سبع ثوانٍ صامتة

لم يكن الصمت هو ما أخاف رِفقة، بل نظافته. توقفت الموجة الصوتية على الشاشة سبع ثوانٍ كاملة، مستقيمة كخط رسمه مسطرة، ثم عادت فجأة إلى ارتجافها الرمادي. في تسجيلات الهاتف القديمة لا يوجد صمت نقي؛ حتى حين لا يتكلم أحد، يبقى هسيس الشريط، وطقطقة الأسلاك، وتنفس الغرفة. أما هذه الثواني فكانت خالية من كل شيء، كأن أحدًا اقتطع قطعة من الزمن ووضع مكانها فراغًا مصنّعًا.

أعادت المقطع من بدايته. جاء صوت امرأة متقطعًا خلف سعال شديد:

— هناك دخان في السلم... أظن أنه خرج من غرفة العدادات.

سألها موظف الطوارئ عن العنوان.

— بناية الياقوت، حيّ السقائف، الطابق الرابع. ابنتي معي، والباب ساخن.

دوّى ارتطام بعيد، ثم قالت المرأة:

— رأيت الرجل الذي...

عندها انبسط الخط سبع ثوانٍ.

وعندما عاد الصوت كانت المرأة تصرخ:

— لماذا لم ترسلوا أحدًا؟ قلت لكم قبل عشر دقائق!

بعد ذلك انقطع الاتصال.

نزعت رِفقة السماعتين وبقي أثر الصرخة في أذنيها. كانت تعمل خبيرةً في ترميم التسجيلات الصوتية، وقد تعاقدت معها بلدية مدينة المَجاز لتحويل أرشيف مركز النداء القديم إلى ملفات رقمية قبل هدم المبنى. مرّ على المكالمة تسعة عشر عامًا. دوّن السجل أن حريق بناية الياقوت نتج من تماس كهربائي، وأن المرأة، حورية مهران، وابنتها لم تخرجا من الطابق الرابع. لم يكن مطلوبًا من رِفقة التحقيق في الحريق؛ مهمتها أن تنظف الضجيج، وتثبت التواريخ، وتسلم نسخة قابلة للبحث. لكنها لم تستطع التعامل مع الفراغ كما لو كان عيبًا تقنيًا عابرًا.

فتحت خصائص الملف. نُقل التسجيل من شريط تماثلي إلى الحاسوب سنة 2014، ثم حُفظ في صيغة مضغوطة. وضعت مؤشرًا عند بداية الصمت ونهايته: سبع ثوانٍ وثلاثة أعشار الثانية. كبّرت الموجة حتى ظهرت كتل صغيرة، فوجدت في قلب الفراغ ذبذبة منخفضة لا تسمعها الأذن. نسختها إلى مسار منفصل ورفعت مستواها. خرج طنين خافت يشبه جهاز تكييف قديم. لم يكن الصمت فارغًا إذن؛ كان مقطعًا من ضجيج آخر لُصق فوق الكلام.

بحثت في فهرس الحرائق عن مكالمات أخرى من حيّ السقائف. وجدت حريقين وقعا خلال الأشهر الثمانية التالية، كلاهما في بنايتين قديمتين لا تبعدان عن الياقوت أكثر من شارعين. الأول أودى بحياة حارس ليلي، والثاني نجا سكانه لكن المبنى انهار جزئيًا. استمعت إلى المكالمتين. في كل واحدة جاء فراغ بالطول نفسه: سبع ثوانٍ وثلاثة أعشار الثانية. وحين وضعت المقاطع الثلاثة فوق بعضها، تطابقت الذبذبات والطنين نقطةً بنقطة. لم تكن ثلاثة أعطال؛ كانت قطعة صوت واحدة نُسخت ولُصقت ثلاث مرات.

للتأكد، صنعت رِفقة اختبارًا أضافت فيه ضجيجًا عشوائيًا إلى ثلاث نسخ من تسجيل واحد، ثم قارنت النتائج. حتى النسخ المأخوذة من المصدر نفسه اختلفت عند كل انتقال بسبب التشويش والضغط، بينما بقيت الثواني السبع في ملفات الحرائق متطابقة حتى أدق الانخفاضات. حسبت احتمال حدوث ذلك طبيعيًا فكان أقرب إلى الاستحالة. كما لاحظت أن بداية الفراغ في كل مكالمة جاءت بعد كلمة تدل على شخص: «الرجل الذي»، «موظف البلدية»، «رأيته يدخل». لم يُحذف صراخ ولا عنوان ولا وصف للدخان؛ حُذفت هوية ما رآه المتصلون.

طبعت سجلات الحوادث وذهبت إلى مكتب مدير المشروع، وهيب الزين، الذي كان يشرف على نقل الأرشيف. قرأ ملاحظاتها من دون أن يرفع حاجبيه.

— ربما استخدم الفني القديم مرشحًا تلقائيًا.

قالت:

— المرشح لا ينسخ الضجيج نفسه داخل ثلاثة ملفات مختلفة.

— وهل غيّر ذلك نتائج الحرائق؟

— لا أعرف بعد.

طوى الأوراق وأعادها إليها.

— نحن متأخرون أسبوعين. افصلي الملفات التالفة وأكملي الباقي.

لم يكن كلامه تهديدًا، لكنه حمل الرغبة الواضحة في إغلاق الباب قبل أن ترى ما خلفه.

في المساء، بقيت رِفقة وحدها في غرفة الأرشيف. كان المبنى الذي سيتحول بعد شهر إلى كومة إسمنت يئن مع تغير الحرارة. خزائن معدنية طويلة، صناديق كرتونية تآكلت حوافها، وأسلاك مقطوعة تتدلى من السقف. راجعت تقارير التحقيق في الحرائق الثلاثة. كتبها جميعًا مفتش سلامة الأبنية رائف الداغر. في كل تقرير خلص إلى أن السبب «خلل كهربائي قديم تفاقم بسبب غياب الصيانة». وبعد كل حريق بشهرين أو ثلاثة، بيعت البناية المتضررة إلى شركة اسمها «أفق المَجاز للتطوير»، ثم هُدمت وأقيم مكانها مجمع تجاري.

ذهبت رِفقة إلى حيّ السقائف بعد انتهاء دوامها. لم يبق من البنايات الثلاث سوى صور سوداء في ملفات البلدية؛ حل مكانها صف من المتاجر ذات الواجهات اللامعة، لا شيء فيها يشير إلى أن أناسًا عاشوا وماتوا هناك. خلف المجمع وجدت محلًا قديمًا لإصلاح الساعات نجا من الهدم. كان صاحبه يتذكر ليالي الحرائق، وقال إن سيارات الإطفاء تأخرت في الأولى، وإن رجلًا بسترة البلدية شوهد قرب الأزقة قبل كل حادث. وحين سألته عن وجهه، هز رأسه: «كان يختار الظلام، لكن مشيته لم تكن مستقيمة». لم تسجل شهادته بوصفها دليلًا؛ احتفظت بها كاتجاه للبحث.

بحثت عن رائف. توفي قبل ست سنوات إثر جلطة، بعد أن خرج من البلدية وسط شائعات عن رشاوى لم تثبت. أما لجنة رقمنة مكالمات 2014 فترأسها ناظم بركات، المشرف الليلي السابق في مركز النداء. كان اسمه ظاهرًا أسفل محضر التسليم، بجانب عبارة تؤكد أن الأشرطة الأصلية تضررت بتسرب مياه ولم تعد صالحة للاستماع.

عثرت على رقم ناظم في دليل الموظفين المتقاعدين. أجاب بعد الرنة الثالثة.

— من أعطاكِ هذا الرقم؟

عرّفت بنفسها وذكرت المكالمات.

طال صمته حتى ظنت أن الخط انقطع.

— بعد كل هذه السنوات ما زالوا ينبشون السقائف؟

— أنا أرمم الأرشيف فقط.

— من يرمم شيئًا، يرى الشقوق التي أخفاها الطلاء.

سألته عن الفراغات.

قال إن نقل الأشرطة جرى ببرنامج بدائي، وإن الأخطاء كثيرة. وعندما ذكرت تطابق الثواني الثلاث، تغير تنفسه.

— إذا أردتِ فهم تلك الحرائق، ابحثي عن رائف الداغر، لا عن الأصوات.

— رائف مات.

— بعض الموتى يتركون عملًا أطول من أعمارهم.

طلبت لقاءه. اختار قاعة صغيرة في نادي موظفي الاتصالات المتقاعدين، لا مقهى ولا بيتًا. وصل متكئًا على عصا سوداء، يسحب ساقه اليسرى قليلًا. أخبرها قبل أن تسأل أن مفصل ركبته تحطم في حادث قبل ثماني سنوات. كان في أواخر الستينيات، أنيقًا على نحو قديم، يثبت أزرار سترته حتى آخر زر، ويتحدث كمن لا يحب أن تعاد عليه الأسئلة.

وضع أمامها ملفًا أصفر يحتوي على نسخ كربونية من تفريغ المكالمات.

— احتفظت بها لأنني لم أثق برائف.

قرأت نسخة مكالمة حورية. بعد جملة «رأيت الرجل الذي» جاء سطر كامل: «كان يرتدي سترة البلدية ونزل من غرفة العدادات». لم يرد السطر في النسخة الرقمية الرسمية.

قال ناظم:

— رائف كان يزور البنايات قبل احتراقها بأيام، ثم يكتب أن الكهرباء هي السبب.

— ولماذا لم تسلم هذا للشرطة؟

— فعلت. قالوا إن امرأة محاصرة بالدخان قد تخلط بين الناس.

— وهذه النسخ لماذا لم تدخل الملف؟

— اسألي من كان يملك البلدية وقتها.

كانت إجاباته مرتبة أكثر من اللازم. لم يتلعثم، ولم يبحث في ذاكرته، رغم مرور تسعة عشر عامًا. عرف أين وقع الصمت في كل مكالمة من دون أن يسمعها أمامها. وعندما سألته عن سبب احتفاظه بالملف في منزله، قال: «المرء يحتفظ بما قد يحتاجه للدفاع عن نفسه». لاحظت أنه لم يقل للدفاع عن الضحايا.

قبل أن تغادر، أعطاها مفتاحًا صغيرًا يحمل لوحة نحاسية كتب عليها الرقم 17.

— في قبو المركز خزانة لم تُفتح منذ الرقمنة. ربما تجدين فيها سجل المناوبات الأصلي.

— لماذا لم تفتحها أنت؟

— لأنني لم أعد أملك حق الدخول.

ثم أضاف:

— وإذا وجدتِ أشرطة، لا تشغليها وحدك. القديم قد يكون أخطر مما يبدو.

قبل عودتها إلى المركز، بحثت رِفقة عن الناجية التي أجرت المكالمة الثالثة. وجدتها باسم نوال جسر، معلمة متقاعدة تسكن في طرف المدينة. استقبلتها المرأة وفي يدها ملف احتفظت فيه بصور البناية ورسائل التعويض. قالت إن المحققين سألوها آنذاك عن النار أكثر مما سألوها عن الرجل. كانت قد رأته من نافذة المطبخ وهو يغادر باب الخدمات، ولم تر وجهه بوضوح، لكنها تذكرت أمرين: ساقه اليسرى المتأخرة، وخاتمًا عريضًا كان يضرب به الحقيبة السوداء كلما أسرع. وحين عرضت رِفقة صورة رائف، قالت نوال بلا تردد: «هذا ليس الجسم الذي رأيته. رائف كان أنحف ويمشي مستقيمًا».

سألتها رِفقة لماذا لم يظهر ذلك في المحضر. أخرجت نوال نسخة من إفادتها، فوجدت السطر مكتوبًا: «تعذر على الشاهدة تحديد هوية الشخص بسبب الدخان». قالت المرأة: «لم يكن هناك دخان في الشارع حين رأيته. الدخان جاء بعد دقائق». كان التغيير صغيرًا، لكنه كشف أن التلاعب لم يقتصر على الصوت؛ ثمة من أعاد صياغة ذاكرة الشهود لتناسب النتيجة التي تقررت سلفًا.

في صباح اليوم التالي، نزلت رِفقة إلى القبو مع عامل الحراسة. وجدوا الخزانة خلف صف من مكاتب مكسورة. فتح المفتاح قفلها بسهولة، كأنه استُخدم مؤخرًا. في الداخل كانت سجلات المناوبات، وقصاصات صحف عن حرائق السقائف، وصورة لرائف الداغر أمام بناية الياقوت. لم تكن هناك أشرطة. أظهر السجل أن ناظم كان في إجازة في ليالي الحرائق الثلاثة، بينما كان رائف مسجلًا في جولات تفتيش مسائية في الحي نفسه.

بدت الأدلة وكأنها تتدفق في اتجاه واحد: رائف أشعل الحرائق أو عرف بها، وناظم حفظ أوراقًا تدينه. لكن رِفقة تعلمت من الصوت أن التطابق الكامل يثير الشك أكثر مما يمنح الطمأنينة. ثلاث إجازات توافق ثلاث حرائق، ومفتاح يصل مباشرة إلى سجل يثبتها، ونسخ كربونية تظهر في الوقت المناسب. لم يكن ناظم يساعدها على البحث؛ كان يرسم لها الطريق، ويحرص على ألا تنظر إلى جانبيه.

عادت إلى الخزانة وفحصت القفل. كان الغبار متراكمًا حول حوافه، لكن ثمة خدشًا فضيًا حديثًا قرب الفتحة. وتحت السجلات وجدت كيسًا شفافًا لم تُصفر حوافه مثل بقية الأوراق. طُبع على النسخ الكربونية داخل ملف ناظم اسم نموذج حاسوبي لم تعتمده البلدية إلا سنة 2016. لم تكن نسخًا من سنة الحريق؛ صُنعت لاحقًا لتبدو قديمة.

في الليلة التالية، وجدت باب غرفة العمل مواربًا رغم أنها أغلقته بنفسها. لم يُسرق جهاز ولا صندوق، لكن القرص الخارجي الذي يحوي تحليلاتها فُصل عن الحاسوب، ومسح أحدهم مجلد المقارنات من سطح المكتب. كانت النسخ الاحتياطية في مكان آخر، لذلك لم يَضِعْ شيءٌ. راجعت سجل الدخول الإلكتروني، فظهر استعمال بطاقة موظف متقاعد عند الثانية وسبع عشرة دقيقة ليلًا. الرقم تابع لناظم، لكنه أبلغ البلدية قبل سنوات أن البطاقة فُقدت. لم يكن ذلك إثباتًا أنه دخل بنفسه، إلا أنه أكد أن شخصًا يعرف ما تبحث عنه لم يعد يكتفي بتوجيهها.

أخبرت مدير المشروع وهيب بما حدث. هذه المرة لم يطلب منها الإسراع، بل أغلق الغرفة ورفع بلاغًا رسميًا. اعترف أنه تلقى اتصالًا مجهولًا قبل أسبوع يطلب منه استبعاد ملفات حرائق السقائف لأنها «مكررة ومتضررة». ظن المتصل موظفًا قديمًا، لكنه تذكر الآن أن صوته كان هادئًا وأنه عرف أرقام الصناديق قبل فتحها. سمح لها بإكمال العمل بشرط ألا تبقى وحدها، وأرسل نسخة من سجل الدخول إلى النيابة.

سألت الحارس عن تسرب المياه الذي أتلف الأشرطة. ضحك الرجل وقال إن القبو غرق فعلًا، لكن الماء دخل من الجهة الشرقية، حيث حُفظت مكالمات الإسعاف. أما مكالمات الإطفاء فكانت في غرفة مرتفعة في الجناح الغربي. وأضاف أن رائف الداغر جاء إلى المركز قبل موته بعام، وطلب الاطلاع على صندوق قديم، لكن ناظم منعه بحجة أن المواد تالفة.

قضت رِفقة بقية اليوم بين دفاتر الجرد. كان الفهرس مكتوبًا بخطوط متعددة، وبعض الصناديق انتقلت من رف إلى آخر خلال مشروع الرقمنة. وجدت في آخر سجل ورقي إدخالًا غريبًا: «أرصاد شتاء 2007، سبعة أشرطة»، مع أن مركز النداء لم يكن يحتفظ بتسجيلات الأرصاد. رقم الرف يقود إلى مخزن صغير فوق غرفة المولد، لم يرد في خطة الإخلاء الجديدة.

كان الباب منتفخًا من الرطوبة. دفعه الحارس بكتفه حتى انفتح. في الداخل، تحت بطانيات طوارئ قديمة، وجدوا صندوقًا رماديًا كتب عليه «أرصاد». حملت رِفقة الأشرطة إلى غرفة العمل، وفحصت الشريط الأول تحت الضوء. لم ترَ آثار ماء ولا عفن. كانت الملصقات الأصلية منزوعة، لكن على البكرات أرقام محفورة تطابق تسلسل مكالمات الحرائق. الشخص الذي أخفاها لم يرد تدميرها؛ أراد أن يحميها من شخص يعرف كيف يبحث عنها.

شغلت مكالمة حورية على جهاز تماثلي بعد تنظيف رأسه. امتلأت الغرفة بالهسيس الطبيعي، ثم جاء الصوت الذي حفظته:

— رأيت الرجل الذي...

هذه المرة لم ينقطع شيء.

— رأيت الرجل الذي يرتدي سترة المفتش رائف. خرج من غرفة العدادات، لكنه كان يجر ساقه اليسرى. رائف لا يمشي هكذا، أنا أعرفه.

ثم صرخت حورية مطالبة بوصول فرق الإنقاذ.

في المكالمة الثانية، قال الحارس الليلي قبل موته: «جاء رجل البلدية الأعرج بعد منتصف الليل. ظننته رائفًا حتى اقترب». وفي الثالثة قالت ساكنة نجت من الحريق: «لم أرَ وجهه، لكن ساقه اليسرى كانت تتأخر عنه، وكان يحمل حقيبة سوداء».

أوقفت رِفقة الجهاز. لم يكن الوصف عامًا كما أوحى ناظم؛ كانت المكالمات الثلاث ترسم الشخص نفسه من زوايا مستقلة. قارنت توقيتاتها بسجلات فرق الإطفاء، فوجدت أن البلاغات وصلت إلى المركبات بعد أربع إلى ست دقائق من تسجيلها في المركز. لكن النسخ الرقمية اختصرت الفارق إلى أقل من دقيقة، وأظهر سجل مشروع 2014 أن حقول التوقيت عُدلت من حساب إداري واحد: حساب ناظم. لم يكتفِ محرر التسجيلات بحذف وصف الرجل؛ أعاد كتابة زمن الاستجابة أيضًا ليبدو المركز أسرع مما كان، وليجعل شكوى حورية من التأخر بلا معنى أمام المحققين.

تذكرت رِفقة عصا ناظم، وطريقته في جر ساقه، ثم تذكرت أنه نسب العرج إلى حادث وقع بعد الحرائق بأحد عشر عامًا. لم يكن ذلك كافيًا لإدانته؛ يمكن لرجل أن يصاب مرتين، ويمكن لشاهد مذعور أن يخطئ. لكنها عرفت الآن لماذا احتاج إلى نسخ مزورة توجّه الشبهة نحو رائف، ولماذا سألها إن كانت ستعثر على الأشرطة.

بحثت في مواد التدريب القديمة للمركز، فوجدت تسجيلًا مصورًا لتجربة إخلاء سنة 2005. ظهر ناظم أصغر سنًا يعبر الممر بلا عصا، لكنه يسحب ساقه اليسرى بالحركة نفسها. أعادت اللقطة مرات. قرب نهايتها، كان يرتدي سترة بلدية رمادية عليها شارة التفتيش؛ ناولها له رائف على سبيل المزاح بعد أن اتسخت سترة ناظم بالماء. التقطت الكاميرا ناظم وهو يقول: «بهذه السترة يمكنني دخول أي بناية في السقائف». ضحك من حوله. وحده رائف لم يضحك.

في سجل الشؤون الداخلية وجدت رِفقة مذكرة كتبها رائف بعد الحريق الثاني، يطلب فيها التحقيق في دخول موظفين من مركز النداء إلى غرف الخدمات من دون تكليف رسمي. رُفض طلبه بدعوى غياب الأسماء، ثم فُتح ضده بعد أسبوع تحقيق مالي استمر سنوات ولم ينتهِ بإدانة. كانت المذكرة تحمل بقعة حبر فوق اسم محجوب، لكن ضغط القلم ترك أثر الحروف في الصفحة التالية. سلّطت رِفقة الضوء جانبًا وقرأت اسم «ناظم بركات». لم يكن رائف شريكًا صامتًا؛ كان يحاول الإشارة إليه قبل أن تتحول الشبهة نحوه.

كما كشفت سجلات الشركات أن شقيق ناظم لم يكن مجرد موظف في أفق المَجاز. امتلك أسهمه عبر شركة ورقية تأسست قبل الحريق الأول بشهرين، ثم باعها بعد اكتمال شراء البنايات. تدفقت إلى حسابه أرباح تكفي لسداد ديون العائلة كلها. لم يظهر اسم ناظم في الأوراق، لكن تحويلين خرجا من حساب شقيقه إلى ناظم تحت وصف «سلفة عائلية» في الأسبوع الذي أعقب الحريقين الأول والثاني.

نسخت رِفقة الأشرطة والفيديو في ثلاثة أماكن، وسجلت البصمات الرقمية للملفات. أرسلت نسخة مشفرة إلى النيابة مع شرح تقني يثبت أن الصمت في النسخ الحديثة أضيف من مقطع ضجيج واحد. ثم اتصلت بناظم وقالت إنها وجدت صندوق الأرصاد، لكن الأشرطة داخله ممسوحة. لم يسألها ما هو صندوق الأرصاد ولا كيف عرفت اسمه. قال فقط:

— هل تأكدتِ من الشريط الثالث؟

كانت لم تذكر وجود شريط ثالث.

طلب أن يراها في المركز قبل أن يُغلق المبنى. وافقت بعد أن أخبرت المحقق المسؤول بموعده. وصل ناظم عند الثامنة مساءً، من دون عصاه هذه المرة، لكنه ظل يجر ساقه. نظر إلى جهاز الشريط ثم إلى الصندوق الرمادي.

— قلتِ إنها ممسوحة.

— أردت أن أعرف أي جزء سيقلقك.

— أنا أحاول مساعدتك.

— ساعدتني كثيرًا. خصوصًا حين صنعت نسخًا كربونية بنموذج صدر بعد الحرائق بتسع سنوات.

لم يتغير وجهه، لكنه فك الزر الأعلى من سترته.

— لا تفهمين كيف كانت المدينة تعمل وقتها.

— أفهم أن شخصًا قص سبع ثوانٍ من ثلاث مكالمات ولصق مكانها الطنين نفسه.

— ربما فعل ذلك لحماية سمعة المركز.

— أو لحماية الرجل الأعرج الذي ارتدى سترة رائف.

جلس ببطء. مرّت شاحنة خارج المبنى، فارتج الزجاج. قال:

— رائف كان فاسدًا.

— ربما. لكن النساء عرفن مشيته، ولم تكن مشيتك.

رفع رأسه بسرعة.

— حورية لم تقل «مشيتك».

لم تكن رِفقة قد نسبت العبارة إلى حورية، ولم تخبره بما استعادته من التسجيل. تركت الجملة تستقر بينهما.

قال بعد لحظة:

— كانت تختنق. لم تكن تعرف ما تقول.

— إذن سمعتَ الشريط الأصلي.

لم يجب.

— وكنت تعرف أن الوصف في المكالمة الأولى، لا الثانية أو الثالثة.

ضغط كفيه على ركبتيه. لأول مرة فقد صوته ترتيبه.

حاول ناظم استعادة هدوئه، وقال إن التسجيلات يمكن تفسيرها بأكثر من طريقة. أخرجت رِفقة صورة نوال وإفادتها الأصلية، وسجل حسابه الإداري، وصورة نموذج التفريغ المزور. ثم شغلت من المكالمة الثالثة صوت خاتم يطرق الحقيبة ثلاث مرات. كان ناظم يضع في يده اليمنى خاتمًا فضيًا عريضًا. عندما انتبه إلى نظرتها، أخفى اليد تحت الطاولة، فصدر من الخاتم الصوت المعدني نفسه وهو يصطدم بحافتها.

قال إن الخطة لم تبدأ بوصفها قتلًا. كانت شركة أفق المَجاز مدينة للبنوك، وكان شقيقه يملك جزءًا خفيًا منها. رفض سكان البنايات بيع شققهم، ورفض رائف إصدار تقارير إخلاء كاذبة. أراد ناظم إشعال حرائق صغيرة في غرف الخدمات بعد منتصف الليل، بما يكفي لإعلان المباني خطرة وإجبار السكان على المغادرة. سرق سترة رائف من غرفة الموظفين كي يدخل من دون أسئلة، واختار ليالي إجازته حتى لا تربطه سجلات المركز بما يحدث.

في الحريق الأول صعد الدخان أسرع مما توقع. قال إنه اتصل من هاتف عمومي وبلّغ عن الحريق، ثم عاد إلى بيته. لم يعرف أن حورية وابنتها بقيتا في الأعلى إلا صباحًا. كان يستطيع التوقف بعد ذلك، لكنه كان قد ترك أثرًا يقوده إلى الشركة وإلى شقيقه. أقنع نفسه أن الحريق الثاني سيكون مضبوطًا، ثم مات الحارس. أما الثالث فأشعله شريكه من دون إخباره، لكنه ساعد لاحقًا في إخفاء كل شيء.

استغل ناظم منصبه ليعدل نصوص المكالمات ويمنع المحققين من سماع الأوصاف الكاملة. لم يستطع إتلاف الأشرطة فورًا لأن سجل الأدلة كان تحت رقابة رائف. وعندما بدأت الرقمنة سنة 2014، وجد فرصته: استبدل المقاطع التي تصف العرج بسبع ثوانٍ من ضجيج غرفة الأجهزة، ووقّع أن الأصول تلفت بالماء. ظن أن رائف دمّرها أو أخذها. لم يعرف أن المفتش أعادها إلى المركز تحت اسم «أرصاد» قبل خروجه من البلدية.

قال ناظم:

— رائف كان يعرف، لكنه لم يملك دليلًا.

— لذلك حفظ الدليل.

— مات قبل أن يفتحه أحد.

— لأنك منعت دخوله إلى الأرشيف.

نظر إلى الصندوق الرمادي بحقد غريب، كأن الموتى خدعوه.

— ماذا تريدين الآن؟ اعترافًا؟ لن يصدق أحد تسجيلًا عمره تسعة عشر عامًا.

— لا أحتاج إلى أن تصدقني أنت.

أشارت إلى مصباح صغير فوق الباب. لم يكن مصباحًا؛ كانت كاميرا وضعها المحققون قبل وصوله.

نهض ناظم بعجلة، فسقط الكرسي خلفه. فتح الباب فوجد محققين في الممر. لم يقاوم، لكنه التفت إلى رِفقة وقال:

— سبع ثوانٍ. كل هذا بسبب سبع ثوانٍ.

أجابته:

— لا. بسبب ما فعلته قبلها وما أخفيته بعدها.

استغرقت القضية شهورًا. فُتحت قبور التقارير القديمة، واستُدعيت فرق التحقيق، وكُشفت ملكية شقيق ناظم في شركة التطوير. أثبت خبراء آخرون أن الملفات الرقمية عُدلت، وأن الضجيج الملصق مأخوذ من غرفة الأجهزة في مركز النداء. لم تستعد العائلات موتاها، ولم تعد بنايات حيّ السقائف التي ابتلعتها المتاجر، لكن اسم رائف الداغر أزيل من قرار الاتهام الإداري بعد موته، وأضيفت إفادته القديمة إلى الملف بوصفها محاولة لحفظ الأشرطة.

قبل هدم المركز بيوم، أنهت رِفقة ترميم المكالمات الثلاث. لم تحذف السعال ولا ارتجاف الأصوات، ولم ترفع الصرخات لتجعلها أكثر درامية. أصلحت السرعة، وثبتت الهسيس، وأعادت الثواني المقطوعة إلى مواضعها. ثم كتبت في خانة الملاحظات التقنية: «النسخة الحالية مطابقة للشريط الأصلي، بلا حذف».

شغلت مكالمة حورية للمرة الأخيرة. قالت المرأة إن الرجل كان يجر ساقه اليسرى، ثم طالبتهم بإرسال أحد. هذه المرة لم يبتلع الفراغ كلماتها. عبر صوتها الغرفة التي ستُهدم، ومرّ في الأسلاك الجديدة، واستقر في الأرشيف الرسمي بعد تسعة عشر عامًا من الغياب. كانت المدينة قد وصفت تلك الثواني طويلًا بأنها صمت؛ لكنها، حين سمعتها أخيرًا، اكتشفت أن الصمت لم يكن في التسجيل، بل في الذين عرفوا واختاروا ألا يجيبوا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*