حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
درجة ناقصة
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
رأى وضّاح الدخان قبل أن يسمع الصرخة.
كان يرتفع من قشر البرتقال الذي تركه على الصفيح الساخن، خيطًا رماديًا خفيفًا التف حول المصباح ثم انفرط قرب الشفاط. على بعد خطوتين منه، وضعت بَنان صندوق الفواتير أرضًا وهرعت إلى الموقد. نزعت الصفيح بقطعة قماش، وفتحت الباب الخلفي، ثم عادت تنظر إليه.
قالت: «كل هذا الاحتراق وأنت واقف هنا؟»
رفع يده إلى أذنه، كأن المشكلة في سمعه، ثم تذكر أنه لم يقل لها شيئًا.
«كنت أفكر في عدد الطاولات.»
لم تصدقه تمامًا، لكنها كانت تحمل من الحسابات ما يكفي لتؤجل الشك. أشارت إلى الصفيح الأسود وقالت إن تجربة الزينة المحروقة يمكن أن تنتظر إلى ما بعد توقيع العقد. تركته وذهبت إلى مكتب القاعة، فيما ظل يتابع الدخان الخارج إلى الممر.
لم يجد في الهواء شيئًا.
حتى البصل الذي كانت شكْرية تقطعه في الحجرة المجاورة لم يصل إليه منه إلا صوت السكين. مد يده إلى برتقالة سليمة، خدش قشرتها بظفره، ورفعها إلى أنفه. تذكر الرائحة بدقة أزعجته: الاندفاعة الحادة أولًا، ثم الحلاوة التي تبقى على الأصابع. كانت الذكرى واضحة إلى حد جعله ينتظر أن يتبعها الإحساس.
لم يتبعها شيء.
أعاد البرتقالة إلى الصندوق، وغسل يديه طويلًا. لم يكن محتاجًا إلى الغسل، لكنه كان محتاجًا إلى عمل يعرف متى يبدأ ومتى ينتهي.
قبل ثلاثة أسابيع، بعد انقضاء الحمى، انتبه إلى أن القهوة التي يشربها كل صباح تشبه ماءً مرًّا. ظن أن المورد غيّر الحبوب. أعاد كيسين، ووبخ الشاب الذي أحضرهما، ثم جرّب قهوة من مقهى آخر فلم يجد فرقًا. في العيادة، سأله الطبيب متى لاحظ التغير، وماذا بقي قادرًا على تمييزه. أجاب عن الأسئلة بصوت مهني، كما يجيب موردًا يسأله عن المخزون، وخرج بموعد متابعة لا بوعد بالشفاء.
احتفظ بالورقة في درج سيارته.
في مطبخ قاعة السارية، لم يعرف أحد.
كان اسمه مطبوعًا على بطاقات التذوق التي أعدتها بنان: قائمة وضّاح الموسمية. تحت الاسم صورة له وهو يميل فوق طبق، وعيناه نصف مغمضتين. لم يحب الصورة حين التقطوها؛ رأى فيها رجلًا يمثل على الجمهور لذة لا تحتاج إلى كل هذا التمثيل. الآن صار ينظر إليها كما ينظر إلى شاهد يحتفظ بما قاله صاحبه في ساعة طيش.
منذ سبعة وعشرين عامًا وهو يعمل في المطابخ. بدأ عند حوض الغسل، ثم انتقل إلى تقشير الخضار، وبعدها إلى المقالي والصلصات. حفظ المقادير بيده قبل أن يحفظ أسماءها. كان يستطيع أن يدخل غرفة التحضير ويعرف أن أحدهم أخرج الزبدة قبل موعدها، أو أن اللحم لم يأخذ وقت الراحة الذي أمر به. لم تكن معرفته سحرًا؛ كانت سنوات من الانتباه، لكنه ترك الناس يسمونها موهبة حتى صدق أن الفرق بينه وبين غيره عضو إضافي لا يملكونه.
وحين اختفى ذلك العضو غير المرئي، استمر في ارتداء المريلة نفسها.
دخلت شكْرية تحمل وعاء البصل، وأغلقت الباب بكعبها. كانت صاحبة القاعة منذ زمن يسبق مجيئه إليها، لكنها لا تجد في الملكية سببًا يمنعها من تقطيع عشر بصلات إذا تأخر العامل المختص. نظرت إلى الصفيح المتفحم، ثم إليه.
«بنات أختي يردن كل شيء مدخنًا هذه الأيام. حتى اللبن لو سمحنا لهن.»
قال: «هذه زينة، لا طعام.»
«إذن خسارتها قليلة.»
وضعت الوعاء، ورفعت قطعة برتقال، شمّتها، ثم ألقتها في سلة الفضلات. كان فعلها عابرًا ومطمئنًا، كتحريك كتف سليم أمام رجل يؤلمه كتفه. أراد أن يسألها عما وجدت، عن مقدار المرارة في الرائحة، لكنه اكتفى بطلب صندوق جديد.
في الخارج، كان العمال ينقلون الكراسي إلى المخزن. القاعة تستعد لتجربة تذوق يوم الاثنين، يشارك فيها وفد من شركة تنظم لقاءات مهنية طوال العام. إن حصلت السارية على العقد، امتلأت أيامها الهادئة بين الأعراس. شكْرية تحتاجه لتسدد أقساط أجهزة التبريد الجديدة، وبنان تحتاج انتظام الحجوزات لتتوقف عن تقسيم أجور العاملين إلى دفعتين، أما وضّاح فكان يحتاجه لسبب لم يشأ الاعتراف به: ليثبت أن ما فقده لم ينتزع منه مكانه.
بعد عشرة أيام سيقيمون عرسًا لثلاثمئة وعشرين مدعوًا. وقبل العرس، سيصور فريق إعلاني بعض التحضيرات. تتقدم صورته الإعلان، ويتقدم اسمه القائمة، ويقف وراء الاثنين الآن رجل يشم الفراغ.
في نهاية النهار، عندما انصرف الجميع، فتح الثلاجة الكبيرة. أخرج علبًا صغيرة ورتبها أمامه: خردل، نعناع، ثوم مهروس، ثمرة ليمون مشقوقة. قرأ الملصقات قبل أن يرفع الأغطية، فاكتشف أن معرفته بما تحتويه تدفعه إلى تخيل ما ينبغي أن يحسه.
