حين يجفّ

حين يجفّ
ظهر أثر الإصبع من داخل الوعاء، في موضع لا تستطيع يد بشرية بلوغه. أمسكت جُلنار القطعة بقفازها الحراري وقربتها من مصباح الفحص. كان الوعاء صغيرًا، بعنق أضيق من معصم طفل، وقد صنعته دُجى على الدولاب من كتلة واحدة ثم أغلقته قبل أن يجف. مع ذلك، امتد على جداره الداخلي انطباع واضح لإصبع سبابة: خطوط الجلد متقاربة، وفي وسطها ندبة هلالية قصيرة. قال لؤي، مساعد الأفران: «ربما ضغطت دُجى الطين قبل أن تغلق العنق.» أجابت جلنار: «الانطباع متجه إلى الخارج. كأن إصبعًا كان داخل الوعاء ودفع جداره.» لم يضحك لؤي. منذ فتحا الفرن صباحًا، بدت أشياء أخرى غير صحيحة. اثنان من الأكواب انكمشا أكثر من النسبة المتوقعة، وصحن بقي دافئًا بعد أن بردت بقية الحمولة، وتمثال طائر صغير صار أثقل مما سجله صاحبه قبل الحرق. لكن العيوب الغريبة تحدث في الخزف: جيب هواء، خلل في الخلط، مادة مجهولة داخل الطين. أما بصمة كاملة في تجويف مغلق، فليست عيبًا تعرفه المهنة. وضعت جلنار الوعاء في خزانة العزل، وكتبت على ورقته: «لا يُسلّم قبل الفحص.» لم تستخدم كلمة بصمة. كانت تدير أفران مركز «دار الطين» منذ تسع سنوات، وتعرف سرعة تحول الملاحظة غير المكتملة إلى خرافة بين المتدربين. وصلت دجى بعد ساعة. كانت نحاتة في السابعة والثلاثين، تعمل على تمثال بالحجم الطبيعي لمعرض الفنون البلدية. حين رأت الوعاء، تعرفت إلى الندبة داخل الأثر. رفعت سبابتها. قرب الظفر ندبة هلالية من جرح قديم. قالت: «هذه بصمتي.» طلبت منها جلنار أن تعيد شرح طريقة صنع القطعة. وضعت دجى كتلة الطين على الدولاب، فتحتها من الأعلى، رفعت الجدران، ثم ضيقت العنق وأغلقته بأداة خشبية. ربما دخل إصبعها قبل الإغلاق، لكنها أقسمت أنها لم تضغط الجدار من الداخل بعد ضيق الفتحة. مدت يدها لتلمس الأثر، فمنعتها جلنار. «دعيه في مكانه.» لم تكن تعرف ممَّ تحميها. جاءت القطع كلها من طين رمادي جديد وصل قبل أسبوعين. اشترى المركز شحنة كبيرة بسعر منخفض بعدما تأخر مورده المعتاد. قال المدير إن المادة مناسبة للأعمال التدريبية والتجارب الكبيرة، وطلب استهلاكها قبل فتح الأكياس الأقدم. صنع منها أربعة عشر فنانًا عشرات القطع، وكان معظمها ينتظر دوره في التجفيف أو الأفران. راجعت جلنار سجل الحرق. الحمولة الغريبة هي الأولى التي بلغت حرارة التزجيج الكامل. دخلت قبلها قطع من الطين نفسه في حرق أولي منخفض، ولم يظهر عليها شيء سوى تشققات عادية. قال لؤي: «إذن الحرارة العالية كشفت العيب.» «أو صنعته.» عند الظهيرة جاء أحد المتدربين يطلب المساعدة. كان يحاول فتح هاتفه ببصمة الإبهام، والجهاز يرفض التعرف إليه. ظن أن غبار الطين غطى إصبعه، فغسله مرات. نظرت جلنار إلى الإبهام تحت الضوء. كان الجلد سليم اللون، بلا حرق أو جرح، لكن الخطوط الدقيقة اختفت من مساحة مستديرة في الوسط، وصار السطح أملس كقطعة شمع. سألته عما صنع من الطين الرمادي. أشار إلى كوب في الحمولة التي أخرجوها صباحًا. على جانبه نقش غائر صنعه بالضغط بإبهامه مرارًا حتى تتكرر البصمة حول الجسم. أحضرت جلنار الكوب. وجدت إحدى البصمات أوضح من البقية، عميقة على نحو لا يتناسب مع انكماش الطين. قارنتها بإبهام الشاب الأملس. المساحة والحافة المائلة متطابقتان. قال لؤي وهو يتراجع: «انتقلت البصمة إلى الكوب.» أغلقت جلنار باب غرفة الأفران ومنعت إدخال أي قطعة جديدة. اتصلت بالمدير وطلبت إيقاف العمل بالطين الرمادي حتى فحصه. جاء غاضبًا من تعطيل المركز قبل موعد المعرض، ثم سكت حين رأى إصبع المتدرب والوعاء المغلق. اقترح إرسال الشاب إلى الطبيب وتسليم عينات إلى مختبر المواد. وافقت جلنار، لكنها لم تسلم الوعاء ولا الكوب. وضعتهما في صندوق معدني مبطن بالرمل، لأنهما كانا الشيئين الوحيدين اللذين يربطان ما حدث بالفرن. في المساء بقيت مع لؤي لتنظيف الرفوف وفصل القطع. كان عليهما تحديد من لمس الطين بجلده، وما الذي حُرق، وما الذي بقي نيئًا. ارتديا قفازات سميكة وجمعا الأكياس المفتوحة. لم يبدُ الطين مخيفًا. رائحته ترابية عادية، وملمسه ناعم، ولا توجد فيه شظايا أو حبيبات غريبة. وجد لؤي صحنًا مشققًا على طاولة التبريد. رفعه من الحافة فانقسم نصفين وسقط جزء منه على الأرض. صرخ. لم يكن قد جرح نفسه. أمسك يده اليمنى، وحدق في أصابعه. على طرف السبابة، حيث كان الجلد أملس منذ سنوات بسبب حرق مهني قديم، بدأت خطوط رفيعة تظهر. كانت تنمو أمامهما ببطء، تتفرع وتلتف حتى شكلت نمطًا واضحًا. قلبت جلنار نصفي الصحن. على حافته بصمة مشوهة انقسمت مع الكسر. عرفت الندبة الصغيرة قرب مركزها؛ إنها بصمة لؤي قبل الحرق القديم، مأخوذة من إصبع لم يعد يحملها منذ زمن. قالت: «كسر القطعة أعاد الأثر.» لم ينتظرا المختبر. أخذا كوب المتدرب إلى ساحة العمل الفارغة، وضعاه داخل كيس سميك، وحطماه بمطرقة. تفتت الجدار إلى شظايا صغيرة. بعد أقل من دقيقة قال الشاب، الذي بقي ينتظر مع المدير، إن إبهامه يؤلمه. ظهرت نقطة دم تحت الجلد، ثم عادت الخطوط تدريجيًا، باهتة أولًا ثم أوضح. صار لديهم قانونان: لا يحدث الانتقال قبل الحرق العالي، وكسر القطعة المحروقة يعيد ما أخذته. لم تكتفِ جلنار بالنتيجة الأولى. أغلقت الستائر على ساحة العمل، وطلبت من المدير إحضار كل من شارك في حمولة الصباح. جاء سبعة أشخاص، بعضهم غاضب من الاستدعاء وبعضهم يضحك لأن الشائعة سبقته. وضعت القطع فوق طاولة طويلة، ومنعتهم من لمسها. كان على طائر صغير أثر ظفر غائر قرب الجناح. لدى صانعه ظهر خط رمادي تحت ظفر السبابة، كأن طبقة منه جفّت من الداخل. وعلى إناء مسطح ظهرت طبعة جانب كف، بينما فقدت صاحبته الإحساس في الحافة نفسها من يدها. أما دجى، فوجدت جلنار في داخل الوعاء المغلق بصمتين إضافيتين لم تلحظهما أولًا. حين طلبت منها فتح يدها، كان جلد السبابة والوسطى أنعم من بقية الأصابع، والندبة الهلالية صارت باهتة. لم تكن الأعراض أوهامًا انتقلت بينهم بالخوف؛ فقد دخل أحد الفنانين وهو يسخر من الجميع، ثم عجز عن ثني مفصل إصبعه عندما وجد طبعة المفصل ذاته بارزة على مقبض إبريقه. لم يعرف مسبقًا أن القطعة تحملها، لأنها كانت تحت طبقة من الطلاء. حطموا الطائر والإناء والإبريق داخل أكياس منفصلة. مع كل كسر عادت الحرارة والإحساس إلى الموضع المقابل، لكن الألم كان حادًا، كما لو أن الجلد يُضغط إلى مكانه دفعة واحدة. بعد ذلك لم يحتج أحد إلى إقناع. راجع لؤي رفوف التجفيف. كانت عشرات الأعمال من الطين الرمادي لم تبلغ الفرن بعد، ولم يظهر على أصحابها شيء. صنع بعضهم أقنعة وقبضات وأقدامًا بالقوالب المباشرة، لكنها بقيت مجرد طين ما دام الحرق العالي لم يبدأ. وضعت جلنار شرائط حمراء حول الرفوف ومنعت تحريكها. لم يكن الخطر في شكل القطعة وحده، بل في اكتماله بالنار. قال المدير: «نحطم كل ما خرج من الفرن وتنتهي المسألة.» لكن جلنار تذكرت تمثال دجى. كان العمل قائمًا في الغرفة الكبرى خلف ورشة التشكيل: هيئة بشرية مجوفة بطول مترين، صنعتها دجى من ألواح سميكة فوق دعامة قابلة للسحب. وجه التمثال نسخة من وجهها، أخذتها بقالب جبسي، واليدان مصبوبتان عن كفيها حتى أدق الخطوط. ضغطت كتفها وذراعيها على الطين الرطب لتعديل الوضع، ثم دخلت داخل التجويف قبل إغلاق الظهر كي تدعم المفاصل من الداخل. والتمثال لم يعد في الغرفة الكبرى. ركضوا إلى فرن الغاز الواسع في المبنى الجانبي. كان بابه مغلقًا، ولوحة الحرارة تشير إلى ستمئة وثمانين درجة وتصعد. وجدوا أمر الحرق مثبتًا على الطاولة: نقل عامل الفترة المسائية التمثال مع ست قطع أخرى، وشغّل البرنامج الآلي قبل أن يغادر. لم يصله قرار الإيقاف لأن المدير أغلق المركز وأرسل الموظفين إلى بيوتهم على عجل. قال لؤي: «الحرق الكامل يبدأ تأثيره قرب الحرارة التي بلغتها حمولة الصباح.» كانت دجى واقفة قرب الباب. رفعت يدها إلى خدها. ظهرت على الجلد بقعة رمادية جافة، محددة الحافة، في الموضع نفسه الذي غطاه القالب الجبسي. حاولت تحريك شفتيها، فانشق طرف السفلى بخط أبيض دقيق. أطفأ لؤي الغاز، لكن الحرارة داخل الفرن واصلت الصعود بفعل الجدران المشبعة. قال إن فتح الباب كاملًا قد يسبب اندفاعًا حراريًا، وإن التمثال يمكن أن يتشقق أو ينفجر فتقذف شظاياه إلى الخارج. أما الانتظار حتى يبرد، فقد يترك دجى بلا وجه يمكن استعادته. نظرت جلنار من فتحة المراقبة. كان التمثال في وسط الفرن، تحيط به رفوف منخفضة. لم يكتسب اللون النهائي بعد، لكنه بدأ يتصلب. على سطح وجهه، تحت توهج أحمر خافت، ظهرت تفاصيل لم تنحتها دجى: مسام الجلد، حافة الجفن، وخط صغير عند زاوية الفم. قالت دجى بصوت صار خشنًا: «اكسريه.» ألبستها جلنار قناع ترشيح وأبعدها مع المدير إلى الفناء. ارتدت مع لؤي معاطف مقاومة للحرارة، وقفازات طويلة، ودروع وجه شفافة. فتحا مخرج السقف إلى أقصى حد، وشغلا مراوح السحب، ثم انتظرا دقيقتين حتى استقرت الحرارة. لم يكن ذلك آمنًا، لكنه أقل خطرًا من فتح الباب فجأة. جهز لؤي قضيبًا من الفولاذ ينتهي برأس ثقيل يُستخدم لتحريك دعامات الفرن في الطوارئ. فتح الباب مقدار شبر. اندفع هواء حار جعل الدرع أمام وجه جلنار يعتم. وسعا الفتحة ببطء، وهبطت الحرارة عشر درجات ثم عشرين. رأت التمثال كاملًا. لم يعد وجهه وجه دجى وحدها. على صدره وبطنه برزت من الداخل طبعات أيدٍ كثيرة، مع أن أحدًا لم يضغط تلك المواضع من الخارج. كانت آثار كل من ساعد على رفع الألواح وتثبيتها. وبين الطبعات تشكلت انبعاجات تشبه أضلاعًا تضغط الجدار لتخرج. تحركت إحدى اليدين على السطح. لم يكن وهم حرارة. ارتفعت طبعة كف ببطء، انثنت أصابعها الطينية، ثم انبسطت في موضع أعلى. في الفناء صرخ المدير؛ فقد ظهرت على معصمه بقعة ملساء تصعد نحو ساعده. كان قد حمل التمثال يوم نقله. أدخل لؤي القضيب وضرب ركبة التمثال. صدرت رنة صلبة ولم ينكسر. وصلت الحرارة إلى مرحلة جعلت السطح أقوى مما توقعا. قالت جلنار: «المفصل عند الكتف أضعف. دجى أصلحته هذا الصباح بطين رطب.» غير لؤي زاوية القضيب، لكنه لم يستطع الوصول. كان الرف المعدني يعوق الحركة. أخذت جلنار القضيب القصير المخصص لسحب الصفائح، وانحنت خلف الباب، ثم أدخلته تحت قاعدة التمثال. أرادت إسقاطه لا ثقبه. دفعت. لم يتحرك. على ذراعها، تحت القفاز، أحست الجلد يشد. كانت قد ساعدت دجى قبل يومين، وضغطت كفها على ظهر التمثال لتختبر رطوبته. الآن تصلب موضع في راحة يدها، وصارت أصابعها أبطأ. استند لؤي إلى القضيب معها. مال التمثال سنتيمترًا، ثم عاد. أعادا الدفع معًا. انزلقت قاعدته فوق الصفيحة، واصطدم كتفه بحافة الرف. ظهر شرخ عند المفصل. خرج من الشرخ غبار رمادي اندفع إلى أعلى بدل أن يسقط. داخل رأس التمثال تحرك شيء كأنه يحاول الابتعاد عن الكسر. ضرب لؤي الكتف بالقضيب الطويل. اتسع الشرخ من العنق إلى الصدر، لكن الهيئة بقيت واقفة. في الفناء كانت دجى جاثية، ووجهها ساكن إلا عينين مذعورتين. لم تعد قادرة على فتح فمها. صرخت جلنار: «مرة أخرى.» دفعا القاعدة بكل وزنهما. سقط التمثال على جانبه. ارتطم بالصفائح وانفجر إلى عشرات القطع الثقيلة. تدحرج الرأس حتى اصطدم بجدار الفرن، وانقسم عبر الوجه. في اللحظة نفسها تشققت الآثار البارزة على الصدر، وانهارت الأيدي إلى شظايا بلا شكل. تراجعت البقعة اليابسة عن كف جلنار، تاركة جلدًا أحمر مؤلمًا. سمعا دجى في الخارج تسعل، ثم تصرخ من الألم. كان الصراخ أفضل صوت يمكن أن يسمعاه؛ ففمها تحرك من جديد. لم ينتهِ الأمر بالتمثال. بقيت ست قطع على الرفوف، وكل واحدة تحمل أثر يد أو أداة لامستها. ضربها لؤي وجلنار واحدة بعد أخرى، حتى لم يبقَ في الفرن إناء سليم. ثم أغلقا الباب وابتعدا، وتركاه يبرد تحت المراقبة. جلسا في الفناء قرب دجى حتى وصلت سيارة الإسعاف. بدأ اللون الرمادي ينسحب من وجهها على شكل جزر صغيرة من الجلد الطبيعي، لكن عند صدغها بقي مستطيل قاسٍ لا يتحرك. تذكرت دجى أنها أصلحت أذن التمثال برقعة منفصلة، وضغطت صدغها عليها لتثبيتها حين انزلقت من يدها. كان معنى ذلك أن جزءًا من الأذن الطينية لم يتحطم مع الرأس. أراد لؤي العودة فورًا، لكن جلنار منعته حتى انخفضت الحرارة بما يكفي. بعد أربعين دقيقة دخلا بقناعين ومصباحين، وبدآ جمع الشظايا فوق شبكة معدنية. لم يبحثا عن شكل التمثال، بل عن الأسطح التي بقيت عليها ملامح كاملة. وجدا قطعة من الأذن عالقة خلف دعامة الرف، سليمة تقريبًا. ما إن كسرها لؤي بالكماشة حتى شهقت دجى في الخارج، ورفعت يدها إلى صدغ عاد لينًا. وجدوا أيضًا إصبعًا طينيًا منفصلًا، وجزءًا من كف، ونصف شفة بقيت خطوطها واضحة. مع تحطيم كل جزء، كان أحد الواقفين يستعيد إحساسًا أو حركة. استغرق التفتيش ساعتين، لأن شظية بحجم الظفر كانت تكفي للاحتفاظ بخط من جلد إنسان. لم يغادروا حتى مرروا كل الكسر عبر الشبكة، وسحقوا ما حمل انطباعًا بين لوحين من الفولاذ. عند الفجر لم يبقَ من الهيئة إلا ركام لا يحمل عضوًا كاملًا. عندها فقط اختفت آخر بقعة صلبة من ذراع المدير، واستطاعت جلنار إغلاق يدها من دون أن تشعر أن مفاصلها مصنوعة من حجر. نُقلت دجى والمدير إلى مركز إسعاف بسبب الجفاف والتشققات الجلدية، لا بسبب شيء يستطيع الطبيب تفسيره. عادت مرونة وجهيهما خلال ساعات، وبقيت خطوط حمراء في المواضع التي انتقلت إلى الطين. أما المتدرب فلحق بهم بعدما عادت بصمته كاملة. في الصباح وصلت نتيجة التحليل الأولي للطين. تركيبه المعدني غير معتاد للشحنة الموصوفة في فاتورة المورد؛ احتوى على نسبة عالية من مسحوق خزف محروق، أو ما يسميه الحرفيون «الشموت»، ممزوجًا بالطين الخام. تحت المجهر ظهرت في المسحوق رقائق من طلاءات قديمة وألياف متفحمة. استدعوا المورد برهان الساعدي. أنكر أولًا، ثم اعترف أنه اشترى حمولة رخيصة من أرض مهجورة كانت تضم قبل عقود أفرانًا لصناعة القوالب التشريحية والتماثيل التذكارية. لم يأخذ التربة من الطبقة السطحية كما نص الاتفاق، بل طحن أكوام الكسر المدفونة قرب الأفران وخلطها بالطين لزيادة الكمية وتقليل الانكماش. دلّهم على الموضع بعد أن شاهد صور يدي دجى والمدير. كانت الأرض مكشوفة، لا سرداب فيها ولا بناء قائم؛ مجرد ساحة قاحلة تتناثر فوقها قطع خزف بيضاء ورمادية. في الحفرة التي أخذ منها الحمولة ظهرت أقواس جباه وأجزاء أصابع وأنصاف آذان، كلها مكسورة منذ زمن. التقط مهندس البلدية قطعة تشبه كفًا، فصاحت جلنار به حتى أسقطها. لم تكن القطعة حية ولا متحركة، لكن أحدًا لم يعد مستعدًا لمعرفة ما إذا كانت تحتاج فقط إلى فرن جديد. سألته جلنار: «ما الذي كان يُصنع هناك؟» قال إن الموقع أغلق بعد حريق قديم، وإنه لم يسأل. لكن سجلات البلدية التي حصل عليها المدير لاحقًا أوضحت أن الورشة كانت تصنع قوالب لأجزاء بشرية لصالح مدارس الطب والفنانين. كان العاملون يضغطون الوجوه والأيدي والأطراف في مواد صب، ثم يستخدمون الطين لصنع نسخ دقيقة. بعد الحريق دُفنت القوالب المكسورة والقطع المشوهة في أرض الموقع. لم تعرف جلنار إن كانت المادة قد احتفظت بآثار أولئك الأشخاص، أم أن تكرار الحرق والطحن صنع شيئًا لا يحتاج إلى ذاكرة بشرية. لم يكن عليها أن تختار تفسيرًا كي تعرف القاعدة العملية: الطين الممزوج بالكسر القديم يأخذ ما يُطبع فيه، ويطالب بالأصل حين تبلغ القطعة حرارة التزجيج. أغلقت البلدية موقع الاستخراج، وصادرت الأكياس الباقية عند المورد. في المركز، جُمعت كل قطعة من الشحنة: النيئة، والجافة، والمحروقة حرقًا أوليًا. كُسرت القطع الصلبة تحت أغطية واقية، ثم غُمست الشظايا في أحواض منفصلة حتى عادت إلى حبيبات رخوة. لم يجرؤ أحد على إعادة استخدامها. نُقلت المادة في حاويات رطبة إلى منشأة نفايات معدنية، حيث دُفنت من دون حرق داخل طبقة عازلة لا تصل إليها حرارة فرن. راجعوا أسماء الفنانين الأربعة عشر. فُحصت أيديهم ووجوههم، وحُطمت الأعمال التي شاركوا فيها قبل أن تدخل أي فرن مرتفع الحرارة. لم تظهر حالة جديدة بعد الليلة الأولى. أما شظايا التمثال والوعاء والكوب، فحُصيَت قطعة قطعة حتى تأكدوا أن لا جزءًا كاملًا يحمل بصمة أو ملامح. أغلق مركز الخزف ثلاثة أسابيع. استُبدلت بطانة الفرن الكبير ونُظفت الأرضيات والمرشحات. دفع المورد تكاليف المعالجة، وبدأت إجراءات مساءلته عن مصدر المادة المخالف للعقد. لم يعلن المدير التفاصيل الخارقة؛ كتب في تقرير السلامة أن الشحنة سببت تفاعلًا حراريًا وخطرًا جلديًا غير معروف. اعترضت جلنار على الصياغة، ثم قبلتها بعد إرفاق سجل كامل بالقطع والأشخاص والحرارات. لم تكن بحاجة إلى إقناع العامة بما رأته؛ كانت تحتاج إلى منع تكراره. عادت دجى بعد شهر. بقي عند زاوية فمها خط رفيع أفتح من الجلد، وامتنعت عن صنع الوجوه. بدأت تمثالًا جديدًا من طين أبيض موثق المصدر، هيئة بلا ملامح تحمل وعاءً مكسورًا. لم تطلب من جلنار تفسيره، ولم تعرضه للبيع. في أول يوم لإعادة تشغيل الأفران، اختبرت جلنار الشحنة الجديدة بنفسها. أخذت قرصًا صغيرًا من الطين، ضغطت إبهامها عليه، وكتبت رقمه في السجل. وزنته، صورته، ثم وضعته وحده في الفرن الصغير. رفعت الحرارة إلى الدرجة نفسها التي بدأ عندها الانتقال، وانتظرت دورة التبريد كاملة. عند فتح الفرن، كان القرص في موضعه. بقيت بصمة إبهامها غائرة على السطح، لا أعمق ولا أوضح مما صنعتها. فحصت يدها؛ الخطوط كاملة، والجلد دافئ وطبيعي. كسرت القرص رغم ذلك، وطحنته، ثم غسلته حتى صار وحلًا بلا شكل. بعدها فقط سمحت بعودة العمل. لم يحتفظ المركز بقطعة واحدة من الشحنة الرمادية، ولم يبقَ في الأفران أثر يحمل وجهًا أو يدًا أو اسمًا. وما أُعيد إلى الطين لم يُحرق ثانية. انتهى الأمر لأنهم لم يتركوا له جسدًا يجفّ فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9