الصفحة الرئيسية قصص حب ثمانية عشر درجًا

ثمانية عشر درجًا

ثمانية عشر درجًا

لم يكن في المبنى مصعد، وكانت رُبى تعدّ الدرجات كلما صعدت إلى شقتها في الطابق الثالث: ثمانية عشر درجًا في كل طابق، يتكرر عددها كأن البناية لا تملك من الخيال ما يكفي لتغييره.

في صباح الثلاثاء، توقفت عند الدرجة السابعة عشرة من الطابق الثاني. كان رجل يجلس على الثامنة عشرة، يسند ظهره إلى الجدار ويضغط بمنديل ورقي على راحة يده. إلى جواره صندوق خشبي صغير، تناثرت منه مسامير ومفصلات نحاسية.

قالت وهي تلتقط أنفاسها:

— هل أنت بخير؟

رفع وجهه إليها. كان في أوائل الثلاثينيات، بقميص رمادي طُويت أكمامه، وعلى جبينه خط رفيع من العرق.

— جرح بسيط. الصندوق قرر أن يختبر صبري.

وضعت كيس مشترياتها على الدرجة، وأخرجت من حقيبتها علبة مناديل معقمة ولاصقًا طبيًا.

تأمل ما في يدها، ثم قال:

— تحملين صيدلية كاملة؟

— أعمل في روضة أطفال. إمّا أن تحمل الصيدلية معك، أو تقضي يومك تركض خلف طفل نزف أنفه لأنه أراد معرفة إن كانت حبة الحمص تدخل فيه.

ضحك، ومد يده المصابة. كان الجرح سطحيًا لكنه طويل، أحدثته حافة معدنية صدئة. نظفته رُبى، وثبّتت اللاصق حول كفه بعناية.

قال وهو ينظر إلى الرباط:

— يبدو أنني اخترت أفضل درج لأُصاب عليه.

— لم تختره. أنت تسد الطريق فحسب.

تحرك مبتسمًا، فحملت كيسها وصعدت. وقبل أن تصل إلى المنعطف، سمعته يقول:

— اسمي نائل، بالمناسبة. انتقلت إلى الشقة السابعة.

التفتت إليه من أعلى.

— رُبى. الشقة التاسعة.

— شكرًا يا رُبى، الشقة التاسعة.

لم تكن تعرف أن الجملة العابرة ستبقى في ذاكرتها سنوات، لا بسبب ما قيل فيها، بل لأن بعض العلاقات العميقة تدخل حياتنا بالهيئة نفسها التي يدخل بها ضوء خافت من شق باب: لا ننتبه إليه أول الأمر، ثم نكتشف أنه غيّر شكل الغرفة كلها.

كان المبنى قديمًا، يقع في شارع جانبي هادئ تتجاور فيه أشجار التوت ومحال تصليح الأجهزة. شُيّد في أواخر الثمانينيات، ثم تعاقبت عليه طبقات من الطلاء الرخيص حتى صارت جدرانه تشبه ذاكرة عائلة حاولت مرارًا تغطية ما يؤلمها ولم تنجح.

انتقل نائل إلى الشقة السابعة بعدما انفصل عن شريكه في ورشة لترميم الأثاث. لم يكن الانفصال عاطفيًا ولا صاخبًا؛ مجرد خلاف طويل على المال وطريقة العمل انتهى بأن أخذ نائل أدواته القليلة، وبعض الطلبات غير المكتملة، واستأجر شقة صغيرة جعل غرفة الجلوس فيها ورشة مؤقتة.

كانت رُبى تسمع أحيانًا طرقات خفيفة بعد التاسعة ليلًا، لكنها لم تشتكِ. في المقابل، كان هو يسمع صوتها وهي تدرّب أطفال الروضة عبر الهاتف على أغنية لحفل نهاية العام، ولم يسألها كيف يمكن لإنسانة بالغة أن تكرر عبارة «نحن الفراشات الصغيرات» اثنتين وأربعين مرة دون أن تفقد عقلها.

بعد أسبوع من لقائهما الأول، وجدت أمام بابها كرسيًا خشبيًا صغيرًا مطليًا بلون العسل، وعلى مقعده ورقة كتب عليها: «بدل اللاصق الطبي. يصلح للجلوس، ولا أنصح بإدخال الحمص في فتحاته».

طرقت بابه فورًا.

فتح نائل، وفي يده فرشاة طلاء.

— ما هذا؟

— كرسي.

— أعرف أنه كرسي. لماذا وضعته أمام بابي؟

— كان مكسورًا وأصلحته. خطر لي أن الروضة قد تحتاجه.

— والروضة مليئة بالكراسي.

— إذن ضعي عليه نبتة.

— وليس لدي نباتات.

نظر إلى المساحة خلفها، وقال بجدية مصطنعة:

— هذه مشكلة أكبر من الكرسي.

احتفظت به. وبعد أيام اشترت نبتة ريحان صغيرة ووضعتها فوقه قرب النافذة. لم تعترف لنائل أن النبتة ماتت بعد أسبوعين لأنها أغرقتها بالماء، ثم اشترت أخرى تشبهها كي لا يلاحظ.

لاحظ، ولم يقل شيئًا.

كان لقاؤهما يتكرر على الدرج. أحيانًا عند السابعة صباحًا، حين تخرج رُبى إلى عملها وتحمل ملفات الأطفال وعلبة طعام لم تتعلم يومًا إغلاقها جيدًا. وأحيانًا بعد المغرب، حين يعود نائل حاملًا ظهر كرسي أو باب خزانة قديمة، فيطلب منها أن تفتح له باب المبنى.