أغمض عينيه وخلط أماكنها.
من خلفه قال صوت: «هل تبحث عن شيء؟»
كان رُكين، العامل الذي يغسل الأواني وينظف المصارف بعد انتهاء الوردية. في الخامسة والعشرين، طويل الذراعين، قليل الكلام داخل المطبخ. لم يخفِ سماعته في جيبه بسرعة كعادته؛ ظل واقفًا عند الباب ممسكًا بالممسحة.
قال وضّاح: «أتأكد من الصلاحية.»
نظر ركين إلى الليمونة، ثم إلى الخردل. «كلها فُتحت اليوم.»
«أعرف.»
لم يتحرك الشاب. خلع قفازه المطاطي، والتقط غطاء إحدى العلب من الأرض. ناوله إياه دون أن يسأل شيئًا آخر.
كان ذلك الصمت، أكثر من أي سؤال، ما جعل وضّاح يقول: «القهوة عندك طبيعية؟»
أجاب ركين بعد لحظة: «مرة قليلًا. كالعادة.»
أعاد وضّاح العلب إلى الثلاجة، واحدة واحدة، تاركًا الليمونة وحدها على الطاولة. نظر إلى الوجه الهادئ قبالته، وفكر أن الاعتراف لشخص لا سلطة له أقل خطرًا من الاعتراف لمن يستطيع اتخاذ قرار بشأنه.
قال: «حاسة الشم عندي متوقفة منذ المرض.»
لم يظهر على ركين ذلك الذعر الذي كان يتوقعه. سأل فقط: «وبنان تعرف؟»
«لا.»
«وشكْرية؟»
«قلت لك لا.»
تحسس الشاب طرف الممسحة، ثم تركها تستند إلى الحائط. في الخارج بدأت سيارة النقل ترجع إلى الوراء، يصحبها صفير متقطع. انتظرا حتى سكت.
قال وضّاح: «أحتاج شخصًا يتذوق معي. أيامًا فقط، إلى أن تتحسن الأمور.»
كان ركين قد طلب، قبل شهرين، أن يجرب العمل في قسم التحضير ساعتين كل أسبوع. أحال وضّاح طلبه إلى وقت أقل ازدحامًا، ثم نسيه. تذكر ذلك الآن، وتذكر أنه لا يعرف أصلًا إن كان الشاب يجيد أكثر من إعداد غدائه.
سأله: «هل تطبخ؟»
لم يبتسم ركين. قال: «منذ مدة.»
«أقصد جيدًا.»
«لن تعرف إذا لم تدعني أفعل.»
قطع وضّاح شريحة من الليمونة ووضعها على لسانه. شعر بالحموضة تملأ فمه، وباللعاب يتجمع تحت لسانه. هذا بقي له. كان يمسك بذلك الإحساس البسيط كما يمسك رجل حافة طاولة في غرفة تميل.
قال: «تعال غدًا قبل الآخرين بنصف ساعة.»
سأله ركين: «وعملي عند الحوض؟»
«نتدبره.»
خرج الشاب بعد أن أعاد ارتداء القفاز. بقي وضّاح في المطبخ حتى انطفأ مصباح الممر آليًا، ثم قام فعاد الضوء. لم يكن قد قرر أن يكذب على الجميع. هكذا قال لنفسه وهو يقفل الثلاجة. كان يؤجل خبرًا سيصبح، إذا انتظر قليلًا، خبرًا قديمًا لا يستحق أن يزعج به أحدًا.
جاء ركين في الموعد، يحمل علبة بلاستيكية داخل كيس قماشي. أخرج منها أرزًا باردًا وقطع باذنجان صغيرة وملعقة معدنية لفها بمنديل. اعتذر عن بساطة الطعام، ثم تراجع عن اعتذاره حين رأى وضّاح يمد يده.
كان الأرز مفلفلًا، والباذنجان محتفظًا بشكله، وفي القاع حموضة لطيفة. أحس وضّاح بملوحة محسوبة وباختلاف القوام، أما بقية الطبق فكان منطقة لا يصل إليها. انتظر ركين رأيه.
قال: «لماذا وضعت الحامض مبكرًا؟»
«لم أضعه مبكرًا.»
«إذن لماذا هذا الطعم؟»
«هذه هي الوصفة.»
كان أول حوار حقيقي بينهما عن الطبخ، وقد حوّله وضّاح خلال ثوان إلى امتحان يريد أن يخرج منه المعلم. تنبه إلى ذلك، فوضع الملعقة.
«صفه لي.»
قال ركين: «فيه كمون قليل. الباذنجان محمّر وليس مدخنًا. الحموضة من دبس الرمان، والزيت أقل مما يحتاجه لو كنا سنأكله ساخنًا.»
سأل وضّاح عن الترتيب، والوقت، وكيف عرف أن الأرز برد بما يكفي قبل إغلاق العلبة. أجاب الشاب بلا استعراض. كان يعمل سابقًا في مطعم صغير يقدم غداءً للموظفين، ثم أغلق صاحب المطعم بعدما انتقل إلى مدينة أخرى. وجد وظيفة الغسل هنا أسرع مما وجد وظيفة طبخ، وبقي لأن الأجر، على تأخره، يصل.
أمضيا نصف الساعة في الصلصة التي ستقدم مع الدجاج في تجربة الاثنين. ذاق ركين، ثم قال إن المرارة زائدة. زاد وضّاح قليلًا من السائل، وسأله مرة أخرى. قال الشاب إن المشكلة ليست في التركيز، بل في أول دفعة من البصل.
رفع وضّاح الغطاء. لم يجد سوى البخار الساخن على وجهه.
«لنرمها إذن.»
تردد ركين. «يمكن أن نبدأ بنصف الكمية. لا نحتاج أكثر للتجربة.»
كان اقتراحًا اقتصاديًا بسيطًا. ومع ذلك ضاق وضّاح به، لأنه صدر عن العامل الذي كان يأمره بالأمس بتنظيف حواف الحوض. حدد له الكمية بصوت حاد، ثم اعتذر عن حدته بطريقة ملتوية: أحضر له مريلة نظيفة من الخزانة.
حين وصلت بنان وجدتهما يعملان معًا. رفعت حاجبها، ثم قالت إن هذا أحسن خبر سمعته منذ أسبوع. طلبت من ركين أن يرسل لها ساعات العمل الإضافية، فأسرع وضّاح يقول إنهما يجربان وصفة لا أكثر.
نظر إليه الشاب، ولم يصححه.
يوم الاثنين، جلس الوفد إلى طاولة طويلة قرب النافذة المطلة على ساحة التحميل. لم يكن في منظرها شيء يصلح للإعلانات، لذلك طلبت بنان إنزال الستارة إلى منتصف الزجاج. بقيت أقدام العمال ظاهرة تحتها، تتحرك وراء رؤوس الجالسين على مستوى غريب.
أعجبتهم المقبلات. سألوا عن إمكان تقديم خيارات أقل دسمًا، وعن زمن الخدمة، وعن التعامل مع الطلبات الغذائية الخاصة. أجابت بنان بالأرقام، وأجاب وضّاح بالأطباق. كان ركين يقف خلف الباب المتأرجح، يتذوق كل دفعة قبل خروجها.
عند الطبق الرئيسي، طلبت إحدى السيدات مقابلة من أعد الصلصة.
نهض وضّاح.
قالت إن فيها حموضة جميلة لا تغطي الدجاج، وسألته عن مكونها. أجاب باسم المكون، ثم أضاف حكاية قديمة عن تعلّم ضبطه في أول مطعم عمل فيه. كانت الحكاية صحيحة، لكن النسبة التي أعجبتها لم تكن له. عدّلها ركين صباحًا بعد ثلاث محاولات، وهو يمسك ورقة صغيرة كتب عليها المقادير.
من فتحة الباب، رأى وضّاح الشاب يعيد الصينية الفارغة إلى الطاولة.
لم يحدث شيء كبير. لم تسقط ملعقة، ولم يغادر أحد غاضبًا. استمر التذوق، وطلب الوفد عرضًا مفصلًا، وقالوا إنهم سيحضرون جزءًا من خدمة العرس قبل اتخاذ قرار نهائي. صافحوه وأخذوا بطاقته. حين عاد إلى المطبخ وجد الورقة الصغيرة بجانب الموقد، وعليها بقعة زيت حوّلت أحد الأرقام إلى شكل غير واضح.
سأل ركين: «ما الرقم هنا؟»
أجاب الشاب: «ثمانون.»
«اكتبه من جديد.»
«هل أحصل على نسخة من القائمة؟»
لم يفهم وضّاح أولًا.
قال ركين: «نسخة فيها عملي. إذا قدمت إلى وظيفة تحضير، يسألونني ماذا كنت أفعل هنا.»
أجابه أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذه الرسمية، وأنه سيتكلم بنفسه مع أي صاحب مطعم يسأله. كان يعرض عليه خدمة، ويريد منه أن يشعر بالامتنان لها.
مسح ركين يديه، وقال: «أفضل ورقة.»
في المساء جلست بنان مع وضّاح في المكتب. وضعت أمامه مسودة الجدول الجديد: شخص إضافي للغسل، ساعتان يوميًا لركين في التحضير، وأجر مختلف للساعات التي يعملها قرب الموقد.
قال: «العقد لم يأتِ بعد.»
«لكنه يعمل الآن.»
«كلنا نفعل أكثر من وصفنا الوظيفي.»
أشارت إلى اسم الشاب في الجدول. «أستطيع حساب ما يفعله. هذا عملي.»
كانت بنان أصغر منه بعشرين عامًا تقريبًا، وقد دخلت القاعة في الأصل لتراجع حساباتها المتراكمة. خلال أربع سنوات، صارت تعرف أين تتعطل ليلة كاملة بسبب عشر دقائق ضائعة، وأي وعد يقدمه الطاهي للزبون يعني عملًا إضافيًا لثلاثة أشخاص. لم تكن ترفع صوتها كثيرًا؛ تترك الأرقام على المكتب، ثم تنتظر أن يعترف الآخر بوجودها.
دفع وضّاح الورقة بعيدًا. «بعد العرس نتحدث.»
لم تجادل. طوت الجدول، وقالت إن ركين سيعمل في التحضير صباحًا، وفي الغسل بعد الظهر، إلى أن توافق شكْرية على البديل. لم تطلب إذنه. أدرك أنه إذا اعترض فعليه أن يشرح لماذا يحتاج الشاب دائمًا قريبًا منه، فسكت.
في الأيام التالية، أصبح بينهما نظام لا يراه الآخرون كاملًا. يضع ركين ملعقة نظيفة على طبق صغير، يتذوق، ثم يذكر ثلاث ملاحظات قصيرة. يقرر وضّاح التعديل، ويعيد الشاب الاختبار. كتب وضّاح المقادير التي كان يحتفظ بها في رأسه، لكنه أخفى الأوراق كلما دخل أحد.
في إحدى المرات قال ركين: «لو كانت أمامنا لما اضطررت أن أسألك كل مرة.»
أجابه: «حين تتعلم ستعرفها.»
قال الشاب: «أنا أريد أن أعرفها قبل أن أخطئ.»
لم يكن ركين عبقريًا ينتظر من يكتشفه. أبطأ في التقطيع، وأفسد دفعة من الخضار لأنه جمع نوعين يختلف وقت نضجهما، وارتبك حين طلب منه ثلاثة أشخاص أشياء في اللحظة نفسها. غير أنه كان يسأل حين يشك، وهذه خصلة أخذ وضّاح يكرهها فيه ويحتاج إليها معًا.
ذات ظهر، خرج الشاب لإحضار صوانٍ، فدخل عامل التحضير وسأل عن الوعاء الذي سيستخدمه للتتبيلة. أجابه وضّاح دون أن ينظر، ثم مد العامل إصبعه يشير إلى وعاء آخر.
«هذا مرق الخضار.»
توقف وضّاح. كان قد قرأ الملصق الملتصق بالغطاء، لا الملصق الموجود على الوعاء. أحدهم بدّل الغطاءين عند الغسل. صحح اختياره، ووبخ العامل على ارتباك ترتيب الطاولة، ثم خرج إلى الساحة.
لحق به ركين بعد دقائق.
قال: «نستطيع تمييز العلب بألوان أيضًا.»
التفت إليه وضّاح. «أخبرتك أن الأمر مؤقت.»
«لم أقل إنه دائم.»
«لكنك تتصرف كأنني لن أستطيع العمل وحدي مرة أخرى.»
وقف ركين يحمل الصواني بين ذراعيه. قال بهدوء لم يخفِ تعبه: «وأنت تتصرف كأن عملي كله أن أجعلك تبدو وحدك.»
لم يجد وضّاح ردًا سريعًا. أشعل سيجارة لم يكملها، ثم أطفأها في علبة الرمل عند الباب، وترك الشاب يعود إلى المطبخ قبله.
في الأربعاء، جاء فريق التصوير. نصبوا مصباحين أمام طاولة التحضير، وطلبوا من وضّاح أن يرفع غطاء القدر ويتنفس بعمق، ثم ينظر إلى الكاميرا بابتسامة صغيرة.
فعل ذلك مرة.
قال المصور إن البخار غطى وجهه.
فعلها ثانية.
في المرة الثالثة، تحرك ركين خلفه وهو يحمل كيس بطاطا، فطلبوا منه الخروج من الإطار. اعتذر ووضع الكيس عند الحائط. بقي في المكان الذي لا تصل إليه الإضاءة، ينتظر أن يفرغوا كي يستطيع المرور.
قالت بنان من عند الباب: «نريد لقطة للفريق أيضًا.»
رد المصور بأن الإعلان قائم على اسم الطاهي، وأن صورة جماعية يمكن أن تضعف الفكرة. فتحت بنان فمها، لكن وضّاح سبقها بالموافقة. لم يكن يفكر في الشاب تلك اللحظة، بل في المبلغ الذي دفعته شكْرية، وفي عشرين ثانية من الفيديو ستثبت أن رجل الصورة ما زال موجودًا.
بعد التصوير، جاء ركين بورقة ساعات عمله. كانت مرتبة بدقة، وفي أسفلها طلب انتقال إلى قسم التحضير اعتبارًا من الشهر التالي، مع بقاء فترة تجربة يحددونها. قرأ وضّاح الطلب واقفًا، ثم قال إن الوقت غير مناسب.
«متى يناسب؟»
«لا أعرف. بعد أن تستقر الحجوزات.»
«عندي عرض في مكان آخر. عمل تحضير، ليس غسلًا.»
نظر إليه وضّاح للمرة الأولى منذ بداية الحديث. سأل عن المكان والأجر، ثم قال إن المطعم الآخر يستغل حاجته إلى لقب وظيفي. لم يكن يعرف صاحب المطعم ولا ظروف العمل فيه، لكنه تحدث بثقة من يعرف.
قال ركين: «سأكمل العرس كما اتفقنا. أحتاج بعدها جوابًا.»
ألقى وضّاح الورقة على الطاولة. «لم أتوقع أن تحول يومين قرب الموقد إلى وسيلة ضغط.»
احمر وجه الشاب. «ليست يومين.»
«تعرف ما أقصده.»
«وأنت تعرف ما أقصده أنا.»
دخلت شكْرية عند آخر الجملة. التقطت الورقة، وقرأت الساعات، وسألت إن كانت دُفعت. قالت بنان، التي وصلت وراءها، إن الدفعة ستخرج مع أجور الخميس، وإن الباقي يحتاج قرارًا. طلبت شكْرية من ركين أن يترك لها نسخة من العرض الآخر إن أراد مقارنتهما، وأعادت الورقة إليه دون وعد.
حين خرج، التفتت إلى وضّاح.
«ماذا يجري؟»
تكلم عن استعجال الشباب، وعن الفرق بين تحضير طبق واحد وإدارة ثلاثمئة طبق. أنصتت، ثم سألته لماذا صار يطلب تبديل القهوة والبهارات والزيت من موردين لم تتغير منتجاتهم. كانت فواتير المرتجعات عندها، كما كانت عندها الشكوى التي نقلتها بنان عن الغطاءين.
أحس للمرة الأولى أن صمته لم يبقَ ملكه.
قال: «لا أشم.»
انتظرت شكْرية بقية الجملة. لم تأتِ.
جلس على كرسي منخفض قرب أكياس الأرز. روى لها ما حدث بعد الحمى، والزيارة، والانتظار، واتفاقه مع ركين. لم يقل إنه كان خائفًا. راح يعدد الأشياء التي ما زال يستطيع القيام بها، كأنه يقدم كشف موجودات بعد حريق محدود.
بقيت شكْرية واقفة. سألت: «منذ متى تعرف؟»
أخبرها.
وضعت كفها على حافة الطاولة، وأخفضت رأسها. خاف أن تبكي، وكانت امرأة لم يرها تبكي حتى يوم غمرت المياه مخزنها وأفسدت عشرات السجاد الصغير. لكنها رفعت وجهها وقالت: «تركتني أعد الناس باسمك دون أن أعرف.»
«الطعام خرج جيدًا.»
«هذا ليس جواب سؤالي.»
قال إن ركين يراجع النكهة، وإن العمال يلتزمون إجراءات الحفظ، وإنه لم يترك طعامًا مشكوكًا فيه يخرج. لم تتهمه بعكس ذلك. كان غضبها من شيء آخر: أنه اختار وحده مقدار المخاطرة التي ستتحملها هي، واختار للشاب عملًا لا يحق له أن يسميه.
قالت بنان: «نحتاج ترتيبًا واضحًا قبل الأحد.»
نظر إليها. كان الأحد يقترب الآن لا كحفلة، بل كموعد سيضطر عنده إلى قبول أن الوقت لم يصلح الأمر.
اقترحت شكْرية أن تستعين بطاهٍ يعرفه من عمل قديم. كان الاقتراح عمليًا، وقد أغضبه لذلك بالذات. قال إن الرجل مرتبط بقاعة أخرى، وإنه لن يأتي إلا ليتفرج على ضعفه. لم تسأل كيف عرف نيته. أخذت الهاتف واتصلت، فاكتشفت أنه مرتبط فعلًا.
توقف النقاش عند هذه العقبة الصغيرة الواقعية. لا بديل يستطيع تولي القائمة كلها في أربعة أيام، ولا يجوز أن يمضي الوضع كما كان.
رسمت بنان جدولًا جديدًا على ورقة كبيرة. وضّاح مسؤول عن التحضير وتوزيع العمل وتوقيت الأطباق. ركين مسؤول عن مراجعة النكهة في المحطات التي يتقنها، وعامل التحضير الثاني يراجع معه، ولا يغادر أي طبق رئيسي المطبخ قبل اختبارين منفصلين. قالت إن اختبار الحفظ والسلامة سيبقى في سجله المعتاد، بعيدًا عن تقدير أي أنف. أما مكونات الوصفات فتكتب كاملة، ولا يعتمدون عبارة «كما تعرفون».
سأل وضّاح: «وماذا ستقولون للزبائن؟»
قالت شكْرية: «سنخبر صاحبي العرس بتغيير توزيع المسؤوليات. لن نفاجئهما ليلة الحفل.»
كان يريد أن يسأل إن كانت ستذكر حالته، لكنه سكت. رأت السؤال على وجهه.
«لن أتكلم عن صحتك أمام أحد. لكنني لن أبيع عمل شخصين على أنه عمل شخص واحد.»
في اليوم التالي جاء العروسان. كانا متعبين من الاتفاقات الصغيرة التي سبقت العرس، ويبدوان أقرب إلى شريكين في نقل منزل منهما إلى شخصين ينتظران صورًا جميلة. شرحت لهما بنان الترتيب الجديد، وقالت إن ركين سيشارك في الإشراف على النكهة، وإنهما يستطيعان إعادة تذوق الطبق الرئيسي.
سأل العريس إن كان الموعد سيتأثر.
قال وضّاح: «لا.»
نظرت إليه شكْرية قبل أن تضيف: «لدينا خطة للتعامل مع التأخير إن حدث. سنرسل الترتيب مكتوبًا.»
جرّبا الطعام، وطلبت العروس تقليل حجم الطبق لأنهم سيقدمون حلوى من خارج القاعة. لم تسأل أيهما صاحب النكهة، ولم تبدُ معنية بالصراع الذي ملأ رؤوسهم أيامًا. قالت لركين إن الحموضة مناسبة، ثم عادت تناقش موضع طاولة الأطفال.
بعد خروجهما، وقف وضّاح عند النافذة. في ساحة التحميل، كان ركين يساعد العامل الآخر على إنزال صندوقين. لم يأتِ ليشكره على ظهوره أمام الزبائن، ولم ينتظر إيماءة رضا. حمل الصندوق إلى الداخل، ووضعه في مكانه، ثم سأل بنان عن أجر الساعات الجديدة.
رأى وضّاح الورقة تنتقل بين أيديهما، وشعر بضيق لم يستطع أن يسميه خيانة هذه المرة.
في السبت، حضر ركين قبل موعده، فوجد وضّاح يقيس المسافة بين الموقد وطاولة التقديم. أزاح صندوقًا، ثم وضع شريطًا لاصقًا على الأرض يحدد مكان عربات الأطباق.
سأله ركين عما يفعل.
قال: «أنت وضعت طاولة التذوق في طريق من يحملون الساخن.»
نظر الشاب إلى الشريط. كان قد اختار المكان لأنه قريب من الضوء، ولم يفكر في حركة العربات. نقلا الطاولة معًا إلى جانب النافذة العالية.
جرّبا ترتيب خدمة عشرين طبقًا. وقف ركين عند الصلصة، وراح يراجع كل طبق حتى بردت أول خمسة. طلب وضّاح إيقاف التجربة، ثم جمع الصلصة في وعاء واحد، وحدد مقدارها بمغرفة متساوية.
«راجع الدفعة، لا تعد طبخ كل طبق.»
قال ركين: «أريد التأكد.»
«التأكد الذي يؤخر العمل يصنع خطأ آخر.»
كادت الجملة تعيده إلى نبرته القديمة، لكنه أمسك نفسه. شرح أن العربة تخرج دفعة واحدة، وأن تفاوت المقادير يظهر أكثر من نقص يسير موزع بالتساوي. أعادا التجربة، وهذه المرة وصل آخر طبق قبل أن يبرد أوله.
بعد ساعة، اكتشف ركين أن الخضار التي قصها وضّاح أثخن من المتفق عليه. أراه قطعتين مختلفتين، وقال إنهما لن تنضجا بالوقت نفسه. كان وضّاح قد قصهما وهو يتابع العمال عند الباب. أخذ السكين وعدل ما يحتاج إلى تعديل، ولم يقل إن الفارق لا يستحق.
اشتغلا بقية النهار بهذا القدر المحدود من السلام. لم يصبحا صديقين، ولم تختفِ إهانة الأيام الماضية، لكن الأشياء صارت قابلة لأن تُقال.
عند الخامسة، طلب ركين استراحة طعام. نظر وضّاح إلى الساعة وكاد يطلب منه الانتظار، ثم تذكر أنه يعمل منذ الصباح. أشار إلى المائدة الصغيرة قرب الباب الخلفي.
جلسا متقابلين. فتح الشاب العلبة نفسها التي جاء بها أول مرة، لكن طعامها كان مختلفًا. لم يدفعها نحوه هذه المرة. أكل بهدوء، بينما ظل وضّاح يقلب شطيرة اشتراها من الخارج.
قال بعد وقت: «بدأت أنا أيضًا بالغسل.»
رفع ركين وجهه. عرف وضّاح، من نظرته، كم مرة تُروى هذه الجملة للعامل كي يقبل البقاء حيث هو.
أضاف بسرعة: «لم أقلها لأطلب منك الصبر.»
«لماذا قلتها؟»
نظر إلى يديه. أثر حرق قديم قرب الإبهام، وشق صغير في الجلد سببه ماء التنظيف، وأظافر يقصها أقصر مما يلزم. كان يظن أن هذه العلامات تمنحه معرفة دائمة بما يشعر به الواقفون عند الحوض.
قال: «لأنني نسيت كم كنت أكره أن يأكل الآخرون ويتركون لي الأواني.»
أغلق ركين علبته بعد أن انتهى. «أنا لا أكره الغسل. أكره أن تقولوا إنني أتعلم حين أؤدي عملًا تحتاجون إليه فعلًا.»
بقيت الشطيرة في يد وضّاح. فهم أخيرًا أن الاعتذار الذي يفكر فيه لا يمكن أن يحل محل المبلغ المكتوب على الورقة.
في صباح الأحد، امتلأ المطبخ بأصوات العجلات والأبواب والنداءات القصيرة. دخلت الزهور من الباب الخطأ، وجاء مورد الثلج قبل موعده، واكتشف عامل الخدمة أن ستة أغطية للطاولات أقصر من البقية. تولت بنان هذه المشاكل واحدة بعد أخرى، وطلبت من المطبخ ألا يصنع لها مفاجأة إضافية.
كان وضّاح قد نام قليلًا. أخذ قبعة الطاهي من الخزانة، ثم تركها فوق الرف واكتفى بغطاء العمل المعتاد. لم يعد أحد يصور. لم تكن هناك حاجة إلى الارتفاع الإضافي الذي اعتاد أن يضعه فوق رأسه.
أخرج ركين أوراق الوصفات ووضعها داخل أغلفة شفافة بعيدًا عن الماء. كتب على الأوعية وقت إعداد كل دفعة، وراجع المكونات مع عامل التحضير. تحرك وضّاح بين المحطات، يختبر نضج الخضار واللحم بالأدوات المخصصة، ويفحص القوام، ويحسب الوقت الباقي. وجد في العمل أجزاء لم يقترب منها خوفه طوال الأيام الماضية. كانت يده ما زالت تعرف قوة الضغط، وعينه تلتقط طرف الصواني الذي يحتاج إلى تدوير.
عند العصر، دخلت شكْرية ومعها كوب ماء لكل منهما. لم تقل شيئًا عن العقد المقبل. سألت عن حاجتهما إلى شخص إضافي في الساعتين الأخيرتين. طلب وضّاح مساعدة في ترتيب الصحون، وطلب ركين أن يتولى غيره الغسل تمامًا حتى انتهاء الخدمة.
قالت: «تم.»
كان الجواب قصيرًا إلى حد بدا معه أن الأسابيع التي استغرقها الطلب أمر غير معقول.
قبل بدء العشاء، تذوق ركين الصلصة من الوعاء الأول، ثم تذوق العامل الثاني بملعقة منفصلة. اتفقا على أنها جاهزة. راجعوا الوعاء الأكبر المخصص لبقية الخدمة، وكان جيدًا أيضًا. أبقوه على تسخين هادئ، وبدأوا إخراج الأطباق.
تقدمت العربات الأولى عبر الممر الضيق، وعاد العاملون بصحون المقبلات الفارغة. من فتحة التقديم ظهرت أطراف سترات داكنة، وفستان لامع مر بسرعة، ويد صغيرة تتناول قطعة خيار من صينية عائدة.
سارت الطاولات الثماني الأولى كما خُطط لها.
ثم تبدل الإيقاع.
طلب مسؤول الصالة إبطاء التقديم دقائق لأن فقرة الصور طالت. أوقفت بنان العربات التالية قبل ملء الأطباق، وأرسلت التعليمات إلى المطبخ. وفي الازدحام، نُقل الوعاء الكبير إلى موقد آخر لإخلاء الطريق، ثم عاد إلى مكانه. لم يراجع أحد درجة التسخين بعد نقله. كانوا قد راجعوا النكهة قبل ذلك، وظن كل منهم أن الآخر تابع ما تلا.
بعد دقائق، مد ركين المغرفة إلى القاع، ورفع وجهه فجأة.
وضع العينة في طبق صغير، ذاقها، ثم بصقها في المنديل.
لم يسأل وضّاح عن السبب. عرف التعبير الذي يظهر حين يدرك طاهٍ أن طعمًا واحدًا يفسد كل ما حوله.
أخذ ملعقة بنفسه. شعر بالملح والدهون، وبمرارة لم يستطع أن يحدد طرفها. أما ركين فكان ينظر إلى قاع الوعاء، حيث ثبتت طبقة داكنة.
قال: «احترقت.»
وصل نداء من الصالة يسأل متى تتحرك العربة التالية. نظر وضّاح إلى الدجاج الجاهز، وإلى الأطباق الدافئة، وإلى الساعة التي تقدمت فجأة أكثر مما ينبغي.
بقي مئتان وأربعون مدعوًا ينتظرون طبقهم.
مد ركين يده إلى الوعاء الصغير المتبقي من الدفعة الأولى. لم يكفِ ما فيه عشرة أطباق.
قال: «يمكن أن نخففها بالمرق.»
كان يقصد المحترقة. قالها بصوت من يتمنى أن يكون اقتراحه صحيحًا، لا بصوت من يعرف. تذوق مرة أخرى، ثم أخذ رشة من الأعشاب.
أمسك وضّاح معصمه برفق.
«لا تضع شيئًا آخر.»
توقف الشاب، وبقيت الأعشاب بين إصبعيه. في وجهه ظهر خوف عرفه وضّاح جيدًا: الخوف من أن تصبح غلطة واحدة تعريفًا كاملًا لصاحبها.
قال ركين: «أنا راجعتها قبل أن تبدأ الخدمة.»
«وأنا نقلت الوعاء دون أن أراجع الموقد.»
«كان ينبغي أن أبقى هنا.»
«كان ينبغي أن يعرف الجميع من يتابعه.»
لم يكن الكلام اعترافًا بطوليًا. كان توزيعًا دقيقًا للخطأ، وقد احتاجا إليه ليعرفا ما يفعلان بعده.
دخلت بنان، فنظر إليها وضّاح مباشرة. قال إن الصلصة لن تخرج، وإنهم يحتاجون بديلًا. لم يقل إن الشباب أخطؤوا، ولا إن الموقد غريب، ولا إن الزبائن لن ينتبهوا.
سألت عن الوقت.
فتح الثلاجة المخصصة للتحضير، وأشار إلى المرق المحفوظ وبقية المكونات التي لم تستخدم. اقترح صلصة أخف تعتمد ما هو موجود أصلًا في القائمة. راجعت بنان المكونات مع طلبات الوجبات الخاصة، ثم سألت ركين إن كان يستطيع إعدادها بالحجم المطلوب.
قال: «أستطيع، لكنني أحتاجه معي.»
كان يقصد وضّاح.
أومأ، وأفرغا موضعًا على الطاولة المعدنية. نقل وضّاح الوعاء المحترق بعيدًا عن خط الخدمة، ووضع إلى جانبه المغرفة كي لا يستخدمه أحد بالخطأ. خرجت بنان إلى الصالة لتشرح التأخير، وطلبت من مسؤول الخدمة مراجعة الطاولات التي وصلها الطبق.
لم يكن البدء من جديد أمرًا يشبه مسح السبورة. الدجاج جاهز، والخضار لها وقت محدود تبقى فيه جيدة، والعمال يسألون أسئلة تتزاحم عند الباب. أعاد وضّاح توزيع الصواني وفق ما يخرج أولًا، وطلب من شخص واحد فقط نقل الأسئلة إلى الداخل. جزّأ ركين المكونات إلى ثلاثة أوعية عريضة بدل وعاء عميق، كي يستطيع التحكم بها ومتابعتها.
في الجهة الأخرى من الجدار علا التصفيق لفقرة لم يرياها. التقت عيناهما لحظة، ثم عادا إلى العمل.
راح وضّاح يحرك أحد الأوعية، وركين يتذوق من الثاني. لم تعد الملعقة تصل إلى وضّاح في الخفاء. يرفعها الشاب، يذكر ما ينقص، فيضيفه الآخر أمام الجميع، ثم يراجع العامل الثاني. كان هذا كل ما في المشهد، ومع ذلك احتاج وضّاح إلى أيام طويلة ليقدر على احتماله.
دخلت شكْرية ولم تسأل لماذا. وقفت عند طاولة الصحون، وبدأت تناولهما ما يحتاجان إليه. على رسغها ساعة صغيرة تلمع كلما مدت يدها. لم ينظر وضّاح إليها، فقد صار يعرف مرور الوقت من سرعة عودة بنان.
قالت عند دخولها الثاني: «تأخرنا ثماني عشرة دقيقة. نحتاج تقديرًا صادقًا.»
أجاب ركين: «خمس دقائق قبل أول عربة.»
نظر وضّاح إلى الأوعية، ثم إلى خط التقديم. «سبع. نحتاج مراجعة الأطباق الخاصة أولًا.»
قالت بنان: «سأقول سبعًا.»
حين خرجت، سأل ركين بصوت خفيض: «هل سنخسر العقد؟»
قال وضّاح: «قد نخسره.»
لم يحاول طمأنته بما لا يعرف. كانت تلك أول إجابة يشعر الشاب أنه يستطيع العمل وهو يصدقها.
خرجت العربة التالية بعد ست دقائق. لحقتها أخرى، ثم عادت الحركة إلى الممر. لم يجر أحد، ولم يسمح وضّاح بتجاوز مراجعة الدفعات اختصارًا للوقت. كل عربة تحمل عشرة أطباق تمر من الموضع نفسه، والعامل نفسه يذكر الطاولة التي ستصل إليها.
استغرقت عودة الخدمة إلى انتظامها أكثر مما أرادا. اشتكى بعض المدعوين من الانتظار، وأعاد أحدهم طبقه لأنه صار أقل سخونة مما يحب. استبدلوه. طلبت طاولة كاملة الصلصة التي رأوها عند أقاربهم في الجهة الأخرى، فأوضحت بنان التغيير دون أن تختلق قصة عن اختيار خاص لهم.
لم تقع كارثة، ولم تتحول الغلطة إلى طرفة جميلة.
عند نهاية العشاء، بقى في المطبخ صحنان لم يمسهما أحد، وكمية صغيرة من الصلصة الجديدة، والوعاء الأسود عند طرف الطاولة. وقف ركين أمامه يحاول كشط القاع بأداة مسطحة، كأنه إذا أزاح الطبقة استطاع أن يزيل معها ما حدث.
أخذ وضّاح الأداة من يده.
«اتركه لينقع. ستتعب بلا فائدة.»
قال الشاب: «كنت أريد أن يكون هذا أول عرس أستطيع أن أقول إنني طبخت فيه.»
نظر وضّاح إلى يديه المحمرتين.
«يمكنك أن تقول ذلك.»
«بما حدث؟»
«بما حدث كله.»
في المكتب، كان العروسان يسمعان شرح شكْرية. لم يقبلا أن يمر التأخير كأنه لم يكن. طلبا تسوية تتناسب مع ما أصاب جزءًا من الضيوف، واتفقوا على تخفيض من المبلغ المتبقي. لم يوبخاهما أحد على انزعاجهما، ولم تطلب شكْرية منهما مراعاة ظرف الطاهي. خرجا بعد أن تسلما الاتفاق مكتوبًا.
جاءت ممثلة شركة اللقاءات في اليوم التالي، لا لتوقع العقد، بل لتناقش ما شاهدته. امتدحت سرعة التصحيح، ثم قالت إنهم سيؤجلون القرار حتى تجربة أخرى أصغر. طلبت قائمة واضحة بالمسؤوليات، وألا يكون العمل كله مرتبطًا بوجود شخص واحد.
شعر وضّاح بالإهانة أولًا. ثم تذكر كيف جلس ليلًا يخلط علب الثلاجة وحده، وأدرك أنه لو كان في مكانها لطلب الشيء نفسه.
بعد مغادرة الزائرة، أخبرت شكْرية العاملين أن أجور الساعات ستدفع كاملة، وأن تخفيض فاتورة العرس لن يؤخذ منها. لم يكن المال موجودًا بسهولة. نقلت جزءًا من المبلغ الذي خصصته لإعلان ثانٍ، وأوقفت تصويره.
على شاشة هاتف بنان، بقي الفيديو الأول ينتظر الموافقة النهائية. رفع وضّاح الغطاء فيه، وأغمض عينيه، وابتسم فوق بخار لا يحمل إليه شيئًا.
قال: «لا تنشروه.»
لم تسأله بنان إن كان متأكدًا. أغلقت الملف، وانتقلت إلى جدول الأجور.
بعد أسبوع، وضعت شكْرية أمام وضّاح عقد عمله الجديد. أبقت مسؤوليته عن تشغيل المطبخ وتدريب الفريق، وألغت الفقرة التي تجعل اعتماد النكهة من اختصاصه وحده. كان الأجر أقل من السابق، لكنه لم ينخفض بالمقدار الذي خشيه. قرأ الورقة مرتين، وسأل عن سبب الاحتفاظ بمبلغ الإشراف.
قالت: «لأن هذا عمل تؤديه. لا أدفع لك تعويضًا عن شيء فقدته.»
أراد أن يشكرها، لكنه عرف أنها ستكره أن يحول حسابًا واضحًا إلى إحسان. سأل بدلًا من ذلك عن موعد مراجعة الاتفاق، وحدداه بعد ثلاثة أشهر.
ثم جاء دور ركين.
عرضت عليه شكْرية وظيفة التحضير بأجر جديد، وساعات معلومة، وفترة تدريب على إدارة الكميات. لم تكن الوظيفة كبيرة كما تخيلها وضّاح حين بدأ يخشى رحيله، لكنها كانت حقيقية. أخذ الشاب الورقة، واستأذن في يومين للتفكير.
حسب وضّاح أنه سيقبل. فالعرض هنا تحسن، وهو يعرف المطبخ، وقد حصل أخيرًا على المكان الذي طلبه. حين عاد ركين بالرفض، شعر بالغضب القديم يصعد سريعًا، ثم توقف عند حلقه.
قال الشاب إن المكان الآخر سيمنحه عملًا منتظمًا في فترة الغداء، وإنه يريد أن يتعلم أطباقًا جديدة، لا أن يبقى الشخص الذي يصلح نقصًا محددًا. لم يقل ذلك بقسوة، لكنه لم يحذف السبب كي يريح الرجل الواقف أمامه.
سأله وضّاح: «وماذا عن الفترة التي نحتاجها حتى يأتي غيرك؟»
«أعطيتهم موعدًا بعد ثلاثة أسابيع. أستطيع أن أدرب البديل على ما تعلمته، إن أردتم.»
كان الجواب منصفًا. وهذه المرة، لم يبحث وضّاح عن ظلم يختبئ فيه.
كتب له بيان عمل يذكر الأيام التي قضاها في التحضير، والمهام التي أنجزها، والأجر الذي استحقه. أعاده ركين مرة واحدة ليصحح التاريخ، فصححه وضّاح دون أن يقول إن الفارق يومان فقط. ثم سأله إن كان يريد إضافة تجربة الخدمة الكبيرة، فطلب الشاب وصف مسؤوليته لا مديح أدائه.
عند آخر وردية له، لم يطل أحد كلمات الوداع. أحضر ركين طعامًا يكفي الفريق، وتولت بنان تقسيمه قبل أن يبدأ العمل. جلس العامل الجديد إلى جواره يسأله عن ترتيب الثلاجة، ووجد وضّاح نفسه يسمع شرحًا لبعض القرارات التي كان يتخذها سابقًا بصمت.
لم يشعر بالراحة طوال الوقت. أزعجه أن تتوقف يد الشاب عند علبة فيشرح سبب مكانها، وأزعجه أكثر أن يكون للشرح نفع واضح. لكنه بقي جالسًا، ولم يقاطع إلا حين نسي ركين ذكر رف الوجبات الخاصة.
قال الشاب: «صحيح. هذا أهم.»
بعد خروجه، عاد وضّاح إلى الحوض. كانت هناك بقعة صلصة جافة على أحد الأطباق، فملأه ماءً وتركه جانبًا بدل أن يحكه بعجلة. تذكر الوعاء المحترق، والرجل الشاب الذي حاول كشطه كأنه يكشط أول صفحة من سيرته. شعر بالخجل من عدد المرات التي ظن فيها أن غيره يبدأ حياته من اللحظة التي يمنحه فيها فرصة.
انقضى شهر آخر. لم تعد حاسة الشم كما كانت. في بعض الأيام ظن أنه التقط شيئًا، ثم عجز عن التأكد. تابع مواعيده، وتوقف عن إجراء الامتحان اليومي أمام الثلاجة. لم يكن ذلك قبولًا كاملًا؛ كان فقط أقل إنهاكًا.
في القاعة، عادت التجربة الصغيرة التي طلبتها الشركة. أعد الفريق غداءً لأربعين شخصًا، بوجبات أبسط وقائمة لا تحمل اسم وضّاح وحده. خرجت الخدمة في موعدها، وحصلوا بعدها على اتفاق تجريبي محدود، لا العقد الكبير الذي حلمت به شكْرية. حسبت بنان المبلغ وقالت إنه يكفي لتغطية ورديتين ثابتتين وبعض المتأخرات. لم تسمه بداية انتصار. فتحت الجدول ووزعت العمل.
كان وضّاح يتعثر أحيانًا. يمد يده إلى علبة، ثم يتوقف ليفحصها بدل أن يثق بانطباعه. يسأل العامل الجديد عن رائحة طبق، فيجيبه بإسهاب يضايقه. تعلم أن يطلب وصفًا محددًا: هل فيه احتراق، هل غلب مكون، هل الرائحة كما في العينة؟ لم يصبح السمع بديلًا عن الشم، لكن الكلام الدقيق قلل المسافة بين ما يعرفه وما يحتاج إلى معرفته.
ذات ظهيرة هادئة، خرج إلى المطعم الذي انتقل إليه ركين. كان صغيرًا، فيه خمس طاولات داخلية وصف من المقاعد عند الزجاج. جلس قرب الباب، ووضع معطفه على المقعد المجاور، ثم رفعه حين رأى امرأة تدخل وحدها تبحث عن مكان.
لم يخرج ركين من المطبخ فورًا. أرسل إليه ماءً، ثم جاء بعد انتهاء طلبين، وعلى مريلته أثر أحمر قرب الجيب.
سأله عما يريد.
قال وضّاح: «الطبق الذي تريد أن أجرّبه.»
وصل الطعام بعد دقائق: سمك مع خضار وصلصة فاتحة. قطع قطعة صغيرة. وجد القشرة كما ينبغي، والداخل طريًا، والحموضة واضحة. رفع الشوكة الثانية، ثم توقف عند الملوحة.
جاء ركين ينتظر، لا بقلق العامل القديم ولا بثقة المتحدي. كان يريد رأيًا في طعام صنعه.
قال وضّاح: «السمك جيد. الملح زائد قليلًا في الصلصة.»
أخذ الشاب ملعقة نظيفة، وذاق من الإناء في المطبخ. عاد يقول: «معك حق. اختزلت أكثر مما حسبت.»
ثم سأله عن التوابل.
قال وضّاح: «لا أستطيع الحكم عليها. صفها لي.»
جلس ركين دقيقة، وراح يشرح. هذه المرة لم يخفضا صوتيهما حين مر العامل بالقرب منهما. وبعد أن عاد الشاب إلى عمله، أضاف وضّاح قليلًا من الخضار إلى لقمة السمك، وأكمل غداءه قبل أن يبرد.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق