حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
لا تقارن حياتك
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
في مغسلةٍ ذاتية الخدمة عند طرف المدينة، جلس سامر ينتظر انتهاء دورة الغسيل، وقد وضع إلى جواره سلةً مليئة بملابس العمل. كان المكان بارد الإضاءة، تتردد فيه أصوات الغسالات المعدنية وهي تدور بإيقاع ثابت، بينما انشغل هو بهاتفه، يقلب صورًا نشرها صديق قديم من رحلة إلى جزيرة بعيدة.
صورة أمام البحر. أخرى أمام فندق فاخر. عشاء مضاء بالشموع. ابتسامات تبدو بلا نقص.
أغلق سامر الهاتف، ثم نظر إلى قميصه المعلّق على طرف السلة، وإلى العملات المعدنية التي جمعها قبل قليل لتشغيل المجفف. لم يحدث شيء سيئ في حياته في تلك اللحظة، ومع ذلك شعر فجأة بأن حياته أصغر مما ينبغي.
قبل دقائق فقط، كان راضيًا لأنه أنهى أسبوعًا متعبًا من العمل، وسدد فاتورة كانت تؤرقه، واشترى لابنته الحقيبة التي طلبتها للمدرسة. لكن بضع صور جعلت كل ذلك يبدو عاديًا، بل ناقصًا.
هذا ما تفعله المقارنة في كثير من الأحيان: لا تنتظر حتى تسوء حياتنا، بل تدخل إلى يوم طبيعي، ثم تعيد ترتيب معناه في رؤوسنا.
نحن لا نقارن الأشياء المتشابهة دائمًا. نقارن تعبنا بلحظة راحة عند شخص آخر، وبداياتنا بنتائج وصل إليها غيرنا بعد سنوات، وأيامنا العادية بصور اختار أصحابها أجمل ثانية فيها، ثم نشعر بالظلم لأن الميزان خرج ضدنا.
المشكلة ليست في أن نلاحظ نجاح الآخرين أو نعجب بما حققوه. الإعجاب قد يكون دافعًا جميلًا، والتعلم من تجربة ناجحة قد يوفر علينا أخطاء كثيرة. لكن المسافة بين الإعجاب والمقارنة المؤذية قصيرة؛ تبدأ حين يتحول نجاح الآخر من مصدر إلهام إلى دليل نتهم به حياتنا.
يقول الإنسان لنفسه: لماذا لم أصل مثله؟ لماذا لا أملك ما يملكه؟ لماذا تأخرت؟ لماذا تبدو حياتي أصعب؟
ثم ينزلق السؤال من تقييم ظرف محدد إلى حكم شامل على الذات.
ربما يكون سامر مثلًا لا يعرف أن صديقه الذي يراه مبتسمًا أمام البحر قضى ثلاث سنوات يسدد قرضًا ثقيلًا، أو أن الرحلة جاءت بعد أشهر من ضغط شديد في العمل، أو أن الصورة التُقطت في يوم واحد من حياة فيها ما فيها من قلق وتعب وخلافات.
لكن العقل حين يقارن لا يطلب ملفًا كاملًا عن حياة الآخر. تكفيه لقطة واحدة.
وهذه واحدة من أخطر مفارقات المقارنة الحديثة: نحن نرى الآخرين في لحظات منتقاة، ونرى أنفسنا في كل التفاصيل.
نحن نعرف تعبنا الذي لم يُصوَّر، وفشلنا الذي لم نخبر به أحدًا، والخوف الذي نخفيه قبل النوم، والفواتير التي نراجعها، والعلاقة التي نحاول إصلاحها، والأخطاء التي ما زلنا نلوم أنفسنا عليها.
أما الآخر، فقد نعرف عنه صورة، أو خبر ترقية، أو منزلًا جديدًا، أو حفلة زفاف، أو جسدًا متناسقًا، أو طفلًا متفوقًا.
ثم نقارن المشهد المعلن من حياته بالكواليس الكاملة من حياتنا.
ولذلك تبدو المقارنة عادلة في ظاهرها فقط.