مع الوقت، صار كل واحد منهما يعرف إيقاع الآخر دون اتفاق. كانت تعرف أنه يشرب قهوته بلا سكر لأنه يترك كوبه على حافة النافذة المشتركة حين ينقل الأثاث. وكان يعرف أنها تتأخر كل خميس نصف ساعة لأنها تزور والدتها بعد العمل.

وذات مساء انقطعت الكهرباء عن الحي. خرج السكان إلى الشرفات والممرات، وتحول المبنى إلى أصوات بلا وجوه. جلست رُبى على الدرج قرب نافذة الطابق الثالث، تستفيد من ضوء الشارع المتسلل عبر الزجاج. جاء نائل يحمل مصباحًا صغيرًا وكوبين من الشاي.

قال وهو يناولها أحدهما:

— بلا سكر. ظننت أنك تشربين الشاي هكذا.

— من قال لك؟

— في الأسبوع الماضي، أعطتك أم سليم كوبًا في المدخل، فتذوقته ثم قلت لها: لذيذ جدًا. وبعد أن غادرت سكبتِ نصفه في حوض النبتة.

حدقت فيه.

— هل تراقبني؟

— كنت أحاول إنقاذ نبتتك الثالثة.

ضحكت رغمًا عنها.

جلس على بعد درجتين منها. في الشارع، كان أصحاب المحال يشغلون مصابيح هواتفهم، والأطفال يركضون فرحين كأن انقطاع الكهرباء احتفال أُعدّ خصيصًا لهم.

سألها:

— لماذا تعملين في روضة؟

فكرت قليلًا قبل أن تجيب:

— لأن الأطفال يقولون ما يشعرون به قبل أن يتعلموا إخفاءه. إذا غضب طفل منك يقول: أنا غاضب. وإذا أحبك يمسك يدك. الكبار يجعلون كل شيء معقدًا.

— وربما لأن الطفل يستطيع الاعتذار بسهولة.

نظرت إليه.

— تبدو كأنك تعرف شخصًا لا يستطيع.

حرك كوبه بين يديه وقال:

— أعرف نفسي.

كان صوته هادئًا، لكنه أغلق الباب أمام السؤال التالي. احترمت رُبى ذلك. تحدثا بعدها عن أشياء صغيرة: مالك المبنى الذي يعدهم كل شتاء بإصلاح السطح، وعن القطة البيضاء التي لا يعرف أحد لمن تعود، وعن رغبة رُبى في شراء سيارة مستعملة كي تتوقف عن خوض معركتها اليومية مع الحافلات.

عادت الكهرباء بعد ساعة، إلا أنهما بقيا على الدرج عشر دقائق أخرى، كأن الضوء المفاجئ فضح شيئًا لم يكونا مستعدين لتسميته.

بدأت علاقتهما من التفاصيل التي لا تُعلن عن نفسها. أصلح نائل باب خزانة مطبخها، فطبخت له رُبى قدرًا من الأرز والدجاج. أوصلها إلى الروضة عندما تعطلت الحافلات بسبب المطر، فساعدته في ترتيب فواتير ورشته. وعندما مرضت والدته في مدينة أخرى، ملأت له حقيبة صغيرة بالطعام، وقالت إنها لا تثق بالمطاعم القريبة من المستشفى.

لم يكن نائل كثير الكلام عن عائلته. أخبرها أن والده توفي قبل سبع سنوات، وأن والدته تعيش مع أخته المتزوجة. أما رُبى فكانت أكثر وضوحًا؛ مات والدها وهي في الجامعة، وبقيت والدتها وحدها في بيت العائلة بعد زواج شقيقيها.

عرف أيضًا أنها كانت مخطوبة قبل ثلاث سنوات إلى رجل اسمه لؤي، موظف في شركة اتصالات. استمرت الخطبة أحد عشر شهرًا وانتهت قبل موعد الزواج بأسابيع.

سألها مرة:

— هل خانك؟

قالت:

— لا. كان فقط يريد زوجة لا تشبهني.

— لماذا اختارك إذن؟

— لأنه أحب الصورة التي تخيل أنه يستطيع تحويلي إليها.

لم تسهب في التفاصيل. عرف لاحقًا من والدتها أن لؤي كان يعترض على عملها، وملابسها، وطريقتها في إنفاق راتبها، وعلى زياراتها لأمها. وفي كل مرة كانت رُبى تتنازل عن شيء، كان يجد شيئًا آخر يحتاج إلى تعديل. حتى جاء اليوم الذي طلب منها أن تقطع علاقتها بصديقتها الوحيدة لأنها «تؤثر فيها»، فخلعت خاتمها ووضعته أمامه.

قال نائل:

— فعلتِ الصواب.

أجابته:

— أعرف. لكن الصواب لا يمنع الألم.

كانت تلك الجملة أول نافذة فتحتها له على خوفها الحقيقي. لم تكن تخشى الحب، بل تخشى أن تستيقظ داخله يومًا فلا تتعرف إلى نفسها.

أما نائل، فكان يحمل خوفًا مختلفًا. أخبرها في ليلة شتوية أنه سبق أن أحب امرأة تُدعى هناء، زميلته في معهد الفنون التطبيقية. كانا في الثالثة والعشرين حين اتفقا على الزواج. سافر نائل إلى مدينة ساحلية للعمل في ورشة كبيرة، ووعدها أن يعود بعد عام ومعه ما يكفي لافتتاح مشروع صغير.

