طفولة مستعارة
قبل أن يغادر البيت متجهاً إلى المدرسة، يتأكد الصبي من أن شقيقته الصغيرة ارتدت معطفها، وأن دواء والدته وُضع قرب كوب الماء، وأن والده لم ينسَ الأوراق التي يحتاج إليها في المستشفى. وحين يرن الهاتف أثناء الحصة، يستأذن من معلمه ليجيب؛ فقد تكون مكالمة من دائرة رسمية لا يفهم والداه لغتها، أو مشكلة عائلية ينتظر الجميع منه أن يجد لها حلاً. عمره أربعة عشر عاماً، لكن الأسرة تتعامل معه كما لو كان رجلاً مكتمل الخبرة. يعرف قيمة الإيجار، ومواعيد الفواتير، وأسباب الخلافات بين والديه، ومقدار الدين المتبقي، والمرض الذي تخفيه أمه عن بقية الأبناء. لا يطلب ألعاباً لأنه يعرف أن المال لا يكفي، ولا يخبرهم عن مشكلاته حتى لا يزيد تعبهم، ويعتذر كلما احتاج إلى شيء كأن احتياجاته خطأ ارتكبه. يصفه الجميع بأنه طفل عاقل. لكن أحداً لا يسأل: كم كلّفه هذا العقل المبكر؟ في كثير من البيوت، يوجد طفل لم يُسمح له بأن يعيش طفولته كاملة. لم يُحرَم منها بقرار معلن، ولم يقل له أحد صراحة إنه أصبح مسؤولاً عن الأسرة، لكن الأدوار انتقلت إليه بالتدريج. بدأ الأمر بطلب صغير: راقب أخاك حتى أعود. ثم صار مسؤولاً عن إطعامه، ومتابعة دراسته، ...