قد تجلس امرأة في مناسبة عائلية فتسمع أن قريبتها اشترت منزلًا جديدًا. تفرح لها في البداية، ثم تبدأ الأسئلة داخلها: نحن نعمل منذ سنوات، لماذا ما زلنا نستأجر؟ هل أخطأنا في قراراتنا؟ هل تأخرنا أكثر مما يجب؟
قد يكون منزل القريبة نتيجة مساعدة عائلية أو إرث أو سنوات طويلة من الادخار أو قرض كبير. وقد لا يكون في هذه التفاصيل ما ينتقص من إنجازها أصلًا. لكن المشكلة أن المرأة لا تقارن ظروفًا بظروف؛ إنها تقارن النتيجة وحدها.
وفي العمل، يظهر الأمر بصورة أخرى.
موظف يبدأ يومه مرتاحًا، ثم يسمع أن زميلًا أصغر منه حصل على ترقية. فجأة، لا تعود سنوات خبرته مصدر اعتزاز، بل تتحول إلى سؤال موجع: ماذا ينقصني؟
قد تكون الترقية مستحقة، وقد يكون الموظف نفسه بحاجة فعلًا إلى تطوير مهارة أو تغيير أسلوبه أو طلب فرصة أكبر. هنا تكون المقارنة مفيدة إذا دفعت إلى سؤال عملي: ماذا يمكنني أن أتعلم؟
لكنها تصبح مؤذية إذا انتهت إلى استنتاج واحد: أنا أقل قيمة.
فالإنجاز لا يساوي القيمة الإنسانية.
قد يسبقك شخص في المال، وتسبقه أنت في الاستقرار. قد يتفوق عليك في سرعة الوصول، بينما تمتلك أنت قدرة أفضل على الاستمرار. قد ينال شهرة أوسع، بينما تعيش أنت علاقات أهدأ وأكثر أمانًا.
الحياة لا تقدم امتحانًا واحدًا تُجمع درجاته في النهاية.
ومع ذلك، نتعامل معها أحيانًا كسباق ذي مسار واحد. نتخيل أن هناك عمرًا مناسبًا للزواج، وعمرًا مناسبًا للثراء، وعمرًا مناسبًا لامتلاك منزل، وعمرًا مناسبًا لاكتشاف الشغف، وكأن البشر خرجوا جميعًا من نقطة البداية نفسها، وحصلوا على الموارد نفسها، ونشؤوا في البيوت نفسها، وواجهوا الظروف نفسها.
لكن شخصًا يبدأ حياته العملية وهو يحمل مسؤولية أسرة كاملة ليس كمن يبدأ وفي ظهره شبكة دعم قوية.
وشخص تعافى من مرض أو خسارة أو تجربة قاسية لا يمكن قياس تقدمه بمقياس من عاش سنوات أكثر استقرارًا.
وشخص تأخر لأنه كان يرعى والدًا مريضًا قد يكون قطع في الإنسانية مسافة لا تظهر في السيرة الذاتية.
حين نتجاهل السياق، تتحول المقارنة إلى ظلم أنيق.
ولا يعني هذا أن نستخدم اختلاف الظروف ذريعة لتبرير كل شيء. فبعض الناس يختبئون خلف عبارة «لكل إنسان ظروفه» كي لا يغيروا عادة تؤذيهم أو قرارًا يؤخرهم. لكن الاعتراف بالسياق لا يلغي المسؤولية؛ هو فقط يجعل الحكم أكثر عدلًا.
من حقك أن تسأل: هل أنا أبذل ما أستطيع؟ هل هناك قرار أؤجله خوفًا؟ هل أحتاج إلى مهارة جديدة؟ هل أكرر خطأ أعرفه؟
هذه أسئلة مفيدة لأنها تعيدك إلى حياتك.
أما سؤال «لماذا لست مثله؟» فهو غالبًا يعيدك إلى حياة شخص آخر.
وللمقارنة وجه خفي يظهر حتى بين من يحبون بعضهم.
قد تقارن أم طفلها بابن أختها من دون قصد: انظر كيف يدرس. انظر كيف يتحدث. انظر كيف يعتمد على نفسه.
قد تعتقد أنها تحفزه، لكنها قد تزرع داخله رسالة مختلفة: أنت لا تكفي كما أنت.
والأصعب أن الطفل لا ينسى دائمًا من كان معيار المقارنة. قد يكبر وهو ينظر إلى قريبه كمنافس، لا كقريب، أو يحاول إثبات نفسه في كل مكان لأنه تعلم مبكرًا أن قيمته تحتاج إلى شاهد خارجي.
وفي الزواج، قد تكون المقارنة أكثر قسوة.
