أمي خلف الزجاج
لم أفهم معنى السجن حين رأيت أمي للمرة الأولى خلف لوح زجاجي سميك.
كنت في الثانية عشرة، قصيرة إلى حد أن جدتي اضطرت إلى رفع المقعد البلاستيكي تحت قدمي كي أرى وجهها كاملاً. جلست أمي في الجهة الأخرى ترتدي عباءة داكنة لا أعرفها، وشعرها الذي كانت تجمعه بعناية كل صباح بدا مهملاً حول جبينها. أمسكت سماعة الهاتف المثبتة على الحائط، وأشارت إليّ أن أفعل مثلها.
رفعت السماعة، لكنني لم أقل شيئاً.
كنت أبحث في وجهها عن دليل يؤكد أنها أمي حقاً. كانت شاحبة، وعيناها محاطتين بسواد ثقيل، وفوق حاجبها الأيسر خدش صغير. لم تكن ترتدي خاتمها الفضي، ولا ساعتها، ولا ذلك العطر الذي كان يسبقها إلى الغرفة كلما عادت من العمل.
قالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعياً:
— شلونج يا رؤى؟
نظرت إلى جدتي الواقفة خلفي، ثم عدت إليها.
— زينة.
— وأخوج؟
— زين.
كان أخي آسر جالساً في آخر قاعة الزيارة، يرفض الاقتراب. وضع رأسه بين ذراعيه فوق الطاولة، وبقي ينظر إلى الأرض. كان أصغر مني بثلاث سنوات، لكنه في تلك الأيام بدا أصغر من عمره بكثير.
قالت أمي:
— ليش ما جاء يحچي وياي؟
لم أعرف بماذا أجيب. كان آسر يعتقد أن الشرطة أخذت أمي لأنها فعلت شيئاً سيئاً، وأن كل من يدخل السجن لا بد أن يكون مذنباً. قال لي قبل أن ندخل إن زملاءه أخبروه بأن اللصوص لا يعودون مثلما كانوا، وإن أمهاتهم منعوهم من اللعب معه.
قلت:
— متضايق شوي.
ابتسمت أمي، لكن شفتيها ارتجفتا.
— خلي يزعل. من أرجع أصالحه.
قالتها كأن عودتها ستحدث بعد ساعة، أو في مساء اليوم نفسه، لا بعد موعد لا يعرفه أحد.
نظرت إلى الزجاج بيننا، ومددت يدي نحوه. فعلت هي الشيء نفسه من الجهة الأخرى، فتقابلت كفانا من دون أن تتلامسا.
قالت:
— لا تخافين.
كان الكبار يكررون هذه الجملة كثيراً حين يكون هناك ما يستحق الخوف.
قبل شهر واحد فقط، كانت حياتنا ضيقة، لكنها مفهومة. كنا نعيش في بيت صغير مستأجر في حيّ الشعب؛ غرفتان وصالة ضيقة ومطبخ تطل نافذته على جدار بيت الجيران. كانت أمي، شذى، تعمل أمينة صندوق في متجر كبير للأجهزة الكهربائية. تخرج قبل الثامنة صباحاً، وتعود بعد السادسة، تحمل الخبز والطماطم وأحياناً قطعة حلوى تقسمها بيني وبين آسر.
كان أبي قد غادر البيت قبل أربع سنوات. لم يمت، ولم يسافر، ولم يختفِ. تزوج امرأة أخرى وانتقل إلى محافظة بعيدة، ثم بدأ حضوره في حياتنا يتناقص تدريجياً. في الأشهر الأولى كان يرسل المال، وبعدها صار يتصل حين يتذكر. كانت أمي لا تشتمه أمامنا، ولا تسمح لجدتي بذلك.
تقول:
— هو أبوهم، والحچي عليه يوجعهم حتى لو ما يبين.
لم تكن حياتنا سهلة، لكن أمي كانت تعرف كيف تجعل الفقر يبدو مؤقتاً. حين تنقطع الكهرباء، تضيء الشموع وتقول إننا في رحلة تخييم. حين لا يكفي اللحم، تقطعه قطعاً صغيرة وتضيف إليه البطاطا حتى نظن أن الطبق ممتلئ. وحين يعود آسر بحذاء ممزق، تصلحه في الليل وتضعه قرب سريره قبل أن يستيقظ.
كان اليوم الذي تغير فيه كل شيء يوم ثلاثاء.
عدت من المدرسة فوجدت سيارة شرطة أمام البيت. كان الجيران واقفين عند الأبواب، وبعضهم يراقب من خلف الستائر. دخلت راكضة، فرأيت رجلين يفتشان الأدراج، بينما كانت أمي واقفة قرب الثلاجة، تحمل ورقة وتجادل ضابطاً.
صرخت:
— يمّه!
التفتت إليّ. للحظة بدا عليها الذعر، ثم ابتسمت بسرعة.
— روحي يم جدتج، رؤى.
— شنو صاير؟
لم تجب.
كان مدير المتجر يقف قرب الباب. عرفته من المرات القليلة التي ذهبت فيها إلى مكان عملها. كان رجلاً ممتلئاً اسمه فاضل، يرتدي بدلة داكنة، ويمسك مسبحة سوداء. لم ينظر إليّ.
سمعت الضابط يقول إن مبلغاً كبيراً اختفى من صندوق الحسابات، وإن توقيع أمي موجود على استلام العهدة. كانت تكرر أنها سلّمت المبلغ إلى مدير الفرع، وأن الكاميرا ستثبت ذلك.
قال فاضل ببرود:
— الكاميرا بهذيچ الساعة كانت متوقفة.
صرخت أمي:
— مو صحيح. أنت تعرف من أخذ الفلوس.
طلب منها الضابط أن تهدأ.
وضعوا القيود في يديها أمامنا.
ظل ذلك الصوت، صوت الحديد وهو يغلق حول معصميها، يزورني في أحلامي سنوات طويلة.
ركض آسر إليها وتعلق بعباءتها.
— وين تروحين؟
انحنت بصعوبة وقبلت رأسه.
— أرجع بسرعة.
كانت تلك أول كذبة قالتها لنا.
انتقلنا إلى بيت جدتي في الليلة نفسها. كان بيتها أقدم من بيتنا وأصغر، لكنه ملكها، وهذا جعله يبدو أكثر أماناً. فرشنا فراشين في الصالة، ووضعنا ملابسنا داخل صندوق خشبي كانت تحتفظ فيه بأغطية الشتاء.
في اليوم الأول، اعتقدت أن أمي ستعود بعد التحقيق.
في اليوم الثالث، سألت جدتي لماذا لم تعد.
قالت إن المحامي يعمل على الأمر.
في نهاية الأسبوع، سمعتها تبكي في المطبخ وهي تتحدث مع خالي:
— يريدون خمسة ملايين حتى يطلعوها بكفالة، ومنين أجيبها؟
دخلت عليها، فتوقفت عن البكاء ومسحت وجهها بطرف عباءتها.
قالت:
— ليش ما نمتي؟
— أمي سرقت؟
صفعت الكلمة وجهها.
اقتربت مني وأمسكت كتفي.
— أمج ما تمد إيدها على فلس مو إلها.
— إذن ليش بالسجن؟
فتحت فمها، لكنها لم تجد جواباً يستطيع طفل فهمه.
كان المبلغ المفقود أربعة عشر مليون دينار، حصيلة مبيعات يوم كامل. قالت أوراق الشركة إن أمي استلمته، وإنها لم تسلمه إلى الإدارة. كان توقيعها موجوداً في سجل العهدة، لكن لا يوجد توقيع يثبت أنها سلمت المال لاحقاً.
أمي أكدت أنها سلمته لفاضل في مكتبه بحضور موظف مخزن يدعى فؤاد. لكن فؤاد قال في التحقيق إنه لم يكن موجوداً. أما كاميرات المتجر، فاختفى تسجيل ساعتين كاملتين منها بسبب «عطل فني».
عينت الشركة محامياً، ووقف مديرها يتحدث أمام الموظفين عن الأمانة وحماية أموال الناس. أما أمي، فلم تكن تملك سوى محامٍ قليل الخبرة دفعت جدتي أجره بعدما باعت أساورها الذهبية.
في المدرسة، انتشر الخبر أسرع مني.
دخلت الصف في صباح الأحد، فتوقفت همسات البنات للحظة، ثم عادت بصوت أخفض. جلست في مقعدي، فوجدت كلمة «لصوص» مكتوبة بالقلم على طرف الطاولة.
مسحتها بكم قميصي حتى احمر جلدي.
في الاستراحة، اقتربت مني زميلتي سارة، التي كانت تجلس معي منذ الصف الأول.
قالت:
— أمي قالت ما أجي لبيتكم بعد.
— ليش؟
نظرت إلى الأرض.
— لأن أمج بالسجن.
— أمي بريئة.
— أعرف، بس أمي قالت أبقى بعيدة.
ذهبت، وتركتني وحدي قرب جدار الساحة.
حين عدت إلى بيت جدتي، لم أخبر أحداً. جلست أراجع واجباتي قرب النافذة، لكن الكلمات كانت تتحرك أمامي. لاحظت جدتي العلامات على كم قميصي.
سألت:
— شنو هذا؟
قلت إنني وقعت.
لم تصدق، لكنها لم تضغط عليّ.
آسر كان أسوأ حالاً. توقف عن الذهاب إلى المدرسة بعد أن ضرب صبياً قال له إن أمه ستسرق حقائبهم. ظل في البيت أسبوعاً كاملاً، يرفض الأكل في بعض الأيام، ويستيقظ ليلاً وهو يصرخ باسمها.
حين ذهبنا إلى الزيارة الثانية، لم يرفض الاقتراب. جلس أمام الزجاج، وأمسك السماعة بكلتا يديه.
قال لأمي:
— أنتِ سرقتِ؟
شهقت جدتي خلفه، لكن أمي لم تغضب.
قالت:
— لا، حبيبي.
— احلفي.
وضعت يدها على صدرها.
— والله ما أخذت شي.
— إذن تعالي للبيت.
لم تستطع الإجابة.
بدأ آسر يبكي، وضرب الزجاج بقبضته الصغيرة.
— تعالي!
تحرك الحارس نحونا، فأمسكته جدتي. كانت أمي تبكي بصمت في الجهة الأخرى، تضع كفها على الزجاج وتكرر:
— قريباً، يمّه. قريباً.
بعد الزيارة، لم يتحدث آسر طوال الطريق.
في تلك الليلة تبول في فراشه للمرة الأولى منذ سنوات. حين اكتشف الأمر صباحاً، جمع الغطاء وحاول غسله وحده قبل أن نراه. وجدته في الحمام يفركه وهو يبكي.
قلت:
— عادي، آسر.
صرخ:
— مو عادي!
ثم دفعني وركض إلى السطح.
لم نكن أطفالاً بعد ذلك اليوم، رغم أن أعمارنا لم تتغير.
بدأت جدتي تخبز للبيوت القريبة مقابل المال. كانت تستيقظ قبل الفجر، تعجن الطحين، وتضع الأرغفة في أكياس ورقية. كنت أساعدها قبل المدرسة، وآسر يوصل بعضها إلى الجيران. في المساء، كنت أذهب إلى متجر خياطة تملكه امرأة تدعى أم لؤي، أرتب الأقمشة وأنظف المكان مقابل مبلغ صغير.
قالت جدتي حين عرفت:
— تتركين الشغل وتركزين بدراستج.
— ما راح أترك الدراسة.
— بعدج طفلة.
أجبتها:
— الطفلة أمها ترجع تسويلها أكل. أنا لازم أشتري لآسر دفتر.
لم تقل شيئاً. استدارت نحو التنور كي لا أرى دموعها.
مر شهران، ثم أربعة، ثم سبعة.
في كل جلسة، يؤجل القاضي القضية بسبب ورقة ناقصة، أو شاهد لم يحضر، أو خبير لم يرفع تقريره. كانت أمي تعود إلى التوقيف، ونحن نعود إلى البيت محملين بموعد جديد.
تغير شكلها مع الوقت. نقص وزنها، وظهرت شعيرات بيضاء قرب صدغيها. لكنها كانت ترتب حجابها قبل الزيارة، وتبتسم حين ترانا.
كانت تسأل عن درجاتي، وعن أسنان آسر، وعن ضغط جدتي. لم تتحدث عن نفسها إلا حين نسأل.
مرة قلت لها:
— يضربوج؟
تجمد وجهها.
— منو كال؟
— الخدش اللي كان بوجهج أول مرة.
قالت بسرعة:
— وقعت.
عرفت أنها تكذب، ولم أسأل مرة ثانية.
في أحد الأيام، أعطتني الحارسة رسالة كتبتها أمي بخط صغير على ورقتين. في بدايتها قالت:
«إلى رؤى، لا أريدك أن تصيري أماً لأخيك وأنت ما زلت طفلة. ساعدي جدتك، لكن لا تتركي المدرسة. الناس قد يأخذون مني حريتي، لكن لا تسمحي لهم أن يأخذوا مستقبلك أيضاً.»
قرأت الرسالة عشرات المرات حتى حفظتها.
في نهايتها كتبت:
«حين أعود، سأعوضكما عن كل يوم. سنذهب إلى السوق، ونشتري لآسر حذاءً جديداً، ولك حقيبة حمراء مثل التي أعجبتك. لا تخبريه، أريدها مفاجأة.»
كانت الحقيبة الحمراء معروضة في واجهة محل قرب مدرستي. كنت قد وقفت أمامها مرة مع أمي قبل اعتقالها. لم أكن أعلم أنها تذكرتها.
بعد عام، اختفت الحقيبة من الواجهة، ثم أغلق المحل كله.
احتفظت بالوعد رغم ذلك.
ظهر المحامي الجديد في حياتنا بعد أربعة عشر شهراً من توقيف أمي. كان اسمه ناظم، في أواخر الثلاثينيات، يعمل مع جمعية تقدم المساعدة القانونية للنساء غير القادرات على دفع أتعاب المحامين.
جاء إلى بيت جدتي يحمل نسخة كبيرة من ملف القضية.
جلس على الأرض لأن الكراسي لم تكفِ، وبدأ يسألنا عن عمل أمي، وعن المدير، وعن الموظف فؤاد. كان مختلفاً عن المحامي الأول. لم يقل إن القضية سهلة، ولم يعدنا بخروجها القريب.
قال:
— أكو تناقضات، بس نحتاج دليل مو بس كلام.
سألته:
— شكد تحتاج فلوس؟
نظر إليّ طويلاً.
— الجمعية متكفلة بالأتعاب.
— يعني مجاناً؟
— يعني ناس تبرعت حتى واحد مثلكم ما يبقى وحده.
لم أفهم وقتها لماذا بدت هذه الجملة كأنها نافذة فُتحت داخل غرفة مغلقة.
بدأ ناظم يزور المتجر، ويطلب سجلات الحسابات، ويتحدث مع الموظفين القدامى. اكتشف أن فاضل فصل ثلاثة عمال بعد اعتقال أمي، بينهم فؤاد الذي شهد ضدها.
بحث عنه أسابيع حتى وجده يعمل في مخزن بعيد في منطقة جميلة. في البداية رفض الحديث. قال إنه لا يريد مشكلات، وإن لديه أطفالاً.
ذهب ناظم إليه مرة ثانية، ثم ثالثة.
أخيراً اعترف فؤاد بأنه كان موجوداً حين سلمت أمي المال لفاضل. قال إن المدير هدده بالفصل واتهامه بالمشاركة إذا تحدث. لكنه رفض أن يوقع على إفادته.
قال ناظم لجدتي:
— شهادته ممكن تغيّر القضية، بس الرجل خائف.
قالت جدتي:
— والخوف أقوى من الحق؟
أجاب:
— مرات، إي.
في الشتاء الثاني بعد اعتقال أمي، مرض آسر.
بدأ بسعال خفيف، ثم ارتفعت حرارته. ظنت جدتي أنها نزلة برد، لكن تنفسه صار ثقيلاً في الليل. نقلناه إلى المستشفى، فأخبرونا أنه يعاني من التهاب رئوي ويحتاج إلى البقاء عدة أيام.
جلست قربه على كرسي حديدي، أراقب صدره وهو يرتفع بصعوبة. كان يهذي باسم أمي.
قال:
— لا تكولين إلها.
— ليش؟
— راح تخاف.
كانت أمي في السجن، وهو يخاف أن يزعجها.
احتجنا إلى أدوية غير متوفرة. بعت هاتفي القديم، وباعت جدتي خاتمها الأخير. أحضرت أم لؤي، صاحبة متجر الخياطة، مبلغاً وقالت إنه سلفة من راتبي.
في اليوم الثالث، وقف ناظم عند باب الغرفة ومعه كيس أدوية.
قلت:
— منين؟
— أحد المتبرعين.
— منو؟
— ما أعرف.
عرفت بعد سنوات أنه اشتراها من ماله.
تحسن آسر، لكنه خرج أضعف وأكثر صمتاً. وحين ذهبنا إلى زيارة أمي، ارتدى قميصاً واسعاً حتى لا تلاحظ نحافته.
لكنها لاحظت.
قالت:
— وجهك أصفر، يمّه.
— ما بيّ شي.
نظرت إليّ.
خفضت عيني.
فهمت.
وضعت السماعة جانباً، وبدأت تبكي. كانت تلك أول مرة تنهار أمامنا.
قالت:
— أنا ما أعرف حتى من تمرضون.
قلت:
— مو ذنبج.
— منو يسهر عليكم؟
— كلنا نسهر على بعض.
— رؤى، إنتِ شكد صار عمرج؟
— أربعطعش.
هزت رأسها وهي تبكي.
— لا. إنتِ صار عمرج أربعين.
في طريق العودة، شعرت بالغضب منها للمرة الأولى.
لماذا كانت تبكي؟ نحن الذين نعيش بلا أم. نحن الذين نواجه الناس، ونبيع أشياءنا، ونقف في طوابير الزيارة، ونسمع الوعود. كانت هي خلف الجدران، ونحن في الخارج نحمل كل ما تركته.
كرهت نفسي بسبب هذه الأفكار، لكنني لم أستطع إيقافها.
في الزيارة التالية، رفضت الذهاب. قلت لجدتي إن لدي امتحاناً. ذهبت هي وآسر وحدهما.
عادت وفي يدها رسالة.
لم أفتحها ثلاثة أيام.
حين قرأتها، وجدت أمي تقول:
«أعرف أنك غاضبة. من حقك. لا تجبري نفسك على مسامحتي لأنني أمك. أنا لم أختر أن أترككم، لكن النتيجة واحدة: أنتم وحدكم. حين تكرهينني قليلاً، لا تخافي من نفسك. الحب لا يختفي بسبب الغضب.»
بكيت حتى ابتل الورق.
في الأسبوع التالي، ذهبت إليها.
لم نعتذر لبعضنا. وضعت يدي على الزجاج، فوضعت يدها مقابلها، وكان ذلك كافياً.
بعد سنتين إلا شهرين من اعتقالها، حدث ما غيّر القضية.
اتصل فؤاد بالمحامي ناظم في منتصف الليل، وقال إنه مستعد للشهادة. لم يكن سبب شجاعته المفاجئة الضمير وحده. اكتشف أن فاضل اتهمه بسرقة معدات من المخزن الجديد، بالطريقة نفسها التي اتهم بها أمي.
شعر أن صمته لم يحمِه، بل علّم الرجل كيف يستخدم خوفه ضده.
قدم فؤاد إفادة مفصلة. قال إن أمي دخلت مكتب فاضل عند الخامسة وعشرين دقيقة، ووضعت أمامه الحقيبة التي تحتوي على المال. كان فؤاد هناك يطلب توقيع فاتورة. عدّ فاضل بعض الرزم، ثم طلب من أمي العودة إلى الصندوق لأن المتجر مزدحم.
سأله المحقق لماذا لم يذكر ذلك من البداية.
قال:
— خفت أخسر شغلي.
— وخليت امرأة تخسر سنتين من عمرها؟
خفض رأسه.
استخرج ناظم سجلات شركة الصيانة التي كانت مسؤولة عن الكاميرات. أثبتت السجلات أن النظام لم يكن معطلاً في يوم الحادث، وأن أحداً حذف التسجيل يدوياً بعد يومين من الجهاز الموجود في مكتب المدير.
ثم ظهرت حوالات مالية أودعها فاضل في حساب زوجته بعد أسبوع من اختفاء المبلغ.
في جلسة المحكمة، جلست خلف أمي. كان بيننا حاجز خشبي هذه المرة، لا زجاج، لكنني لم أستطع لمسها.
استمع القاضي إلى فؤاد، وخبير الكاميرات، وموظف المصرف. تغير وجه ممثل الشركة مع كل شهادة.
وقف فاضل وقال إن الحوالات من بيع أرض، وإن فؤاد ينتقم منه بسبب فصله. لكن ناظم وضع أمام المحكمة عقد الأرض، واتضح أن البيع حدث بعد الحوالة بثلاثة أشهر.
رفعت الجلسة للمداولة.
انتظرنا في الممر. كانت جدتي تسبح بمسبحتها، وآسر يحرك قدمه بلا توقف. أما أنا، فكنت أنظر إلى الباب المغلق وأفكر في الحقيبة الحمراء التي لم تعد موجودة، وفي كل شيء لا تستطيع البراءة أن تعيده.
خرج القاضي، ودخلنا.
قال إن الأدلة لا تكفي لإدانة أمي، وإن المحكمة قررت الإفراج عنها وإحالة ملف فاضل إلى التحقيق بتهمة الاختلاس والتلاعب بالأدلة.
لم أفهم الكلمات كلها.
فهمت فقط حين صرخت جدتي:
— طلعت!
احتضنتني، ثم احتضنت آسر. أما أمي، فبقيت واقفة كأنها لا تصدق أن الباب سيفتح فعلاً.
استغرقت إجراءات الإفراج حتى المساء.
وقفنا أمام السجن ننتظرها. أحضرت جدتي عباءة جديدة، وأحضرت أنا حذاءً اشتريته من مدخراتي. كان آسر يحمل باقة ورد صغيرة اختارها بنفسه.
خرجت أمي بعد غروب الشمس.
توقفت عند الباب، ورفعت يدها فوق عينيها رغم أن الضوء كان خافتاً. كأن السماء الواسعة آلمتها.
ركض آسر نحوها أولاً. احتضنته، ثم مدت يدها إليّ.
مشيت ببطء.
حين وصلت، لم أعرف كيف أعانقها. كان جسدها أنحف، ورائحتها مختلفة، وملمس يديها خشناً.
قالت:
— كبرتي.
كانت هذه أول جملة تقولها لي خارج الزجاج.
احتضنتها، وشعرت أنني أضم شخصاً أعرفه وأتعرف إليه في الوقت نفسه.
عدنا إلى بيت جدتي. كانت الجارات قد أعددن الطعام وعلقن مصابيح صغيرة عند الباب. دخلت أمي، وقبلت عتبة البيت، ثم بحثت بعينيها عن شخص لم يكن موجوداً.
سألت:
— وين يمّه؟
ساد الصمت.
كانت جدتي قد توفيت قبل ثلاثة أسابيع من الإفراج عنها.
أصيبت بجلطة في الفجر، ورحلت قبل أن تصل سيارة الإسعاف. لم نخبر أمي. قال المحامي إن حالتها النفسية سيئة، وإن الحكم قريب، وخشينا أن تنهار.
نظرت أمي إليّ، ثم إلى آسر.
قالت:
— وين أمي؟
لم أستطع الكلام.
فهمت من وجوهنا.
جلست على الأرض قرب الباب، وأسقطت العباءة الجديدة عن كتفيها. لم تصرخ. لم تضرب وجهها. ظلت تقول جملة واحدة:
— كانت تنتظرني.
اقترب آسر منها، لكنها لم تره.
— كانت تنتظرني.
تحول يوم حريتها إلى مجلس عزاء.
في صباح اليوم التالي، أخذناها إلى المقبرة. جلست قرب قبر جدتي ساعتين، تمسح التراب بيدها وتحدثها كما لو كانت تسمع.
قالت:
— طلعت، يمّه. بس تأخرت.
لم نجرؤ على الاقتراب.
بعد الإفراج، توقع الناس أن تعود الحياة إلى طبيعتها. لكن الحياة لا تحفظ مكانها لأحد.
لم يعد لدينا بيتنا القديم؛ صاحب المنزل أخرجه من الإيجار بعد اعتقالها. وظيفتها انتهت، وسمعتها بقيت عالقة بالقضية رغم براءتها. بعض الناس كانوا يقولون إن المحكمة أفرجت عنها «لعدم كفاية الأدلة»، وكأن البراءة نصف اعتراف.
بدأت تبحث عن عمل. كلما سألها صاحب متجر عن سبب ترك الوظيفة السابقة، كانت تقول الحقيقة. تتغير ملامحه، ويعدها بالاتصال، ثم لا يتصل.
عملت فترة في تنظيف عيادة بعد انتهاء الدوام. كانت تعود ليلاً ويداها تفوح منهما رائحة المعقمات. مرة وجدتها جالسة في المطبخ تبكي لأنها كسرت كوباً.
قالت:
— صاحبة العيادة خصمت سعره من أجرتي.
لم يكن الكوب يستحق البكاء. كان كل شيء قبله هو الذي بكى.
كانت تستيقظ أحياناً مذعورة، تبحث عن عباءتها، وتقول إن موعد العدّ الصباحي بدأ. لا تنام إذا أغلقنا باب الغرفة، ولا تجلس وظهرها للمدخل. تجمع قطع الخبز المتبقية في كيس وتخفيها داخل الخزانة، رغم أن الطعام موجود.
حين يرن جرس الباب بقوة، ترتجف.
وعندما يقترب منها رجل بزي رسمي، يتغير لون وجهها.
آسر لم يعرف كيف يتعامل معها. انتظر عودتها سنتين، ثم وجد امرأة تخاف من الأصوات وتبكي في الليل. حاول في البداية البقاء قربها، لكنه بدأ يبتعد.
في أحد الأيام، صرخ أثناء خلاف:
— مو كل شي بسبب السجن!
تجمدت أمي.
خرج من البيت وصفق الباب.
عاد بعد ساعة، فوجدها جالسة في مكانها نفسه.
ركع أمامها.
— يمّه، آسف.
مسحت شعره وقالت:
— عندك حق. مو كل شي بسبب السجن. بعضه بسببي أنا.
قال:
— إنتِ ما سويتي شي.
لكنها لم تصدقه.
أما أنا، فعدت إلى المدرسة، ثم الجامعة. اخترت دراسة القانون رغم أنني كنت أكره المحاكم. حين أخبرت أمي، خافت.
قالت:
— المحاكم تأكل العمر.
أجبت:
— لهذا لازم يكون بيها ناس ما ينسون عمر الناس.
عملت بعد التخرج مع الجمعية نفسها التي أرسلت ناظم إلينا. في أول يوم لي، وجدت ملف أمي محفوظاً في الأرشيف. كان سميكاً، مليئاً بالأختام والتواريخ والتأجيلات.
حملته بين يدي، وفكرت أن حياة كاملة يمكن أن تتحول إلى أوراق لا تشعر بثقلها إلا عائلة صاحبها.
أغلقته وأعدته إلى مكانه.
فاضل حُكم عليه بالسجن بعد سنوات من التحقيق، لكن الشركة أعلنت إفلاسها، ولم تحصل أمي على تعويض حقيقي. رفعنا دعوى، وفزنا بمبلغ لم يصل إلا بعد أن فقد جزءاً كبيراً من قيمته.
اشترت به ماكينة خياطة.
بدأت تخيط الملابس للنساء في الحي. كانت تجيد الخياطة منذ شبابها، ومع الوقت صار لها زبائن ثابتون. لم تعد مضطرة إلى شرح قضيتها لكل صاحب عمل.
كانت تجلس قرب النافذة، تحرك القماش تحت الإبرة، وتستمع إلى الراديو بصوت منخفض. أحياناً أراقبها فأرى المرأة التي عرفتها قبل السجن تعود للحظات؛ حين تضحك مع زبونة، أو تختلف مع آسر على لون قميصه، أو تضع السكر في الشاي قبل أن تتذكر أن الطبيب منعها.
لكن أجزاء أخرى منها بقيت هناك.
في كل شهر، كانت تزور امرأة تعرفت إليها في التوقيف اسمها هناء. خرجت هناء بعدها بعام، ولم تجد بيتاً تعود إليه. كانت عائلتها قد تبرأت منها رغم أن قضيتها انتهت بالبراءة أيضاً. ساعدتها أمي في استئجار غرفة، ثم علمتها الخياطة.
قالت لي مرة:
— اللي يطلع من السجن يحتاج أحد يعلمه أن الباب ما راح ينغلق وراه مرة ثانية.
بعد سنوات، طلبت مني مدرسة قديمة أن أتحدث للطالبات عن العدالة والقانون. وقفت أمام صف يشبه صفي الأول، ورأيت على الطاولات خدوشاً وعبارات صغيرة.
سألتني طالبة:
— إذا واحد دخل السجن، يعني هو مجرم؟
نظرت إلى الوجوه، وشعرت أنني أرى نفسي في الثانية عشرة.
قلت:
— السجن مكان، مو حكم أخلاقي. والحكم نفسه ممكن يخطئ. الإنسان ما يصير جريمته، ولا تهمته، ولا أسوأ إشاعة انقالت عنه.
بعد المحاضرة، اقتربت مني فتاة نحيلة.
قالت:
— أبوي موقوف، والبنات يضحكون عليّ.
سألتها:
— وإنتِ شنو تعرفين عنه؟
— أعرف أنه مو سيئ.
قلت:
— تمسكي باللي تعرفينه، مو باللي يقولوه.
أعطيتها رقمي، وكتبت اسم جمعية تستطيع مساعدة عائلتها.
حين عدت إلى البيت، كانت أمي تخيط فستاناً أزرق. أخبرتها عن الفتاة.
توقفت الماكينة.
قالت:
— لا تخليها تترك المدرسة.
— ما راح أخليها.
ابتسمت، ثم عادت إلى الخياطة.
آسر كبر هو الآخر. أنهى دراسته في معهد تقني، وافتتح محلاً صغيراً لإصلاح الهواتف. في يوم افتتاحه، علّق صورة لأمي وجدتي قرب الصندوق. قال إن جدتي هي أول من أعطاه أجرة توصيل الخبز، وإن أمي علمته ألا يمد يده إلى مال ليس له حتى لو اتهموه بذلك.
كان ما يزال يشعر بالخجل من السؤال الذي وجهه إليها خلف الزجاج: «أنتِ سرقتِ؟»
قال لها مرة:
— يمّه، سامحيني.
سألته:
— على شنو؟
— لأن شكيت بيج.
أمسكت وجهه بين يديها.
— إنتَ كنت طفل. حتى أنا مرات شكيت بنفسي من كثر ما كرروا التهمة.
بكى، ودفن وجهه في كتفها.
مر أكثر من عشرين عاماً على ذلك الصباح الأول.
أصبحت أمي في الستين، وأصبح شعرها أبيض بالكامل. ضعف بصرها، لكنها رفضت ترك الخياطة. تقول إن صوت الماكينة يطمئنها لأنه صوت تستطيع التحكم في بدايته ونهايته.
في أحد الأيام، طلبت مني أن آخذها إلى مبنى السجن القديم. كان قد أُغلق، ونُقلت السجينات إلى مكان آخر.
سألتها:
— ليش تريدين تروحين؟
قالت:
— أريد أشوفه من برّه وأنا حرة.
ذهبنا عند الغروب. توقفنا على الرصيف المقابل، وبقينا داخل السيارة.
كان المبنى رمادياً، والنوافذ عالية ومغطاة بالقضبان. نظرت إليه طويلاً.
قالت:
— تعرفين شنو أكثر شي أتذكره؟
— شنو؟
— صوت خطواتكم من تمشون بعد الزيارة.
تفاجأت.
— كنتِ تسمعينها؟
— لا. بس أتخيلها. أتخيلج تمسكين إيد جدتج، وآسر يبچي، وإنتِ تحاولين تبقين قوية.
صمتت قليلاً، ثم قالت:
— كنت أتمنى أقدر أركض وراكم.
أمسكت يدها.
— رجعتي إلنا.
هزت رأسها.
— رجعت، بس مو كلها.
لم أعرف كيف أعارضها.
كانت محقة.
بقي جزء من أمي خلف ذلك الزجاج؛ الجزء الذي كان يثق بأن البراءة تكفي، وأن الحقيقة إذا قيلت بصوت واضح ستُسمع، وأن العودة إلى البيت تعيد الإنسان كما كان.
لكن أجزاء أخرى وُلدت بعده.
المرأة التي ساعدت هناء.
والأم التي سامحت آسر.
والخياطة التي بنت رزقها من جديد.
والجدة التي صارت تخبر أحفادها أن الإنسان قد يُسلب منه كل شيء إلا ما يختار أن يفعله بعد ذلك.
قبل أن نغادر، أخرجت من حقيبتي ورقة قديمة. كانت رسالتها الأولى إليّ، التي طلبت فيها ألا أترك المدرسة. احتفظت بها كل تلك السنوات داخل غلاف بلاستيكي.
ناولتها إياها.
قرأت السطور بصعوبة، ثم ضحكت.
قالت:
— خطي كان أحسن.
— كنتِ تكتبين على ركبتج.
طوت الرسالة وأعادتها إليّ.
— خليها عندج.
— ليش؟
— حتى من تتعبين، تتذكرين أنج ما ضيعتي مستقبلج.
نظرت إلى المبنى مرة أخيرة، ثم قالت:
— يلا نرجع للبيت.
قدت السيارة، وابتعد السجن خلفنا. كانت الشوارع مزدحمة، والمحال مضاءة، والناس يعبرون من دون أن يعرفوا المرأة الجالسة إلى جانبي، ولا السنوات التي سُرقت منها، ولا عدد المرات التي اضطرت فيها إلى إثبات أنها تستحق مكاناً بينهم.
عند إشارة المرور، نظرت إليها. كانت نائمة، ورأسها مائل نحو النافذة. لأول مرة لم تبدُ خائفة من أن يغلق الباب.
وصلنا إلى البيت، فأيقظتها.
فتحت عينيها وسألت بنصف نوم:
— وصلنا؟
قلت:
— إي، يمّه. وصلنا.
نزلت من السيارة، ومشت ببطء نحو الباب. كان آسر ينتظرنا ومعه طفلته الصغيرة، التي ركضت نحوها وهي تصرخ:
— جدتي!
انحنت أمي وفتحت ذراعيها.
راقبتهما، وتذكرت كفي الصغيرة فوق الزجاج، وكف أمي في الجهة الأخرى. عشرون عاماً فصلت بين الصورتين.
في الأولى، لم نستطع أن نلمس بعضنا.
وفي الثانية، كانت حفيدتها معلقة بعنقها، تملأ وجهها بالقبلات.
فهمت عندها أن العدالة لم تعد إلينا كل ما فقدناه، وأن البراءة لم تمحُ الألم، وأن بعض الأبواب حين تُغلق تترك صوتها داخل الإنسان إلى الأبد.
لكن أمي عادت.
متعبة، ناقصة، وخائفة أحياناً، لكنها عادت.
وحين دخلت البيت وأغلقت الباب خلفها بيدها، عرفت أن الزجاج الذي فصل بيننا سنوات لم يعد موجوداً إلا في الذاكرة.
أما يدها، فكانت أخيراً في متناول يدي.
ــــــــــــــــــــــــــــــ عمر إلفا أكتبُ لأترك أثراً. ــــــــــــــــــــــــــــــ

تعليقات
إرسال تعليق