انتظرته هناء أشهرًا، ثم بدأت المسافات تأكل ما بينهما. كان يعمل اثنتي عشرة ساعة يوميًا ويؤجل مكالماتها، وحين تشكو من غيابه يتهمها بأنها لا تفهم ما يفعله لأجلهما. مات والدها فجأة، فعاد يومين فقط إلى الجنازة ثم سافر بسبب عقد لا يستطيع خسارته. بعد ثلاثة أسابيع أرسلت إليه خاتمه مع أخيها.

قال نائل وهو يمرر إصبعه على حافة الطاولة:

— كنت أقول إنني أبني مستقبلنا، ولم أنتبه إلى أنني أهدم حاضرنا.

سألته رُبى:

— هل حاولت الاعتذار؟

— بعد عام. كانت قد تزوجت.

— وهل سامحتك؟

— قالت إنها سامحتني منذ وقت طويل، لكن سماحها لم يغيّر شيئًا.

فهمت عندها معنى عبارته في ليلة انقطاع الكهرباء: كان يعرف نفسه حين تحدث عن الذين لا يجيدون الاعتذار إلا بعد فوات الأوان.

مرّت الشهور، وصار وجوده جزءًا من أيامها. في حفل الروضة، حضر نائل بحجة تثبيت أحد الديكورات، ثم بقي حتى النهاية. رأته رُبى واقفًا في الصف الأخير يصفق للأطفال بحماسة تفوق حماسة بعض آبائهم. وبعد انتهاء العرض، ركضت طفلة اسمها ليان نحوه وسألته أمام الجميع:

— أنت زوج المعلمة رُبى؟

ارتبك، وانفجرت رُبى ضاحكة، ثم قالت:

— لا يا ليان، هذا جاري.

سألت الطفلة:

— لماذا لا تتزوجان؟ هو طويل وأنت طويلة.

قال نائل:

— يبدو أن لديها معايير واضحة جدًا.

في طريق العودة، ساد بينهما صمت مختلف. لم تكن كلمات الطفلة مهمة في ذاتها، لكنها وضعت احتمالًا كانا يتجنبان النظر إليه في منتصف الطريق.

عند باب شقتها، قال نائل:

— رُبى، هل تسمحين أن أدعوك إلى العشاء غدًا؟ ليس بصفتي الجار الذي يصلح الخزائن.

رفعت عينيها إليه.

— وبأي صفة؟

ابتلع ارتباكه وقال:

— رجل يريد أن يعرف إن كان يستطيع أن يصبح أكثر من جار.

لم تجبه فورًا. كان في داخلها جزء يريد أن يقول نعم بلا حساب، وجزء آخر يفتش عن الباب الأقرب للهرب.

قالت أخيرًا:

— موافقة. لكن لا تختَر مكانًا فاخرًا. لا أعرف كيف أتصرف أمام سبع شوكات.

ذهب بها إلى مطعم صغير قرب النهر، لا يملك سوى شوكة واحدة لكل شخص. تحدثا بوضوح لأول مرة. لم يقدم نائل وعودًا ضخمة، ولم يقل إنه لم يشعر هكذا من قبل. قال فقط إنه ينتظر رؤيتها على الدرج، وإنه صار يشتري قهوته متأخرًا كي يصادف عودتها، وإنه حين يفكر في بيت يريد أن يكون صوتها جزءًا منه.

قالت رُبى:

— لدي شرط.

— قولي.

— لا تحاول إصلاحي كما تصلح أثاثك.

ابتسم.

— وأنتِ لا تعامليني كأحد أطفال الروضة.

— هذا يعتمد على سلوكك.

بدأت علاقتهما معلنة وواضحة. زار نائل والدتها، فجاء بقالب حلوى وصندوق خشبي صنعه بنفسه. جلست أم رُبى قبالته وسألته عن دخله وخططه وسكنه، ثم سألته فجأة:

— إذا اختلفتما، هل تصرخ؟

قال:

— أحيانًا يرتفع صوتي، لكنني لا أشتم ولا أمد يدي.

— وإذا أخطأت؟

تردد لحظة.

— أتأخر في الاعتذار، وهذه مشكلة أحاول تغييرها.

بعد مغادرته، قالت الأم لابنتها:

— لم يعجبني أنه لا يملك بيتًا.

صمتت رُبى.

أضافت الأم:

— لكن أعجبني أنه لم يكذب.

كان نائل يحاول تأسيس ورشة حقيقية. استأجر محلًا صغيرًا في طرف المدينة، واشترى آلات مستعملة بالتقسيط. ساعدته رُبى في اختيار اسم للمحل، وفي تصوير القطع القديمة قبل ترميمها وبعده، وأنشأت له صفحة على الإنترنت. بدأ يحصل على طلبات جيدة، ثم تعاقد مع مقهى جديد لترميم ثلاثين كرسيًا وطاولاته.

في تلك الفترة، أصبحت أيامه أطول. كان يصل إلى البيت قرب منتصف الليل، تفوح من ملابسه رائحة الخشب والطلاء. لكنه تذكر ما حدث مع هناء، فكان يتصل برُبى كل مساء، ولو لدقيقتين.

ذات ليلة، قالت له:

— لا أريد أن تتصل لأنك خائف من تكرار الماضي. اتصل لأنك تريد الحديث معي.

صمت.

تابعت:

— أنا لست امتحانًا لتعويض خطأ قديم، يا نائل.

جاءها في اليوم التالي إلى الروضة، وانتظرها عند الباب.

قال:

— أنت محقة.

— أعرف.

— وترين؟ اعتذرت خلال أربع وعشرين ساعة.

ابتسمت رغم غضبها.

— تقدم ملحوظ.

بعد عشرة أشهر، طلب يدها رسميًا. لم يفعل ذلك أمام الناس، ولم يخف خاتمًا في الطعام. صعد معها الدرج حتى الطابق الثالث، ثم توقف عند الدرجة الثامنة عشرة التي جلس عليها يوم لقائهما الأول.

أخرج من جيبه علبة صغيرة.

— أعرف أن المكان ليس رومانسيًا.

قالت وهي تنظر إلى اللاصق القديم الذي ما زالت تتذكر موضعه على كفه:

— بالعكس. هنا بدأت القصة.

— لهذا اخترته. رُبى، لا أعدك بحياة بلا خلافات، ولا أعدك بأنني سأفهمك كل مرة. أعدك فقط ألا أترك الصمت يقوم بالمهمة التي يجب أن تقوم بها الكلمات. هل تتزوجينني؟

قالت نعم وهي تبكي وتضحك في آن واحد، ثم اكتشفت بعد فتح العلبة أن الخاتم واسع على إصبعها.

قال نائل محرجًا:

— أخذت القياس من خاتم وجدته قرب المغسلة.

مسحت دموعها وقالت:

— ذلك خاتم أمي.

ضحكا طويلًا، حتى فتحت أم سليم بابها لتعرف سبب الضجيج.

حُدد موعد الزواج بعد خمسة أشهر. كان الاتفاق على حفل صغير، وشقة مستأجرة قريبة من عمل رُبى وورشة نائل. بدت الأمور مستقرة، إلى أن وصل خطاب مسجل باسم نائل إلى عنوان المبنى.

تسلمه الحارس، لكنه أعطاه إلى رُبى بالخطأ ظنًا أنها زوجته. لم تفتحه. كان اسم الجهة المرسلة مطبوعًا بوضوح: «دائرة تنفيذ الأحكام المالية».

عندما عاد نائل مساء، ناولته الظرف.

تغير وجهه لحظة رآه.

سألته:

— ما الأمر؟

— مسألة قديمة تخص الورشة السابقة.

— أي مسألة؟

— سأحلها.

لم يكن جوابه كافيًا. جلست أمامه تنتظر، فاضطر إلى شرح ما أخفاه عنها طوال عام.

حين انفصل عن شريكه السابق، كان المشروع مدينًا لمورد أخشاب بمبلغ كبير. جميع العقود موقعة باسم نائل لأن شريكه لم يكن يملك سجلًا تجاريًا. اتفقا شفهيًا على تقسيم الدين، لكن الشريك اختفى بعد بيع بعض المعدات. دفع نائل جزءًا، ثم توقف حين بدأ مشروعه الجديد. رفع المورد دعوى، وصدر حكم يلزمه بسداد المبلغ مع غرامات التأخير.

سألته رُبى:

— كم؟

ذكر رقمًا يعادل تقريبًا تكلفة زفافهما وتجهيز الشقة معًا.

شعرت كأن الأرض انخفضت تحت قدميها.

— منذ متى تعرف؟

— قبل أن نتعرف.

— وخطبتني وأنت تعرف؟

— كنت أظن أنني سأنهيه قبل الزواج.

— لم أسألك ماذا كنت تظن. لماذا لم تخبرني؟

قال بصوت متوتر:

— لأنني أعرف كيف سيبدو الأمر. رجل يبدأ حياته بدين كبير، ولا يملك بيتًا، وورشته بالكاد تقف. كنت سأخسرك قبل أن تمنحيني فرصة.

وقفت.

— أنت لم تمنحني فرصة الاختيار أصلًا.

— رُبى، أنا لا أطلب منك دفع شيء.

— المسألة ليست مالًا فقط. أنت تركتني أخطط لحياة لا أعرف حقيقتها.

ارتفع صوته:

— وأي حقيقة؟ أنا أعمل وأسدد، ولم أسرق أحدًا!

— لكنك أخفيت.

— كنت سأخبرك.

— متى؟ بعد الزواج؟ حين يأتون لحجز معداتك؟ أم حين أبيع ذهبي لأساعدك؟

ضرب بكفه على الطاولة، لا بعنف، بل بعجز.

— لم أرد أن تنظري إليّ كرجل فاشل.

قالت بهدوء موجع:

— الآن أنظر إليك كرجل لم يثق بي.

غادرت شقته وأغلقت الباب. للمرة الأولى منذ عرفته، نزلت الدرج من دون أن تعدّه.

في الأيام التالية، حاول الاتصال بها، لكنها طلبت وقتًا. تدخلت والدتها وأخواها. قال أخوها الأكبر إن إخفاء الدين سبب كافٍ لإنهاء الخطبة، بينما رأت أمها أن الناس تخطئ وأن الأهم هو طريقة إصلاح الخطأ.

كانت رُبى ممزقة بين حبها له وخوفها القديم. لؤي حاول تغييرها باسم الحب، ونائل أخفى عنها حقيقة مصيرية خوفًا من خسارتها. اختلف الفعلان، لكنهما تركا داخلها الإحساس نفسه: أن رجلًا قرر نيابة عنها ما يحق لها معرفته وما ينبغي لها قبوله.

بعد أسبوع، أرسل نائل إليها ملفًا كاملًا: نسخة الحكم، قيمة الدين، الدفعات السابقة، حسابات الورشة، وعقد تسوية اقترحه محاميه. لم يرفق رسالة عاطفية. كتب سطرًا واحدًا: «هذه الحقيقة كلها، متأخرة، لكنها بلا جزء مخفي».

راجعت رُبى الأوراق. لم تكن خبيرة بالمال، فاستعانت بمحاسبة تعمل معها في الروضة. اتضح أن وضع نائل صعب لكنه ليس ميؤوسًا منه. إذا استمرت الورشة بمعدلها الحالي، يمكنه سداد الدين خلال ثلاث سنوات، بشرط أن يؤجل بعض خططه وأن يعيش باقتصاد.

بعد يومين، قابلته في مقهى هادئ.

كان يبدو متعبًا، وقد ترك لحيته تنمو قليلًا.

قال فور جلوسها:

— أنا آسف.

انتظرت. لم يضف تبريرًا.

سألته:

— لماذا أنت آسف؟

— لأنني كذبت بالصمت. ولأنني أقنعت نفسي أنني أحمي علاقتنا، بينما كنت أحمي صورتي أمامك.

لمعت عيناها، لكنها تماسكت.

قالت:

— أنا أحبك يا نائل. وهذه هي المشكلة.

— لماذا مشكلة؟

— لأن الحب يدفعني إلى البحث عن أعذار لك، وأنا لا أريد أن أكرر ما نجوت منه.

أطرق رأسه.

— ماذا تريدين مني؟

— لا أعرف. لكنني لا أستطيع إكمال تجهيز الزواج كأن شيئًا لم يحدث.

أخرج الخاتم الذي كانت قد أعادته إليه ووضعه على الطاولة.

— لن أطلب منك ارتداءه الآن. ولن أضغط عليك بموعد. خذي الوقت الذي تحتاجينه. وإذا قررتِ الرحيل، فلن أقول إنك تركتني بسبب المال. سأقول إنني خسرتك لأنني تأخرت في قول الحقيقة.

افترقا دون قرار.

مر شهران. أُلغي موعد القاعة، وأخبرت رُبى المدعوين بأن الزواج تأجل. لم يعرف أحد إن كان التأجيل مقدمة للانفصال أم محاولة للنجاة.

استمر نائل في عمله، لكنه نقل أثاثه من البناية إلى غرفة صغيرة داخل الورشة. لم يهرب منها، بل رأى أن وجوده على بعد بابين يضغط عليها. ترك مفتاح الشقة لدى المالك وغادر صباحًا.

حين عادت رُبى ورأت باب شقته مفتوحًا، شعرت بفقد لم تتوقعه. لم يكن هناك سوى غبار خفيف على الأرض ومسمار في الجدار وصدى خطواتها.

وجدت عند عتبة الباب الكرسي الخشبي الصغير الذي أهداه لها أول مرة. وضع فوقه نبتة ريحان جديدة، وتحتها ورقة: «هذه الرابعة. لا تسقيها كلما شعرتِ بالذنب».

بكت وهي جالسة على الأرض.

لم ينقطع تواصلهما كليًا، لكنه أصبح محدودًا. كان يرسل لها مرة كل أسبوع صورة لإيصال دفعة جديدة من الدين، لا ليطلب عودتها، بل لأنه وعد ألا يخفي شيئًا. وكانت ترد بكلمة: «وصل».

بدأت رُبى جلسات مع معالجة نفسية، ليس لأنها مريضة، بل لأنها أدركت أن خوفها من أن تُسلب إرادتها جعلها أحيانًا تخشى حتى القرارات التي تتخذها بنفسها. كانت تريد أن تعرف: إذا عادت إلى نائل، هل تعود لأنها اختارته فعلًا، أم لأنها عجزت عن احتمال غيابه؟

تعلمت خلال تلك الأشهر أن الحب لا يُقاس بمقدار الألم عند الفراق وحده. قد نتألم حين نفقد ما يؤذينا أيضًا. السؤال الأصعب هو: هل يستطيع الطرفان بناء طريقة جديدة، أم سيعودان إلى الخطأ نفسه بعد أن يبرد الخوف؟

أما نائل، فقد توقف عن إرسال الإيصالات بعد الشهر الرابع.

انتظرت رُبى أسبوعًا، ثم أسبوعين. لم يصل شيء. قاومت رغبتها في الاتصال به، لكنها سمعت من مالك المبنى أن ورشته أغلقت.

ذهبت إليها عصر السبت. وجدت الباب المعدني مقفلًا، واللافتة منزوعة. اتصلت به، فكان هاتفه مغلقًا. اتصلت بأخته، فعرفت أنه سافر إلى مدينة والدته قبل أيام، وأنه طلب منهم ألا يتحدثوا عن السبب.

عاد إليها خوف قديم: لقد هرب.

قالت لنفسها إنها كانت محقة. الرجل الذي أخفى الدين يستطيع أن يخفي فشله، والذي يخاف صورته أكثر من الحقيقة سيختفي حين تسقط الصورة. جمعت أغراضه القليلة التي بقيت لديها في صندوق: كوب القهوة، قميص، كتاب عن أنواع الخشب، وصورة لهما التقطتها طفلة في حفل الروضة.