زوج يقول لزوجته: فلانة تهتم ببيتها أكثر. وزوجة تقول لزوجها: فلان يعرف كيف يوفر لعائلته حياة أفضل.
قد يخرج الكلام في لحظة غضب، لكنه يترك أثرًا يتجاوز المشكلة الأصلية. لأن الإنسان يستطيع مناقشة تقصير محدد، لكنه يصعب عليه أن يشعر بالأمان حين يُقال له ضمنيًا إن شخصًا آخر كان سيؤدي دوره أفضل منه.
المقارنة لا تصلح ما بيننا عادة؛ هي تضع شخصًا ثالثًا داخل العلاقة حتى لو لم يكن حاضرًا.
وفي زمن المنصات الاجتماعية، اتسعت المقارنات حتى صرنا نقيس أنفسنا بأناس لا نعرفهم أصلًا.
نقارن أجسادنا بأجساد معدلة بالإضاءة والزوايا والانتقاء. بيوتنا بمنازل أُعدت للتصوير. وجباتنا بأطباق صُممت لتبدو جميلة على الشاشة. علاقاتنا بلقطات من مناسبات سعيدة لا نعرف ماذا حدث قبلها أو بعدها.
ومع تكرار المشاهدة، تتغير معاييرنا دون أن ننتبه.
ما كان جميلًا يصبح عاديًا. ما كان كافيًا يصبح قليلًا. ما كان حلمًا يتحقق يصبح أمرًا متوقعًا لأننا رأيناه عند عشرات الآخرين.
وهنا لا تعود المقارنة مجرد شعور عابر؛ تتحول إلى استنزاف دائم للرضا.
وقد تساعدنا خطوة بسيطة: أن نراقب ما يحدث بعد التصفح.
ليس السؤال كم ساعة نقضي أمام الهاتف فقط، بل كيف نخرج منه.
هل نشعر بالدافع؟ أم بالنقص؟
هل نكتشف أفكارًا جديدة؟ أم نبدأ في احتقار حياتنا؟
هل نغلق التطبيق ونفكر في خطوة مفيدة؟ أم نغلقه ونحن غاضبون من أنفسنا؟
إذا كان حساب معين أو نوع معين من المحتوى يتركنا كل مرة أسوأ حالًا، فليس من الحكمة أن نسمي الاستمرار فيه مجرد فضول.
تنظيف ما نتابعه ليس ضعفًا ولا هروبًا. أحيانًا هو شكل من أشكال حماية الانتباه.
لكن المقارنة لا تحتاج إلى شاشة حتى تعمل. فقد تدخل من جلسة عائلية، أو من صديق يكثر الحديث عن إنجازاته، أو من بيئة عمل تنافسية، أو حتى من صوت داخلي حفظ أسماء أشخاص قدامى وما زال يقيسنا بهم.
وهنا نحتاج إلى معيار أقرب إلينا.
من أفضل الأسئلة التي يمكن أن يسألها الإنسان نفسه: هل أنا اليوم أفضل قليلًا من نسختي القديمة؟
لا يشترط أن يكون الفرق ضخمًا.
ربما صرت أهدأ في التعامل مع الغضب.
ربما تعلمت إدارة مالك بشكل أفضل.
ربما توقفت عن علاقة كانت تستنزفك.
ربما أصبحت تقول «لا» في الوقت المناسب.
ربما عدت إلى الدراسة بعد انقطاع.
ربما لا تزال في الوظيفة نفسها، لكنك لم تعد الشخص نفسه داخلها.
هذه تغييرات لا يراها من يقارن النتائج السطحية فقط، لكنها قد تكون أهم من إنجازات ظاهرة كثيرة.
ومن المفيد أيضًا أن نفرق بين الغيرة والمعلومة.
حين نشعر بالضيق من نجاح شخص، قد نخجل من الشعور ونحاول إنكاره. لكن يمكن أن نتعامل معه بصدق أكبر: ماذا يقول لي هذا الشعور عن الشيء الذي أريده؟
إذا أزعجك نجاح صديق في مشروعه، ربما لأنك تتمنى فعلًا أن تبدأ مشروعًا خاصًا.
إذا ضايقتك صور سفر الآخرين، ربما لأنك تحتاج إلى مساحة للراحة والتجربة.
إذا أثار فيك تقدم زميل شعورًا ثقيلًا، ربما لأنك تعرف أنك بقيت مدة طويلة في مكان لم يعد يناسبك.
بهذه الطريقة، تتحول الغيرة من حكم على الآخر إلى معلومة عن نفسك.
ولا يلزم أن تلاحق كل رغبة تكتشفها. بعض الرغبات ليست رغباتنا أصلًا؛ هي أشياء تعلمنا أن نعتبرها نجاحًا لأن المجتمع يكررها أمامنا.
قد يعتقد شخص أنه يريد منزلًا أكبر، ثم يكتشف أن ما يحتاجه فعلًا هو وقت أقل في العمل.
وقد يظن آخر أنه يريد شهرة، بينما ما يريده في العمق هو تقدير من حوله.
وقد تظن امرأة أنها متأخرة لأنها لم تتزوج بعد، بينما هي في الحقيقة لا تريد الزواج تحت ضغط الخوف من كلام الناس.
المقارنة تجعلنا نلاحق أهدافًا لا تخصنا أحيانًا.
ولذلك فإن معرفة ما نريده حقًا تصبح نوعًا من المناعة.
حين تعرف أولوياتك، يقل تأثير الضوضاء حولك.
لن تختفي تمامًا، لكنك ستملك سؤالًا تعود إليه: هل ما أراه عند الآخر يناسب حياتي أنا؟
قد تكون إجابة السؤال: نعم، وهذا شيء أود العمل من أجله.
وقد تكون: لا، يبدو جميلًا فقط.
كلا الجوابين مريح.
بعد أن انتهت الغسالات في ذلك المساء، عاد سامر إلى هاتفه. فتح الصور نفسها، لكنه لم ينظر إليها بالطريقة ذاتها.
لم يحاول إقناع نفسه بأن صديقه غير سعيد. ليست الراحة في التقليل من إنجاز الآخرين، ولا في البحث عن عيوب خفية كي نشعر أننا أفضل.
قال لنفسه ببساطة: جميل أنه استطاع أن يسافر. وأنا أيضًا عندي أشياء أريد أن أصل إليها.
ثم فتح تطبيق الملاحظات وكتب مبلغًا صغيرًا يستطيع ادخاره كل شهر لرحلة عائلية بعد عام. لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه كان واقعيًا.
بعدها أغلق الهاتف وأخرج الملابس من المجفف.
بينما كان يطوي قميص ابنته الرياضي، وجد في جيبه ورقة صغيرة رسمت عليها بقلم أزرق ثلاثة أشخاص يمسكون بأيدي بعضهم.
ابتسم.
لم تتحول حياته فجأة إلى حياة مثالية، ولم تختفِ الفواتير، ولم يصبح أقل طموحًا.
لكنه تذكر أن حياته لا تصبح بلا قيمة لمجرد أن حياة شخص آخر تبدو أجمل في صورة.
نجاح الآخرين لا يسرق حصتنا من النجاح.
تأخرنا لا يعني أننا انتهينا.
اختلاف الطريق لا يعني أن أحد الطريقين خطأ.
والأهم أن حياتنا لا تحتاج إلى أن تشبه حياة أحد حتى تكون جديرة بالاحترام.
يمكن أن نتعلم من الناس دون أن نذوب في مقاييسهم، وأن نفرح لهم دون أن نعاقب أنفسنا، وأن نرى ما ينقصنا بوضوح ثم نتحرك نحوه بخطوات تناسب ظروفنا وإمكاناتنا وأولوياتنا.
فالمقارنة تصبح أقل ضررًا حين نتوقف عن سؤال: من سبقني؟
ونبدأ بسؤال أكثر فائدة: إلى أين أريد أنا أن أصل، وما الخطوة التي أستطيع اتخاذها الآن؟
قد يكون الطريق بطيئًا، وقد لا يصفق له أحد، وقد لا يبدو رائعًا في صورة.
لكنه إذا كان صادقًا مع حياتك، يظل طريقك أنت.
وهذا وحده سبب كافٍ لأن تمنحه فرصة عادلة بدل أن تقيسه كل يوم بطريق شخص آخر.
للتوثيق: «لا تقارن حياتك» — عن أثر مقارنة ظروفنا وإنجازاتنا بحياة الآخرين في إفساد الرضا والثقة بالنفس، وأهمية العودة إلى السياق الشخصي وقياس التقدم وفق أهدافنا الواقعية لا وفق صور الآخرين.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق