تدريب على الغياب
في صباح الأحد الأول من شباط، أغلقت ألطاف منبّه ابنها قبل أن يرن، ثم أعادته إلى مكانه على الطاولة القريبة من سريره. لم تكن تريد منعه من الذهاب إلى العمل، بل أرادت أن تعرف إن كان سيستيقظ وحده حين تخونه العادة. جلست في المطبخ، تلف أصابعها حول كوب لم تشرب منه، وتراقب عقرب الدقائق يتقدم. عند السابعة إلا عشر دقائق خرج مهيب من غرفته مذعورًا، بقميص لم يُغلق أزراره على نحو صحيح، وسألها لماذا لم توقظه. قالت وهي تتجنب عينيه: «ظننت أنك ستسمع المنبّه». أجاب بحدة لم تعهدها منه: «أنا أسمعه عندما تتركينه يرن».
فاتته الحافلة ذلك الصباح، وتأخر عن ورشة تجليد الكتب نصف ساعة. وحين عاد بعد الظهر، وضع حقيبته على الأرض بعنف محسوب، كأنه يريدها أن تسمع غضبه من دون أن يكسر شيئًا. كان في الرابعة والثلاثين، طويلًا، عريض الكتفين، يتعلم ببطء ويذكر التفاصيل بدقة تدهش من يظنه لا يفهم. كان يعيش معها في الطابق الثالث من بناية قديمة في حيّ الصوّان، ويقطع بالحافلة ست محطات إلى عمله. منذ طفولته، وصف الأطباء حالته بأنها إعاقة ذهنية بسيطة؛ لكنه كان يعرف طريق الورشة، ويقرأ أسماء الشوارع، ويقيس عرض كعب الكتاب حتى نصف السنتيمتر. ما لم يتعلمه هو أن يبدأ يومه من دون صوت أمه خلف الباب.
قال لها وهو يعيد أزرار قميصه واحدًا واحدًا:
— أنتِ أطفأتِ المنبّه.
لم تنكر.
— أردت أن أعرف ماذا ستفعل إن لم أوقظك.
— ولماذا لا توقظينني؟
— لأنك تستطيع أن تستيقظ وحدك.
رفع رأسه، وحدق فيها طويلًا.
— أستطيع، لكنكِ موجودة.
كانت تلك الجملة هي كل ما تخشاه. لم يكن اتكاله عليها عجزًا كاملًا؛ كان اتفاقًا صامتًا صنعته بيديها طوال سنوات، ثم قررت فجأة أن تنقضه من طرف واحد.
قبل أربعة أيام، جلست ألطاف في غرفة بيضاء أمام طبيب يتحدث بنبرة حاول أن يجعلها هادئة. أخبرها أن المرض الخبيث الذي قاومته سنة كاملة انتشر، وأن العلاج الجديد قد يبطئه لكنه لن يعيده إلى الوراء. سألته عن الوقت، فلم يمنحها رقمًا حاسمًا. قال: «أشهر، على الأرجح»، ثم بدأ يشرح تسكين الألم والرعاية المنزلية. لم تسمع بقية الجمل. رأت مهيب واقفًا عند باب البيت في السادسة والنصف صباحًا، ينتظر منها أن تناوله بطاقة الحافلة، وفكرت: من سيعرف أن جيبه الأيسر للبطاقة، وأنه إذا اضطرب نسي قراءة رقم الخط ولو كان يحفظه؟
لم تخبره يومها. عادت إلى البيت، طبخت الأرز كما تفعل دائمًا، وسألته عن الكتب التي أصلحها. حدثها بحماس عن مجلد قديم انفصل كعبه، وعن خيط كحلي اختاره بدل الأسود لأن لون الغلاف يميل إلى الزرقة. أصغت إليه، ثم دخلت غرفتها وكتبت في دفتر صغير قائمة بعنوان لم تجرؤ على قراءته بصوت مرتفع: «ما يجب أن يعرفه مهيب قبل أن أذهب». وتحت العنوان كتبت: الاستيقاظ، إعداد الفطور، دواء الحساسية، الحافلة، النقود، الغاز، الاتصال بسلافة، إغلاق الباب، ماذا يفعل إذا خاف. وحين انتهت، بدا الدفتر أثقل من أن تحمله يد واحدة.
