حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
برد الشمس
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
حين وصلت رَيْدة السُّرَيْحي إلى محطة السِّراج، كانت الشمس تهبط خلف سهل مَرْهَج الحجري كقرص نحاسي أُخرج لتوّه من فرن. امتدت آلاف المرايا حول البرج المركزي في دوائر دقيقة، وكل واحدة منها مائلة بزاوية مختلفة، حتى بدا السهل كعين حشرة هائلة انقسمت إلى اثني عشر ألف بؤبؤ. لم تكن ريدة تحب محطات الطاقة الشمسية عند الغروب. في النهار تطيع المرايا الشمس، أما بعد اختفائها فتبقى شاخصة إلى السماء، بلا وظيفة، كوجوه نسيت لماذا رفعت رؤوسها.
استدعتها الشركة لتفسير عجز يتكرر منذ سبع ليالٍ في مخزون الحرارة. كانت محطة السراج تضخ أملاح النترات المصهورة إلى خزان ساخن، ثم تستعيد حرارتها ليلًا كي تولد البخار والكهرباء. الحسابات تقول إن الخزان يحتفظ بما يكفي لتشغيل التوربينات عشر ساعات، لكن الطاقة تضيع كل ليلة بمقدار أحد عشر ميغاواطًا ساعيًّا، من غير تسرب ظاهر ولا خطأ في العدادات.
قال جابر الوَشْلي، مدير التشغيل، وهو يقودها عبر البوابة:
— أريد جوابًا قبل طلوع الشمس. إذا كتبتِ كلمة تسرب في تقريرك، سيوقفون المحطة أسبوعًا، والخسارة لن يدفعها جهازك الحراري.
كان رجلًا عريض الكتفين، يتكلم كما لو أن كل جملة أمر طوارئ. لم تمد ريدة يدها إلى الحقيبة السوداء المعلقة بكتفها، بل نظرت إلى البرج الذي ارتفع مئتي متر فوقهم. بقيت على قمته بقعة ضوء بيضاء، مع أن الشمس صارت تحت الأفق.
— جهازي لا يكتب التقارير، قالت. إنه يبيّن فقط أين تذهب الحرارة.
— الحرارة لا تذهب. الناس يخطئون في عدّها.
استقبلهم في مبنى التحكم فُرات النمري، مهندس المناوبة الليلية. كان أصغر من ريدة ببضع سنوات، نحيلًا، ذا عينين متعبتين من الشاشات. سلّمها سجل القراءات، ثم خفض صوته حين ابتعد جابر.
— الأرقام ليست أغرب شيء.
— ما الأغرب؟
أشار إلى حقيبتها.
— شغّلي الكاميرا عند الخزان الساخن، ولا تخبريه أنني طلبت منك ذلك.
خرجت ريدة بعد الثامنة بقليل. انطفأت الحمرة الأخيرة، وانخفضت حرارة الصحراء بسرعة قاسية. كان الخزان الساخن كتلة أسطوانية سوداء بارتفاع بناية من خمسة طوابق، تحيط به سلالم وأنابيب وصمامات. في داخله نحو ثلاثين ألف طن من الملح السائل عند خمسمئة وخمسة وستين درجة. ومع ذلك لم ينبعث من جدرانه سوى دفء خفيف؛ فقد غلفته طبقات من الصوف الخزفي والفولاذ.
ثبتت ريدة الكاميرا الحرارية على الحامل، وضبطت معامل الانبعاث، ثم وجهتها إلى الجدار الشرقي. ظهرت الأسطح الساخنة بالبرتقالي والأبيض، والهواء البارد بالأزرق الداكن. تحركت ببطء، تبحث عن بقعة ساطعة تكشف تلفًا في العزل.
وجدت بدلًا منها رجلًا أسود.
كان واقفًا ملاصقًا لجدار الخزان، في موضع لا يقف فيه أحد. هيئة كاملة بلون أبرد من هواء الليل: رأس منحني، ذراع مرفوعة، وكف مبسوطة على المعدن. أبعدت ريدة عينها عن الشاشة. لم يكن هناك شيء؛ مجرد الجدار ومصباح أمان أحمر فوقه. عادت إلى الشاشة، فظل الرجل في مكانه.
تحققت من العدسة، وأعادت معايرة المستشعر بلوح مرجعي. اختفت الصورة لحظة، ثم ظهرت من جديد. لم تكن انعكاسًا حراريًّا؛ الانعكاسات تتغير حين تتحرك الكاميرا، أما تلك الهيئة فكانت مثبتة على الخزان كأنها ثقب على هيئة إنسان.
اقترب فُرات منها وهو يحمل مصباحًا.
— أرأيتِه؟
— منذ متى؟
— ظهر أول واحد قبل سبع ليالٍ. ليلة بدء العجز.
حركت الكاميرا نحو السلم المحيط بالخزان. ظهر شكل ثانٍ عند الدرجة التاسعة، جالسًا وقد ضم ركبتيه إلى صدره. ثم ثالث تحت منصة الصمامات، مستلقيًا على جانبه. وعلى الأرض قرب قناة التصريف ظهر رابع، صغير البنية، يمد ذراعه نحو سياج الحماية.
قال فُرات:
— كل ليلة يزدادون.
— ولماذا لم توقفوا التشغيل؟
— عرضت الصور على جابر. قال إنها احتراق قديم في حساس الكاميرا. اشترينا كاميرا ثانية، فظهرت فيها الأشكال نفسها. عندئذ منعنا من الكلام.
سارت ريدة إلى موضع الشكل الأول. راقبت الشاشة وهي تقترب، حتى دخل جسدها الملون بالأصفر فوق السواد. قبل أن تلامس الجدار أحست ببرودة في عظام أصابعها، لا على جلدها. كان الإحساس عميقًا وفوريًّا، كأن يدها دُفنت في ثلج بينما بقي القفاز دافئًا. تراجعت، فزالت البرودة.
مدّ فُرات المصباح إلى البقعة. لم يرَيا أثر رطوبة أو تغيرًا في الطلاء. أخرجت ريدة مجسّ التلامس وثبّتته على المعدن. أظهر أن حرارة الموضع مساوية لما حوله تمامًا. وحدها الأشعة تحت الحمراء رأت البرودة.
جاء صوت صرير من أعلى السلم. كان عامل الصمامات، بَرّاق، ينزل بعد جولته. وحين بلغ الدرجة التاسعة توقف فجأة.
على شاشة ريدة اندمج جسده مع الهيئة الجالسة.
شهق براق، وأسقط صندوق الأدوات. قبض على صدره وانحنى، ثم أخذ يصرخ. لم تكن صرخة ألم واحد، بل سلسلة صرخات قصيرة تفصل بينها محاولات يائسة لالتقاط الهواء. صعد فُرات إليه وسحبه من كتفيه. ما إن خرج من حدود الهيئة حتى هدأ جسده، لكنه ظل يحدق في السلم بعينين متسعتين.
قال حين استطاع الكلام:
— انفجر الأنبوب. رأيت الملح فوقي.
نظر جابر إلى ريدة عندما عادوا إلى غرفة التحكم، وقال ببرود:
— نوبة هلع.
— وصف انفجارًا لم يحدث.
— كل عامل هنا يعرف أن الأنبوب قد ينفجر. الخوف لا يحتاج إلى نبوءة.
— هناك أربع مناطق تمتص الأشعة تحت الحمراء من دون أن تنخفض حرارتها المادية. واحد من رجالك دخل إحداها فرأى حادثًا محددًا.
ضرب جابر الطاولة بطرف إصبعه.
— لم تمتص شيئًا. الكاميرا تقرأ خطأ، والرجل خائف، وأنتِ هنا لتجدي سبب أحد عشر ميغاواطًا، لا لتؤلفي قصة.
فتحت ريدة مخطط الأنابيب على الشاشة الكبيرة. كان فقد الحرارة يبدأ كل ليلة عند التاسعة وسبع دقائق، يرتفع ببطء، ثم يتوقف عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة فجرًا. طلبت بيانات الضغط ودرجات الخرسانة أسفل الخزان. تردد فُرات قبل أن يعرضها. ظهر انحراف صغير في خط ماء التبريد المدفون تحت الجهة الشرقية؛ هبوط لا يتجاوز ثلاثة أعشار البار.
قال جابر:
— ضمن هامش الجهاز.
سألته ريدة:
— متى فُحص الخط آخر مرة؟
— قبل شهرين.
— أريد التقرير.
— في الأرشيف.
نهض وغادر الغرفة بحجة الاتصال بالإدارة. وما إن انغلق الباب حتى فتح فُرات درجًا وأخرج نسخة مطوية. كان التقرير مؤرخًا قبل خمسة أشهر، لا شهرين. أظهر تآكلًا في وصلة ماء تمر أسفل قاعدة الخزان، وأوصى بإيقاف فوري واستبدالها. تحت التوصية توقيع جابر بالاستلام، وبجانبها ملاحظة بخط يده: يؤجل الإصلاح إلى الصيانة السنوية.
قال فُرات:
— الصيانة بعد ثلاثة أسابيع. خاف أن يخسر مكافأة الإنتاج.
تأملت ريدة مقطع الأساس. إذا تسرب الماء إلى الخرسانة الساخنة ثم وصل إليه الملح المنصهر، فسيتحول في جزء من الثانية إلى بخار يتمدد بعنف. لن ينفجر الخزان كله، لكن أرضيته قد ترتفع، وتمزق خطوط السحب، وتغرق ساحة التشغيل بسائل يحرق الفولاذ نفسه.
— ينبغي إخلاء الموقع الآن.
مد فُرات يده إلى هاتف الطوارئ، لكن جميع الشاشات خفتت في اللحظة ذاتها. ظهر على زجاج النافذة انعكاس غرفة التحكم، وفيه شخص خامس لم يكن واقفًا معهم.
استدارت ريدة. لم ترَ أحدًا. رفعت الكاميرا نحو الغرفة، فوجدت هيئة باردة جالسة على كرسي المشرف أمام لوحة التحكم، ذراعها اليمنى ممدودة إلى مفتاح الإيقاف، ورأسها ملتف بزاوية غير بشرية نحو الخلف.
كان الكرسي كرسي جابر.
عند التاسعة وسبع دقائق بدأ عداد العجز يرتفع.
لم يعد الأمر تسربًا في الحسابات. أخذت منظومة القياس تسجل تدفقًا سالبًا لا يمر عبر أي أنبوب؛ كأن الخزان يدفع حرارته إلى مكان غير موجود في شبكة المحطة. كلما زاد التدفق، ازدادت حدود الأجساد السوداء وضوحًا.
قادت ريدة فُرات إلى مختبر المعايرة، حيث توجد كاميرا سريعة تستطيع تسجيل ألف إطار حراري في الثانية. وجهاها إلى الشكل الجالس على كرسي جابر، ثم قارنا أطرافه في لقطات متتابعة. لم يكن ساكنًا تمامًا. كان يتحرك إلى الخلف.
قطرة باردة ارتفعت من الأرض إلى كمّه. شظية مظلمة خرجت من صدره وعادت إلى الشاشة. الرأس الملتوي استقام جزءًا من المليمتر في كل ثانية.
قال فُرات:
— الصورة معكوسة.
— ليست الصورة. الحدث نفسه.
حسبت ريدة سرعة الحركة، ثم أعادت بناء المقاطع بترتيب معاكس. ظهر الرجل في الزمن الطبيعي: يجلس أمام اللوحة، يمد يده إلى مفتاح الإيقاف، ثم يضربه شيء من الخلف فيلتف عنقه ويسقط سائل شديد السخونة على الأرض. لم تكن الأشكال بقايا موتى. كانت صورًا حرارية لحادث لم يقع بعد، تتسرب إلى الماضي عبر كتلة الملح التي تخزن الطاقة ساعات طويلة. العجز الذي حير الشركة لم يكن فقدًا؛ كان جزءًا من حرارة الانفجار المقبل، يُستنزف مقدمًا لصنع آثار ضحاياه.
— الثالثة وسبع عشرة، قالت ريدة. عندها يتوقف التدفق السالب لأن الحادث يقع.
بقيت ست ساعات.
ضغط فُرات زر الإنذار العام. لم يصدر شيء. ظهر جابر عند الباب وبيده بطاقة التحكم الرئيسية. قال إنه فصل شبكة الإنذار لأن عاصفة غبار تقترب، والإنذارات الكاذبة تربك إجراءات تثبيت المرايا.
وضعت ريدة التقرير القديم أمامه.
— أنت تعرف أن خط الماء متآكل.
— وأعرف أن الضغط مستقر.
— ليس مستقرًا. الماء يتسرب إلى الأساس.
— إذا أوقفنا المضخات الآن، سيتجمد الملح في الأنابيب. نحتاج يومين لإعادتها، وستأتي لجنة تسأل لماذا. سنخفض الحمل تدريجيًّا عند الفجر.
أرته صورة الرجل على كرسيه. شحب وجهه لحظة، ثم تماسك.
— خدعة من فُرات. يريد أن يبرر عبثه بالقراءات.
رفع فُرات يده محتجًّا، لكن جابر تقدم إليه وانتزع بطاقة دخوله. قال إنه أبلغ الحراسة بمنع أي شخص من مغادرة الموقع حتى انتهاء العاصفة، ثم أمرهما بالبقاء في غرفة التحكم.
لم تحاول ريدة إقناعه ثانية. وجهت الكاميرا إلى الممر المؤدي إلى الباب، فرأت هيئة سادسة مستلقية أمامه ووجهها إلى الأرض. كانت ترتدي معطفًا حراريًّا قصيرًا يشبه معطفها. على بعد خطوتين ظهرت هيئة سابعة عند خزانة الكهرباء، منحنية ويداها تغطيان الرأس.
قالت لفُرات:
— لو بقينا هنا سنموت هنا. الصور لا تحذرنا من الحادث، بل ترينا أين سيجدنا.
خرجا من باب الصيانة الخلفي قبل أن يعود جابر. في الساحة صار الهواء أثقل بالغبار، والمرايا حولهما صارت معتمة. مرّا بموقف الحافلة، فرفعت ريدة الكاميرا نحوه. امتلأت الشاشة بأحد عشر جسدًا باردًا داخل المقاعد، بعضها متراكب فوق بعض عند الباب.
— لا نستخدم الحافلة، قالت.
— ملجأ العواصف يتسع للجميع.
فحصته من بعيد. ظهرت عند مدخله ثلاث هيئات، لكن داخله كان خاليًا. فهمت أن موجة الملح لن تصل إليه؛ أصحاب الأجساد الثلاثة سيموتون وهم يحاولون دخوله متأخرين.
انطلق فُرات إلى مساكن العمال ليقود المناوبة إلى الملجأ من الطريق الغربي. أما ريدة فاتجهت إلى معرض الأنابيب أسفل الخزان. كان عليها وقف الماء ثم تفريغ الملح إلى حوض الطوارئ. في المخطط، يوجد صمام عزل يدوي عند أدنى نقطة من خط التبريد، وصمام آخر يفتح قناة إسقاط إلى حفرة مبطنة بالطوب الحراري. لم يُستخدما منذ تشغيل المحطة.
