السنة المؤجَّلة
لم تكن أريج تعرف أن بعض القرارات لا تغيّر حياتنا في اللحظة التي نتخذها فيها، بل تنتظر بصمت، ثم تكبر معنا، وتجلس إلى جوارنا بعد سنوات كأنها شخصٌ آخر يسألنا:
ماذا لو لم تفعلي ذلك؟
في صباح يوم الاثنين، استيقظت قبل المنبّه بدقائق.
بقيت مستلقية على فراشها الضيق، تحدّق في السقف الذي ظهرت عند زاويته بقعة رطوبة جديدة بعد مطر الليلة الماضية. كان البيت ساكناً إلا من صوت ثلاجة قديمة تعمل لدقائق ثم تصمت، وصوت أبيها في الغرفة المجاورة وهو يسعل محاولاً أن يخنق السعال داخل صدره كي لا يوقظ أحداً.
كانت تعرف تلك السعلة.
صار لها أكثر من شهر تسمعها كل صباح.
لكنها كانت تعرف أيضاً أن أباها سيقول، إذا سألته:
— برد عادي.
نهضت، ارتدت عباءتها، وخرجت إلى المطبخ.
كان شهاب يجلس عند الطاولة البلاستيكية الصغيرة، وأمامه كأس شاي لم يشرب منه سوى القليل.
قالت:
— ليش صاحي من هسه؟
رفع عينيه إليها وابتسم.
— وأنتِ ليش؟
— عندي محاضرة ثمانية.
— اليوم اثنين؟
ضحكت.
— إي بابا، من عشرين سنة والأسبوع بيه اثنين.
ضحك معها، ثم وضع كفه على صدره عندما داهمته سعلة قصيرة.
راقبته أريج.
كان في الثانية والخمسين، لكنه بدا في ذلك الصباح أكبر من عمره بكثير.
كان شعره قد بدأ يشيب عند الجانبين، ووجهه الذي ظل سنوات ممتلئاً بالحركة والنكات صار أنحف. أكثر ما كان يخيفها في أبيها لم يكن مرضاً واضحاً، ولا ألماً يشكو منه، بل ذلك التعب الصامت الذي ظهر فجأة في طريقة جلوسه.
كأنه لم يعد يجلس ليستريح.
بل لأنه لم يعد قادراً على الوقوف طويلاً.
قالت:
— بابا، لازم تراجع طبيب.
لوّح بيده.
— لا تبدين من الصبح.
— صار لك شهر.
— من الغبرة.
— بالشتا غبرة؟
نظر إليها لحظة، ثم ابتسم.
— غبرة شتوية.
أرادت أن تجادله، لكن أمها خرجت من الغرفة وهي تلف شالاً صوفياً حول كتفيها.
قالت ابتسام:
— لا تتعبي روحچ وياه. لو يقع بالنص، يكول بس تزحلقت.
هز شهاب رأسه.
— إنتن اثنين ضدّي.
ثم نظر إلى أريج.
— عندچ فلوس مواصلات؟
قالت بسرعة:
— عندي.
كانت تكذب.
بقي في محفظتها ثلاثة آلاف دينار فقط، وهي تحتاج إلى ضعفها تقريباً.
لكنها رأت أباها يمد يده إلى جيبه، فعادت وقالت:
— صدگ عندي.
توقف.
درس وجهها لثانيتين بالطريقة التي يعرف بها الأب كذبة ابنته، ثم أخرج ورقة نقدية ووضعها أمامها.
— خذي.
— بابا ما أحتاج.
— خذي، لا تعاندين.
— عندي والله.
— أريج.
عندما نطق اسمها بهذه النبرة، عرفت أن النقاش انتهى.
أخذت المال ووضعته في حقيبتها.
كانت في السنة الرابعة من كلية الهندسة المعمارية.
لم تكن الأولى على دفعتها، ولم تكن تلك الطالبة الخارقة التي يتحدث عنها الأساتذة في كل محاضرة، لكنها كانت مجتهدة على نحوٍ يشبه العناد.
تحب الخطوط.
تحب المساحات.
وتحب، أكثر من كل شيء، فكرة أن مكاناً فارغاً يمكن أن يتحول بقلمٍ ومسطرة وخيال إلى بيت يعيش فيه بشر.
منذ طفولتها كانت ترسم البيوت.
لم ترسم أميرات أو أشجاراً كثيرة كبقية الأطفال.
كانت ترسم غرفاً.
نوافذ.
سلالم.
مطابخ.
وحين بلغت الرابعة عشرة، رسمت لأول مرة بيتاً قالت إنه بيت عائلتها في المستقبل.
غرفة كبيرة لأمها.
حديقة صغيرة.
مكان خاص لأبيها يشرب فيه الشاي.
وغرفة لها، فيها مكتب عريض ونافذة كاملة تمتد من الأرض إلى السقف.
احتفظ شهاب بتلك الورقة سنوات.
علقها خلف باب غرفته.
وكان يقول كلما رآها:
— من تصيرين مهندسة، أني أول زبون.
فتضحك:
— أنت ما عندك فلوس تدفع أتعابي.
فيرد:
— آني أبو المهندسة. إلي خصم.
كان شهاب يقود حافلة صغيرة لنقل طلاب المدارس.
اشتراها مستعملة قبل سبع سنوات بعدما ترك عمله في مخزن للأجهزة الكهربائية.
لم يكن العمل سهلاً، لكنه أحبّه.
كان يستيقظ قبل السادسة.
يمسح الزجاج الأمامي.
يفحص الإطارات.
ويضع في الصندوق الصغير بجوار المقود قطع حلوى يوزعها أحياناً على الأطفال.
في كل سنة كان يحفظ أسماء عشرات الصغار، وأسماء أمهاتهم، والأزقة التي يسكنون فيها، والطفل الذي يتأخر دائماً، والطفلة التي تبكي إذا جلست وحدها.
ومن ذلك العمل عاش البيت.
ليس جيداً.
لكن بما يكفي.
الإيجار يُدفع.
الطعام موجود.
وفواتير الجامعة تُسدَّد بطريقة ما.
كان لأريج أخ أصغر يدعى كرم، في السادس الإعدادي، وكان الجميع يعتقد أنه سيصبح طبيباً لأن درجاته مرتفعة.
لم يكن يعرف بعد ماذا يريد.
لكنه حين يسمع العائلة تتحدث عن مستقبله، يهز رأسه فقط.
في ذلك العام بدأت الأمور تختل بالتدريج.
في البداية انسحب ثلاثة أطفال من خط شهاب.
ثم طفلان آخران.
بعدها بدأ أحد أولياء الأمور يتأخر في الدفع.
ثم تعطلت الحافلة مرتين في شهر واحد.
وفي المرة الثانية قال الميكانيكي:
— إذا تريدها تمشي صح، لازم تبدل أكثر من قطعة. الترقيع بعد ما يفيد.
سأله شهاب:
— شكد؟
ذكر الرجل رقماً جعل شهاب يصمت.
في المساء لم يخبر أحداً.
أخذ من أحد أقاربه مبلغاً على سبيل الدين، وأصلح الجزء الأكثر ضرورة فقط.
استمرت الحافلة بالعمل.
لكن صوت المحرك تغيّر.
صار شهاب يسمعه مثل رجل يسمع نبض قلبٍ مريض.
كل صباح يدير المفتاح وينتظر.
وحين يعمل المحرك يتنفس.
مرت أسابيع.
ثم في أحد الصباحات لم يعمل.
حاول مرة.
مرتين.
سبع مرات.
لا شيء.
جلس خلف المقود وحده، بينما كانت الساعة تقترب من السادسة والنصف.
اتصل بأهالي الأطفال واحداً واحداً.
اعتذر.
قال إن عطلاً بسيطاً حدث.
وقال إنه سيعود غداً.
لكنه لم يعد في اليوم التالي.
احتاج إصلاحها إلى مال لم يكن موجوداً.
في الأسبوع الأول، قال للعائلة:
— يومين وتشتغل.
في الأسبوع الثاني:
— القطعة طلبوها من مكان ثاني.
في الأسبوع الثالث توقف عن الحديث عنها.
بدأ يخرج من المنزل صباحاً كعادته، مع أنه لم يعد يملك مكاناً يذهب إليه.
يجلس في مقهى بعيد كي لا يراه الجيران.
أحياناً يمر على الميكانيكي ويسأله السؤال نفسه.
وأحياناً يتجول في الشوارع حتى يتعب.
ثم يعود بعد الظهر ويتصرف كأنه كان منشغلاً بالعمل.
ابتسام كانت تعرف.
الزوجات يعرفن أشياء كثيرة لا يخبرهن بها أزواجهن.
لكنها التزمت الصمت.
أما أريج فلم تعرف إلا بعد شهر.
كان ذلك عندما ذهبت إلى غرفته تبحث عن شاحن، فوجدت دفتر حسابات مفتوحاً على السرير.
رأت أسماء.
مبالغ.
ديوناً.
ورأت في أسفل الصفحة رقماً موضوعاً داخل دائرة.
لم تفهم التفاصيل كلها.
لكنها فهمت أن أباها مدين بما يزيد على راتب عدة أشهر من عملٍ لم يعد موجوداً.
في تلك الليلة انتظرته حتى عاد.
كان يحمل كيس خبز.
قالت:
— بابا، الباص بعده بالتصليح؟
رفع رأسه.
— إي.
— شكد يحتاج؟
— شنو؟
— فلوس.
توقف.
— شكو؟
— شفت الدفتر.
لم يغضب.
وهذا ما أخافها أكثر.
جلس ببطء.
وضعت ابتسام الطعام على المائدة، ثم جلست دون أن تتدخل.
قال شهاب:
— ليش تفتحين أغراضي؟
— أدور شاحن.
— مو شي يخصچ.
قالتها بعصبية:
— شلون ما يخصني وإحنا عائلة؟
— لأن عندچ جامعة ودراسة. هاي شغلات الكبار.
ضحكت دون فرح.
— بابا عمري اثنين وعشرين.
— حتى لو خمسين. تبقين بنتي.
قالت ابتسام بهدوء:
— خليها تعرف.
نظر إليها شهاب.
قالت:
— مو معقولة نبقى نخبّي.
سكت طويلاً.
ثم حكى.
الحافلة تحتاج مبلغاً كبيراً.
هناك دين للميكانيكي.
دين لقريبه.
إيجار شهر متأخر.
وقسط الجامعة الذي يحين موعده بعد أقل من ثلاثة أسابيع.
كان يتحدث وهو ينظر إلى الطاولة، لا إلى ابنته.
قال في النهاية:
— أدبرها.
سألته أريج:
— شلون؟
— أدبرها.
— شلون؟
رفع صوته قليلاً.
— ما أعرف! بس أدبرها.
صمت الجميع.
شعر هو بالخجل لأنه صرخ.
فخفض نبرته.
— لا تشيلين هم. كملي دراستچ.
في تلك الليلة لم تنم أريج.
جلست أمام مشاريعها الجامعية.
كانت تعمل على تصميم مركز ثقافي صغير.
أمامها أوراق ومخططات وأقلام.
نظرت إليها ساعات دون أن ترسم خطاً واحداً.
عند الثالثة فجراً، دخلت إلى حساب الجامعة على هاتفها.
بقيت تقرأ موعد دفع القسط.
ثم أغلقت الهاتف.
في اليوم التالي سألت إحدى زميلاتها:
— إذا طالب يأجل سنة، شنو يصير؟
قالت زميلتها:
— ليش؟
— بس أسأل.
— حسب الكلية والوضع. ليش تريدين تأجلين؟
ضحكت أريج.
— لا، مو أني.
بعد يومين بدأت تبحث عن عمل.
لم تخبر أحداً.
وجدت إعلاناً لمحل طباعة واستنساخ قريب من مجمع مكاتب.
كانوا يريدون موظفة تعرف استخدام الحاسوب وبرامج التصميم البسيطة.
ذهبت بعد الجامعة.
عرض عليها صاحب المحل راتباً متواضعاً مقابل العمل من الثالثة عصراً حتى التاسعة مساءً.
وافقت.
عندما أخبرت أباها، رفض.
— مستحيل.
قالت:
— ليش؟
— جامعة وشغل؟ متى تدرسين؟
— ألحق.
— لا.
— بابا الراتب يساعد.
— گلت لا.
— ليش؟
— لأن مو مسؤوليتچ.
قالت العبارة التي ندمت عليها سنوات:
— إذا مو مسؤوليتي، مسؤولية من؟
رأت الكلمة تصيبه.
لم يقصدها كاتهام، لكنها وصلت إليه كذلك.
نظر إليها لحظات.
ثم قال بصوت منخفض:
— مسؤوليتي آني.
دخل غرفته وأغلق الباب.
بكت أريج تلك الليلة.
في الصباح وجدته جالساً عند الطاولة.
قال لها:
— إذا الشغل يأثر على الجامعة، تتركينه.
هزت رأسها.
— ما يأثر.
— وإذا تعبتِ؟
— ما أتعب.
عرف الاثنان أنها كذبة.
وبدأت تعمل.
في الأسبوع الأول شعرت أن الأمر ممكن.
جامعة صباحاً.
محل عصراً.
مذاكرة ليلاً.
نوم خمس ساعات.
قهوة.
ثم يوم جديد.
استلمت راتبها الأول.
عادت به إلى المنزل ووضعته أمام أبيها.
رفض.
قالت:
— هذا مو إلك. هذا للبيت.
رفض مرة أخرى.
فتحت درج المطبخ وتركت المال داخله.
في اليوم التالي اشترت أمها حاجيات البيت منه.
لم يتحدث شهاب عن الأمر.
لكن أريج رأته مساءً يفتح الدرج، ينظر إلى ما تبقى من النقود، ثم يغلقه.
بعد شهرين كانت الحافلة لا تزال عند الميكانيكي.
بدأ شهاب يعمل أعمالاً متفرقة.
مرة يوصل بضائع مع صديق.
مرة يساعد في مخزن.
مرة يقود سيارة أجرة تعود لقريب له مقابل نسبة.
لم يعد هناك دخل ثابت.
أما أريج فصار راتبها ثابتاً.
وهكذا، بهدوء لا ينتبه إليه أحد، تغيّر مكانها داخل الأسرة.
لم تعد الابنة التي تحتاج إلى المال.
صارت الشخص الذي يسألونه:
— بقى عندچ شي للغاز؟
— الكهرباء متى ندفعها؟
— كرم يحتاج دفاتر.
لم يطلبوا منها بقسوة.
ولم يستغلوها عمداً.
وهنا كان الجزء الأصعب.
لو كانوا سيئين لكان بإمكانها أن تغضب.
لكنهم كانوا أهلها.
وكانوا يشعرون بالحرج في كل مرة.
وكانت هي تقول:
— عادي.
كلمة «عادي» كانت أول مسمار في مستقبلها.
قبل موعد القسط الجامعي بأسبوع، أخبرهم شهاب أنه باع الحافلة.
قالها أثناء العشاء.
توقفت يد أريج في الهواء.
— بعتها؟
— إي.
— ليش؟
— شنسوي بيها وهي واقفة؟
كان السعر أقل بكثير مما دفعه فيها، لكن البيع أغلق جزءاً كبيراً من الديون.
بقي شيء من المال.
قال شهاب:
— باچر ندفع قسطچ.
في تلك الليلة حدث شيء لم يكن في الحسبان.
عاد كرم من المدرسة مصاباً في ذراعه بعد سقوطه في الملعب.
لم تكن الإصابة كارثية، لكنها احتاجت إلى علاج وفحوصات ومراجعات.
ذهب جزء من المال.
ثم جاء صاحب البيت يطلب الإيجار المتأخر.
ذهب جزء آخر.
بقي مبلغ لا يكفي للقسط.
قال شهاب:
— أستلف.
لكن لم يعد هناك الكثير ممن يستطيع الاستلاف منهم.
في صباح اليوم الأخير للدفع، استيقظت أريج وارتدت ملابسها.
وضعت مشاريعها في الحقيبة.
ثم أخرجتها.
وضعتها فوق المكتب.
خرجت من الغرفة.
قالت لأبيها:
— ما راح للجامعة اليوم.
سألها:
— ليش؟
— راح أأجل.
وقف.
— شنو؟
— سنة وحدة.
— لا.
— بابا اسمعني.
— لا.
— سنة بس.
— مستحيل.
— نرتب وضعنا، نسد الديون، أنت تلاكي شغل ثابت، وأنا أرجع السنة الجاية.
— أريج لا.
ابتسمت له.
— سنة شنو يعني؟
كان يعرف ماذا تعني.
لكنها لم تكن تعرف.
أمسك بيدها.
قال:
— لا تسوينها.
— ليش؟
— لأن أخاف السنة تصير سنتين.
ضحكت.
— شنو يعني راح أنسى الجامعة؟
قال:
— مو سالفة تنسين.
ثم صمت.
لم يعرف كيف يشرح لها أن الحياة عندما تجد شخصاً يحمل عنها الحمولة لا تعيدها إليه بسهولة.
قالت:
— أنا مقررة.
ذهب معها إلى الكلية.
طوال الطريق حاول إقناعها.
كانت تقول:
— بس سنة.
عند البوابة وقف.
لم يدخل معها.
قال:
— آخر فرصة. ندبر القسط.
أجابت:
— ومنين؟
لم يجد جواباً.
دخلت.
بعد ساعة خرجت وهي تحمل ملفاً بلاستيكياً.
لم يسألها ماذا فعلت.
عرف من وجهها.
في طريق العودة، جلسا في الحافلة العامة متجاورين.
لم يتحدثا.
وفي منتصف الطريق، وضعت أريج رأسها على كتف أبيها.
قالت:
— لا تزعل.
نظر أمامه.
— مو زعلان.
— السنة الجاية أرجع.
هز رأسه.
— ترجعين.
كانت تلك الجملة وعداً من شخصين لا يملكان القدرة على الوفاء به.
مر الشهر الأول.
الثاني.
السادس.
عملت أريج في محل الطباعة بدوام كامل.
ارتفع راتبها قليلاً.
تعلمت تصميم البطاقات والإعلانات والمخططات البسيطة.
أحياناً يأتي طلاب هندسة ليطبعوا مشاريعهم.
كانت تأخذ الملفات منهم وتفتحها على الشاشة.
تنظر إلى المخططات.
تكتشف الأخطاء بسرعة.
تقول لطالب:
— هذا الباب إذا فتحته راح يضرب بالخزانة.
فيحدق بها.
— شلون عرفتي؟
فتجيب:
— درست هندسة.
ثم تصحح نفسها:
— أدرس هندسة.
ظلت تقول «أدرس» أكثر من سنة.
حتى بعد أن توقفت فعلياً.
في البداية كان زملاؤها يتصلون بها.
ثم انشغلوا.
كانت تراهم عبر مواقع التواصل.
مشاريع.
امتحانات.
تدريب.
صور جماعية.
تخرج.
في يوم تخرج دفعتها، لم تفتح هاتفها.
عملت من التاسعة صباحاً حتى العاشرة ليلاً.
قال لها صاحب المحل:
— روحي بدري اليوم، ماكو شغل.
قالت:
— لا، عادي.
عند الثامنة دخل شاب وفتاة يرتديان ملابس التخرج ويحملان ملفاً.
كانا من دفعتها.
تجمّدت للحظة.
عرفتها الفتاة.
— أريج؟
ابتسمت.
— هلا.
قالت الفتاة بفرح:
— يا الله! وينچ؟ صار سنين!
— موجودة.
— اليوم تخرجنا.
— أدري.
— ليش ما جيتي؟
سكتت.
ثم قالت:
— عندي شغل.
أرادت الفتاة أن تقول شيئاً آخر، لكن الشاب استعجلها.
طبعت لهما عشر صور.
ناولتهما الكيس.
قالت الفتاة:
— إن شاء الله السنة الجاية نفرح بيچ.
ابتسمت أريج.
— إن شاء الله.
بعد أن خرجا، دخلت الحمام.
أغلقت الباب.
جلست فوق الغطاء البلاستيكي للمرحاض.
وبكت بصمت.
لم تبك لأنها تغار.
بل لأنها اكتشفت للمرة الأولى أن الزمن لم يتوقف عندما توقفت هي.
الجميع تحرك.
وهي وحدها ظلت تقول:
السنة الجاية.
في البيت، تحسنت الأمور قليلاً.
شهاب وجد عملاً حارساً في مخزن ليلي.
راتبه قليل لكنه ثابت.
كرم أنهى المدرسة وقُبل في كلية حكومية.
قال يوم ظهور القبول:
— أتركها وأشتغل.
صرخ شهاب في وجهه:
— ولا تحچي بهالكلام!
كانت أريج واقفة عند الباب.
نظر إليها الأب بعد أن قالها.
عرفت أنه تذكّر.
عرف هو أنها فهمت.
سكت الاثنان.
دخلت أريج إلى غرفتها.
في تلك الليلة، طرق شهاب الباب.
— أدخل؟
— إي.
جلس على طرف السرير.
قال:
— أريدچ ترجعين.
كانت ترتب الملابس.
لم تنظر إليه.
— لوين؟
— الجامعة.
ضحكت بخفة.
— هسه؟
— إي.
— بابا صار سنتين.
— عادي.
توقفت يدها.
كانت تكره الكلمة الآن.
قال:
— أسأل بالكلية. نشوف شنو يحتاج.
— والبيت؟
— أدبره.
— راتبك ما يكفي.
— أشتغل شغلتين.
— صحتك؟
— ما بيها شي.
نظرت إليه.
كان وجهه متعباً أكثر من قبل.
قالت:
— كرم هسه عنده كلية.
— هو كليته حكومية ومصاريفه أقل.
— وباقي البيت؟
— أريج، أني ما أريد أبقى ساكت.
جلست أمامه.
قال بصوت مرتجف قليلاً:
— كل ما أشوفچ رايحة للشغل، أحس آني أخذت منچ شي.
— أنت ما أخذت.
— أخذت.
— الظروف.
— آني أبوچ. المفروض الظروف توصل إليّ قبل لا توصل إلچ.
قالت:
— الدنيا مو هيچ.
— أدري.
ثم نظر إليها.
— بس بعد أكو وقت.
لم تجبه.
في اليوم التالي أخرجت ملفات الجامعة من الخزانة.
كانت الأوراق تحمل رائحة الغبار.
وجدت مشروع المركز الثقافي.
مررت أصابعها فوق الخطوط التي رسمتها قبل سنوات.
شعرت بشيء يتحرك داخلها.
ربما يمكنها العودة.
ربما لم ينته كل شيء.
ذهبت إلى الكلية.
وقفت عند البوابة طويلاً قبل أن تدخل.
كانت الوجوه مختلفة.
الطلاب أصغر.
المباني نفسها، لكن المكان لم يعد يشعرها بأنه مكانها.
تحدثت مع الإدارة.
كان بإمكانها من حيث المبدأ أن تحاول تسوية وضعها واستكمال الدراسة، لكن الأمر يحتاج إلى إجراءات ومبالغ ورسوم متراكمة، وربما إعادة بعض المتطلبات.
خرجت تحمل ورقة بالأرقام.
جلست في مقهى قريب.
حسبتها.
ثم أعادت الحساب.
ثم قسمت المبلغ على راتبها.
احتاجت إلى شهور طويلة إذا لم تصرف ديناراً واحداً.
عادت إلى البيت.
كان أبوها ينتظرها.
— شصار؟
قالت:
— ممكن.
أضاء وجهه.
— صدگ؟
— إي.
— شكد؟
ناولته الورقة.
قرأ الرقم.
اختفت الابتسامة بالتدريج.
قال:
— ندبره.
هذه المرة لم تجادله.
وضعت يدها على يده.
وقالت:
— بابا.
رفع عينيه.
— خلص.
— شنو خلص؟
— ما راح أرجع.
— لا.
— اسمعني.
— ما أسمع.
— أنا صار عمري خمسة وعشرين. عندي شغل. صرت مسؤولة بالمحل، ويمكن يزيد راتبي. كرم يحتاج يكمل.
— وشنو يعني خمسة وعشرين؟ عجوز؟
ضحكت.
— لا.
— إذن ترجعين.
— ما أريد.
قالها بسرعة.
كانت كذبة جديدة.
عرف أنها كذبة.
لكنها كررتها.
— صدگ ما أريد.
قال شهاب:
— انظري بعيني وكوليها.
لم تستطع.
قامت.
— أريد أنام.
أمسك بمعصمها.
ليس بقوة.
فقط كي يمنعها من الهرب.
قال:
— سامحيني.
توقفت.
كانت تلك أول مرة يطلب منها السماح.
دون أن تشعر، امتلأت عيناها.
قالت:
— على شنو؟
— ما أعرف.
ثم بدأ يبكي.
لم تر أباها يبكي منذ كانت طفلة.
حتى في جنازة جده، وقف صامتاً.
أما تلك الليلة، فجلس على سرير ابنته وبكى لأنه لم يستطع إعادة سنتين إلى عمرها.
جلست بجواره.
وضعت رأسه على كتفها.
قالت:
— بابا والله مو ذنبك.
— ذنبي.
— لا.
— لو كنت أقوى...
قاطعته:
— لا تكمل.
— لو كنت أعرف...
— لا تكمل.
— لو...
صرخت:
— گلت لا تكمل!
صمت.
ثم بكت هي أيضاً.
بكيا معاً، بلا حل.
وهذا ما يحدث في كثير من البيوت.
لا يأتي أحد لينقذ العائلة في الصفحة الأخيرة.
لا يظهر رجل ثري.
لا تُربح جائزة.
لا يسقط مبلغ من السماء.
ينام الجميع، ثم يستيقظون في اليوم التالي ويذهبون إلى أعمالهم.
واصلت أريج العمل.
مرت ثلاث سنوات أخرى.
تزوج كرم بعد تخرجه.
لم يصبح طبيباً.
اختار مجالاً آخر، وعمل بعد فترة قصيرة.
في أول راتب له، اشترى لأخته هاتفاً جديداً.
قال:
— هذا أقل شي.
ضحكت:
— ليش؟
— لأن أعرف شكد دفعتي عليّ.
رفضت العبارة.
— ما دفعت عليك.
قال:
— أريج، أني مو طفل.
سكتت.
قال:
— إذا تريدين ترجعين تدرسين، أني أساعد.
ابتسمت.
— بعد شنو؟
— بعدچ صغيرة.
كانت في الثامنة والعشرين.
كان بإمكانها أن تعود.
كانت تعرف ذلك.
لكن المسألة لم تعد مالاً فقط.
شيء داخلها انطفأ.
أو ربما لم ينطفئ.
ربما صار مؤلماً جداً لدرجة أنها تعلمت ألا تلمسه.
أصبحت مديرة فرع لمحل الطباعة.
راتب أفضل.
ساعات أفضل.
اشترت لوالدتها غسالة جديدة.
ساعدت أباها في شراء سيارة صغيرة مستعملة يعمل بها أحياناً.
انتقلوا إلى بيت إيجاره أفضل.
من الخارج، تحسنت الحياة.
وكان هذا يجعل حزنها أكثر صعوبة في الشرح.
لأن الناس يفهمون الحزن عندما يكون الإنسان خاسراً في كل شيء.
أما أن تكون بخير، وفي داخلك حياة أخرى كان يفترض أن تعيشها، فهذا حزن لا يجد له الناس اسماً.
في أحد أيام الصيف، دخل رجل إلى المحل يحمل مخططات كبيرة.
قال:
— نريد نطبعهن A1.
أخذت الملفات.
بدأت تجهزها.
لاحظ الرجل سرعتها.
قال:
— أنتِ مهندسة؟
ترددت.
ثم قالت للمرة الأولى منذ سنوات:
— لا.
كلمة واحدة.
لكنها شعرت بها تسقط في داخلها.
سأل:
— مصممة؟
— أشتغل بالطباعة.
فتح الرجل ملفاً آخر.
كان مشروع مبنى سكني.
قال:
— هاي المهندسة اللي مشتغلة ويانا كل مرة تخرب القياسات.
ابتسمت أريج.
نظرت إلى المخطط.
دون قصد قالت:
— لأن محور العمود هنا غلط.
توقف الرجل.
— وين؟
أشارت.
— إذا هذا القياس صحيح، العمود داخل بالممر.
دقق الرجل.
اتصل بالمهندسة.
دار نقاش.
بعد دقائق اكتشفوا أن أريج كانت محقة.
نظر إليها الرجل باستغراب.
— منين تعرفين؟
قالت:
— كنت أدرس عمارة.
— وتركتِ؟
— إي.
— ليش؟
ابتسمت.
— صار عندي شغل.
لم تشرح.
بعد أن خرج، بقيت وحدها أمام المخطط.
أمسكت قلماً.
على ورقة مهملة، رسمت بسرعة واجهة مبنى.
خطوط بسيطة.
شرفة.
نافذة عريضة.
مدخل جانبي.
ثم تذكرت فجأة الورقة القديمة التي رسمت عليها بيت عائلتها وهي في الرابعة عشرة.
ذهبت في المساء إلى منزل أبيها.
كان شهاب قد بلغ التاسعة والخمسين.
ترك العمل الليلي بسبب ركبته.
صار يقضي أكثر وقته في البيت.
وجدته في الشرفة الصغيرة يشرب الشاي.
قال:
— شجابچ بنص الأسبوع؟
— ما يصير أزوركم؟
— يصير، بس عادة تجين جمعة.
جلست.
دخلا في حديث عادي.
الأسعار.
كرم.
الجيران.
صحة أمها.
ثم قالت:
— بابا، تتذكر الرسمة مال البيت اللي رسمتها وأنا صغيرة؟
ابتسم فوراً.
— إي.
— بعدها عندك؟
— أكيد.
دخل إلى غرفته.
عاد بعد دقائق يحمل ملفاً قديماً.
كانت الورقة داخله.
اصفرّت حوافها.
فتحتها أريج.
رأت خطوط طفلة في الرابعة عشرة.
حديقة.
غرف.
مطبخ.
وكتابة صغيرة فوق غرفة جانبية:
«مكان بابا للشاي.»
ضحكت.
ثم بكت.
قال شهاب:
— ليش تبچين؟
هزت رأسها.
— ما أدري.
كان يعرف.
قال:
— كنتِ شاطرة.
نظرت إليه.
— كنت؟
صحح سريعاً:
— بعدچ.
ظل صامتاً قليلاً.
ثم قال:
— أريج.
— همم؟
— آني طول هالسنين كل ما أشوف هاي الورقة أكره نفسي.
أغلقت الملف.
— ليش محتفظ بيها إذا تأذيك؟
— لأن أخاف أرميها.
— من شنو؟
— أحس إذا أرميها كأني وافقت إن حلمچ انتهى.
لم تعرف ماذا تقول.
وضع كأسه جانباً.
— يمكن أذيتچ أكثر من ما ساعدتچ.
— بابا، كافي.
— خليني أحچي هالمرة.
سكتت.
— كنت أگول سنة وترجع. وبعدين كل ما تمر سنة أگول بعد أكو وقت. وبعدين صار عندنا فلوس شويّة، گلت هسه ترجع. بس ما انتبهت إن الإنسان مو بس يحتاج فلوس حتى يرجع. يحتاج يبقى بداخله نفس الشخص.
خفضت أريج عينيها.
قال:
— وأنتِ تغيرتي.
— كلنا نتغير.
— بس إنتِ اضطرّيتي.
مدت يدها وأمسكت يده.
كانت أصابعه أكثر خشونة مما تتذكر.
قالت:
— تعرف شنو أكثر شي يوجع؟
— شنو؟
— ما أگدر ألوم أحد.
نظر إليها.
— مرات أتمنى لو أنت كنت أب سيئ. لو صرفت الفلوس على نفسك. لو أجبرتني أترك. لو أمي ما اهتمت. لو كرم كان أناني. جان گدرت أزعل منكم.
ابتلعت دمعتها.
— بس محد سوّى شي غلط.
تنفست.
— أنت حاولت. أمي حاولت. آني اخترت. وكلنا كل يوم گنا نحاول ننجو من الشهر بس.
نظر شهاب إلى الأرض.
قالت:
— وهذا أصعب شي.
— شنو؟
— أن تعرف أن حياتك ممكن تنكسر بدون ما يكون أكو شخص شرير كسرها.
لم يتحدثا بعدها لدقائق.
كانت الشمس تنخفض خلف البيوت.
وصوت بائع متجول يمر في الشارع.
وأطفال يلعبون بالكرة.
وحياة كاملة مستمرة حولهما بلا اكتراث.
بعد أسبوع، علقت أريج الورقة القديمة فوق مكتبها في محل الطباعة.
سألها أحد الموظفين:
— هاي رسمة طفل؟
ابتسمت.
— إي.
— منو؟
قالت:
— أنا.
ضحك.
— شنو هذا؟
أشارت إلى الكتابة الصغيرة.
— مكان بابا للشاي.
قال:
— حلوة.
ثم عاد إلى عمله.
أما أريج فبقيت تنظر إليها.
لم تعد الورقة وعداً.
ولم تعد أيضاً دليلاً على فشل.
كانت شيئاً ثالثاً.
دليلاً على فتاة عاشت يوماً داخلها، وكانت متأكدة أن المستقبل طريق مستقيم.
جامعة.
تخرج.
وظيفة.
بيت.
ثم اكتشفت أن الحياة لا تمشي بالمسطرة.
في الشتاء التالي توفي شهاب.
لم يمت فجأة.
ولم يكن مرضه سراً درامياً.
بدأ يتعب أكثر.
دخل المستشفى بسبب مشكلة في القلب.
تحسن أياماً.
ثم ساءت حالته.
وبقيت أريج قربه معظم الوقت.
في آخر مساء كان واعياً.
لم يتحدث كثيراً.
كانت تعدّل الغطاء فوق قدميه عندما قال:
— أريج.
— نعم بابا؟
— إذا طلعت من هنا...
ابتسمت.
— من تطلع.
قال:
— إذا طلعت، أريد نسوي شي.
— شنو؟
— البيت.
ظنت أنه يهذي.
— أي بيت؟
— البيت اللي رسمتيه.
ضحكت وهي تبكي.
— بابا ذاك أكبر من ميزانيتنا.
قال بصوت ضعيف:
— نسوي غرفة بس.
— وغرفتي؟
— بعدين.
— والمطبخ؟
— بعدين.
— والحديقة؟
— أصيص.
ضحكت.
ضحك هو أيضاً.
ثم قال:
— ومكاني للشاي.
أمسكت يده.
— هذا أول شي.
قال:
— وعد؟
قالت:
— وعد.
توفي في صباح اليوم التالي.
بعد الجنازة، عادت أريج إلى غرفته.
كان كأس الشاي الذي استخدمه قبل دخوله المستشفى لا يزال فوق الطاولة.
لم تسمح لأمها أن ترميه أياماً.
ثم في أحد الصباحات غسلته بنفسها.
بهدوء.
ووضعته في الخزانة.
مرت الشهور.
عادت إلى العمل.
فالناس يعودون إلى العمل حتى بعد موت الأشخاص الذين كانوا يظنون أنهم لن يستطيعوا العيش دونهم.
في أحد الأيام جاء طفل مع أبيه إلى المحل لطباعة مشروع مدرسي.
كان المشروع بعنوان:
«بيت أحلامي.»
ناولها الطفل ورقة.
بيت صغير مرسوم بأقلام ملونة.
قال بفخر:
— هاي غرفتي.
سألته:
— وهاي؟
— غرفة ماما وبابا.
— وهاي المساحة؟
— حديقة.
ابتسمت.
طبعت له الصورة.
حين خرج، جلست أريج وحدها.
فتحت درج مكتبها.
أخرجت الورقة القديمة.
مررت إصبعها على مكان الشاي.
ثم فتحت ورقة بيضاء جديدة.
أمسكت قلماً.
توقفت طويلاً.
وبدأت ترسم.
لم ترسم مشروع جامعة.
ولا مركزاً ثقافياً.
ولا برجاً.
رسمت قطعة أرض صغيرة.
غرفة.
مطبخاً.
حماماً.
وشرفة في الجهة التي تضربها شمس العصر.
وضعت فيها كرسياً واحداً وطاولة صغيرة.
كتبت فوقها:
«مكان بابا للشاي.»
ظلت تنظر إلى العبارة.
ثم أضافت كرسياً ثانياً.
لها.
لم تعد تحلم بأن تصبح مهندسة مشهورة.
ولم تعد تحاول إقناع نفسها بأن كل شيء يمكن تعويضه.
بعض الأشياء لا تُعوّض.
بعض السنوات حين تذهب، تذهب.
وبعض الأحلام إذا خرجت من حياتنا لا تعود بالشكل نفسه مهما حاولنا.
لكنها اكتشفت شيئاً آخر.
أن الحزن ليس دائماً أن تخسر شخصاً.
أحياناً هو أن تعيش سنوات طويلة وتحمل في داخلك نسخة من نفسك كان يمكن أن تكونها.
امرأة أنهت دراستها في الثالثة والعشرين.
عملت في مكتب معماري.
صممت أول بيت.
أخذت أباها إليه.
وقفت معه أمام الشرفة.
وقالت:
«هذا مكانك.»
تلك المرأة لم توجد قط.
لكن أريج عاشت معها طوال حياتها.
كأخت غير مرئية.
كظلّ يسير إلى جوارها.
وفي السادسة والثلاثين، بعد سنوات من وفاة شهاب، اشترت أريج قطعة أرض صغيرة بالتقسيط في أطراف المدينة.
قال لها كرم:
— شراح تسوين بيها؟
أخرجت المخطط من حقيبتها.
نظر إليه.
ضحك.
— هذا تصميمچ؟
— إي.
— بعدچ تعرفين.
قالت:
— بعض الشغلات الجسم ينساها. وبعضها لا.
ساعدها كرم في البناء.
لم يكن البيت كبيراً.
غرفة نوم.
غرفة صغيرة لأمها حين تزورها.
مطبخ.
وصالة.
في الخلف مساحة ضيقة زرعت فيها شجرة ليمون.
أما في الواجهة فكانت هناك شرفة صغيرة.
حين اكتمل البيت، حملت أريج صندوقاً من منزل أمها.
أخرجت منه كأس شهاب القديم.
وضعته فوق الطاولة في الشرفة.
جلست على أحد الكرسيين.
وضعت أمام الكرسي الفارغ كأس شاي.
ظل البخار يصعد قليلاً.
قالت بصوت منخفض:
— اتأخرنا بابا.
ثم ابتسمت.
لم تسمع جواباً.
لم تكن هناك معجزة.
لم تهب ريح فجأة.
ولم يسقط شيء من السماء.
فقط شرفة صغيرة.
امرأة في السادسة والثلاثين.
كرسي فارغ.
وكأس شاي يبرد ببطء.
بقيت جالسة حتى غربت الشمس.
ثم مدت يدها إلى المخطط الموضوع أمامها.
في أسفله كتبت تاريخ اليوم.
وتحت التاريخ كتبت جملة واحدة:
«هذا البيت صممته أريج شهاب، التي لم تتخرج من كلية الهندسة، لكنها لم تتوقف يوماً عن رؤية البيوت قبل أن تُبنى.»
قرأتها مرة.
ثم أغلقت الدفتر.
لم تشعر بأنها انتصرت.
ولم تشعر بأنها هُزمت.
شعرت فقط أنها وصلت متأخرة إلى مكان كان أبوها ينتظرها فيه منذ سنوات.
رفعت كأسها.
نظرت إلى الكرسي الفارغ.
وقالت:
— هاي حصتك من الخصم، أبو المهندسة.
ضحكت.
ثم بكت.
وظلت الشرفة تستقبل غروب كل مساء بعد ذلك.
كرسيان.
كأس واحد يُشرب.
وآخر يبرد دائماً.

تعليقات
إرسال تعليق