بدأت بالأمور التي حسبتها سهلة. وضعت بطاقة الحافلة في درج آخر، وطلبت منه أن يبحث عنها. جعلته يدفع ثمن الخبز ويحسب الباقي. وقفت خلفه وهو يشعل الموقد، ثم قاومت رغبتها في إبعاد يده حين اقتربت أصابعه من اللهب. علّقت قرب الباب لوحة عليها دوائر ملونة تمثل خطوات الخروج: مفتاح، محفظة، هاتف، بطاقة. لم تكن هناك كلمات كثيرة، لأن الصور ترتب ذهنه أسرع. في اليوم الأول أحب اللوحة. في اليوم الثالث قال إنها تجعله يبدو طفلًا. نزعتها، وطلبت منه أن يرسم نسخته بنفسه. رسم أربع مربعات مستقيمة وأضاف بينها ساعة يد، ثم قال: «أنتِ تنسين الساعة دائمًا».
كان مهيب يكتشف تناقضاتها بسرعة. طوال حياته كانت تقول له إن الشارع خطير، ثم صارت تدفعه إلى عبوره وحده. كانت ترفض أن يحمل قدر الحساء لأنه ساخن، ثم طلبت منه أن يرفعه عن النار. وحين سألها عن سبب هذا التحول، قالت إن ظهرها يؤلمها وإن عليها أن ترتاح. لم تكن كاذبة تمامًا؛ الألم بدأ يصعد من بطنها إلى ظهرها كيد تضغط ببطء. لكنه لم يقتنع. صار يراقبها وهي تبتلع حبوبها، ويعد مرات جلوسها في منتصف الأعمال، ثم يسأل: «هل أنتِ مريضة أكثر؟» فتجيبه: «أنا متعبة اليوم»، وكأن الأيام وحدات منفصلة لا يجمعها مرض واحد.
وصلت سلافة مساء الخميس تحمل فاكهة أكثر مما يحتاجه البيت. كانت تكبر أخاها بخمس سنوات وتسكن في مدينة تبعد ساعتين، مع زوجها وطفليها. عرفت بالتشخيص قبل مهيب لأن ألطاف اتصلت بها من موقف المستشفى وهي لا تعرف بمن تبدأ. منذ دخلت، أخذت تنظر إلى الأثاث كما لو أنها تقيس ما يمكن نقله. قالت إن الحل واضح: يأتي مهيب للعيش معها، وتؤجر البيت لتغطية مصاريفه. لم ترد ألطاف أمامه، لكن مهيب سمع اسمه يتكرر في الغرفة المجاورة، فجلس قرب الباب وأوقف التلفاز.
قالت ألطاف لابنتها:
— لم تسأليه ماذا يريد.
— أمي، هو لا يعرف ما الذي يعنيه أن يبقى وحده.
— ولهذا أعلّمه، لا لكي نقرر مكانه من دونه.
— وأنا لدي بيت وأطفال وعمل. لا أستطيع أن أقطع ساعتين كل يوم.
— لم أطلب ذلك.
— إذن ماذا تطلبين؟ أن نتركه هنا ونطمئن لأن الجيران يطرقون الباب؟
ارتفع صوت سلافة، فدخل مهيب وقال:
— أنا لست صندوقًا تبحثان عن مكان له.
ساد الصمت. لم يبكِ، ولم يصرخ. أخذ سترته وخرج، ولم تلحقه ألطاف لأن ركضها صار مستحيلًا ولأن جزءًا منها أراد أن يعرف إن كان سيعود.
عاد بعد أربعين دقيقة يحمل كيس خبز وبطاقة الحافلة في جيبه الأيسر. كان وجهه محمرًا من البرد. وضع الخبز على الطاولة وقال لأخته:
— أريد أن أبقى في بيتي. أذهب إلى الورشة ثلاثة أيام. يوم الثلاثاء أغسل الملابس. أستطيع أن أتعلم الباقي.
