دفتر اليد اليسرى


 في مساء شتوي ثقيل، جلست رُفيدة خلف مكتب خشبي تتخلله شقوق رفيعة، وأخذت تنقل أسماء الغائبين من سجل الحضور إلى ورقة منفصلة. كان المبنى الذي تعمل فيه مدرسة ابتدائية في الصباح، ومركزاً لمحو الأمية وتعليم المتسربين بعد الغروب. وما إن يخرج الأطفال بحقائبهم الملونة حتى يدخل مكانهم عمال متعبون، وباعة متجولون، وأمهات أخفين سنوات طويلة عجزهن عن القراءة.

توقفت رُفيدة عند اسم تكرر غيابه أربع مرات خلال أسبوعين: سراج نوري.

كان أصغر طلاب صفها، في الخامسة عشرة تقريباً، نحيل الجسد، طويل الأصابع، ويأتي غالباً مرتدياً قميص عمل أزرق تفوح منه رائحة الزيت والحديد. لم يكن أمياً تماماً، فقد أنهى الصف الخامس قبل أن يترك المدرسة، لكنه كان يخطئ في الإملاء، ويتعثر في قراءة النصوص الطويلة، ثم يفاجئ الجميع حين يحل مسائل الحساب قبل أن تنتهي رُفيدة من كتابتها على السبورة.

في الليلة الأولى التي حضر فيها، جلس في المقعد الأخير ولم يرفع رأسه. وعندما طلبت من الطلاب أن يكتب كل واحد منهم سبب عودته إلى الدراسة، كتب سراج جملة قصيرة: «أريد أن أفهم الرسوم التي على الآلات».

صححت رُفيدة كلمة «الرسوم»، ثم كتبت تحت الجملة: «وستفهم أكثر مما تتوقع».

في اليوم التالي وجدها محاطة بإطار مستطيل، أضاف إليه سراج تروساً صغيرة ومسامير ومقبضاً جانبياً، حتى بدت الجملة كأنها جزء من آلة لا يعرف أحد وظيفتها.

كان ذلك أول ما أثار انتباهها إليه.

أما غيابه المتكرر فلم يكن غريباً في صفها. معظم الطلاب يعملون ساعات طويلة، وبعضهم يقطع مسافات بعيدة، وبعض النساء لا يستطعن الحضور إذا مرض طفل أو عاد زوج غاضباً. ومع ذلك، كان في غياب سراج ما أقلقها. فقد كان يحضر حتى عندما تمطر السماء، أو حين يكون التعب ظاهراً في عينيه. أحياناً كان يغفو لبضع ثوانٍ ثم ينتفض معتذراً، ويغسل وجهه بماء بارد ليكمل الدرس.

انتظرت رُفيدة أسبوعاً آخر، ثم سألت عنه طالباً يعمل في السوق الصناعي.

قال الرجل وهو يجمع كتبه:

— يعمل عند صبري، صاحب ورشة تشكيل المعادن. هذه الأيام لديهم طلبية كبيرة، ولا يسمح لهم بالمغادرة باكراً.

— لكنه قاصر.

ابتسم الرجل ابتسامة خالية من المرح.

— نصف الذين يعملون هناك قاصرون. عندما تأتي لجنة التفتيش، يتحولون فجأة إلى أبناء أقارب جاؤوا للزيارة.

في صباح الخميس، ذهبت رُفيدة إلى السوق الصناعي. لم تكن مكلفة بذلك من الإدارة، وكانت تعرف أن المديرة ستلومها إذا علمت، لكنها لم تستطع الاكتفاء بوضع إشارة غياب إلى جوار اسم فتى قد يكون محتاجاً إلى شخص يسأل عنه.

كان السوق يمتد خلف محطة الحافلات القديمة في أطراف الحلة، حيث تصطف الورش المتلاصقة تحت سقوف من الصفيح. اختلطت أصوات المطارق بالمناشير وصيحات العمال، وغطى الغبار واجهات المحال حتى بدت أسماؤها مكتوبة على جدران مهجورة. سألت مرتين قبل أن تصل إلى ورشة صبري.

وجدت سراج واقفاً أمام آلة كبيرة تقطع ألواح المعدن. كان يدفع اللوح بكلتا يديه، ثم يتراجع بسرعة قبل أن تهبط الشفرة. لم يكن يرتدي قفازات، ولا نظارة واقية. وعلى مقربة منه وقف رجل ممتلئ البطن، يراقب العمل بينما يقلب مسبحة سوداء بين أصابعه.

نادته رُفيدة باسمه.

استدار سراج، واتسعت عيناه حين رآها. أطفأ الآلة بسرعة، ومسح يديه بقميصه، ثم جاء إليها مرتبكاً.

— أستاذة، لماذا جئت؟

— لأعرف لماذا غبت.

نظر نحو الرجل ذي المسبحة قبل أن يجيب:

— لدينا عمل كثير. سأعود الأسبوع المقبل.

اقترب صبري منهما وقال بنبرة بدت مهذبة أكثر مما ينبغي:

— خير إن شاء الله؟

عرّفت رُفيدة بنفسها، وشرحت أن سراج طالب في المركز، وأن الدروس تبدأ بعد انتهاء ساعات العمل المعتادة.

ضحك صبري.

— ساعات العمل المعتادة؟ نحن لا نعمل في دائرة حكومية يا أستاذة. لدينا طلبات ومواعيد وتسليم. والولد يأخذ أجره كاملاً.

— الأجر لا يعني أن يعمل اثنتي عشرة ساعة.

تغير وجه الرجل قليلاً.

— أسرته تعرف، وأبوه هو الذي أحضره إليّ. إذا كان لديهم اعتراض فليأتوا هم، لا المدرسة.

