المشاركات

طفولة مستعارة

صورة
قبل أن يغادر البيت متجهاً إلى المدرسة، يتأكد الصبي من أن شقيقته الصغيرة ارتدت معطفها، وأن دواء والدته وُضع قرب كوب الماء، وأن والده لم ينسَ الأوراق التي يحتاج إليها في المستشفى. وحين يرن الهاتف أثناء الحصة، يستأذن من معلمه ليجيب؛ فقد تكون مكالمة من دائرة رسمية لا يفهم والداه لغتها، أو مشكلة عائلية ينتظر الجميع منه أن يجد لها حلاً. عمره أربعة عشر عاماً، لكن الأسرة تتعامل معه كما لو كان رجلاً مكتمل الخبرة. يعرف قيمة الإيجار، ومواعيد الفواتير، وأسباب الخلافات بين والديه، ومقدار الدين المتبقي، والمرض الذي تخفيه أمه عن بقية الأبناء. لا يطلب ألعاباً لأنه يعرف أن المال لا يكفي، ولا يخبرهم عن مشكلاته حتى لا يزيد تعبهم، ويعتذر كلما احتاج إلى شيء كأن احتياجاته خطأ ارتكبه. يصفه الجميع بأنه طفل عاقل. لكن أحداً لا يسأل: كم كلّفه هذا العقل المبكر؟ في كثير من البيوت، يوجد طفل لم يُسمح له بأن يعيش طفولته كاملة. لم يُحرَم منها بقرار معلن، ولم يقل له أحد صراحة إنه أصبح مسؤولاً عن الأسرة، لكن الأدوار انتقلت إليه بالتدريج. بدأ الأمر بطلب صغير: راقب أخاك حتى أعود. ثم صار مسؤولاً عن إطعامه، ومتابعة دراسته، ...

سبع ثوانٍ صامتة

صورة
لم يكن الصمت هو ما أخاف رِفقة، بل نظافته. توقفت الموجة الصوتية على الشاشة سبع ثوانٍ كاملة، مستقيمة كخط رسمه مسطرة، ثم عادت فجأة إلى ارتجافها الرمادي. في تسجيلات الهاتف القديمة لا يوجد صمت نقي؛ حتى حين لا يتكلم أحد، يبقى هسيس الشريط، وطقطقة الأسلاك، وتنفس الغرفة. أما هذه الثواني فكانت خالية من كل شيء، كأن أحدًا اقتطع قطعة من الزمن ووضع مكانها فراغًا مصنّعًا. أعادت المقطع من بدايته. جاء صوت امرأة متقطعًا خلف سعال شديد: — هناك دخان في السلم... أظن أنه خرج من غرفة العدادات. سألها موظف الطوارئ عن العنوان. — بناية الياقوت، حيّ السقائف، الطابق الرابع. ابنتي معي، والباب ساخن. دوّى ارتطام بعيد، ثم قالت المرأة: — رأيت الرجل الذي... عندها انبسط الخط سبع ثوانٍ. وعندما عاد الصوت كانت المرأة تصرخ: — لماذا لم ترسلوا أحدًا؟ قلت لكم قبل عشر دقائق! بعد ذلك انقطع الاتصال. نزعت رِفقة السماعتين وبقي أثر الصرخة في أذنيها. كانت تعمل خبيرةً في ترميم التسجيلات الصوتية، وقد تعاقدت معها بلدية مدينة المَجاز لتحويل أرشيف مركز النداء القديم إلى ملفات رقمية قبل هدم المبنى. مرّ على المكالمة تسعة عشر عامًا....

تدريب على الغياب

صورة
في صباح الأحد الأول من شباط، أغلقت ألطاف منبّه ابنها قبل أن يرن، ثم أعادته إلى مكانه على الطاولة القريبة من سريره. لم تكن تريد منعه من الذهاب إلى العمل، بل أرادت أن تعرف إن كان سيستيقظ وحده حين تخونه العادة. جلست في المطبخ، تلف أصابعها حول كوب لم تشرب منه، وتراقب عقرب الدقائق يتقدم. عند السابعة إلا عشر دقائق خرج مهيب من غرفته مذعورًا، بقميص لم يُغلق أزراره على نحو صحيح، وسألها لماذا لم توقظه. قالت وهي تتجنب عينيه: «ظننت أنك ستسمع المنبّه». أجاب بحدة لم تعهدها منه: «أنا أسمعه عندما تتركينه يرن». فاتته الحافلة ذلك الصباح، وتأخر عن ورشة تجليد الكتب نصف ساعة. وحين عاد بعد الظهر، وضع حقيبته على الأرض بعنف محسوب، كأنه يريدها أن تسمع غضبه من دون أن يكسر شيئًا. كان في الرابعة والثلاثين، طويلًا، عريض الكتفين، يتعلم ببطء ويذكر التفاصيل بدقة تدهش من يظنه لا يفهم. كان يعيش معها في الطابق الثالث من بناية قديمة في حيّ الصوّان، ويقطع بالحافلة ست محطات إلى عمله. منذ طفولته، وصف الأطباء حالته بأنها إعاقة ذهنية بسيطة؛ لكنه كان يعرف طريق الورشة، ويقرأ أسماء الشوارع، ويقيس عرض كعب الكتاب حتى نصف السنتيمت...

خارج التطبيق

صورة
كان أكثر ما تكرهه مُزن في عملها ذلك الصمت القصير الذي يسبق ظهور التقييم على شاشة الهاتف. خمس نجوم تعني أن الراكب وصل راضيًا، وأربع تعني أن خطأً غامضًا سيظل يلاحقها بقية الليلة، أما النجمة الواحدة فكانت قادرة على خصم يوم كامل من دخلها. لذلك تعلمت أن تقود كما لو أنها تمشي فوق زجاج رقيق: لا موسيقى إلا إذا طُلبت، لا أسئلة شخصية، ولا حديث يتجاوز الطقس والازدحام. كانت السيارة، بالنسبة إليها، مكانًا مؤقتًا لا يسمح للقلوب بأن تترك حقائبها فيه. جاء سِنان في مساء بارد من أواخر كانون الثاني. خرج من مبنى المحكمة في ديربورن وهو يحمل ملفًا أزرق سميكًا ومظلة لم يفتحها رغم الثلج الخفيف. تأكد من رقم السيارة، ألقى التحية بالعربية، ثم جلس في المقعد الخلفي من الجهة المقابلة للسائقة، كأنه يعرف القاعدة غير المكتوبة التي تجعل المرأة العاملة ليلًا أقل توترًا. أعطاها العنوان بصوت هادئ، ووضع الملف إلى جواره. لم يطلب رفع التدفئة، ولم يجرّب فتح حديث طويل، ولم يحدق في المرآة. بعد دقائق، انزلقت من المقعد المجاور لمُزن لفافة أوراق مربوطة بشريط أسود. التقطتها عند الإشارة الحمراء وأعادتها إلى مكانها، لكن طرف مخطط مع...

ثمانية عشر درجًا

صورة
لم يكن في المبنى مصعد، وكانت رُبى تعدّ الدرجات كلما صعدت إلى شقتها في الطابق الثالث: ثمانية عشر درجًا في كل طابق، يتكرر عددها كأن البناية لا تملك من الخيال ما يكفي لتغييره. في صباح الثلاثاء، توقفت عند الدرجة السابعة عشرة من الطابق الثاني. كان رجل يجلس على الثامنة عشرة، يسند ظهره إلى الجدار ويضغط بمنديل ورقي على راحة يده. إلى جواره صندوق خشبي صغير، تناثرت منه مسامير ومفصلات نحاسية. قالت وهي تلتقط أنفاسها: — هل أنت بخير؟ رفع وجهه إليها. كان في أوائل الثلاثينيات، بقميص رمادي طُويت أكمامه، وعلى جبينه خط رفيع من العرق. — جرح بسيط. الصندوق قرر أن يختبر صبري. وضعت كيس مشترياتها على الدرجة، وأخرجت من حقيبتها علبة مناديل معقمة ولاصقًا طبيًا. تأمل ما في يدها، ثم قال: — تحملين صيدلية كاملة؟ — أعمل في روضة أطفال. إمّا أن تحمل الصيدلية معك، أو تقضي يومك تركض خلف طفل نزف أنفه لأنه أراد معرفة إن كانت حبة الحمص تدخل فيه. ضحك، ومد يده المصابة. كان الجرح سطحيًا لكنه طويل، أحدثته حافة معدنية صدئة. نظفته رُبى، وثبّتت اللاصق حول كفه بعناية. قال وهو ينظر إلى الرباط: — يبدو أنني اخترت أفضل درج لأ...