سألته سلافة:
— وإذا مرضت؟
— أتصل بكِ.
— وإذا لم تجب؟
— أتصل بأم زاهر في الطابق الأرضي.
— وإذا احترق شيء؟
فكر لحظة، ثم قال:
— أخرج أولًا، وبعدها أتصل.
نظرت سلافة إلى أمها. للمرة الأولى لم يكن السؤال هل يفهم مهيب الخطر، بل لماذا لم يسمحا له من قبل بأن يثبت ما يفهمه.
اتفقوا على زيارة مركز قريب يقدم دعمًا للبالغين الذين يحتاجون إلى مساعدة جزئية. جلست الأخصائية مع مهيب لا مع أمه، وسألته عن عمله وطعامه المفضل وما الذي يخيفه. قال إن أكثر ما يخيفه أن يضيع المفتاح، ثم أضاف بعد صمت: «وأن تتكلم أمي مع أختي عني وأنا في الغرفة». دوّنت الأخصائية كلامه، واقترحت أن يبقى في البيت مع زيارات منتظمة، وهاتف مبسط، وخطة للمصروف والطوارئ، وأن تزيد أيام عمله إذا وافقت الورشة. لم تعده بأن كل شيء سيكون سهلًا. قالت إن الاستقلال ليس أن يفعل الإنسان كل شيء وحده، بل أن يعرف المساعدة التي يحتاج إليها وكيف يطلبها.
خرج مهيب مرتاحًا، أما ألطاف فشعرت بوخزة خجل. كانت قد أمضت عمرها تدافع عنه ممن يقللون من قدره، ثم اكتشفت أنها، بحبها الخائف، رسمت حوله سياجًا آخر. كانت تتولى عنه الأعمال قبل أن يخطئ، وتجيب بدلًا منه قبل أن يبحث عن العبارة، وتعتبر حاجته إليها دليلًا على نجاحها كأم. الآن لم يكن أمامها وقت لتفكيك ذلك السياج بهدوء. كل درس جديد بدا اعتذارًا متأخرًا، وكل خطوة ينجح فيها كانت تفرحها وتجرحها معًا.
في الأسبوع التالي تعلم مهيب إعداد حساء العدس. كتب المقادير بألوان مختلفة، لكنه خلط في المرة الأولى بين ملعقة الملح وملعقة الكمون. أكلت ألطاف الطبق كاملًا رغم ملوحته، فقال وهو يراقب وجهها:
— ليس جيدًا.
— سيصبح أفضل.
— أنتِ تقولين ذلك عن الطعام أم عني؟
وضعت الملعقة جانبًا.
— عن الحساء. أنت لا تحتاج أن تصبح شخصًا آخر.
لم يبتسم. أشار إلى الدفتر الصغير الذي نسيته قرب الثلاجة.
— ما هذا؟
مدت يدها بسرعة، لكنه كان أقرب.
قرأ الصفحة الأولى ببطء. لم يفهم كل الكلمات، لكنه فهم العنوان الذي شطبته ألطاف حتى كاد الورق يتمزق: «ما يجب أن يعرفه مهيب قبل أن أذهب». قلب الصفحات، فرأى مواعيد الأدوية، وأرقامًا للطوارئ، وطريقة إغلاق صمام الغاز، وملاحظة تقول إن سلافة ينبغي ألا تغيّر ترتيب غرفته من دون إذنه. رفع عينيه إلى أمه، وكان الخوف فيهما أكثر وضوحًا من الغضب.
— إلى أين ستذهبين؟
لم تجد كذبة تستطيع العيش معها بعد ذلك السؤال.
— أنا مريضة يا مهيب. العلاج لم يعد يوقف المرض كما كنا نأمل.
— هل ستدخلين المستشفى؟
— أحيانًا، وربما أبقى هنا مع ممرضة.
— وبعدها تتحسنين؟
تحرك فمها ولم يخرج صوت. هز رأسه كمن يرفض جوابًا لم يسمعه.
— هل تموتين؟
قالت: «نعم»، وسقطت الكلمة بينهما بلا استعارة تحميهما.
دفع الدفتر بعيدًا حتى اصطدم بالحائط.
— إذن أنتِ لا تعلّمينني. أنتِ تدربينني على غيابك.
ثم دخل غرفته وأغلق الباب. لم يفتحه عندما نادته سلافة عبر الهاتف، ولم يخرج للعشاء. عند منتصف الليل سمعت ألطاف بكاءه مكتومًا تحت الوسادة، فجلست على الأرض خارج غرفته لأنها لم تستطع الوقوف طويلًا. قالت من وراء الباب:
— أخطأت حين أخفيت عنك.
لم يجب.
— ظننت أنني أحميك.
جاء صوته متقطعًا:
— دائمًا تقولين تحمينني عندما لا تسألينني.
لم تجد ما تدافع به عن نفسها. بقيت مكانها حتى غلبها الألم، ثم نهضت مستندة إلى الجدار وتركت الضوء في الممر مشتعلًا.
في الصباح خرج مهيب قبل أن تستيقظ. وجدت سريره مرتبًا وحقيبته غير موجودة. اتصلت بالورشة، فقال المسؤول إنه وصل في موعده وإنه طلب العمل يومًا إضافيًا. حاولت أن تشعر بالفخر، لكن قلبها ظل معلقًا حتى عاد عند الثالثة. لم يحمل الخبز هذه المرة، بل حمل ملفًا بلاستيكيًا شفافًا. أخرج منه أوراقًا رسم عليها طريق الحافلة، وأسماء المحطات، وصورة باب الورشة، ثم وضعها أمامها.
— طلبت من الأستاذ أن يساعدني.
قالت:
— ممتاز.
— لا تقولي ممتاز كأنني طفل.
صححت نفسها:
— هذه خطة واضحة. ستفيدك.
جلس قبالتها.
— أريد أن أعرف كل شيء. لا أريد أن أجد دفترًا آخر بعد موتك.
أخبرته بما تعرف. لم تعطِه موعدًا زائفًا، ولم تقل إن المعجزات ممكنة. شرحت أن المرض قد يضعفها، وأن النوم سيطول، وأن الممرضة ستأتي، وأن الألم يمكن تهدئته غالبًا. سألها إن كانت خائفة. قالت إنها تخاف الوجع وتخاف عليه، لكنها لا تخاف من الكلام عن ذلك. سأل: «هل أنا السبب في أنكِ خائفة؟» فأمسكت يده وقالت: «أنت السبب في أنني أريد وقتًا أكثر، ولست السبب في مرضي ولا في موتي». كرر الجملة مرتين حتى يتأكد من ترتيبها، ثم طلب أن يكتبها في دفتَره.
تحول التدريب بعد ذلك إلى اتفاق لا إلى كمين. اختار مهيب بنفسه ما يريد تعلمه، ورفض بعض الأشياء حتى وقت لاحق. تدرب على دفع الفواتير مع سلافة، وعلى طلب وصفته من الصيدلية، وعلى تنظيف المرشح الصغير في الغسالة. وضعوا النقود في أظرف تحمل رموزًا لا مبالغ مكتوبة، حتى لا يراها من يدخل البيت. أعطى نسخة المفتاح لأم زاهر، وطلب منها ألا تستخدمه إلا إذا اتصل ولم يجب. زادت الورشة دوامه إلى أربعة أيام، واتفق المسؤول على إرسال رسالة إذا غاب من دون إشعار. لم تكن الخطة مثالية، لكنها كانت تخصه، وهذا ما جعلها قابلة للحياة.
أما سلافة، فكانت تتعلم بدورها. توقفت عن قول «سآخذه عندي» وصارت تقول «سأسأله». جلست مع أخيها وكتبا قواعد لزياراتها: تأتي مساء الأربعاء، وتتصل قبل أن تدخل، ولا ترتب ملابسه. احتجت على القاعدة الأخيرة، فضحك مهيب للمرة الأولى منذ عرف الخبر وقال إن أبناءها أيضًا لا يحبون أن تفتش خزائنهم. ضحكت ألطاف حتى آلمها جنبها. في تلك اللحظة بدا المستقبل قريبًا وقاسيًا، لكنه لم يعد هاوية بلا حواف؛ صار طريقًا فيه أشخاص وعناوين ومواعيد، ويمكن لمهيب أن يشير إلى الاتجاه الذي يريده.
مع انقضاء الشتاء، خف جسد ألطاف بسرعة. صار صعود الدرج يحتاج إلى استراحة، ثم انتقل سريرها إلى الغرفة المطلة على الفناء. جاء كرسي بعجلات، وجهاز صغير للدواء، وممرضة ذات خطوات هادئة. كان الأقارب يزورونها ويحاولون الكلام بصوت مرح، ثم يخرجون إلى الممر ليبكوا. مهيب لم يفعل ذلك. كان يجلس قربها ويخبرها بما أنجز في الورشة: غلاف أخضر أعاد له زواياه، أطلس فقد خريطتين، ومصحف قديم احتاج خيطًا من القطن لا النايلون. كانت تصغي كأن الكتب مرضى عادوا إلى البيت.
حين ضعفت يداها، صار هو من يعد الحساء. في إحدى الليالي ذاقته وقال:
— الملح صحيح.
أجابت:
— والكمون؟
— أقل من أول مرة.
— إذن صار أفضل.
ابتسم وقال:
— الحساء فقط.
عرفت أنه يعيد إليها جملتها القديمة، فضحكت. ثم ساعدها على الشرب من دون أن يرفع الكوب بسرعة، ومسح قطرة علقت عند ذقنها. أحست بالامتنان، ثم بالحزن لأنها حولت ابنها في ذهنها طويلًا إلى من يتلقى الرعاية وحده. كان قادرًا على العطاء دائمًا؛ هي فقط كانت مستعجلة في خدمته إلى حد أنها لم تترك يديه تكتشفان ذلك.
في آخر مساء بقيت فيه واعية تمامًا، طلبت أن يصعدا إلى السطح. اعترضت الممرضة، لكن مهيب أحضر الكرسي ولف أمه ببطانيتين. دفعها ببطء حتى وصلا إلى الجدار القصير الذي يطل على الحي. كانت الشمس تغيب وراء خزانات الماء، وتنعكس بلون نحاسي على النوافذ. أخرج من جيبه بطاقة الحافلة ولوح بها أمامها.
— غدًا يوم عمل.
قالت:
— أعرف.
— سأستيقظ وحدي.
— أعرف.
صمت قليلًا، ثم سأل:
— إذا ذهبتُ، هل تموتين وأنا خارج البيت؟
كان السؤال مباشرًا، ولم تملك يقينًا يطمئنه.
— قد يحدث ذلك في أي وقت، لكن ذهابك إلى عملك لا يسبب موتي.
— وإذا بقيت؟
— لن يمنعه بقاؤك.
ظل ينظر إلى البطاقة.
— أريد أن أكون هنا.
— ابق إذا كان هذا ما تريده، لا لأنك تظن أنك تحرسني من الموت.
وضع البطاقة في جيبه الأيسر، ثم قرب كرسيه منها. لم يتحدثا عن الشجاعة ولا الوداع. راقبا امرأة تجمع الغسيل من سطح مجاور، وولدًا يركض خلف طائرة ورقية هبطت بين الأسلاك. بعد دقائق قال مهيب إن الهواء بارد، وأعادها إلى غرفتها. قبل أن يطفئ المصباح، طلبت منه أن يضبط منبّهه بنفسه. فعل، ووضعه قرب سريره، لكنه ترك باب غرفته مفتوحًا.
لم يذهب إلى العمل في اليوم التالي. عند الفجر، دخل غرفة أمه فوجد الممرضة إلى جوارها وسلافة في الطريق إليهما. كانت ألطاف تتنفس على فترات متباعدة، وعيناها نصف مفتوحتين. جلس مهيب قربها وذكرها بأن اليوم اثنين، وأن الحافلة الأولى مرت قبل سبع دقائق. لم يعرف إن كانت تسمعه. وضع يدها فوق كفه وقال:
— المفتاح في الدرج الثاني. والبطاقة في جيبي الأيسر. وسلافة تتصل قبل أن تدخل.
تحركت أصابعها حركة خفيفة، ربما كانت استجابة وربما لم تكن. بعد ساعة توقف تنفسها، وبقي مهيب ممسكًا بيدها حتى قالت الممرضة إن بإمكانه تركها. أجاب: «أعرف، لكنني لم أنتهِ بعد».
في أيام العزاء تكلم الناس عنه أكثر مما تكلموا معه. قال خال إنه لا يجوز أن يبيت وحده، وقالت عمة إن بيع البيت أضمن، واقترح آخر أن تتولى سلافة كل النقود. كان مهيب جالسًا قرب الباب يسمع، كما سمع في تلك الليلة الأولى. هذه المرة لم يخرج غاضبًا. أحضر الملف الشفاف ووضعه على الطاولة. شرح مواعيد عمله، وزيارات الأخصائية، ونسخ المفاتيح، والأظرف، واتفاقه مع أخته. تعثر في بعض الجمل، فانتظر حتى وجد الكلمات. وحين حاول خاله مقاطعته، قالت سلافة: «دعه يكمل». أكمل، ثم قال: «أمي لم تتركني وحدي. تركتني مع خطة اخترتها أنا».
بقيت سلافة معه ثلاث ليال، كما اتفقا قبل وفاة ألطاف. في الليلة الرابعة سألته مرتين إن كان يريدها أن تبقى، فأجاب أنه يريد أن يجرب. عانقته عند الباب، ثم انتظرت في سيارتها حتى رأت ضوء غرفته يشتعل. داخل البيت، دار مهيب بين الغرف متفقدًا النوافذ وصمام الغاز. كل شيء كان في مكانه، وهذا جعل غياب أمه أشد وضوحًا. لم يعد هناك شيء مفقود يمكن البحث عنه، ولا خطأ يمكن إصلاحه. جلس على طرف سريرها، شم رائحة الدواء والنعناع في الوسادة، ثم أغلق الباب من دون أن يطفئ المصباح.
رن المنبّه في السادسة والنصف صباح الاثنين التالي. فتح مهيب عينيه قبل الرنة الثانية، ارتدى قميصه، ثم أعاد إغلاق الزر الثالث بعدما اكتشف أنه بدأ من المكان الخطأ. في المطبخ ملأ الغلاية وأخرج كوبين بحكم العادة. وضع ملعقة سكر في كوبه، ونصف ملعقة في كوب ألطاف، ثم تذكر وهي لا تزال الغلاية تصدر صوتها الخافت. لم يسكب الماء فورًا. وقف أمام الكوبين كأن أحدهما سؤال لم تضعه أمه في الدفتر.
وصل صوت الحافلة من آخر الشارع. نظر إلى الساعة، ثم صب الشاي في الكوبين. شرب جرعة سريعة من كوبه، ووضع كوب ألطاف قرب مكانها المعتاد. عند الباب لمس جيبه الأيسر، ثم عاد إلى المطبخ. فتح خزانة صغيرة، أخرج قارورة تحفظ الحرارة، وسكب فيها شايها قبل أن يبرد. لم يكن يعرف إن كان هذا منطقيًا، لكنه لم يرد أن يتركه وحده على الطاولة. حمل القارورة وحقيبته، أغلق الغاز والباب، ونزل الدرج.
كانت الحافلة تستعد للتحرك حين وصل. رفع السائق يده محييًا، وجلس مهيب في المقعد القريب من النافذة. أخرج القارورة عند الإشارة الأولى وشرب منها. كان الشاي أقل حلاوة مما يحبه، تمامًا كما كانت تشربه ألطاف. انكمش وجهه من الطعم، ثم أخذ جرعة ثانية. خلفه ابتعد البيت، وبقي المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه فارغًا، لكن الحافلة مضت به نحو الورشة. لم تكن ألطاف قد علّمته كيف يتوقف عن إعداد الكوب الثاني؛ كانت قد علّمته فقط ألا يفوّت الحافلة بسببه.

تعليقات
إرسال تعليق