجلة في صهريج التوريد بكمية الخزانات بعد التعبئة. لم يكن هناك نقص سابق يمكن أن يفسر ما حدث. بل ظهرت زيادة مستحيلة: ما خرج عبر مضخة التصريف وما بقي في الحوض تجاوز مجموع الماء الذي دخل المنظومة بآلاف اللترات. لم يكن الحوض يبتلع ماءهم فقط؛ كان يعيد إليهم ماءً من مكان آخر حين شغلوا المضخة. أراد كنان ارتداء معدات الغوص. قال إن النزول مترين يكفي لفحص الجدار الداخلي، وإن الحبل سيبقى مثبتًا بحزامه. رفضت غيداء. شرحت أن القارورة انبعجت على عمق يفترض أنه يقع أسفل أساس المبنى، وأن فرق الضغط لا يطابق مسافة الحبل. قد يهبط جسده مترًا واحدًا كما يرونه من الخارج، بينما يتعرض رأسه لضغط عشرات الأمتار. قال: «إذا لم ينزل أحد، سنظل نخمن.» أجاب حازم: «وإذا نزلتَ، قد يصبح تخميننا الوحيد هو أين انتهيت.» لم يعجبه القرار، لكنه خلع حزام الأوزان. وضعه قرب الباب بعيدًا عن الحافة، ثم ثبت غطاءً معدنيًا فوق سلم النزول حتى لا يحاول أحد استخدامه لاحقًا. لم يكن الخوف ما منعه؛ كان معرفته بأن الشجاعة لا تغير خصائص الماء. تفحصت غيداء سجل الصهريج. كانت دفعة البحر مختلفة قليلًا في ثلاث قيم: أبرد بدرجتين من المعتاد، وملوحتها أعلى بأجزاء صغيرة، والأكسجين المذاب فيها منخفض إلى النصف. لم تكن الأرقام خطرة منفردة. كان يمكن لأي حوض بحري أن يقترب منها. لكن اجتماعها مع الظلام ودورة التيار المغلقة حدث للمرة الأولى في المنشأة. وضعت ثلاث عينات في أوعية طويلة شفافة. أبقت الأولى تحت ضوء المختبر، وسخنت الثانية إلى عشر درجات، وخففت الثالثة بالماء العذب. لم يتغير شيء. جهزت وعاءً رابعًا، حافظت فيه على البرودة والملوحة، وغطته بصندوق أسود، ثم أدخلت من الغطاء قضيبًا قصيرًا يلامس القاع. بعد خمس دقائق هبط القضيب سنتيمترًا إضافيًا، مع أن الوعاء لم يتحرك. رفعته غيداء، ثم أدخلته ثانية. غاب طرفه تحت موضع القاع المرئي. لم يصل العمق إلى أمتار، لكنه صار أكبر من ارتفاع الوعاء نفسه. رفع حازم الصندوق الأسود، فانكمش الماء كأنه أخذ نفسًا. اصطدم القضيب بالزجاج من الداخل، وعاد القاع إلى موضعه. لم ينكسر الوعاء. حملته غيداء إلى حوض المعالجة وسكبت فيه ماءً عذبًا وكلورًا، ثم تركته تحت الضوء حتى الصباح. قالت: «ليست فتحة في الزجاج ولا الأرض. الماء يصنع المسافة حين نعطيه الظروف الصحيحة.» سأل كنان: «والمسافة تؤدي إلى أين؟» نظرت إلى الطين الأسود والدودة المنكمشة. «إلى المكان الذي جاءت منه الدفعة، على الأرجح. لكن ليس كما يؤدي أنبوب إلى خزان. لا أظن أن للطريق طولًا ثابتًا.» لم تستدعِ غيداء مزيدًا من الموظفين. قالت إن كل شخص جديد يعني احتمال أن يقترب أحدهم من الحافة بدافع الفضول. وافق حازم، ووضع حاجزًا حول الممر العلوي. في الرابعة صباحًا بلغ الحبل اثنين وثلاثين مترًا. عندها شد شيء الطرف مرة واحدة. ترك كنان البكرة فورًا، لكنها دارت وحدها، وفكّت مترين إضافيين. أمسك المكبح. اهتز الحبل، ثم استقر. لم يكن الشد مثل تيار؛ التيار يستمر أو يتغير تدريجيًا. هذه كانت قبضة ثم إفلاتًا. قال حازم: «اقطعوه.» رفض كنان. كان طرف الحبل يحمل قارورة معدنية قد تنجرف إلى منظومة لا يفهمونها. دار البكرة بالعكس. خرج الحبل ثقيلًا، وعند العلامة السابعة عشرة ظهر عليه غشاء شفاف يلتف في حلقات. لم يكن طحلبًا؛ تقلص عند الضوء، وشد نفسه نحو الماء. قطع