أمسك سراج بطرف كمها، في حركة خفيفة لم يلاحظها صبري، وقال:

— سأحضر يوم السبت، أعدك.

لم ترغب رُفيدة في زيادة متاعبه، فاكتفت بأن طلبت منه أخذ أوراق الدروس التي فاتته. أخرجت من حقيبتها ملفاً شفافاً، وعندما مد يده ليتسلمه رأت جرحاً عميقاً في ظاهر كفه، مغطى بقطعة قماش رمادية.

— ماذا حدث ليدك؟

سحبها إلى الخلف.

— خدش بسيط.

قال صبري ضاحكاً:

— الرجال يتعلمون من الجروح.

نظرت إليه رُفيدة طويلاً، ثم غادرت وهي تشعر أن شيئاً ثقيلاً ظل عالقاً في صدرها.

عاد سراج مساء السبت كما وعد. دخل بعد بدء الدرس بنصف ساعة، وجلس في آخر الصف. كانت عيناه حمراوين من السهر، لكنه أخرج دفتره وبدأ ينسخ ما على السبورة. وبعد انتهاء الحصة، طلبت منه رُفيدة أن يبقى.

انتظرت حتى خرج الآخرون، ثم وضعت أمامه استمارة للتسجيل في برنامج مهني كانت مديرية التربية قد أعلنته للمتسربين. يمنح البرنامج المقبولين تدريباً مجانياً في الكهرباء والميكانيك، مع مبلغ بسيط للنقل والطعام.

قرأ سراج الاستمارة ببطء، وبقي صامتاً.

— أنت جيد في الحساب والرسم، قالت رُفيدة. لو أكملت دراستك، يمكنك أن تدخل معهداً مهنياً. العمل في الورشة ليس الطريق الوحيد.

— أبي لن يوافق.

— هل تحدثت معه؟

هز رأسه.

كان والده نوري قد عمل سائقاً لشاحنة تنقل مواد البناء. قبل عامين انقلبت الشاحنة على طريق فرعي بعد انفجار أحد إطاراتها، فأصيب في ظهره ولم يعد قادراً على قيادة المركبات الثقيلة. حصل على تعويض صغير نفد خلال أشهر العلاج الأولى، ثم بدأ يستدين. وحين عجز عن السداد، باع الشاحنة القديمة وبعض أثاث البيت، لكن الديون بقيت.

أخذ نوري يعمل بما يستطيع: يراقب مخزناً ليلاً، يصلح أقفاص الخشب، ويحمل البضائع الخفيفة. غير أن الألم كان يطارده، فيعود أحياناً من عمل يستغرق عشر ساعات بأجر لا يكفي لشراء حاجات يومين. عندها ترك سراج المدرسة، وطلب من أحد معارف أبيه أن يجد له عملاً. كان صبري دائناً لنوري بمبلغ كبير، فاقترح أن يعمل الصبي في ورشته، ويُخصم جزء من أجره شهرياً لسداد الدين.

قال سراج وهو يمرر إصبعه على طرف الاستمارة:

— لو تركت الورشة، سيطالبنا صبري بالمبلغ كله.

— هذا الدين ليس مسؤوليتك.

ابتسم الفتى بمرارة لم تلائم عمره.

— المسؤولية لا تسأل عن العمر يا أستاذة.

تذكرت رُفيدة الجملة طوال طريق عودتها إلى المنزل. كانت تعرف أن تقديم النصائح سهل حين لا تكون ثلاجة بيتك فارغة، وحين لا يطرق الدائن الباب أمام إخوتك. ولم تشأ أن تكون معلمة تضيف إلى الفقر شعوراً بالذنب، فتطالب فتى بالاختيار بين الدراسة وعائلته ثم تلومه على أي طريق يسلكه.

في الأسبوع التالي ذهبت إلى بيت سراج.

كان البيت صغيراً في حي شعبي حديث البناء، تحيط به أراضٍ خالية امتلأت بمياه المطر. استقبلتها أمه ثُريا بحذر، ثم رحبت بها حين عرفت أنها معلمته. قادتها إلى غرفة مفروشة بسجادة قديمة، وفي الزاوية جلس نوري مستنداً إلى وسادتين، يضع حزاماً طبياً حول خصره.

كانت بيلسان، شقيقة سراج ذات التسعة أعوام، تحل واجباتها على الأرض. عندما عرفت أن الزائرة معلمة، أغلقت دفترها بسرعة، كأن وجود شخص من المدرسة يكشف تقصيراً عائلياً خفياً.

تحدثت رُفيدة عن قدرات سراج، وعن البرنامج المهني، وعن إمكانية حصوله مستقبلاً على عمل أكثر أمناً وأفضل أجراً. استمع نوري من دون أن يقاطعها، ثم سأل:

— وهل سيدفع البرنامج ديننا لصبري؟

ساد الصمت.

أخفض نوري عينيه وقال:

— أعرف أن ابني يجب أن يكون في المدرسة. هل تظنين أنني سعيد حين أراه يعود وكتفاه منحنيتان؟ أنا الذي كنت أوقظه في الصباح وأوصله بنفسي. كنت أقول له إنني لم أكمل دراستي، ولذلك عليه أن يكملها عني. ثم جاء يوم طلبت منه فيه أن يتركها.

كان صوته هادئاً، لكن كل كلمة خرجت كاعتراف موجع.

أضاف:

— في ذلك اليوم لم ينظر إليّ سراج بالطريقة نفسها. لم يعاتبني، وهذا كان أسوأ. لبس قميصي القديم وذهب إلى الورشة.

قالت ثُريا:

— نحاول ألا نجعله يعمل ليلاً، لكن صبري يقول إن الطلبية لا تنتظر.

— يمكنكم تقديم شكوى.

رفع نوري رأسه بسرعة.

— ثم ماذا؟ يغلقون الورشة يوماً، ويقول صبري إن سراج لا يعمل عنده. وبعدها يطرده ويطالبني بالدين. نحن لا نملك ورقة تثبت عمله ولا ورقة تثبت المبلغ الذي خصمه.

أشارت رُفيدة إلى الجرح في يد الفتى، وإلى خطورة الآلات. تنهد نوري، ونظر نحو الباب كأنه يخشى أن يسمعه ابنه رغم أنه لم يكن في البيت.

— أعرف. وفي كل ليلة أنتظر صوت خطواته. لا أنام قبل أن يدخل. أحياناً أتمنى لو يهرب من الورشة ولا يعود، ثم أتذكر أن صاحب البيت سيطردنا إن لم ندفع الإيجار.

غادرت رُفيدة من دون أن تترك الاستمارة. شعرت وهي تمشي في الزقاق أنها لم تقدم للعائلة إلا وصفاً دقيقاً للمشكلة التي يعيشونها كل يوم.

لكنها لم تستسلم تماماً. تحدثت إلى مديرة المركز، ثم إلى موظف في قسم الرعاية الاجتماعية، وحاولت معرفة إن كانت الأسرة مؤهلة لإعانة مؤقتة. كانت الإجابات تتحرك ببطء بين المكاتب. طلبوا تقريراً طبياً حديثاً لنوري، وإثباتاً لعدم امتلاكه مركبة، ونسخة من عقد إيجار لم يكن موجوداً أصلاً، لأن صاحب المنزل يرفض كتابة العقود كي لا يدفع الضرائب.

كلما أحضرت رُفيدة ورقة، طلبوا ورقتين جديدتين.

أما سراج، فواصل الحضور حين تسمح له الورشة. كان يحب حصص الرياضيات، ويتعامل مع المسائل كأنها أبواب مغلقة ينبغي اكتشاف مفاتيحها. ذات مساء رسم على هامش الدفتر قطعة معدنية تشبه الذراع، تنتهي بمشبك صغير.

سألته رُفيدة عنها.

— أداة لرفع ألواح الصفيح، قال. إذا أمسك العامل اللوح بها، لن تقترب يده من الشفرة.

— هل صنعتها؟

— لا. رسمتها فقط.

— أرها لصاحب الورشة.

ضحك سراج.

— صبري لا يدفع ثمن قطعة حديد إذا استطاع استخدام يد عامل مجاناً.

أغلقت رُفيدة الدفتر، ثم فتحته مرة أخرى وتأملت الرسم. كانت القياسات مكتوبة على الجوانب، وبعض الخطوط ممسوحة وأعيدت بعناية. قالت:

— احتفظ به. لا تعرف متى تحتاج إليه.

في أواخر شباط، بدأت الورشة تعمل على طلبية أبواب معدنية لمجمع تجاري جديد. كان الموعد ضيقاً، فأجبر صبري العمال على البقاء حتى منتصف الليل. حاول سراج الاعتذار مساء الثلاثاء لأن بيلسان كانت مصابة بالحمى، ولأن أمه احتاجت إلى من يحضر الدواء، لكن صبري أمسكه من كتفه وقال:

— ساعة واحدة فقط، ثم اذهب.

امتدت الساعة إلى ثلاث.

كانت آلة الكبس في آخر الورشة قديمة، وواقي الأمان فيها مكسور منذ أشهر. يعرف العمال أن دواسة التشغيل تظل عالقة أحياناً، فيضربون جانبها بمفتاح حديدي حتى تعود إلى مكانها. في ذلك المساء كان العامل المسؤول عنها غائباً، فأمر صبري سراج بالوقوف مكانه.

قال الفتى إنه لم يعمل عليها وحده من قبل.

رد صبري:

— شاهدتها ألف مرة. لا تجعل من الأمر علماً.

كان المطلوب ثني أطراف صفائح صغيرة. يضع سراج الصفيحة تحت المكبس، يثبتها عند العلامة، ثم يضغط الدواسة، فتهبط الكتلة الحديدية وتعود. أنجز عشرين قطعة من دون مشكلة. وفي القطعة الحادية والعشرين انزلقت الصفيحة قليلاً. مد يده اليمنى ليعدلها، معتقداً أن الدواسة مرفوعة، لكن الآلة تحركت.

لم يتذكر بعد ذلك سوى الصوت.

لم يكن صراخه أول ما سمعه العمال، بل ارتطام جسده بالأرض بعدما حاول سحب ذراعه. ركض إليه رجلان وأطفآ الآلة. كان كفه محشوراً تحت المكبس، والدم يسيل فوق المعدن ثم يتجمع في قناة الزيت.

وقف صبري للحظات لا يتحرك. وعندما طلب العمال سيارة إسعاف، صاح بهم أن ينتظروا. حاول تشغيل الآلة لرفع المكبس، لكنها لم تستجب. احتاجوا إلى فك جزء جانبي منها، واستغرق ذلك أكثر من عشرين دقيقة.

كان سراج واعياً. يكرر اسم أمه، ويسألهم إن كانت يده ما تزال موجودة. لم يجبه أحد.

بعد تحريره، لم يتصل صبري بالإسعاف، بل وضعه في المقعد الخلفي لسيارته، وطلب من عامل أن يرافقه إلى مستشفى خاص يعرف صاحبه. وخلال الطريق اتصل بنوري وقال له إن ابنه «جرح نفسه وهو يعبث بآلة لا تخصه».

وصلت رُفيدة إلى المستشفى بعد منتصف الليل. أخبرها أحد طلاب المركز بما حدث، فخرجت من بيتها من دون أن تبدل ملابسها. وجدت ثُريا واقفة في الممر، تضغط كفيها إلى صدرها وتحدق في باب غرفة العمليات. أما نوري فكان جالساً على كرسي بلاستيكي، وقد نسي حزام ظهره، فانحنى جسده كأن الحادث أعاده إلى لحظة انقلاب شاحنته.

كان صبري يتحدث إلى شرطي قرب الاستقبال.

قال إن سراج لم يكن عاملاً دائماً، وإنه جاء في المساء لزيارة ابن خالته. ثم أضاف أن الفتى شغّل الآلة على الرغم من تحذيره.

سمع نوري كلامه، فنهض متكئاً على الجدار.

— أنت كاذب.

التفت صبري إليه وقال:

— انتبه لكلامك. أنا الذي أحضرته إلى المستشفى، وأنا الذي سأدفع ما أستطيع.

— كان ابني يسدد ديني عندك منذ سنة.

— أي دين؟ هل لديك ورقة؟

اندفع نوري نحوه، لكن الألم ضرب ظهره فتوقف في منتصف الممر، واضعاً يده على خصره. أسرعت رُفيدة تسنده. لم ينظر إليها. ظل يحدق في صبري بعينين امتلأتا بعجز أقسى من الغضب.

خرج الطبيب قبيل الفجر. كان في أواخر الأربعين، وبدت على وجهه علامات إرهاق صادق. قال إن عظام الكف تهشمت، وإن الأوعية والأعصاب تضررت بشدة، وإن تأخر الوصول زاد النزف وموت الأنسجة. حاول الفريق إنقاذ ما يمكن، لكنهم اضطروا إلى بتر اليد من فوق الرسغ.

لم تصرخ ثُريا. جلست على الأرض ببطء، كما لو أن ركبتيها توقفتا عن حملها. أما نوري فسأل الطبيب:

— هل يعرف؟

— سيعرف عندما يستيقظ.

ثم رفع عينيه نحو صبري، لكنه لم يجده. كان قد غادر الممر قبل خروج الطبيب بدقائق.

استيقظ سراج ظهراً. بقي صامتاً وهو ينظر إلى الغطاء المرتفع فوق ذراعه اليمنى. كانت الضمادات تنتهي في مكان أقرب مما ينبغي، لكنه لم يسأل. ربما ظن أن عدم السؤال يؤجل الحقيقة. بقيت ثُريا قرب رأسه، تمرر يدها على شعره وتقرأ ما تحفظه من الأدعية.

دخل نوري، فحرّك سراج عينيه نحوه.

— أبي.

— نعم يا بني.

— هل دفعت أجرة العملية؟

تجمد نوري. كان يتوقع سؤالاً عن اليد، عن الألم، عن المستقبل، لكنه لم يتوقع أن تكون كلفة العلاج أول ما يشغل ابنه.

قال:

— لا تفكر في المال.

نظر سراج مرة أخرى إلى ذراعه.

— صبري سيخصمها من أجري؟

لم يستطع نوري الإجابة. انحنى وقبل جبينه، ثم خرج إلى الممر وهو يبكي بصمت. كانت تلك أول مرة تراه رُفيدة يبكي، لا بطريقة رجل يريد أن يخفي دموعه، بل بطريقة أب لم يعد يملك شيئاً يخفيه.

زارت رُفيدة سراج في اليوم التالي. أحضرت دفتره، لكنها أبقته في حقيبتها. كان وجهه شاحباً، ونظراته تتحرك بين الباب والنافذة. سألته إن كان يحتاج إلى شيء، فأجاب بالنفي.

بعد صمت طويل قال:

— يدي تحكني.

ظنت أنه يقصد موضع الجرح، فأخبرته أن تنادي الممرضة.

هز رأسه.

— أصابعي تحكني. أشعر بها. الإبهام والسبابة. كأنهما موجودتان تحت الغطاء.

ترددت رُفيدة، ثم قالت إن هذا يحدث أحياناً بعد البتر، وإن الدماغ يحتاج وقتاً ليفهم ما حدث.

نظر إليها بغضب مفاجئ.

— أنا أفهم ما حدث. لا تتحدثي معي كأنني طفل.

— لم أقصد.

— الجميع يقولون إنني شجاع، وإن الله سيعوضني، وإن هناك أشخاصاً يعيشون بلا يدين. كأنهم يريدون مني أن أريحهم بسرعة.

أخفضت رُفيدة رأسها.

— لن أطلب منك أن تكون شجاعاً.

هدأ قليلاً، ثم سأل:

— هل أحضرت دفتري؟

أخرجته ووضعته إلى جانبه. حاول أن يمد يده اليمنى، فتحركت ذراعه وانتهت الحركة في الهواء. انكمش وجهه، وأدار رأسه نحو الحائط.

لم تفتح رُفيدة الدفتر، ولم تقل شيئاً. بقيت جالسة حتى نام.

بدأ التحقيق بعد أسبوع. أنكر صبري تشغيله للقاصرين، ونقل الآلة القديمة إلى مخزن آخر قبل وصول لجنة التفتيش. ادعى أن سراج دخل الورشة من دون إذن، مستفيداً من عدم وجود عقد أو سجل أجور. خاف معظم العمال من الشهادة، لأنهم يحتاجون إلى أعمالهم، ولأن اثنين منهم يقيمان في المدينة من دون أوراق مكتملة.

لكن رُفيدة احتفظت برسائل كان سراج يبعثها إليها معتذراً عن الغياب بسبب العمل الإضافي. كما وجدت في دفتره صفحات كتب فوقها تواريخ تسليم الطلبيات، وعدد القطع التي صنعها كل يوم، والمبالغ التي استلمها. كان يسجل كل شيء كي يعرف مقدار ما خصمه صبري من دين أبيه.

وافق عامل شاب يُدعى هتان على الشهادة بعد تردد طويل. قال إنه رأى الحادث، وإن واقي الأمان كان مكسوراً، وإن صبري منعهم من استدعاء الإسعاف. وبعد شهادته بيومين طُرد من العمل.

لم تتغير حياة سراج بسبب التحقيق. بقيت القضية تتحرك بين اللجان والمحامين، بينما عاد هو إلى البيت بذراع تنتهي تحت المرفق بقليل. وضعت أمه فراشه قرب النافذة، وأبعدت المرآة الكبيرة من الغرفة. وحين اكتشف ذلك طلب منها إعادتها.

وقف أمامها أول مرة وحده. ظل ينظر إلى صورته، ثم رفع ذراعه ببطء. لم يبكِ. أمسك كم القميص بأسنانه وحاول طيه، لكنه لم ينجح. دخلت ثُريا لتساعده فصرخ بها أن تخرج.

في الأيام التالية رفض استقبال أحد. جاء زملاء الورشة ومعهم مبلغ صغير جمعوه له، فلم يفتح الباب. أرسلت المديرة كتب المركز، فوضعها تحت السرير. وحين زرته رُفيدة، وجدته جالساً في الفناء، يحاول ربط حذائه بيد واحدة.

انحنت لتساعده.

سحب قدمه بعنف.

— لا أريد.

— حسناً.

حاول مرة أخرى. ثبت الرباط بأسنانه، وأدار أصابعه حوله، لكنه أفلت. كرر المحاولة حتى ارتجفت يده اليسرى. وفي النهاية رمى الحذاء إلى طرف الفناء.

— هل جئت لتأخذي توقيعي على أوراق القضية؟

— جئت لأراك.

— رأيتني.

جلسا صامتين. كانت بيلسان تراقبهما من خلف الستارة. قال سراج:

— حلمت أنني عدت إلى الورشة، لكن يدي كانت هناك فوق الآلة. كلما اقتربت منها تحركت وحدها، كأنها لا تريدني.

— يؤلمني أنك تمر بهذا.

— الألم لا يحتاج إلى من يتألم له.

— أعرف.

التفت إليها ساخراً.

— لا، لا تعرفين. الجميع يخرجون من هنا بيدين. أنت أيضاً ستعودين إلى بيتك وتفتحين الباب بيد، وتحملين حقيبتك بالأخرى، ثم تنسين.

لم تدافع عن نفسها. كان محقاً في الجزء الذي لا يستطيع أحد تغييره. حملت الحذاء ووضعته قربه، ثم قالت:

— لن أنسى، لكنني سأخرج بيدين فعلاً. ولهذا لن أقول إنني أعرف تماماً.

بقي ينظر إليها، كأنه كان ينتظر جملة جاهزة ليحطمها، وحين لم يجدها أشاح بوجهه.

بعد شهر، حصل سراج على طرف صناعي بسيط بتمويل من جمعية محلية. كان ثقيلاً، يسبب ألماً في موضع البتر، ولا تتحرك قبضته إلا بحزام يمر حول الكتف. حاول استخدامه أسبوعين، ثم وضعه في خزانة الملابس.

أصرت ثُريا أن يعود إلى الدراسة. قالت له إن ما حدث يجب ألا يسرق بقية حياته، فاتهمها بأنها تريد التخلص من وجوده في البيت. صفَع نوري ابنه عندما سمعه يرفع صوته عليها، ثم ندم فوراً. وقف الرجل أمامه ويده ما تزال في الهواء، بينما حدق سراج فيها.

قال بهدوء:

— اضربني مرة ثانية. هذه المرة لن أستطيع صدك باليد الأخرى.

خرج نوري من الغرفة، ولم يتحدث إليه ثلاثة أيام.

تدهورت أحوال الأسرة أكثر. لم يدفع صبري شيئاً من العلاج، بل طالب نوري بالدين المتبقي. تكفلت الجمعية بجزء من كلفة الطرف الصناعي، لكن الأدوية والمراجعات والتنقل استهلكت ما جمعه الأقارب. بدأت ثُريا تعمل في بيتين إضافيين، وصارت بيلسان تطهو الطعام بعد عودتها من المدرسة.

رأى سراج كل ذلك، فتحول حزنه إلى شعور بأنه العبء الذي أفقرهم. حاول البحث عن عمل. ذهب إلى متجر هواتف، وإلى مكتبة، وإلى مخزن للمواد الغذائية. في كل مكان كانوا ينظرون إلى ذراعه قبل أن يسألوه عن خبرته.

قال له صاحب أحد المحال:

— العمل يحتاج إلى شخص سريع.

— يمكنني أن أتعلم.

— لا أريد أن أجرح مشاعرك يا بني، لكنني أحتاج إلى عامل كامل.

عاد سراج إلى البيت وهو يكرر الكلمة في داخله: كامل.

في تلك الليلة، مزق الرسوم التي رسمها للآلات. لم يستخدم مقصاً؛ ثبت الأوراق تحت قدمه وسحبها بيده اليسرى. وحين وصل إلى رسم أداة رفع الصفائح، توقف لحظة، ثم شقه إلى نصفين.

في الصباح وجدت بيلسان القصاصات في سلة المهملات. جمعتها من دون أن تخبره، ووضعتها داخل أحد دفاترها.

لم تعد رُفيدة تزوره كل يوم، لأنها أدركت أن وجودها الدائم يشبه المراقبة. كانت تأتي مرة في الأسبوع، تجلس مع العائلة، ولا تفتح موضوع الدراسة إلا إذا بدأه سراج. أحياناً كان يترك الغرفة فور دخولها. وأحياناً يبقى ويستمع بصمت إلى حديثها مع أمه.

ذات يوم أحضرت معها دفتراً مسطراً جديداً ووضعته فوق الطاولة.

سألها:

— ما هذا؟

— دفتر.

— أرى أنه دفتر.

— إذن لا مشكلة.

— ماذا تريدين مني أن أفعل به؟

— لا شيء.

تركته وغادرت. ظل الدفتر في مكانه أسبوعاً كاملاً. ثم فتحه سراج ذات ليلة، وأمسك القلم بيده اليسرى. بدت الأصابع غريبة حوله، كأنها تخص شخصاً آخر. حاول كتابة اسمه، فخرج حرف السين مرتجفاً، والراء معوجة، والألف أقصر من اللازم.

مزق الصفحة.

في الصفحة الثانية كتب اسمه مرة أخرى. كان أسوأ. رمى القلم، ثم عاد إليه بعد دقائق.

كتب اسمه إحدى عشرة مرة.

في الزيارة التالية، رأت رُفيدة الدفتر فوق الرف، وقد ظهرت على صفحاته آثار الاستعمال. لم تطلب فتحه. جلست تشرب الشاي وتتحدث إلى ثُريا عن ارتفاع الأسعار. وقبل أن تغادر، ناولها سراج ورقة مطوية.

فيها اسمه مكتوب عشرات المرات، من أعلى الصفحة إلى أسفلها. كانت المحاولات الأولى متكسرة، ثم أصبحت الحروف أكثر تماسكاً، وفي السطر الأخير ظهر الاسم واضحاً.

قال:

— اليد اليسرى غبية.

ابتسمت.

— لكنها عنيدة.

لم يبتسم، لكنه أخذ الدفتر معه عندما عاد إلى المركز في الأسبوع التالي.

كان دخوله الصف أصعب من دخوله المستشفى. توقف عند الباب وشعر بأن العيون كلها اتجهت نحو ذراعه. أسرعت امرأة إلى إبعاد حقيبتها كي تفسح له مكاناً، ونهض رجل ليقدم إليه المقعد الأقرب، مع أن مقاعد أخرى كانت فارغة. كره الشفقة التي ظهرت في الحركات الصغيرة.

جلست رُفيدة خلف مكتبها وقالت ببساطة:

— تأخرت ثلاث دقائق يا سراج.

نظر إليها، ثم قال:

— الحافلة تعطلت.

— اجلس وافتح الدفتر.

استؤنف الدرس. بعد دقائق انشغل الجميع بالمسألة المكتوبة على السبورة، وتوقفت العيون عن ملاحقته. أمسك سراج القلم بيسراه، واستغرق وقتاً طويلاً في نقل السؤال. كانت يده تتشنج، والحروف تتصادم، لكنه لم يترك القلم.

حين انتهت الحصة، بقي وحده كالعادة.

أخرجت رُفيدة من حقيبتها ورقة البرنامج المهني القديمة. كانت مهلة التسجيل الأولى قد انتهت، لكن دورة جديدة ستبدأ بعد ثلاثة أشهر.

قال سراج:

— لن يقبلوني.

— سألتهم. يقبلون ذوي الإعاقة، ولديهم قسم للرسم التقني بالحاسوب.

— لا أجيد استخدام الحاسوب بيد واحدة.

— أنت لم تجرب.

ضرب الطاولة بذراعه المبتورة.

— كل شيء عندك له جواب.

تراجعت رُفيدة قليلاً، ثم قالت:

— لا. ليست لدي إجابة لما حدث لك، ولا لكيفية إعادة يدك، ولا للسبب الذي جعل الرجل المسؤول حراً حتى الآن. لكن سؤال الحاسوب له جواب: يمكن أن تتعلم.

نظر إلى الورقة طويلاً.

— وإذا فشلت؟

— سيكون فشلك أنت، لا فشل اليد التي خسرتها.

أخذ الاستمارة.

لم يكن التعافي مستقيماً. كان سراج يحضر أسبوعين ثم يغيب أسبوعاً. يتحسن خطه ثم يمزق صفحة كاملة لأنه لم يستطع رسم دائرة. يتعلم ارتداء قميصه وحده، ثم يحتاج إلى أمه لإغلاق زر صغير فينهار غضباً. يعتذر لأبيه، ثم يعايره بالدين في شجار آخر. لم تحوّله المصيبة إلى شخص هادئ وحكيم كما يحدث في الحكايات؛ جعلته أحياناً قاسياً، حسوداً، سريع الغضب. وكان عليه أن يتعلم ليس فقط استخدام يد واحدة، بل احتمال نفسه في الأيام التي لا يحبها فيها.

أما القضية، فانتهت بعد عام تقريباً. أثبت تقرير اللجنة أن الآلة غير آمنة، وأن التأخر في نقل سراج ساهم في تفاقم الإصابة. حكمت المحكمة على صبري بغرامة وتعويض مالي، مع إيقاف تنفيذ عقوبة الحبس. كان مبلغ التعويض أقل مما توقع المحامي، وذهب جزء منه للأتعاب والديون والعلاج.

خرج صبري من المحكمة ماشياً بين أقاربه. أما سراج فخرج يحمل ملفه تحت ذراعه اليسرى.

قال لنوري:

— كم بقي من التعويض؟

ذكر له المبلغ.

— سدّد له دينه كله.

— لكنه هو الذي يدين لنا الآن.

— سدّده. لا أريد أن يبقى بيننا وبينه شيء.

اعترضت ثُريا، فالمبلغ كان يمكن أن يساعدهم أشهراً، لكن سراج أصر. أعاد نوري ما تبقى من الدين، وأخذ ورقة موقعة بأنه سُدد كاملاً. حين أعطاها لابنه، طواها سراج ووضعها في جيبه.

لم يشعر بالانتصار. كانت يده أثمن من الغرامة، وألمه أطول من الحكم، وخوف العمال الآخرين سيبقي الآلات على حالها. لكنه شعر أن خيطاً كان مشدوداً حول عنقه قد انقطع أخيراً.

قُبل في البرنامج المهني بعد اجتياز اختبار الحساب. في اليوم الأول جلس أمام حاسوب قديم، وحاول استخدام لوحة المفاتيح بيده اليسرى. كان أبطأ الطلاب. تعلّم اختصارات تسمح له بتنفيذ الأوامر بمفاتيح أقل، وثبّت الفأرة على الجانب الأيسر، وصنع بنفسه قاعدة صغيرة تثبت المسطرة على الطاولة.

في نهاية الدورة طُلب من الطلاب تصميم أداة تحل مشكلة واقعية في بيئة العمل. بقي سراج أياماً لا يعرف ماذا يقدم. ثم جاءت بيلسان بدفتر قديم، وأخرجت منه القصاصات التي جمعتها من سلة المهملات قبل عامين.

رتبت أمامه نصفي رسم أداة رفع الصفائح.

— احتفظت بها؟ سألها.

— كنت أعرف أنك ستحتاج إليها.

— كيف عرفت؟

رفعت كتفيها.

— لم أعرف. لكنك كنت حزيناً عندما مزقتها.

ألصق سراج القطعتين بشريط شفاف. بقي أثر التمزق واضحاً في المنتصف، يقطع المقبض والمشبك، لكنه استطاع رؤية الفكرة كاملة.

أعاد تصميم الأداة على الحاسوب. جعل المقبض أطول، وأضاف واقياً يمنع انزلاق الكف، وابتكر آلية بسيطة تسمح برفع الصفيحة وتثبيتها بعيداً عن منطقة القطع. ساعده مدربه في صنع نموذج أولي داخل ورشة المعهد.

عندما أمسك الأداة بيده اليسرى ورفع بها لوحاً معدنياً، سمع للمرة الأولى منذ الحادث صوت احتكاك الحديد من دون أن يشعر بالخوف. ومع ذلك، حين شُغلت آلة الكبس في الطرف الآخر من القاعة، ارتجف جسده كله وسقطت الأداة من يده.

خرج إلى الساحة، وجلس قرب السياج محاولاً التنفس. لحق به المدرب، لكنه لم يطلب منه العودة. قال فقط إن الآلة أُطفئت، وإن القاعة ستبقى مفتوحة إذا أراد إكمال عمله.

عاد سراج بعد نصف ساعة.

عرض مشروعه في معرض صغير للمعهد. جاءت ثُريا بفستانها الداكن، واستند نوري إلى عصاه طوال الطريق لأنه رفض الجلوس قبل أن يرى ابنه واقفاً قرب النموذج. أما بيلسان فكانت تخبر كل من يقترب أن الفكرة الأصلية رُسمت قبل سنوات.

حضرت رُفيدة متأخرة بسبب عملها. وجدته يشرح للجنة كيف تعمل الأداة، مستخدماً يده اليسرى للإشارة إلى الأجزاء. كان كم قميصه الأيمن مطوياً بعناية، ولم يضع الطرف الصناعي.

انتظرت حتى ابتعد أعضاء اللجنة، ثم ناولته دفتراً جديداً.

ضحك للمرة الأولى أمامها منذ زمن.

— ما زلت تحضرين الدفاتر؟

— هذا آخر واحد.

فتح الصفحة الأولى. كان الغلاف بسيطاً، وعلى داخله كتبت رُفيدة تاريخ اليوم فقط.

قالت:

— احتفظ بالقديم أيضاً. ستحتاج إلى أن ترى الفرق.

لم يفز سراج بالمركز الأول. حصل على تنويه خاص، وشهادة وضعها نوري في إطار رخيص وعلقها في غرفة الضيوف. وبعد انتهاء الدورة بحث عن عمل طوال أربعة أشهر. رفضته ورش كثيرة، وقبل به مصنع صغير للأدوات المنزلية في قسم الرسم والمتابعة، بأجر متواضع وعقد مدته ستة أشهر.

كان العمل أقل خطورة من الورشة، لكنه لم يكن الحلم الذي تخيله. أمضى معظم وقته يعدّ القطع ويسجل القياسات، وأحياناً يطلب منه المدير إعداد رسومات لتعديلات بسيطة. لم يصبح مهندساً، ولم تُنتج أداة رفع الصفائح على نطاق واسع، ولم تتغير قوانين العمل بسببه. بقي صبري يملك ورشته، واستبدل الآلة القديمة بأخرى مستعملة، ثم وظف صبياً جديداً.

ذات مساء مر سراج بالسوق الصناعي في طريقه إلى البيت. توقف بعيداً عن الورشة، ورأى الصبي يحمل لوحاً معدنياً بكلتا يديه. أراد أن يدخل ويحذره، لكن قدميه لم تتحركا. سمع ضربة المكبس، فعاد إليه صوت الحادث، حاداً وقريباً، وشعر بأصابع يده الغائبة تنغلق من الألم.

ابتعد مسرعاً، ثم توقف عند أول زقاق وتقيأ.

في اليوم التالي أخذ نموذج أداته وذهب إلى دائرة التفتيش. تركه هناك مع تقرير يشرح فائدته، وطلب منهم زيارة الورش. لم يعرف إن كانوا سيفعلون شيئاً. وبعد أسبوعين عاد، فوجد النموذج موضوعاً فوق خزانة وعليه طبقة خفيفة من الغبار.

مسحه بكمه، وحمله إلى الخارج.

لم يقل شيئاً لأحد.

مرت ثلاث سنوات. أنهى سراج المرحلة المتوسطة بنظام الدراسة الخارجية، ثم بدأ يستعد لامتحان الإعدادية المهنية. تحسن راتبه قليلاً، واستطاعت الأسرة الانتقال إلى منزل بعقد إيجار حقيقي. عاد نوري إلى عمل خفيف في مخزن للأدوية، وبقي الألم يسكن ظهره، لكنه لم يعد ينتظر أجر ابنه كي يشتري الخبز.

أما رُفيدة فاستمرت في المركز المسائي. تغير الطلاب، واستُبدلت بعض المقاعد، وطُلي الجدار بلون أخضر باهت، لكن مكتبها الخشبي بقي كما هو.

في إحدى الليالي دخل سراج الصف قبل بدء الدرس. لم يعد فتى نحيلاً؛ امتلأ وجهه قليلاً، وظهرت لحية خفيفة على ذقنه. كان يحمل تحت ذراعه صندوقاً طويلاً.

قالت رُفيدة:

— لست مسجلاً في هذه الدورة.

— جئت أعيد شيئاً.

أخرج من الصندوق أداة رفع الصفائح، ووضعها فوق المكتب.

— المصنع وافق على تجربتها. صنعنا خمس قطع للقسم، وإذا نجحت سيصنعون المزيد.

مررت رُفيدة يدها على المقبض المعدني.

— كنت أعرف أنك ستفعلها.

— لم أكن أعرف.

جلس في المقعد الأخير، في المكان نفسه الذي اختاره أول مرة. أخرج من حقيبته دفترين: القديم الذي كتب فيه بيمينه، والجديد الذي تدرب فيه بيسراه.

فتح القديم عند رسم الأداة الأول. كان الخط دقيقاً وخفيفاً. ثم فتح دفتر اليد اليسرى عند آخر صفحة، وكتب تاريخ ذلك اليوم. أصبحت حروفه واضحة، لكنها احتفظت بميلان بسيط لا يظهر في خط الآخرين.

قال:

— أحياناً أقرأ ما كتبته قبل الحادث، وأشعر أن شخصاً آخر كتبه.

— أنت الشخصان.

— لا. الأول لم يكن يعرف شيئاً.

— والثاني؟

نظر إلى موضع يده اليمنى.

— الثاني يعرف أكثر مما كان يريد.

دخل الطلاب الجدد تباعاً، فتراجع سراج عن المقعد. سألته امرأة مسنة إن كان معلماً، فأجاب بأنه كان طالباً هنا. رفعت عينيها إلى ذراعه ثم أبعدتهما بسرعة.

قبل أن يغادر، أعطى رُفيدة الدفتر الجديد.

— احتفظي به.

— لماذا؟

— ربما يأتي طالب يعتقد أنه لا يستطيع الكتابة.

أخذته منه، لكنها سألته:

— وأنت؟ ألم تعد تحتاج إليه؟

أخرج دفتراً ثالثاً من حقيبته.

— بدأت واحداً آخر.

لوح لها بيده اليسرى وخرج.

بعد الدرس، بقيت رُفيدة وحدها. فتحت الدفتر الذي تركه، وقلبت صفحاته ببطء. كان تاريخ حياته بعد الحادث مكتوباً هناك من دون أن يقصد: اسمه المرتعش، الحروف التي تسقط تحت السطر، مسائل الحساب غير المكتملة، دوائر فاشلة، قياسات الأداة، كلمات غضب شُطبت بقوة، ثم صفحات صار الخط فيها أكثر ثباتاً.

وجدت في المنتصف جملة كتبها يوم عودته الأول إلى المركز: «لن تعود يدي، لكن الأيام تعود كل صباح، وعليّ أن أجد بها عملاً».

وفي الصفحة الأخيرة كان هناك رسم صغير لكفين متقابلين. الأولى يمنى كاملة، مرسومة بخطوط باهتة، والثانية يسرى تمسك قلماً. بينهما ترك مساحة بيضاء واسعة، لم يحاول ملأها.

أغلقت رُفيدة الدفتر، ثم وضعته في درج مكتبها إلى جوار سجلات الطلاب. أطفأت مصابيح الصف، وبقي ضوء الممر يتسلل عبر الباب.

في الخارج، كان سراج يسير نحو محطة الحافلات، يحمل أداته بيد واحدة. وعندما وصل إلى الشارع، رأى أباً يمسك كف ابنه الصغير كي يعبر به بين السيارات. توقف لحظة يتأملهما، ثم أخفى ذراعه اليمنى داخل جيب سترته.

لم يكن يخجل منها. لكنه في بعض الليالي كان يشتاق إلى أشياء لا يلاحظها الناس: أن يصفق بكفين، أن يغسل وجهه من دون أن يوازن جسده، أن يربط حذاءه بسرعة، أن يحمل كوباً ويفتح الباب في الوقت نفسه، أن يصافح أباه باليد التي صافحه بها طفلاً.

رفع سراج يده اليسرى عندما اقتربت الحافلة، فتوقفت أمامه. صعد، ودفع الأجرة، ثم جلس قرب النافذة. وضع الأداة المعدنية على ركبتيه، وأحاطها بذراعه كما لو أنه يحمي شيئاً هشاً.

تحركت الحافلة بين شوارع المدينة، بينما ظلت يده الغائبة، بكل أصابعها التي ما زال يشعر بها أحياناً، ممدودة في مكان لا يستطيع الوصول إليه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*