ما حفظه الملح

ما حفظه الملح
وصلني التسجيل قبل أن أنطق الجملة التي يحتويها بثلاثة أيام. كان ملفًا صوتيًّا مدته إحدى عشرة ثانية، بلا اسم مرسل ولا عنوان. في بدايته تنفس متقطع، يتبعه احتكاك يشبه جر حقيبة فوق حصى، ثم جاء صوتي واضحًا، قريبًا من الميكروفون، يقول: «إذا سمعتموني من داخل الجدار، فلا تجيبوا». استمعت إليه خمس مرات. قارنت النبرة بتسجيلات محاضراتي، وبالملاحظات الصوتية التي أرسلها إلى نفسي حين تخطر لي فكرة في الطريق. لم يكن تقليدًا رديئًا ولا تركيبًا آليًّا ظاهرًا؛ كان صوتي بما فيه من بحة خفيفة عند حرف الحاء، وبالوقفة التي أتركها قبل الجملة الأخيرة حين أكون خائفًا وأحاول ألا أبدو كذلك. مسحت الملف، فعاد بعد دقيقة إلى صندوق الوارد. أغلقت الحاسوب، لكنه اشتغل وحده عند الثانية وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، وبدأ التسجيل من مكبراته. نزعت القابس من الجدار، وسكت الصوت. أقنعت نفسي أن زميلًا يمزح معي بسبب المهمة الجديدة التي أخبرتهم عنها: فحص منجم ملح مهجور قبل أن تحوله شركة «السديم» إلى مخزن تحت الأرض للوثائق والأجهزة الحساسة. بعد ثلاثة أيام كنت أقف أمام بوابة منجم القَفْر، على مسافة ساعتين من آخر بلدة مأهولة. لم يكن حوله سوى أرض بيضاء متشققة، وأعمدة كهرباء تنتهي عند السياج، ومبنى إداري منخفض أكل الصدأ أطراف نوافذه. أُغلق المنجم سنة 1994 بعد انهيار الحجرة الرابعة عشرة. مات أحد عشر عاملًا، وخرج سبعة مصابين، واختفى رئيس الوردية بَرّاق الحَدَري من دون أن يُعثر على جسده. تقول الرواية الرسمية إنه تسبب في الانهيار ثم هرب عبر الصحراء. كنت مهندسًا في تحليل الاهتزازات والصوت الصناعي. مهمتي قياس الفراغات خلف الجدران الملحية والتأكد من عدم وجود تشققات قد تتسع مع أجهزة التبريد الجديدة. رافقتني الدكتورة سُلاف الجابري، جيولوجية المشروع، وقَيْسان، مسؤول السلامة، ووَهْب، حارس الموقع الذي عمل في المنجم شابًّا ورفض أن يذكر عمره الحقيقي. عند البوابة الداخلية سلّمنا وَهْب خوذات المصابيح، ثم قال إنه لن ينزل بعد الغروب. سأله قَيْسان ضاحكًا: — تخاف الأشباح؟ أجاب وَهْب وهو يشد حزام خوذته: — أخاف الشيء الذي يتعلم أن يكون شبحًا. لم يشرح. قادنا إلى المصعد الحديدي، وأدار مفتاحه القديم. أثناء الهبوط كانت الجدران تمر أمام الشبك كصفحات بيضاء متسخة. انخفضت الحرارة، ثم ظهرت رائحة لا أتوقعها في منجم جاف: رائحة قماش مبلل تُرك طويلًا في غرفة مغلقة. في المستوى السادس امتدت الممرات كأضلاع هائلة. الملح تحت الضوء لم يكن أبيض تمامًا؛ تخللته خطوط رمادية وحمراء، وتلألأت حبيباته كعيون صغيرة تفتح وتغلق حين تتحرك الخوذ. ثبتُّ أول مجس اهتزاز على العمود الشرقي، وضرب قَيْسان الصخر بمطرقة مطاطية. أعاد الحاسوب رسم الصدى على هيئة موجات منتظمة. لم يكن في القياس شيء غريب، إلى أن نزعت سماعتي. استمر الطرق داخل أذني اليمنى. ثلاث طرقات، وقفة، طرقتان، ثم ثلاث. رفعت يدي كي يصمت الآخرون. سمعنا جميعًا النمط نفسه يخرج من العمود، مع أن المطرقة كانت على الأرض. اقترب وَهْب، ووضع راحته على الملح، ثم سحبها كأن السطح أحرقه. — نعود إلى الأعلى، قال. اعترضت سُلاف. شرحت أن طبقات الملح تنقل الضغط لمسافات بعيدة، وربما كانت شاحنة على الطريق أو قطعة معدن تتمدد في عمق الممر. طلبت مني تسجيل الإشارة وتحديد اتجاهها. أعدت السماعة إلى أذني، فسمعت بعد الطرقات همسًا ضعيفًا. لم أميز الكلمات أولًا. رفعت الحساسية، فنطق الصوت باسمي: — نَدْوان. كان صوت أختي. نزعت السماعة بعنف. لم أخبرهم من سمعت؛ قلت إن هناك تداخلًا لاسلكيًّا. نظر وَهْب إليّ طويلًا، ثم سألني إن كنت قد أجبت. هززت رأسي. عندها تنفس بارتياح لم أفهمه. أنهينا القياسات الأولى قبل الغروب وصعدنا. في المبنى الإداري نقلت الملفات إلى حاسوب مستقل لا يتصل بالإنترنت. كان تسجيل الطرقات موجودًا، لكن الهمس لم يظهر في الموجة. حين شغلته أمام سُلاف وقَيْسان سمعا طرقات فقط. أما أنا فسمعت أختي تناديني مرة أخرى، ثم تضيف جملة قالتها لي ونحن طفلان يوم اختبأتُ في خزانة وأغلق الباب عليّ: «اضرب مرتين حتى أعرف مكانك». ماتت أختي قبل تسع سنوات. لم يكن أحد في الموقع يعرف العبارة. خرجت إلى الساحة لأتنفس. كانت الشمس قد غابت، والملح على الأرض يعكس آخر الضوء بلون أزرق شاحب. وجدت وَهْب جالسًا قرب مولد الكهرباء، يصلح سلك مصباح يدوي. أخبرته بما سمعت. لم يبدُ متفاجئًا. قال إن عمال المنجم كانوا يسمون الحجرة الرابعة عشرة «الأذن». لم يكن الاسم مكتوبًا في الخرائط. قبل الانهيار بأشهر بدأ بعضهم يسمع أصوات أهله من خلف الأعمدة. في البداية عدّوها مزاحًا بين الورديات، ثم صار الصوت يقول أشياء لا يعرفها إلا من يسمعه. عامل سمع أمه المتوفاة تطلب منه فتح باب تهوية، وآخر سمع ابنه يبكي في نفق غير مستخدم. كل من أجاب صار يسمع النداء من مكان أقرب في المرة التالية. سألته: — ماذا حدث ليلة الانهيار؟ — سمع بَرّاق أصواتنا جميعًا من وراء الحجرة، مع أننا كنا واقفين خلفه. أمر بإخلاء المستوى. الإدارة رفضت؛ كانوا قد وجدوا تجويفًا كبيرًا وظنوا أن خلفه طبقة نقية. أغلق بَرّاق الباب المعدني من الداخل. بعد ساعة سقط السقف. — لماذا اتهموه بالهرب؟ — لأنهم لم يجدوا جسده، ولأن الشركة احتاجت إلى رجل واحد يحمل خطأها. عاد الطرق من تحت أقدامنا. هذه المرة كان واضحًا رغم ضجيج المولد: طرقتان فقط. لم أجب. لكن أصابع يدي تحركت على ركبتي بالحركة نفسها التي كنت أطرق بها باب الخزانة. أمسك وَهْب معصمي قبل أن تكتمل الضربة الثانية. قادني بعد ذلك إلى غرفة سجلات خلف المولد، نافذتها مطلية بالغبار ورفوفها منحنية تحت دفاتر الرطوبة والورديات. أخرج من صندوق معدني دفترًا أسود التصقت صفحاته بحبيبات الملح، وقال إنه كان لبَرّاق. لم يحتفظ به حبًّا في الأسرار؛ أخفاه لأن رجال الشركة جمعوا كل ما كتبه العمال بعد الحادث، ثم أعادوا إلى العائلات خوذًا فارغة وشهادات وفاة متشابهة. كانت ملاحظات بَرّاق في الصفحات الأولى عملية: ضغط الدعائم، انحراف المثاقب، أعطال المراوح. ثم بدأ الخط يضيق وتتكاثر تحته الدوائر. كتب أن النداء لا يقلد الموتى وحدهم، بل يبحث عن أكثر الأصوات قدرةً على فتح الطريق إليه. يختبر السامع أولًا بحقيقة خاصة، وحين يجيبه يربط صوته بأمر صغير: اقترب، المس الجدار، افتح الصمام. وفي هامش صفحة مؤرخة قبل الانهيار بأسبوع دوّن حادثة عامل سمع عبر الهاتف نداء إنقاذ بصوته هو، مؤرخًا في صباح اليوم التالي. حاول الرجل منع الحادث، فغيّر ورديته ونزل إلى ممر آخر، لكنه سقط في البئر التي خرج منها النداء. كتب بَرّاق: «لا يعرض المستقبل؛ يصنع فخًّا يشبهه حتى نمشي إليه». في الصفحة الأخيرة رسم أنابيب التهوية حول الحجرة الرابعة عشرة، ووضع دائرة حول الذراع الرئيسية في المستوى السادس. تحت الرسم جملة ممسوحة جزئيًّا: «تضعف النداءات حين يبقى الهواء جافًّا، وتقوى بعد أنفاس الوردية». سألته لماذا لم يسلّم الدفتر إلى المحققين. قال إن محقق الشركة قرأ منه صفحتين، ثم سأله إن كان بَرّاق يشرب أثناء العمل. فهم وَهْب أن القضية حُسمت قبل أن تبدأ. وأثناء كلامه، جاء من الرف المقابل صوت امرأة تقول له: «لا تكذب عليهم كما كذبت على أمك». تغير وجهه، لكنه لم يلتفت. أغلق الصندوق بعنف وأمرني ألا أسأل عمّا قصدته. أدركت أن ما في المنجم لم يكن يوقظ الذكريات عبثًا؛ كان يختار منها ما يجعل الصمت يبدو اعترافًا والجواب خلاصًا. في الصباح قلت لسُلاف إنني أريد إيقاف العمل. لم تضحك، ولم تسأل عن السبب. أخرجت من حقيبتها شريط تسجيل صغيرًا، قديمًا، داخل كيس شفاف. قالت إنه عُثر عليه العام الماضي في خزانة بمقر الشركة السابق، وإنه يحمل تاريخ ليلة الانهيار. شغّلته. بدأ بصوت رجال يتجادلون حول ضغط السقف، ثم جاء صوت بَرّاق يأمرهم بالصعود. بعد دقائق من التشويش ظهر همس جماعي يكرر أسماء لم يكن أي منها ضمن قائمة عمال سنة 1994. الاسم الأول كان سُلاف. الثاني قَيْسان. الثالث وَهْب. والرابع اسمي. أوقفت الجهاز. — اخترتِنا لأن أسماءنا كانت على الشريط؟ قالت إن مجلس الشركة أراد فريقًا يطابق التسجيل كي يختبر مصدره. لم يخبرونا خوفًا من رفض المهمة أو تأثر قراءاتنا. كانت مهمتنا الحقيقية الوصول إلى الحجرة الرابعة عشرة وفتح ثقب استكشافي في بابها الملحي. ثم اعترفت بأن الشريط لم يصل إلى الشركة مصادفة. أمها كانت تعمل في أرشيفها، وحين ماتت تركت صندوقًا من الأشرطة لم تجرؤ على تسليمه. سمعت سُلاف التسجيل أول مرة وهي في السابعة عشرة. بعد أن نطق الهمس اسمها، جاءها صوت أمها من الشريط وناداها بلقب طفولي لم تستعمله أمام أحد. ظلت أعوامًا تقنع نفسها بأن أمها سجلت مقطعًا آخر فوق الشريط، ثم فحصته في مختبرين خارج البلاد؛ كان الصوت مدفونًا في طبقة مغناطيسية واحدة، في موضع سُجل قبل ميلاد قَيْسان وقبلي بسنوات. لم تبحث الشركة عنا نحن؛ سُلاف هي التي فعلت. فتشت قواعد الموظفين والمتعاقدين حتى وجدت أسماءنا، ثم صاغت مشروع الفحص وقدمتنا بوصفنا فريقًا مناسبًا. قالت إنها لم تتوقع أن تصل إلينا الأصوات قبل فتح الحجرة، وإنها أرادت جوابًا واحدًا: هل عرفت الطبقة أسماءنا لأنها حفظت زمنًا لم يقع، أم لأن كل من يسمعها يُدفع في النهاية إلى تحقيق ما حفظته؟ شعرت بغضب بارد. لم تكن قد استدعت أربعة خبراء، بل جمعت أربع كلمات من نبوءة ووضعَتها في المصعد. سألتها إن كانت ستنسحب معنا الآن. نظرت إلى الشريط قبل أن تجيب، ففهمت أن الفضول الذي قادها إلينا لم يمت حين صار خطرًا. قالت إن معداتها التقطت نبضة كهربائية من الحجرة تتكرر كل اثنتين وثلاثين سنة، وإن ذروتها التالية ستكون عند الثانية وسبع عشرة دقيقة من تلك الليلة. إذا غادرنا قبلها، فقد ننتظر عمرًا كاملًا لفهم ما وقع. قال وَهْب إن الذين ماتوا سنة 1994 كانوا أيضًا ينتظرون قياسًا أخيرًا. ردت سُلاف بأنهم لم يعرفوا قاعدة الجفاف ولا نمط النبضة. فرفع الدفتر الأسود أمامها وقال إن المعرفة لا تصبح حماية لمجرد أننا كتبناها في تقرير. دخل قَيْسان في منتصف كلامها. كان وجهه شاحبًا، وفي يده جهاز الاتصال. قال إنه تلقى نداءً من المستوى السادس بصوت ابنته. كانت تقول إنها سقطت وتطلب منه النزول. أخرج هاتفه وأرانا رسالة وصلته من زوجته قبل دقيقة تؤكد أن الطفلة نائمة في بيتها. قال وَهْب: — الآن صار يعرف أصواتنا جميعًا. قرر قَيْسان المغادرة فورًا. حاول تشغيل سيارته، فلم يعمل المحرك. تعطلت سيارة سُلاف أيضًا، مع أن البطاريتين سليمتان. وجدنا أسلاك الإشعال مغطاة بطبقة رقيقة من بلورات الملح الرطبة، كأن ماءً مالحًا صُب عليها ثم جف خلال دقائق. الهاتف الفضائي لم يجد شبكة، وجهاز اللاسلكي لم يلتقط سوى تنفس بطيء. كان الطريق إلى البلدة طويلًا، والحرارة نهارًا قاتلة. اتفقنا أن نبقى داخل المبنى حتى تمر سيارة الإمداد صباح اليوم التالي. أغلقنا باب المصعد، ووضع قَيْسان سلسلة حوله. عند الظهيرة بدأت مكبرات الاتصال المثبتة في السقف تعمل وحدها. خرج منها صوت سُلاف: — افتحوا المستوى السادس. نَدْوان في الداخل. كانت سُلاف واقفة إلى جواري. تلاها صوتي: — لا تصدقوها. هي التي أحضرتنا. ثم جاء صوت قَيْسان وهو يبكي وينادي ابنته، مع أنه ظل صامتًا أمامنا. كانت الأصوات لا تكرر ما قلناه؛ كانت تعرض جملًا يمكن أن نقولها بعد دقيقة، وتضع بيننا احتمالات للخيانة. كلما نظر أحدنا إلى الآخر بشك، اختارت المكبرات ذلك الشك ومنحته صوتًا. نزعت أسلاك النظام من لوحة الكهرباء. سكتت المكبرات، لكن الهمس انتقل إلى مواسير الماء. أغلقنا الصنابير، فصار يأتي من فتحات التهوية. لم يكن الصوت بحاجة إلى جهاز؛ كان يحتاج فقط إلى تجويف يمر فيه الهواء. في الرابعة عصرًا اختفى قَيْسان. كانت السلسلة حول باب المصعد ما تزال مقفلة، والنوافذ محكمة بسبب الغبار. وجدنا خوذته قرب غرفة تبديل الملابس، وعلى المرآة أثر كف مبللة بالملح. من خلف الجدار سمعنا ابنته تصرخ: «أبي وجدني». بعدها جاء صوت قَيْسان هادئًا: — أنا في الحجرة الرابعة عشرة. افتحوا الباب. أمسك وَهْب مطرقة وكسر جزءًا من المرآة. خلفها كان هناك ممر خدمة ضيق لا يظهر في المخطط الحديث، ينحدر بمحاذاة أنابيب الكهرباء نحو المنجم. آثار حذاء قَيْسان طبعت الغبار، وبين كل خطوتين ظهرت طبعة قدم صغيرة حافية. أرادت سُلاف اتباعه. قلت إن الصوت يستدرجنا. أجابت أن قَيْسان رجل حقيقي اختفى، وأن انتظار الصباح قد يقتله. حملنا مصابيح وحبل إنقاذ وجهاز التسجيل القديم، ونزل وَهْب معنا لأنه الوحيد الذي يعرف الممر. لم يكن الممر طريقًا مباشرًا كما ظننا. أغلقته انهيارات قديمة ثلاث مرات، فاضطررنا إلى الزحف في فتحات تركتها مواسير نزعت منذ عقود، ثم العودة حين تقودنا آثار الحذاء إلى جدار صلد. كانت الطبعات الصغيرة تظهر في الأماكن التي يستحيل على طفل بلوغها: فوق أنبوب عند مستوى كتفي، وعلى سقف منخفض، وداخل رقعة ملح لم يمسس غبارها. كلما حسبنا أننا اقتربنا، سمعنا قَيْسان ينادينا من الخلف. منعنا وَهْب من الرد، واكتفى برسم سهم على الأرض عند كل منعطف حتى لا يقودنا الصوت في دائرة. توقفت ساعة يدي أثناء النزول، أما ساعة سُلاف فواصلت العمل. حين ظهرت غرفة المضخات أخيرًا، كانت تشير إلى الثانية وإحدى عشرة دقيقة بعد منتصف الليل. قالت إن النبضة ستبلغ ذروتها بعد ست دقائق. لم يكن أمامنا وقت لإنقاذ قَيْسان والانسحاب معًا؛ كان علينا أن نختار ونحن لا نعرف أيًّا من النداءات يخص رجلًا حيًّا. وصلنا إلى المستوى السادس من خلف غرفة المضخات. كان الضوء الرئيسي مطفأ، وأعمدة الملح ترد أنفاسنا من اتجاهات مختلفة. كلما نادينا قَيْسان جاءنا جوابه من جدار آخر. أرشدنا وَهْب إلى علامة حمراء باهتة على الأرض، ثم إلى ممر مسدود ببوابة معدنية غطاها الملح حتى بدت جزءًا من الجبل. على الباب وجدنا سترة قَيْسان معلقة من ياقة واحدة. كان جهاز اتصاله في جيبها، يبث صوت خطوات تبتعد، مع أن الممر ينتهي عند البوابة. أخرجت سُلاف مثقابًا محمولًا من صندوق الطوارئ. فهمت أنها أحضرته منذ البداية لفتح الثقب الذي طلبته الشركة. اعترض وَهْب ووقف أمامها. — بَرّاق أغلقه من الداخل كي لا يخرج النداء. قالت إن قَيْسان قد يكون خلف الباب، وإن لدينا حبلًا وأجهزة قياس. رد وَهْب بأن بَرّاق كان يملك رجالًا ومعدات أكثر، ومع ذلك اختار أن يُدفن. دفعت سُلاف يده وشغلت المثقاب. في اللحظة التي لامست فيها الريشة الملح، انطلقت من الباب مئات الأصوات دفعة واحدة. لم تكن صرخات؛ كانت محادثات عادية: امرأة تسأل عن الخبز، طفل يقرأ واجبه، رجل يساوم على أجرته، ممرضة تعلن ساعة وفاة. وسطها سمعت نفسي أنطق الجملة التي وصلتني قبل أيام: «إذا سمعتموني من داخل الجدار، فلا تجيبوا». عرفت أن لحظة التسجيل قد جاءت. رفعت هاتفي بلا وعي وقلت العبارة نفسها. عند انتهائها ظهر على شاشته ملف صوتي جديد مدته إحدى عشرة ثانية، ثم اختفى من الجهاز. لم يكن التسجيل قد وصل من المستقبل؛ نحن الذين أرسلناه، بطريقة لم أفهمها، إلى اللحظة التي سبقت نزولنا. صرخ وَهْب في سُلاف أن تتوقف، لكنها كانت قد صنعت ثقبًا بعرض الإصبع. اندفع منه هواء دافئ رطب، يحمل رائحة أنفاس بشرية محبوسة. انطفأت المصابيح كلها إلا مصباحي. ومن الثقب جاء صوت قَيْسان قريبًا: — لا توسعوه. أنا لست وحدي. ثم جاء الصوت نفسه من خلفنا. استدرنا. كان قَيْسان واقفًا عند أول الممر، بلا سترة ولا خوذة. سال الدم من جبينه، وبدت عيناه زائغتين. قال إنه استيقظ في غرفة المضخات ولا يعرف كيف وصل إليها. سألناه إن كان قد تكلم من خلف الباب، فهز رأسه. من داخل الحجرة ضحك صوته. تراجع قَيْسان وهو يتمتم باسم ابنته. رد الصوت من الثقب بالاسم نفسه، ثم قال عبارة جعلته يتجمد: «أنت وعدتني ألا تتركني في السيارة». شهق قَيْسان. علمنا لاحقًا أن طفلته حُبست خطأ في سيارته صيفًا قبل عامين، ونجت بعد دقائق، لكنه لم يخبر أحدًا في الشركة. مد يده إلى الثقب كأنه يستطيع انتزاعها منه. أمسكته، فدفعني بقوة. اقترب وَهْب ليعاونه، فانفتحت البوابة مقدار شبر. لم يحركها أحد. تساقط الملح عنها كقشرة جافة، وظهر في الفتحة ظلام كثيف لا يعكس ضوء المصباح. خرجت منه يد بيضاء. لم تكن يدًا من لحم، بل شكل يد نُحت من بلورات دقيقة، كامل الأصابع والأظافر وخطوط الكف. لمست معصم قَيْسان، فصدر من فمه صوت طفلته. نطق بهدوء: — وجدتك يا أبي. ثم اندفع عبر الفتحة قبل أن نمسكه. انغلقت البوابة وراءه. سمعنا ضربتين من الداخل، تمامًا كما وعدتُ أختي وأنا طفل، ثم ساد الصمت. جلست سُلاف على الأرض. سقط المثقاب من يدها، وظلت تكرر أنها لم تعرف، وأن الشريط لم يتضمن هذا. صرخ بها وَهْب أن الشركة عرفت ما يكفي كي ترسل أسماءً مسجلة قبل ولادة بعض أصحابها. لم تكن تريد فهم الظاهرة؛ كانت تريد معرفة هل يمكن استخدامها. مخزن يحفظ الأصوات قبل حدوثها أثمن عندهم من الملح. بدأت البوابة تنتفخ إلى الخارج. تشققت طبقتها البيضاء، وظهرت تحتها عشرات الخطوط كأن شيئًا يكتب بأظافره من الجهة الأخرى. قال وَهْب إن الانهيار القديم لم يغلق الحجرة وحده؛ أغلق أنابيب الهواء أيضًا. عندما حفرنا الثقب منحنا ما في الداخل نفسًا جديدًا. ركض إلى لوحة تهوية صدئة عند الجدار. كانت هناك ذراع حمراء تغلق المجرى الرئيسي، لكنها ثبتت في مكانها. ساعدته، ولم تتحرك. بدأت الأصوات تتسرب حولنا، لا من الثقب فقط، بل من الملح في السقف والأرض. سمعت أختي تقول إنها لم تمت، وإنها انتظرت تسع سنوات خلف الباب. كان جزء مني يعرف الكذب، وجزء آخر يفتش في نبرتها عن احتمال مستحيل. قالت: — اضرب مرتين حتى أعرف مكانك. رفعت يدي نحو الجدار. صفعتني سُلاف. لم تعتذر. أشارت إلى جهاز التسجيل القديم؛ كان الشريط يدور وحده إلى الخلف. خرج منه صوت بَرّاق، أبطأ من قبل، يكرر كلمة واحدة: «الجفاف». فهم وَهْب أولًا. الرطوبة التي خرجت من الثقب هي التي جعلت البلورات تنمو على الأسلاك وتنقل الصوت. كانت مضخات التجفيف القديمة في غرفة جانبية، لكنها تحتاج إلى المولد الاحتياطي. ذهب وَهْب لتشغيله، وبقيت أنا وسُلاف ندفع الذراع الحمراء. خلف البوابة أخذ قَيْسان يصرخ طالبًا النجدة، ثم تحولت صرخته إلى أصواتنا الثلاثة وهي تستغيث في وقت واحد. دار المولد. اهتز الممر، واندفع هواء ساخن عبر الأنابيب. تحركت الذراع أخيرًا. أغلقت المجرى، وبدأت الرطوبة تنخفض على شاشة القياس. اليد البلورية التي بقيت عالقة بين حافتي البوابة تصدعت، ثم سقطت أصابعها واحدة بعد أخرى وتحولت إلى مسحوق. لكن الباب لم ينغلق كاملًا. بقيت فجوة بعرض الكف. رأينا في الداخل ضوء مصباح قَيْسان يتحرك بعيدًا، ثم توقف عند هيئة رجل جالس إلى طاولة. كان الهيكل مغطى بقشرة ملح سميكة، وإحدى يديه فوق جهاز إرسال قديم. حوله امتدت من الجدران نتوءات مقوسة تشبه آذانًا بشرية بأحجام مختلفة. قال وَهْب إن الرجل هو بَرّاق. لم يهرب. بقي عند جهاز الإرسال يرسل تحذيره، ثم مات وهو يمسك مفتاح إغلاق الهواء. وبعد موته استمر شيء ما في استخدام صوته، ثم تعلم أصوات من اقتربوا، ثم أسماء من سيأتون. ثبتنا البوابة بسلسلة، ووضعنا عبوات التفجير التي كانت في خزانة الطوارئ لتدعيم الممرات. لم نستطع إنقاذ قَيْسان؛ ظل مصباحه ظاهرًا في العمق، لكن كلما ناديناه أجابنا من موضع مختلف. في النهاية سمعنا صوته يقول بهدوء إنه لا يريد الخروج. وبعده مباشرة كررت طفلته الجملة. أشعل وَهْب الفتيل وأمرنا بالركض. وصلنا إلى غرفة المضخات قبل الانفجار بثوانٍ. اندفع الغبار خلفنا، وانهار سقف الممر فوق البوابة. تكسرت المصابيح، وغرقنا في ظلام كامل. ووسط دوي الصخور، سمعت آلاف الأصوات تهمس باسمي للمرة الأخيرة، ثم انقطعت كأن بابًا هائلًا أُغلق داخل رأسي. خرجنا إلى السطح مع الفجر. كانت سيارة الإمداد عند السياج، ومحركا سيارتينا يعملان من المحاولة الأولى. لم يجد فريق الإنقاذ أثرًا لقَيْسان، ولم تسمح الشركة بتوسيع البحث بعد ظهور تصدعات جديدة. وقّعت سُلاف إفادة تعترف فيها بأنها أخفت الشريط وهدف المهمة. أما وَهْب فغادر الموقع ولم يعد إليه. قدمت تقريري إلى النيابة وإلى هيئة المناجم، وأرفقت التسجيلات والخرائط. بعد أسبوع أعلنت الشركة أن الانهيار نتج من «تدخل غير مصرح به» نفذه أفراد الفريق، ونفت وجود أي ظاهرة صوتية. أُغلق المدخل بالخرسانة، ووُضعت حوله لافتات خطر. صدق الناس أن قَيْسان مات تحت الأنقاض، وهي إجابة أرحم من أن نقول إن صوته ربما ما يزال يبحث عن فم. مرت ثلاثة أشهر من دون أن أسمع شيئًا. انتقلت إلى شقة جديدة، وتخلصت من هاتفي وحاسوبي وسماعاتي. لم أحتفظ حتى بساعة ذات منبه. كنت أنام والنافذة مفتوحة مهما اشتد البرد، لأن الغرف المغلقة صارت تبدو لي تجاويف تنتظر أن تتعلم التنفس. في ليلة شتوية استيقظت عند الثانية وسبع عشرة دقيقة. لم يكن هناك صوت في البداية، بل اهتزاز خفيف في الجدار قرب سريري. وضعت يدي عليه. كان الطلاء جافًا وباردًا، لكن تحت أصابعي أحسست حبيبات دقيقة تتحرك. ثلاث طرقات، وقفة، طرقتان، ثم ثلاث. ابتعدت. تشقق الطلاء في خط رفيع، وخرج منه مسحوق أبيض. لم تكن في المبنى أنابيب ملح، ولم أحضر من المنجم شيئًا. أقنعت نفسي أنه جبس قديم، إلى أن شممت رائحة القماش المبلل. جاء صوت أختي من داخل الجدار: — اضرب مرتين حتى أعرف مكانك. أغلقت فمي، وضغطت يدي إلى جانبي. انتظرت أن يكرر النداء، لكنه صمت. ظننت أنني انتصرت على الحنين الذي استخدمه ضدي. ثم جاء صوت آخر. كان صوتي، لكنه لم يقل التحذير القديم. قال جملة لم أسمعها من قبل: — لا يهم أن تجيب الآن. لقد أجبت يوم طرقتَ على ركبتك. نظرت إلى يدي. كان تحت ظفر السبابة غبار أبيض لا أعرف كيف وصل إليه. حاولت مسحه، فوجدت الجلد تحته قاسيًا وشفافًا عند الحافة. ومن داخل صدري، لا من الجدار، سمعت طرقتين صغيرتين. هذه المرة لم أكن أنا من حرّك أصابعي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9