كنان الجزء الملتف وأسقطه في حوض عينات زجاجي. التصق الغشاء بالقاع، وانفتح فيه صف من ثقوب صغيرة ثم انغلق. لم تكن له عين أو رأس أو أطراف. ومع ذلك ابتعدت غيداء خطوة حين اتجهت الثقوب نحو ظلها. أضاء حازم مصباح السقف كله. انكمش الغشاء حتى صار بقعة بيضاء، ثم بدأ يذوب. خلال دقيقة لم يبق منه سوى خيوط مخاطية. لاحظت غيداء أن حبل القياس، حيث كان مبللًا بماء العمق، أخذ يقطر إلى أعلى. تجمعت القطرات على امتداده وصعدت نحو البكرة بدل أن تسقط إلى الأرض. نزعت القفاز الذي لامسه ورمته في وعاء مغلق. قالت: «نحتاج إلى معرفة أي شرط فتح هذا العمق قبل أن نعطله عشوائيًا.» اعترض كنان. «هناك شيء في الأسفل أمسك الحبل.» «ولهذا تحديدًا لا أريد كسر ما يفصلنا عنه بطريقة لا نفهمها.» قارنوا بيانات الساعات السابقة. كلما انخفضت الحرارة زاد معدل الماء الذي يختفي. حين أضاءوا المصابيح القوية لإذابة الغشاء، توقف صمام التعويض عن طلب الماء مدة ثلاث دقائق، ثم عاد ببطء. بدا أن الضوء يضعف الظاهرة، لكنه لا يغلقها وحده. كانت المشكلة أن المنظومة تحاول مقاومة كل تعديل. إذا سخنوا السطح، دفعت دورة التبريد ماءً أبرد من الأنابيب الجانبية. وإذا خفضوا الملوحة، عوضت وحدة الأملاح النقص تلقائيًا. أمضى حازم عشر دقائق يفصل أدوات التحكم الآلي واحدة واحدة، ثم نزع المصهر الرئيسي لوحدة المعايرة حتى لا تعود إلى العمل من نفسها. أصبحت كل مضخة وصمام في الجناح تحت تحكم يدوي. في أثناء ذلك راقبت غيداء وعاء العينة الرابع. كان مكشوفًا ومضاءً، ومع ذلك ظهرت على قاعه دائرة باهتة بحجم العملة. لم تكن المسافة قد عادت تمامًا حين رفعوا الغطاء؛ بقي شيء من الغشاء عالقًا عند الحد بين الماء والزجاج. مررت مصباحًا قويًا تحته، فتقلصت الدائرة، لكنها تركت أثرًا خشنًا لا يذوب. وضعت قطرة من الماء العذب فوقه. انفتح الأثر إلى ثقوب صغيرة، ثم انغلق واحترق لونه إلى البني. فهمت أن الضوء يبطئه، والحرارة تدفعه إلى العمق، لكن اختلاف الملوحة هو الذي يقطع اتصاله. لهذا رتبت الخطة على ثلاث مراحل لا على إجراء واحد: إضاءة تمنع الصعود، وتسخين يبعد الحد، ثم تخفيف سريع يغلق المسافة. أوقف حازم المبردات. احتاج الماء إلى وقت طويل ليسخن، لذلك أحضروا سخانات الطوارئ التي تُستخدم لمعالجة أحواض الحجر الصحي. ثبتوها عند السطح، ورفعوا الحرارة نصف درجة. أنزل كنان الحبل. هذه المرة لامس تيارًا باردًا عند أربعة عشر مترًا بدل ثمانية. قالت غيداء: «الحد الفاصل يهبط.» بدأوا إضافة ماء عذب بكمية محسوبة لتغيير الملوحة. ارتفع المستوى سنتيمترين للمرة الأولى، ثم توقف. من العمق جاء اضطراب جعل سطح الحوض يرتجف، مع أن المضخات ساكنة. اقترب كنان ليثبت حساسًا عند الحافة. اندفع الحبل الملفوف قرب قدميه، وانسحب طرفه نحو الماء. التف حول كاحله قبل أن يبتعد. أمسك بالحاجز، لكن قوة الشد رفعته عن الأرض. قفز حازم إلى البكرة وأغلق المكبح. أمسكت غيداء بحزام كنان، وانزلق الثلاثة نصف متر حتى اصطدموا بالحاجز. تحتهم لم يعد السطح مستويًا؛ تقعر إلى الداخل مثل فم قمع واسع، والحبل يهبط من مركزه. قطع كنان الحبل بسكينه. سقط الطرف الملتف، لكنه لم يغص. بقي معلقًا على الماء لحظة، ثم سُحب إلى الأسفل بسرعة جعلت القمع ينغلق بضربة رشّت وجوههم. ابتعدوا عن الحافة. كان على كاحل كنان أثر دائري أحمر، وفي وسطه نقاط صغيرة مرتبة كالثقوب التي ظهرت في الغشاء. قال حازم: «ننزل الماء كله الآن.» «جربنا التصريف.» قالت غيداء. «هو لا يقل ما دامت الشروط متطابقة.» مسح كنان الماء عن وجهه. «إذن نكسر التطابق بسرعة.» قرروا تشغيل كل مصادر الضوء ورفع الحرارة وإضافة الماء العذب في وقت واحد، ثم فتح التصريف بعد أن يبدأ العمق بالانكماش. أبلغوا إدارة المبنى بوجود تفاعل كيميائي غير مستقر، وأخلوا الموظفين من الجناح ومن غرفة الخدمة أسفله. لم يكن الوصف صحيحًا، لكنه أنتج الاحتياط الصحيح. قبل التنفيذ أرادت غيداء قياس العمق مرة أخيرة. رفض حازم استخدام حبل، فثبت جهاز موجات قصير المدى فوق السطح. أعطى أول نبضة قراءة سبعة وثمانين مترًا. الثانية لم تعد. أما الثالثة فأظهرت سطحًا عريضًا على عمق اثنين وستين مترًا، يصعد بسرعة متر كل عشر ثوان. قال كنان: «هذا ليس القاع.» ظهرت قراءة جديدة: ثمانية وخمسون مترًا. لم يكن الجهاز يرسم شكلًا واضحًا، فقط قوسًا واسعًا أكبر من مساحة الحوض. ومع كل نبضة انقسم القوس إلى دوائر صغيرة ثم عاد كتلة واحدة، كأن سطحًا لينًا يفتح ثقوبًا كثيرة ويغلقها. عرفت غيداء ما الذي رآه الغشاء في وعاء العينات. لم تكن الثقوب عيونًا تنظر إلى الظل. كانت فتحات تتذوق فرق الضوء والحرارة، وجزء صغير منها وصل إلى الحبل. أما الشيء الصاعد، فكان يحمل آلافًا منها. بدأوا الخطة. أضاءت ستة مصابيح صيانة الحوض حتى صار الماء أزرق قاسيًا. دفعت السخانات تيارات دافئة على السطح، وفتح حازم خط الماء العذب بأقصى طاقته. ارتفع المستوى أربعة سنتيمترات، ثم ستة. اشتغل مصرف الفائض للمرة الأولى، لكن الماء الخارج كان دافئًا وطبيعي الاتجاه. راقبت غيداء الملوحة. انخفضت الأعشار ببطء. عند حد معين اهتز الزجاج الأمامي بصوت عميق شعروا به في صدورهم. لم يتشقق، لكن الماء خلفه صار أسود، كما لو أن الضوء فقد قدرته على الدخول. أظهر جهاز العمق اثنين وأربعين مترًا. ثم ثلاثين. قال حازم: «إنه ينكمش.» قال كنان: «وهو يصعد.» كان كلاهما محقًا. المسافة بين السطح الحقيقي وذلك القوس تتناقص من جهتين. ازداد تحدب الماء فوق الحافة، لكنه لم ينسكب. ارتفع كقبة شفافة، وفي داخلها ظهرت خطوط بيضاء طويلة تلتف بعضها حول بعض. لم تكن أطرافًا؛ بدت كقنوات في جسم لا يستطيعون رؤية حدوده. انطفأ أحد المصابيح حين وصل إليه رذاذ. مالت القبة نحوه فورًا. دفع كنان مصباحًا احتياطيًا إلى مكانه، فعادت إلى الوسط. فهموا أن الضوء لا يؤذي الشيء فقط؛ يحدد له الطريق المعاكس. عند عشرين مترًا تعطلت إحدى السخانات. انخفضت الحرارة قرب خط التصريف، وامتد سواد رفيع نحوه. أغلق حازم الصمام قبل أن يصل إليه، فنُقلت بقية المياه إلى خزان منفصل. لو دخل الغشاء شبكة الأنابيب، لانتشرت الشروط نفسها في أحواض أخرى. فتحت غيداء أكياس الملح المعدة لضبط النظام ثم توقفت. إضافة الملح ستقرب الماء من البحر بدل أن تبعده. طلبت من حازم مزيدًا من الماء العذب، لكنه قال إن الخزان شارف على الفراغ. كان في غرفة الطوارئ خط يستخدم ماء المدينة مباشرة لإطفاء الحريق. لا يجوز وصله بالأحواض بسبب الكلور، لكن الكلور نفسه صار ميزة. فتحه حازم يدويًا ومد الخرطوم فوق الحاجز. اندفع الماء البارد، فخفض الحرارة لحظة، إلا أنه أسقط الملوحة بسرعة وأدخل مادة لا تنتمي إلى البيئة البحرية. تقلصت القبة