عند باب المعرض ارتدت بدلة عاكسة وخوذة مزودة بدرع زجاجي. بدأ المعدن حولها يئن بنغمات منخفضة مع تغير الضغط. لم تكن الأصوات شبيهة بأصوات بشرية، وهذا ما جعلها أشد رعبًا؛ الآلة لم تكن تستغيث، بل تواصل عملها المعتاد بينما المستقبل يملأ ممراتها بالجثث.
في الكاميرا، امتد الممر كتجويف برتقالي تتقاطع فيه الأنابيب البيضاء. وبينها وقفت الأجساد الباردة. عشرات هذه المرة. عامل يمسك الدرابزين. آخر يزحف تحت أنبوب. امرأة ترفع خوذتها كأنها تريد تنفس هواء غير موجود. لم يكونوا موظفي المناوبة الحالية كلهم؛ بعضهم ارتدى سترات فرق الإنقاذ. إذا أُرسل البلاغ بالطريقة المعتادة، ستدخل فرق الطوارئ إلى المعرض بعد الانفجار وتموت في انهيار ثانٍ.
اتصلت ريدة بفُرات عبر الجهاز اللاسلكي وأمرته ألا يستدعي أحدًا إلى داخل الساحة، وأن يطلب منهم قطع الطريق على مسافة كيلومترين. جاء صوته متقطعًا:
— أخرجت تسعة عشر عاملًا. براق يرفض الحركة. يقول إنه إذا اقترب من السلم فسيرى موته مرة أخرى.
— خذه من الجهة الشمالية. لا تدعه يمر بالدرجة التاسعة.
تقدمت بين الظلال. لم تكن تستطيع رؤيتها بعينيها، لذلك ثبتت الكاميرا أمام وجهها كنافذة. كلما قاربت هيئة، تسللت البرودة إلى داخل عظامها وظهرت أمامها ومضة من ألم لم يقع: جلد يحترق، رئة تنغلق، معدن يصطدم بالظهر. تعلمت أن تحيد قبل أن يكتمل المشهد. صارت تسير عبر المستقبل كما يسير المرء بين ألغام مرئية.
وصلت إلى صمام الماء عند الحادية عشرة وثلاث وأربعين دقيقة. كانت حوله هيئة راكعة تمسك العجلة بكلتا يديها. بدا حجمها قريبًا من حجم ريدة، لكن الخوذة أخفت الرأس. حاولت الاقتراب من اليمين، فامتد السواد نحوها. جربت اليسار، فتحركت الهيئة بالاتجاه نفسه.
لم تكن الصورة مثبتة في المكان هذه المرة. كانت تتبع اختيارها.
أدركت أن المستقبل لا ينتظرها مكتملًا؛ إنه يتشكل من كل قرار تتخذه. مهما اقتربت من العجلة، انتهى بها الأمر راكعة عندها. ربطت مفتاح الصمام بحبل، وتراجعت عشرة أمتار، ثم سحبت. انقطع الحبل. استخدمت قضيبًا طويلًا، فانزلق من المقبض. بقيت الهيئة السوداء راكعة، صبورة، كأنها تعرف أن للضرورة طريقًا واحدًا.
قال فُرات في اللاسلكي إن العمال صاروا في الملجأ، وإن جابر أعاد تشغيل مضخة الماء عن بعد بعد أن لاحظ انخفاض الضغط. ارتفع هدير الخط تحت قدميها. اتسعت الهيئة الباردة حتى أحاطت بالصمام والجدار.
صرخت:
— أوقف المضخة!
— لوحة التحكم مقفلة بصلاحيته.
— اذهب إلى قاطع التغذية الخارجي.
— جابر هناك.
ثم انقطع الاتصال.
وضعت ريدة الكاميرا على الأرض بحيث ترى الشاشة، ودخلت الهيئة. ضرب البرد ركبتيها أولًا. رأت الممر يغمره ضوء أبيض، ورأت نفسها تمسك العجلة بينما جلد القفاز يذوب. لم تكن رؤيا غائمة؛ شعرت بثقل الصمام، وذاقت معدنًا في فمها، وسمعت فرقعة الدرع الزجاجي أمام عينيها. كان موتها كاملًا، محفوظًا في جسدها قبل حدوثه بثلاث ساعات.
رفضت أن ترفع يدها. بدلًا من إدارة العجلة في الاتجاه المعتاد، نزعت مسمار التثبيت من محورها. انفصلت العجلة وسقطت. تغيرت الهيئة السوداء فجأة؛ نهضت من ركوعها، رجعت خطوتين، ثم تفتت أطرافها كدخان معكوس. كان المستقبل قد فقد طريقه إليها.
أدخلت قضيب الطوارئ في المحور وأدارته حتى انغلق خط الماء. هبط الضغط إلى الصفر. بقي الملح الساخن فوق أساس مشبع بالرطوبة، لكن مصدر الماء توقف.
بقي صمام الإسقاط.
كان في الحجرة التالية، خلف باب مقاوم للحريق. حين فتحته، لم تجد هيئة واحدة. كانت الغرفة على الشاشة سوداء بالكامل.
تفحصت الجدران. الحرارة المادية تجاوزت خمسين درجة، لكن الكاميرا قرأتها كفراغ بارد. لم يكن ذلك أثر جسد؛ كان أثر الغرفة حين تمتلئ بالموت كله. في مركز السواد ظهر مقبض أحمر باهت. خطت ريدة إلى الداخل، فهبطت حرارة عظامها دفعة واحدة. رأت عشرات النهايات تتراكب: السقف يسقط، الباب ينحني، الملح يندفع من الشقوق، وهي في كل احتمال عند المقبض.
تراجعت وأغلقت الباب. لا يمكنها فتح الصمام من الداخل والنجاة. راجعت المخطط على حاسوب معصمها، فوجدت أن المحور يمتد عبر الجدار إلى مشغل كهربائي معطل. إذا أمكن تدوير المحور من الخارج فلن تضطر إلى دخول الغرفة. لكنها تحتاج إلى محرك قوي.
نظرت إلى عربة صيانة صغيرة على السكة، تستخدم لسحب المضخات. ثبتت سلسلة العربة في ذراع المحور الخارجي، ثم شغلتها بأقصى عزم. توترت السلسلة، وارتجت الحجرة. تحرك الذراع سنتيمترًا، ثم توقف. زادت القدرة. تصاعد الدخان من المحرك.
في تلك اللحظة عاد صوت فُرات:
— قطعنا المضخة. جابر رجع إلى غرفة التحكم. يحاول إعادة فتحها من النظام الاحتياطي.
— أبعده عن كرسيه.
— لا أستطيع الوصول إليه. أغلق الأبواب.
تذكرت الهيئة الخامسة: جابر على كرسيه، يمد يده إلى مفتاح الإيقاف، وعنقه يلتف بضربة من الخلف. لم يكن الانفجار وحده ما يقتله. ثمة شيء سيصيب مؤخرة رأسه داخل غرفة مغلقة.
نظرت إلى شاشة الكاميرا المثبتة على العربة. ظهرت هيئة جديدة خلفها، رجل يركض في الممر حاملاً مفتاح صيانة طويلًا. وبعد ثوانٍ جاء جابر نفسه من الباب، يلهث، والمفتاح في يده.
قال:
— ابتعدي عن الصمام.
— الأساس على وشك التمزق.
— أوقفتِ الماء فجأة فسببتِ صدمة ضغط. افتحيه، ثم نعيد التوازن.
لم ينظر إلى الشاشة. لم يرَ جسده الأسود يركض داخله بالطريقة نفسها، ولا الموضع الذي سينزلق فيه.
رفع المفتاح ليضرب قاطع العربة. صاحت ريدة به أن يتوقف، لكنه خطا داخل حدود هيئته. تجمد وجهه. لا بد أنه رأى موته كما رآه براق وريدة. ارتخت يده، غير أن قدميه واصلتا الحركة بفعل اندفاعه. انزلقت حذاؤه على قطرة زيت، وطار المفتاح من يده. لم يصب ريدة؛ اخترق نافذة الحماية الصغيرة في الباب، واصطدم بذراع الصمام من الداخل.
دارت الذراع نصف دورة.
اندفع تيار الملح إلى قناة الإسقاط. ارتج الخزان فوقهم كحيوان ضخم ينتفض في نومه. سحبت العربة السلسلة مرة أخرى، وهذه المرة تحرك المحور كاملًا وانفتح الصمام. أخذ مستوى الخزان الساخن يهبط نحو حفرة الطوارئ.
أما جابر فحدق إلى هيئته على الشاشة. كانت تتراجع إلى الخلف، تخرج من الممر، وتصعد في الزمن المعكوس نحو غرفة التحكم.
همس:
— إذن لن أموت هنا.
ثم ركض.
نادته ريدة، لكنه لم يجب. ظن أن الصورة وعدت بمكان محدد، وأن ابتعاده عنه ينجّيه. لم يفهم أن الهيئة على الكرسي لم تكن قيدًا، بل نتيجة اختياراته. عاد ليعيد تشغيل المضخة ويغلق صمام الإسقاط من اللوحة.
خرجت ريدة من المعرض عند الثانية وخمسين دقيقة. كانت ساحة الخزان قد تغيرت. الأجساد الأربعة الأولى بهتت، ثم اختفت واحدة بعد أخرى. ظل شكل واحد قرب السلم، لكنه لم يعد جالسًا على الدرجة التاسعة؛ ظهر واقفًا في الطريق الشمالي الذي سلكه براق. اتصلت بفُرات.
قال:
— براق معي في الملجأ.
وعندها تفتت الشكل الواقف في الطريق الشمالي واختفى، كأن وصول صاحبه إلى الأمان محا آخر طريق يقوده إلى الموت.
— هل الجميع موجود؟
عدّهم. تسعة عشر عاملًا، وفُرات، وحارسان. بقي جابر وريدة فقط خارج الملجأ.
بدأت الأرض تهتز. لم يكن التصريف سريعًا بما يكفي؛ الرطوبة المحبوسة تحت الخزان تحولت إلى بخار، وراحت تضرب القاعدة من أسفل. انفتح شق في الخرسانة، وتصاعد منه عمود أبيض. أمام غرفة التحكم ظهر على الكاميرا مسار بارد يصعد الدرج كآثار أقدام غير مكتملة.
دخلت ريدة المبنى. وجدت الأبواب الإلكترونية مفتوحة بعد انقطاع جزء من الطاقة. في الغرفة جلس جابر على كرسيه، يكتب أوامر الإلغاء. كانت الهيئة السوداء منطبقة عليه تمامًا. يده ممدودة إلى مفتاح الإيقاف، ورأسه ما زال مستقيمًا.
قال من دون أن يلتفت:
— سأغلق قناة الإسقاط. لقد بدأ المستوى ينخفض تحت حد تشغيل التوربين.
— انتهت المحطة.
— لا تنتهي محطة لأن مفتشة خافت من صورة.
رفع غطاء المفتاح. في اللحظة نفسها ضرب بخارٌ شديد الضغط الجدار الخارجي. انكسر أنبوب نحاسي رفيع فوقه، واندفع كالسوط. رأت ريدة الحركة على الشاشة قبل أن تقع بعشر الثانية: الخط الأسود يضرب مؤخرة الهيئة ويلوي رأسها.
ألقت بنفسها على الأرض. صاح جابر والتفت إليها، فجاء الأنبوب في الموضع الذي اختاره تمامًا. ضُرب رأسه، وارتطم وجهه باللوحة، وبقيت يده على مفتاح الإيقاف من غير أن تضغطه.
لم تحاول ريدة تحريك جسده. سحبت وحدة الأوامر الاحتياطية، فتعطل التحكم عن بعد وبقي صمام الإسقاط مفتوحًا ميكانيكيًّا. ثم خرجت من الباب الغربي، تسير في المساحات التي لا تظهر فيها أجساد.
عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة ارتفعت أرضية الخزان الساخن.
جاء الصوت كأن الصحراء أغلقت بابًا من حجر. تمزق خط السحب الرئيسي، وقذف لسانًا من الملح المنصهر عبر الساحة. لكنه وجد الخزان شبه فارغ، فلم يتجاوز السائل الحاجز الأول. انهار جزء من منصة الصمامات في المواضع التي كانت الأجساد الباردة قد ظهرت فيها، ثم توقف. لم تصل النار إلى الملجأ، ولم تدخل فرق إنقاذ إلى المعرض، ولم تكن الحافلة ممتلئة حين غطتها موجة البخار.
وقفت ريدة خلف الساتر الغربي إلى جوار فُرات والعمال. شاهدوا البرج والمرايا في عتمة انقطعت عنها الكهرباء. للمرة الأولى لم تكن محطة السراج تجمع ضوءًا ولا تخزن حرارة. كانت كتلة باردة تحت سماء باردة.
بعد الشروق دخل فريق متخصص الموقع. وجدوا جابر ميتًا في غرفة التحكم، وصمام الإسقاط مفتوحًا، والخزان الساخن متصدع القاعدة. أثبت الحفر أن ماء التبريد ظل يتسرب خمسة أشهر، وأن تجويفًا بخاريًّا تشكل تحت الخرسانة. لو بقي الخزان ممتلئًا لاندفع معظم الملح إلى مساكن العمال.
صودرت سجلات المحطة. حاولت الشركة تفسير الصور بأنها خلل في أجهزة ريدة، لكن الكاميرات الثلاث، ومستشعرات الخزان، وعدادات الشبكة سجلت الظاهرة نفسها. الأغرب أن مقدار الطاقة السالبة خلال الليالي السبع ساوى، ضمن هامش ضئيل، الحرارة التي أطلقها التمزق عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. كأن الحادث اقترض من نفسه ما يكفي ليترك ظلال ضحاياه قبل أن يقتلهم.
لم تُعَد محطة السراج إلى العمل. أُفرغ الخزان البارد، وفُككت المرايا، ودُفن حوض الطوارئ بعد أن تجمد الملح فيه إلى صخرة بيضاء ضخمة. احتفظت ريدة بالمقطع الحراري الأخير وحده: الساحة بعد الانفجار، خالية من الأجساد السوداء كلها.
بعد أشهر، سألها فُرات إن كانت تعتقد أن الذين رأوهم كانوا أرواحًا.
قالت:
— لا. الأرواح تأتي من الماضي. أولئك كانوا احتمالًا منحته الحرارة شكلًا.
— وهل غيّرنا المستقبل، أم نفذنا صورة أخرى منه؟
لم تجبه بتخمين. أرسلت إليه الإطار الذي التقطته الكاميرا عند الثالثة وثماني عشرة دقيقة. ظهرت فيه ريدة وفُرات والعمال واقفين خلف الساتر، أجسادهم مضيئة وطبيعية، لكل منهم حرارة واضحة تمتد من الصدر إلى الأطراف. لم تكن بينهم فجوة واحدة على هيئة إنسان.
في ذلك الصباح مات رجل واحد لأنه أصر على إعادة المستقبل إلى مكانه، وعاش اثنان وعشرون لأنهم صدقوا البرودة قبل أن تصبح نارًا.
أما الأحد عشر ميغاواطًا التي كانت تختفي كل ليلة، فلم تعد إلى الشبكة قط. بقيت محسوبة في التقرير النهائي تحت بند لم تعتمده الشركة ولم تستطع حذفه:
حرارة أنفقتها أجساد لم تمت.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق