المشاركات

الفقر يغيّر النفوس

صورة
أعادت نوال عدّ النقود في راحة يدها للمرة الثالثة، ثم رفعت عينيها نحو البائعة التي كانت تزن الطماطم خلف طاولة خشبية في السوق الشعبي. لم تكن تخشى أن يكون المبلغ ناقصًا هذه المرة، بل كانت تعرف أنه يزيد قليلًا على ما يفترض أن تتسلمه. كان الصباح مزدحمًا، والشمس تتسلل بين المظلات البرتقالية والخضراء، فيما تتحرك العربات المحملة بالخضراوات بين الممرات الضيقة. وقفت ابنتها البالغة من العمر ستة عشر عامًا إلى جوارها، تحمل كيسًا ورقيًا صغيرًا، وتنتظر أن تنتهي والدتها من الشراء. كانت البائعة المسنة قد أعادت إليها مبلغًا زائدًا عن طريق الخطأ. في الماضي، لم تكن نوال لتتردد لحظة في إرجاعه. لكنها هذه المرة أطبقت أصابعها على النقود، وفكرت في أجرة المواصلات التي تحتاجها ابنتها غدًا، وفي فاتورة الكهرباء المتأخرة، وفي الدواء الذي لم تشتره بعد. لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه بدا لها في تلك اللحظة أكبر من قيمته الحقيقية. نظرت إلى ابنتها، ثم عادت نحو الطاولة وأخبرت البائعة بالخطأ، وأعادت إليها النقود الزائدة. شكرتها المرأة وانشغلت بالزبون التالي. أما نوال، فواصلت السير دون أن تقول شيئًا. لم تكن فخورة بما ف...

درجة ناقصة

صورة
رأى وضّاح الدخان قبل أن يسمع الصرخة. كان يرتفع من قشر البرتقال الذي تركه على الصفيح الساخن، خيطًا رماديًا خفيفًا التف حول المصباح ثم انفرط قرب الشفاط. على بعد خطوتين منه، وضعت بَنان صندوق الفواتير أرضًا وهرعت إلى الموقد. نزعت الصفيح بقطعة قماش، وفتحت الباب الخلفي، ثم عادت تنظر إليه. قالت: «كل هذا الاحتراق وأنت واقف هنا؟» رفع يده إلى أذنه، كأن المشكلة في سمعه، ثم تذكر أنه لم يقل لها شيئًا. «كنت أفكر في عدد الطاولات.» لم تصدقه تمامًا، لكنها كانت تحمل من الحسابات ما يكفي لتؤجل الشك. أشارت إلى الصفيح الأسود وقالت إن تجربة الزينة المحروقة يمكن أن تنتظر إلى ما بعد توقيع العقد. تركته وذهبت إلى مكتب القاعة، فيما ظل يتابع الدخان الخارج إلى الممر. لم يجد في الهواء شيئًا. حتى البصل الذي كانت شكْرية تقطعه في الحجرة المجاورة لم يصل إليه منه إلا صوت السكين. مد يده إلى برتقالة سليمة، خدش قشرتها بظفره، ورفعها إلى أنفه. تذكر الرائحة بدقة أزعجته: الاندفاعة الحادة أولًا، ثم الحلاوة التي تبقى على الأصابع. كانت الذكرى واضحة إلى حد جعله ينتظر أن يتبعها الإحساس. لم يتبعها شيء. أعاد البرتقالة إلى ال...

لا تقارن حياتك

صورة
في مغسلةٍ ذاتية الخدمة عند طرف المدينة، جلس سامر ينتظر انتهاء دورة الغسيل، وقد وضع إلى جواره سلةً مليئة بملابس العمل. كان المكان بارد الإضاءة، تتردد فيه أصوات الغسالات المعدنية وهي تدور بإيقاع ثابت، بينما انشغل هو بهاتفه، يقلب صورًا نشرها صديق قديم من رحلة إلى جزيرة بعيدة. صورة أمام البحر. أخرى أمام فندق فاخر. عشاء مضاء بالشموع. ابتسامات تبدو بلا نقص. أغلق سامر الهاتف، ثم نظر إلى قميصه المعلّق على طرف السلة، وإلى العملات المعدنية التي جمعها قبل قليل لتشغيل المجفف. لم يحدث شيء سيئ في حياته في تلك اللحظة، ومع ذلك شعر فجأة بأن حياته أصغر مما ينبغي. قبل دقائق فقط، كان راضيًا لأنه أنهى أسبوعًا متعبًا من العمل، وسدد فاتورة كانت تؤرقه، واشترى لابنته الحقيبة التي طلبتها للمدرسة. لكن بضع صور جعلت كل ذلك يبدو عاديًا، بل ناقصًا. هذا ما تفعله المقارنة في كثير من الأحيان: لا تنتظر حتى تسوء حياتنا، بل تدخل إلى يوم طبيعي، ثم تعيد ترتيب معناه في رؤوسنا. نحن لا نقارن الأشياء المتشابهة دائمًا. نقارن تعبنا بلحظة راحة عند شخص آخر، وبداياتنا بنتائج وصل إليها غيرنا بعد سنوات، وأيامنا العادية بصور اختا...

الحبر الأخير

صورة
حين فقد الباب اسمه، لم يسقط من مفصلاته ولم يتشقق خشبه؛ صار أملس فحسب، كأن أحدًا مسح منه فكرة الدخول والخروج. وقفت مَيْسان أمامه تحمل صندوق أدوات التجليد، ومدّت يدها إلى المقبض النحاسي. كانت تعرف هذا الباب منذ طفولتها. خلفه مخبز العم نُبهان، حيث تتعلق رائحة السمسم بثياب العابرين، وحيث كان أخوها الصغير يبادل رسمةً برغيف ساخن كل خميس. لكنها عندما ضغطت المقبض لم تجد مقاومة، ولم ينفتح شيء. مرت كفها خلال الخشب الباهت، ثم خرجت من الجهة الأخرى باردة ومرتعشة. قال نُبهان من الداخل: «من هناك؟» أجابته، لكنه لم يعرف صوتها. وبعد لحظات نسي أنه سأل أصلًا. رفعت ميسان عينيها إلى اللوحة الصغيرة فوق المدخل. كان اسم المخبز محفورًا عليها صباح أمس. الآن لم يبقَ سوى مستطيل أبيض. وعلى امتداد زقاق السُّدُف، أخذت الأشياء تفقد أسماءها واحدًا بعد آخر: مصباح بلا رقم، نافذة لا يتذكر ساكنها لأي غرفة تطل، بئر ينظر الناس إلى مائه ولا يعرفون ما الذي يُفعل به. في مدينة نُسُق، لم تكن الأسماء زينة. كل شيء يوجد ما دام مكتوبًا في «السِّفر الأم» المحفوظ تحت دار القيّمين. البيوت، الأزقة، المهن، الولادات، حتى الجسور التي ...

الشك يفسد العلاقات

صورة
على الطاولة الخشبية، بقي فنجان القهوة الأبيض دون أن يلمسه أحد. كان ضوء المصباح يملأ غرفة الجلوس بدفء هادئ، لكن الحديث بين مازن وزوجته رُبى أخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا. جلس مازن على طرف الأريكة، يحمل هاتفه ويعرض صورة ظهرت أمامه مصادفة، بينما أسندت رُبى وجهها إلى يدها، ونظرت بعيدًا عنه كأنها تحاول العثور على طريقة تنهي بها نقاشًا لم تتوقع أن يبدأ. كانت الصورة تجمع عددًا من زملائها في العمل خلال حفل وداع موظفة انتقلت إلى مدينة أخرى. لم يكن في المشهد ما يثير الريبة بحد ذاته، لكن مازن توقف عند تفصيل واحد: كانت زوجته قد أخبرته في ذلك اليوم أنها ستغادر العمل مباشرة إلى المنزل، ولم تذكر شيئًا عن الحفل. سألها لماذا لم تخبره. أجابته بأنها بقيت عشر دقائق فقط، وأن المناسبة كانت عفوية ولم تخطط لحضورها. لم يقنعه الجواب. بدأ يسأل عن الأشخاص الموجودين في الصورة، وعن سبب وقوفها بجوار أحد زملائها، وعن الوقت الذي التُقطت فيه. ثم انتقل إلى أسئلة أخرى لا تتعلق بالصورة مباشرة، لكنها كانت تتجمع في ذهنه منذ مدة. لم تكن المشكلة في الأسئلة وحدها، بل في الطريقة التي طُرحت بها. فقد بدا مازن كأنه يعرف الإجاب...

جوع الكالسيوم

صورة
ظهر السن الأول في قالب لا يخص فمًا حيًا. وجدته سُمية الباسل عند السابعة مساءً، حين رفعت نصف الفك الجصي من جهاز المسح. كان القالب مخصصًا لمريض فقد ضرسه السفلي الأيسر؛ تجويف الخلع ظاهر في طبعة السيليكون، والسن البديل مرسوم في الطلب الإلكتروني. لكن من قلب التجويف خرج نتوء أبيض أملس، لا يشبه حبة الجص ولا فقاعة الهواء. انحنت سُمية تحت المصباح، وخدشته بأداة معدنية. صدر صوت قاسٍ رفيع. عاج حقيقي. وقفت وحدها في قسم النماذج بمختبر «السنابل» لتركيبات الأسنان. خلف الزجاج كانت آلات الطحن الصغيرة تدور داخل حجيراتها، وفي الغرفة المجاورة أضاءت الطابعات ثلاثية الأبعاد بألوان خضراء ساكنة. انتهت الوردية النهارية قبل ساعة، وبقي معها ماهر، فني التلميع، في آخر الممر، ورَكان صاحب المختبر داخل مكتبه. نادتهما. جاء ماهر أولًا، يمسح غبار السيراميك عن ساعديه. أخذ القالب وقربه من وجهه. قال: «جزء من سن المريض انكسر داخل الطبعة.» «التجويف كان فارغًا عندما صببته.» «ربما علق في السيليكون ولم تريه.» أرته الطبعة السالبة. مكان الضرس غائر ونظيف، ولا أثر لقطعة مكسورة. وصل رَكان وهو يغلق أزرار سترته. كان في الخمسي...

السعادة في التفاصيل

صورة
لم تلاحظ نائلة الفراشة الصفراء التي حطّت على أصغر أصيص في سوق الزهور. كانت منشغلة بمراجعة الطلبات، وحساب تكاليف الشحن، والتفكير في المحل الأكبر الذي تحلم بافتتاحه منذ سنوات. مرّت الفراشة أمامها مرتين، ثم استقرت على زهرة وردية لم تتفتح أوراقها كلها بعد. وحين رفعت نائلة رأسها أخيرًا، لم يكن السبب جمال المشهد، بل صوت امرأة مسنّة توقفت أمام الأصيص وقالت مبتسمة: «ما أجمل أن نجد شيئًا يفرحنا دون أن نبحث عنه». لم تفهم نائلة في البداية لماذا بقيت تلك العبارة في ذهنها طوال النهار. فالمرأة لم تقل شيئًا استثنائيًا، ولم تمنحها نصيحة عميقة، لكنها لفتت انتباهها إلى أمر كانت قد نسيته وسط انشغالها المستمر: أن الحياة لا تتوقف عن تقديم لحظاتها الجميلة لمجرد أننا مشغولون بالوصول إلى مكان آخر. كانت نائلة تحب عملها، ولم يكن طموحها عيبًا. أرادت توسيع مشروعها وتحسين دخلها وتأمين مستقبل أكثر استقرارًا. غير أن أحلامها الكبيرة بدأت تستحوذ على حاضرها كله، حتى أصبحت تنظر إلى أيامها باعتبارها مراحل انتقالية لا تستحق الاحتفاء. كل صباح مجرد خطوة نحو المحل الجديد، وكل عملية بيع رقم يضاف إلى المبلغ المطلوب، وكل مسا...