فجأة. خرج من الحوض صوت واحد مكتوم، لا يشبه حيوانًا ولا معدنًا، بل ضغطًا هائلًا يعبر فتحة ضيقة. اهتزت الأبواب في الممر. أظهر الجهاز اثني عشر مترًا. ثم فقد القراءة. تراجعت الخطوط البيضاء إلى الأسفل. للحظة رأوا تحت الضوء دائرة شاحبة عريضة، ممتلئة بفتحات تنفتح وتنغلق. كانت أقرب مما ينبغي، ومع ذلك بدت بعيدة كما لو أنهم ينظرون إليها عبر عمود بحر كامل. اندفعت نحو السطح مرة أخيرة. صرخت غيداء: «التصريف الآن!» فتح حازم المضخة الرئيسية. هذه المرة انخفض سطح الماء. عشرة سنتيمترات، ثم نصف متر. انطوت الدائرة الشاحبة على نفسها، لا إلى الأسفل بل إلى نقطة ضيقة في وسط الحوض. دخلت فيها الخيوط والسواد وفقاعات الهواء الهابطة، ثم انغلقت النقطة بلمعة قصيرة. ارتطم ثقل معدني بالقاع الحقيقي. سمعوه بوضوح. أوقف كنان المضخة عند متر واحد من الماء، وأدخل قضيب القياس. لامس الأرضية عند أربعة أمتار وثمانين سنتيمترًا بالضبط. ضربها مرة ثانية، ثم ثالثة. في كل مرة جاءه الصوت نفسه من الموضع نفسه. لم يقتربوا من الماء بأيديهم. صرفوه كله إلى خزانات مغلقة، وعالجوه بالحرارة والكلور حتى تبخر جزء كبير منه. جُمعت الرواسب في أوعية معدنية وأُحرقت تحت إشراف السلامة. لم يظهر الغشاء مجددًا، ولم تتحرك حبيبات الطين. كشف التحقيق الداخلي أن دفعة مياه البحر أُخذت من موقع جديد بعد تعطل نقطة السحب المعتادة. كان الموقع فوق منخفض بحري عميق اكتُشف حديثًا، وماؤه أبرد وأقل أكسجين من المعتاد. لم يجد أحد تفسيرًا لكيف حمل بضعة آلاف من اللترات عمق الموقع معها. اكتفت غيداء بتسجيل الشروط التي سبقت الظاهرة: حرارة منخفضة، ملوحة مطابقة، ظلام، ودورة تيار مغلقة. لم يُستخدم ذلك الموقع مرة أخرى. أُلزم المورد بتفريغ صهاريجه وتعقيمها، وألغى المتحف معرض المياه الباردة. لم يحاول أحد الاحتفاظ بعينة حية؛ أصرت غيداء على إتلاف كل مادة لامست العمق، بما فيها الحبال والقوارير والقفازات. فُكك الحوض السادس بعد شهر. أزيل الزجاج، وقُطعت الأنابيب، وكُشفت أرضيته الخرسانية كاملة. لم توجد فتحة أو شق أو علامة ضغط. وضعوا مكانه منصة جافة لنماذج السفن، من دون ماء أو نظام تبريد أو إضاءة ليلية. عاد كنان إلى العمل بعد أن شفي كاحله، لكنه لم يعد يمد يده فوق حوض مظلم. أما حازم فركب مقاييس ميكانيكية مستقلة على كل خزان، مع أن الإدارة قالت إن ما حدث لا يمكن أن يتكرر. في آخر يوم قبل إزالة الأرضية، وقفت غيداء داخل الحوض الفارغ. كان عمقه الحقيقي يصل إلى كتفيها تقريبًا حين تقف على السلم الداخلي. طرقت القاع بقضيب الألمنيوم، فردت الخرسانة بصوت قصير ومطمئن. نزعت العلامات القديمة عن الحبل المدرج. بقيت عليه آثار عند خمسة أمتار وعشرة وعشرين واثنين وثلاثين، أرقام تقيس مكانًا لم يعد موجودًا. قطعت الحبل إلى أجزاء وأرسلتها مع الرواسب إلى الحرق. لم يحتفظوا بصورة للدائرة الشاحبة، ولا بعينة من الغشاء، ولا باسم للكائن الذي اقترب منهم. احتفظوا فقط بقياساتهم وشروطهم وقرار ألا يعيدوها. بعد شهر كامل من المراقبة، ملؤوا تجويف الأنابيب بالإسمنت وأغلقوا سجل الحادث. ظل القاع عند أربعة أمتار وثمانين سنتيمترًا حتى اليوم الأخير، سواء أضاءوا المكان أم أطفؤوه. لم يعثروا على عمق آخر. لأنهم لم يتركوا ماءً يكفي لصنعه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9