قررت إرسالها إلى أخته وإنهاء كل شيء.

لكن في صباح الاثنين، وصلت إلى الروضة فوجدت ثلاث شاحنات صغيرة أمام الباب. كان العمال ينزلون منها طاولات وكراسي وخزائن ملونة جديدة. خرجت المديرة مسرعة وهي تكاد تطير من الفرح.

— رُبى! تعالي وانظري! تبرع كامل لتجديد الصفوف!

اقتربت رُبى من إحدى الطاولات. مررت يدها فوق الحافة المستديرة، وعرفت الصنعة قبل أن ترى العلامة المحفورة أسفلها: حرف النون داخل شكل ورقة شجر، شعار ورشة نائل.

سألت المديرة:

— من دفع ثمنها؟

— مؤسسة خيرية. قالوا إن أحد المتبرعين أوصى بهذه الورشة، وإن صاحبها تنازل عن أجرة العمل.

تجمدت رُبى.

اتصلت بالمؤسسة، وبعد إلحاح أخبروها أن الطلب قُدم قبل خمسة أشهر، وأن رجلًا تكفل بثمن المواد بشرط عدم ذكر اسمه. لم يكن نائل المتبرع؛ كان فقط المنفذ. صنع الأثاث بلا ربح، رغم ديونه، ثم أغلق الورشة بعد إتمام الطلب.

في المساء ذهبت إلى عنوان والدته. استقبلتها أخته بحذر، ثم أدخلتها إلى غرفة الجلوس. لم يكن نائل هناك.

قالت أخته:

— ذهب إلى المستشفى مع أمي.

— هل هي بخير؟

— تحتاج إلى عملية في عينها. ليست خطيرة، لكنه باع معدات الورشة ليسدد تكلفتها ويغلق جزءًا من الدين. سيعمل مؤقتًا في مصنع أثاث هنا.

فهمت رُبى سبب اختفائه، لكنها لم تفهم الأثاث.

سألت:

— من المتبرع الذي دفع ثمن أثاث الروضة؟

نظرت إليها أخته طويلًا، ثم قالت:

— لا أعرف إن كان يحق لي أن أخبرك.

— أرجوك.

دخلت الأخت إلى غرفة جانبية وعادت بملف قديم. في داخله إيصالات تحويلات شهرية باسم والد رُبى، مؤرخة قبل وفاته بسنوات، ورسالة قصيرة بخطه.

قرأت رُبى الرسالة مرة، ثم مرة ثانية، ولم تستطع استيعابها.

كان والدها هو المتبرع.

قبل وفاته، أسس مع اثنين من أصدقائه صندوقًا صغيرًا لدعم رياض الأطفال الفقيرة. لم يخبر أبناءه، وكان يخصص جزءًا من دخله لترميم صفوفها وشراء أثاثها. بعد موته توقف المشروع، لكن أحد صديقيه احتفظ بالمبلغ المتبقي سنوات، ثم قرر تنفيذ آخر وصية مسجلة في أوراق الصندوق: تجديد الروضة التي عملت فيها رُبى، إن بقيت ابنته موظفة فيها.

قالت الأخت:

— صديق والدك بحث عن ورشة، ووصل إلى نائل مصادفة. عندما عرف اسم الروضة واسمك، فهم أن المتبرع والدك. كان يستطيع الاعتذار عن العمل، لكنه قال إنه يريد أن ينجز لك شيئًا لا يطلب مقابله فرصة أخرى.

وضعت رُبى الرسالة على الطاولة ويداها ترتجفان.

— لماذا لم يخبرني؟

— لأنه كان خائفًا أن يبدو الأمر محاولة لشراء عودتك. قال إن أول حقيقة كاملة سيقدمها لك يجب ألا تكون وراءها مصلحة.

حين عاد نائل من المستشفى، وجدها واقفة عند مدخل البيت. توقف على الرصيف، وبقي بينهما بضعة أمتار امتلأت بكل ما لم يقولاه طوال الأشهر الماضية.

قال:

— كيف عرفتِ أنني هنا؟

رفعت الملف.

تنهد، وأدار وجهه لحظة.

— لم يكن يفترض أن يصل إليك بهذه الطريقة.

— ما الطريقة التي كان يفترض أن يصل بها؟

— لم يكن يفترض أن تعرفي أصلًا.

اقتربت منه.

— أغلقت الورشة.

— مؤقتًا.

— وبعت المعدات.

— أستطيع شراء غيرها لاحقًا.

— وتوقفت عن إرسال الإيصالات.

— لأنني دفعت مبلغًا كبيرًا بعد البيع، ولم أرد أن تظني أنني أستعرض ما فعلت.

قالت بغضب امتزج بالبكاء:

— ما زلت تقرر عني ما ينبغي أن أعرفه.

خفض عينيه.

كانت العبارة قاسية، لكنها حقيقية. حتى في محاولته أن يصبح أفضل، عاد إلى الصمت من باب آخر.

قال:

— أنت محقة.

انتظرت دفاعه، لكنه لم يدافع.

تابع:

— ظننت أن عدم إخبارك هو الشيء النزيه. يبدو أنني ما زلت أتعلم الفرق بين الخصوصية والإخفاء.

سألته:

— لماذا صنعت الأثاث؟

— لأن والدك دفع ثمنه، ولأن الأطفال يحتاجونه.

— فقط؟

رفع عينيه إليها.

— ولأنني أردت أن يبقى في يومك شيء صنعته يداي، حتى إذا لم أعد أنا جزءًا منه.

أغمضت رُبى عينيها. كان يمكن لهذه الجملة أن تهزم كل مقاومتها، لكنها لم تأتِ لتسقط في حضنه وتتصرف كأن الحب يمحو ما حدث.

قالت:

— لا أريد نهاية رومانسية كاذبة يا نائل. لا أريد أن نعود لأنك صنعت أثاثًا جميلًا، أو لأن أبي جمعنا من وراء موته.

— ولا أنا.

— وما الذي تريده؟

— فرصة لبناء ثقة جديدة، لا استعادة القديمة. القديمة كسرتها.

— وكيف؟

فكر قليلًا.

— نبدأ من الحقيقة، حتى حين تجعلني أبدو ضعيفًا. أخبرك الآن أنني خائف. المصنع عرض عليّ راتبًا أقل مما كنت أكسب. بقي من ديني ما يحتاج إلى عامين على الأقل. أمي قد تحتاج إلى رعاية أطول. ولا أعرف متى أستطيع فتح ورشة ثانية. أحبك، لكنني لا أملك حياة مرتبة أقدمها لك.

قالت والدموع تنزل بصمت:

— هذه أول مرة تطلبني فيها كما أنت، لا كما تريدني أن أراك.

لم تعد إليه في ذلك اليوم. اتفقا على أن يبدآ ببطء، من دون خاتم ولا موعد زفاف. مكالمات واضحة، زيارات معروفة، وخطة مالية يراجعانها معًا. وحين يشعر أحدهما بالخوف، يقوله قبل أن يتحول إلى سر.

استمرت هذه المرحلة ثمانية أشهر. عمل نائل في المصنع صباحًا، وأخذ طلبات ترميم صغيرة مساءً. استأجر ركنًا في ورشة نجار مسن، واشترى آلة واحدة بدل الآلات التي باعها. عادت رُبى تساعده في الحسابات، لكن أموالها بقيت منفصلة، باتفاق صريح بينهما.

اختلفا مرات كثيرة. غضبت حين قرر إرسال مبلغ إضافي إلى والدته دون أن يخبرها، ثم أدركا أنهما لم يحددا أصلًا ما الذي يجب مشاركته قبل الزواج. ووضعا قاعدة واضحة: لا يراقب أحدهما مال الآخر، لكن أي قرار يؤثر في خطتهما المشتركة يُناقش مسبقًا.

وفي مرة أخرى، انزعج نائل لأن رُبى أخبرت أمها بتفاصيل خلافهما. لم يتهمها بالخيانة، بل قال إن بعض المشكلات تحتاج إلى مساحة آمنة بينهما قبل أن تتحول إلى قضية عائلية. اعتذرت رُبى، وأدركت أنها هي أيضًا قد تستخدم الخوف ذريعة لسلوك يجرح الآخر.

لم تكن عودتهما مثالية، ولهذا نجحت.

بعد عام، افتتح نائل ورشة جديدة أصغر من الأولى، لكنها خالية من الديون. علّق على جدارها رسالة والد رُبى بعد أن أخذ إذنها، ووضع تحتها عبارة: «الأشياء المتينة لا تُبنى بسرعة».

في مساء الافتتاح، طلب من رُبى أن ترافقه إلى البناية القديمة. كانا قد انتقلا منها كلاهما، لكنها بقيت واقفة كما عرفاها: جدران متعبة، نافذة ضيقة، ورائحة طعام تتسلل من الشقق.

صعدا حتى الطابق الثالث.

كانت رُبى تعدّ الدرجات بصوت مسموع، وحين وصلا إلى الدرجة الثامنة عشرة توقف نائل.

قالت:

— إذا أخرجت خاتمًا واسعًا مرة أخرى، سأتركك هنا.

ضحك، لكنه لم يخرج خاتمًا. أخرج دفترًا صغيرًا، فتحه أمامها، فإذا به جدول للديون وقد وُضع خط أخير تحت الرصيد: صفر.

قال:

— سددت آخر دفعة صباح اليوم.

نظرت إليه بدهشة.

— لماذا لم تخبرني؟

ابتسم بتوتر.

— أردت أن تكون مفاجأة، ثم خفت أن تقولي إنني أخفيت الأمر، ولذلك أحضرت كشف الحساب كاملًا.

ضحكت، وكانت ضحكتها هذه المرة خالية من القلق.

أعاد الدفتر إلى جيبه، ثم أخرج علبة الخاتم.

— رُبى، في المرة الأولى طلبتك لأنني خفت أن أخسرك. اليوم أطلبك لأنني تعلمت أن الحب لا يحفظه الخوف، بل الصراحة. هل تتزوجينني، لا بعد أن انتهت مشكلاتنا، بل بعدما عرفنا كيف نواجه ما سيأتي منها؟

نظرت إلى الخاتم، ثم إليه.

— هل أخذت القياس الصحيح؟

— استعنت بموظفة محترفة، ولم أسرق خاتم والدتك.

مدت يدها.

كان الخاتم مناسبًا تمامًا.

تزوجا بعد ثلاثة أشهر في حديقة الروضة. جلس الأطفال على الكراسي التي صنعها نائل، ووقفت والدة رُبى قرب شجرة ياسمين تحمل صورة زوجها الراحل. لم يكن الحفل فخمًا، لكنه كان يشبههما: بسيطًا، واضحًا، وممتلئًا بأشياء صُنعت بأيدي أشخاص يعرفون قيمتها.

وقبل نهاية الحفل، اقتربت المديرة من رُبى وسلمتها ظرفًا قديمًا عُثر عليه داخل أحد أدراج مكتب والدها حين نقلت المؤسسة بقية أوراق الصندوق الخيري.

فتحته رُبى. كان فيه خطاب كتبه والدها قبل وفاته، ولم يجد فرصة لإرساله إليها. قرأته وحدها أولًا، ثم ناولته إلى نائل.

كتب والدها:

«يا رُبى، أخشى أنني علمتك الاعتماد على نفسك حتى ظننتِ أن طلب العون ضعف، وعلمتك الحذر حتى صار قلبك يفتش عن الخطر قبل أن يرى المحبة. إذا جاءك رجل لا يخطئ، فلا تثقي به، لأنه يكذب. اختاري الرجل الذي إذا أخطأ لم يجعلك تدفعين ثمن اعترافه، وإذا عرف خوفك لم يستخدمه ليحكمك. ولا تبحثي عن بيت بلا شقوق؛ ابحثي عمّن لا يخجل أن يرممها معك».

بقي نائل صامتًا بعد القراءة، ثم قال:

— يبدو أن والدك كان يعرفك جيدًا.

مسحت رُبى دمعة هادئة.

— ويبدو أنه كان يعرفك قبل أن يقابلك.

رفع نائل عينيه نحو الكراسي المصطفة في الحديقة، ثم نظر إلى الشجرة التي علقت عليها صورة والدها. عندها فقط فهمت رُبى أن النهاية لم تكن في العثور على الرجل الذي لا يخفي شيئًا، ولا في سداد الدين، ولا حتى في عودة الحب بعد انكساره.

النهاية الحقيقية كانت في أمر آخر تمامًا.

فالصندوق الخيري لم يكن يملك ما يكفي لتجديد الروضة كلها. المبلغ الذي تركه والدها كان يغطي المواد الأولية فحسب. أما بقية التكاليف، التي أخبرتهم المؤسسة أن «متبرعًا مجهولًا» دفعها، فلم يدفعها نائل، ولم يعرف هو أيضًا صاحبها.

بعد أسبوع من الزواج، طلبت رُبى الاطلاع على الحساب الختامي للصندوق. وهناك وجدت اسم المودع الأخير.

كان لؤي، خطيبها السابق.

اتصلت به بعد تردد. لم يحاول استعادة قربها، ولم يسأل إن كانت سعيدة. قال إنه التقى والدها قبل وفاته بأيام، وعرف منه أمر الصندوق. وحين انتهت خطبتهما، أدرك بعد فوات الأوان أنه أمضى عامًا يحاول تشكيلها على مقاسه، بينما كان أبوها يبني للأطفال مقاعد تناسب أحجامهم كما هم.

قال لها:

— لم أتبرع كي تسامحيني. فعلت ذلك لأن أباك جعلني أفهم الفرق بين أن تحب إنسانًا وأن تريد امتلاكه. ربما تأخرت، لكنني أردت أن أصلح شيئًا لا يعيدني إليك.

أغلقت رُبى الهاتف، وجلست طويلًا قرب النافذة.

كان نائل يعمل في الجهة الأخرى من الغرفة على ترميم صندوق خشبي. رفعت رأسها إليه، وقصت عليه المكالمة كاملة، من بدايتها حتى آخر كلمة. لم تحذف اسم لؤي، ولم تخفِ ارتباكها، ولم تنتظر أن يكتشف الأمر مصادفة.

استمع نائل بصمت، ثم وضع أدواته جانبًا.

قال:

— كيف تشعرين؟

كان يستطيع أن يغضب، أن يغار، أو يحوّل الماضي إلى محاكمة. لكنه اختار السؤال الأصعب.

أجابته:

— أشعر أن بعض الاعتذارات لا تعيد العلاقات، لكنها تمنع أخطاءها من الانتقال إلى حياة أشخاص آخرين.

مد يده إليها، فوضعت يدها فيها.

وفي صباح اليوم التالي، أخذا الكرسي الخشبي الصغير الذي بدأ به كل شيء إلى الورشة. كانت إحدى قوائمه قد ضعفت، والطلاء قد تقشر عند الحواف. وضعه نائل فوق طاولة العمل وسألها:

— نصلحه أم نصنع واحدًا جديدًا؟

تأملته رُبى. كان يحمل آثار السنوات كلها: بقعة ماء من نبتة ماتت، خدشًا صغيرًا من أول انتقال، وخطًا باهتًا رسمته طفلة بقلم أزرق.

قالت:

— أصلحه. لا أريده جديدًا.

— لماذا؟

مررت أصابعها على الخدش، ثم ابتسمت.

— لأن الأشياء التي بقيت معنا لا تحتاج إلى محو آثارها كي تصبح جميلة.

أصلح نائل القائمة الضعيفة، وثبّت المفصلات، وترك الخدوش كما هي. وفي المساء أعادا الكرسي إلى المكان الذي وُلدت فيه حكايتهما، عند الدرجة الثامنة عشرة من الطابق الثالث.

ووضعا فوقه نبتة ريحان خامسة.

هذه المرة، لم تُغرقها رُبى بالماء.

وهذه المرة أيضًا، لم يمت شيء.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق