الطرد غير المستلم
كان صفوان يعرف أن الطرد سيعود قبل أن يمدّ يده إليه.
رآه فوق منضدة البريد المرتجع، ملفوفاً بورق بني خشن، ومحاطاً بخيط أبيض عُقد بعناية مبالغ فيها. في زاويته اليمنى كُتب العنوان بحروف كبيرة متباعدة:
«إلى السيدة بهيجة جابر
حي المعلمين، الزقاق الرابع
البيت ذو الباب الأخضر».
لم يكن في العنوان رقم للدار، لكن صفوان لم يحتج إليه. كان قد حمل إلى ذلك الباب اثنين وثلاثين طرداً خلال السنوات الثلاث الماضية، واحداً في الأسبوع الأول من كل شهر، وكانت بهيجة تستقبله دائماً قبل أن يطرق للمرة الثانية.
أما هذه المرة، فخُتم الطرد بعبارة حمراء:
«تعذّر التسليم: وفاة المستلِمة».
رفع صفوان الطرد بين يديه. لم يكن ثقيلاً. ربما احتوى على علبة تمر، أو قميص شتوي، أو بعض الأدوية التي كانت بهيجة ترسل مثلها إلى ابنها عاصم في السجن المركزي.
نظر إلى اسم المرسِل.
«عاصم نوري جابر».
توقف قليلاً.
كان عاصم يرسل إلى أمه أيضاً، لكن طروده كانت نادرة؛ مصنوعات خشبية صغيرة يصنعها في ورشة السجن، أو مناديل مطرزة، أو رسائل كثيرة توضع داخل ظرف واحد. أما الطرود الشهرية المنتظمة فكانت تخرج من بيت بهيجة إليه.
هذا الطرد جاء في الاتجاه المعاكس، بعد موتها بأسبوعين.
دخل رئيس القسم، فاضل، يحمل كوب شاي وملفاً سميكاً تحت ذراعه. لمح صفوان واقفاً بالطرد فقال:
— إذا مرتجع، سجله وخليه ويا البقية.
— أعرف.
— إذن ليش واقف تتأمله؟
— أعرف صاحبته.
— تعرف نص المنطقة. شغلك موزع بريد، مو فرد من العائلة.
وضع فاضل الملف على مكتبه وأضاف:
— يرجع للمرسِل حسب الأصول.
قال صفوان:
— المرسل بالسجن.
— يوصلونه إله هناك.
— وعليه ختم وفاة أمه.
رفع فاضل حاجبيه.
— وشنو نسوي؟ نبدل الختم حتى ما يزعل؟
لم يعجبه جمود رئيسه، لكنه فهمه. كان مكتب البريد يستقبل كل يوم أخباراً لا تخص موظفيه: استدعاءات قضائية، نتائج فحوص، حوالات مالية، رسائل رفض، إشعارات وفاة، وطروداً تصل بعد رحيل أصحابها. لو حمل كل موظف شيئاً من مصائب الناس إلى بيته، لما بقي فيه مكان لحياته الخاصة.
سجل صفوان الطرد في دفتر المرتجعات، لكنه لم يضعه مع البقية. أبقاه في درج مكتبه إلى نهاية الدوام.
لم يكن يعرف عاصم، ولم يره في حياته. كل ما يعرفه عنه جمعه من العناوين وطريقة تغليف أمه للطرود. كان يعرف أنه يحب الشاي الثقيل لأن بهيجة كانت ترسل إليه علباً من النوع نفسه، وأن مقاسه في القمصان كبير، وأنه يقرأ الروايات البوليسية، وأن أسنانه تؤلمه أحياناً لأن طرداً وصل مرة وفيه فرشاة خاصة ومعجون للأسنان الحساسة.
يعرف أيضاً أن محكوميته طويلة.
في إحدى المرات، بينما كانت بهيجة توقع إيصال التسليم، سألها:
— بعد شكد يطلع ابنچ؟
أجابت من دون أن ترفع عينيها:
— سبع سنين.
ثم أضافت:
— يعني بقت أربع.
كان ذلك قبل ثلاث سنوات تقريباً.
في الأسابيع الأخيرة، لاحظ صفوان أن الباب الأخضر بقي مغلقاً. تراكم الغبار على المقبض، واختفت الأصص التي كانت بهيجة تضع فيها الريحان. وفي زيارته السابقة، فتحت له امرأة في الأربعينيات ترتدي ثوباً أسود.
سأل:
— الحاجة بهيجة موجودة؟
قالت المرأة:
— خالتي توفت.
كان يحمل حوالة مالية باسمها. بقي واقفاً لحظة، ثم قدم تعازيه وأعاد الحوالة إلى حقيبته.
سألته المرأة:
— منين الحوالة؟
— من مؤسسة الرعاية.
تنفست بارتياح خفي، ثم قالت:
— إذا إجى أي شي بعد باسمها، رجّعه.
— حضرتچ من أهلها؟
— بنت أختها. اسمي رَنيم.
كان في نبرتها شيء حاسم، كأنها لا تريد أن يطرح أسئلة إضافية. لم يطرحها. أغلق حقيبته وانصرف.
في صباح اليوم التالي، سلّم صفوان الطرد إلى سيارة البريد المتجهة إلى إدارة السجن. تابعه بعينيه حتى اختفى بين الأكياس الرمادية، ثم عاد إلى عمله.
ظن أن الأمر انتهى.
بعد عشرة أيام، وجد الطرد نفسه فوق منضدة المرتجعات.
تأكد من الخيط الأبيض ومن بقعة حبر زرقاء قرب اسم المرسِل. أضيف إليه ختم جديد:
«تعذّر التسليم: رفض المرسِل الاستلام».
قلبه بين يديه. لم يفهم لماذا يرفض عاصم استلام طرده، ثم تذكر العبارة الحمراء التي تعلن وفاة أمه لكل من يراه.
ربما عرف الخبر من الختم.
وضع الطرد في درج مكتبه، ثم اتصل بقسم بريد السجون.
انتقل بين ثلاثة موظفين قبل أن يجيبه رجل بصوت متعب.
قال صفوان:
— عندي طرد مرتجع من النزيل عاصم نوري جابر. مكتوب رفض الاستلام. أريد أعرف السبب حتى أثبته بالسجل.
سمع تقليب أوراق.
— رقم النزيل؟
قرأه من بطاقة الإرسال.
انتظر.
قال الموظف:
— رفض يوقع.
— ليش؟
— ما مذكور.
— هل عرف أن والدته توفت؟
— أخي، إحنا بريد، مو إدارة اجتماعية.
— الطرد عليه ختم وفاة.
— إذن شافه.
— ومن أخبره رسمياً؟
تنهد الرجل.
— ما عندي علم. اتصل بإدارة الجناح.
أعطاه رقماً داخلياً، لكنه لم يجب طوال النهار.
في المساء، أخذ صفوان الطرد معه إلى البيت. لم يكن ذلك مسموحاً، لكنه لم يرد تركه بين الإعلانات القديمة والفواتير المرتجعة.
وضعه فوق خزانة المطبخ، بعيداً عن يد ابنه الصغير مازن.
سألته زوجته حوراء:
— هذا شنو؟
— طرد رجع مرتين.
— وجبته للبيت ليش؟
— ما أعرف.
نظرت إليه لحظة، ثم قالت:
— زين، من تعرف رجّعه.
كان صفوان في الثانية والأربعين، وعمل موزعاً للبريد ثمانية عشر عاماً. دخل الوظيفة مؤقتاً بعد أن أخفق في إكمال كلية الفنون، ثم صار المؤقت مهنة، والمهنة عمراً. حفظ المدينة من أبوابها: البيت الذي يفتح بسرعة، والبيت الذي يراقب صاحبه من خلف الستارة، والباب الذي لا يُطرق وقت الظهيرة لأن طفلاً مريضاً ينام خلفه.
لم يكن فضولياً، لكنه آمن بأن الرسالة لا تكتمل بمجرد وصولها إلى العنوان. يجب أن تصل إلى الشخص، في الوقت الذي يستطيع فيه فهمها.
بعد يومين، عاد إلى الباب الأخضر.
طرقه، ففتحت رَنيم.
رأت الطرد في يده، فتغير وجهها.
— مو گلتلك أي شي يجي رجّعه؟
— رجعته.
— إذن شنو هذا؟
— رجع من السجن. عاصم رفض يستلمه.
سكتت.
سألها صفوان:
— يعرف أن أمه توفت؟
— أكيد يعرف.
— من أخبره؟
— مو شغلك.
قال بهدوء:
— صحيح، مو شغلي. لكن الطرد صار يدور بين مكتبنا والسجن، ولازم أحد يستلمه أو أُتلفه بعد مدة.
مدته يدها.
— أعطني إياه.
لم يناولها الطرد.
— هو من عاصم إلى والدته. حسب القانون، يسلم إلى وريثها إذا أثبت صفته، مو لأي شخص يسكن البيت.
— تريد شهادة وفاة وقسام شرعي حتى تسلمني علبة؟
— نعم.
تأملت وجهه بغضب.
— أنت تعرف خالتي من كم طرد، وتتصرف كأنك تعرف العائلة.
— ما أتصرف هيچ. أحافظ على الأمانة.
— الأمانة جانت تحتاج أحد قبل ما تموت، مو بعد ما صارت طرداً.
أغلقت الباب في وجهه.
بقي صفوان واقفاً. لم يفهم عبارتها، لكنه شعر أنها لم تكن موجهة إليه وحده.
في اليوم التالي، نجح في الاتصال بإدارة الجناح. أجابه ضابط اسمه صادق، وبعد أسئلة كثيرة وافق على التحقق من ملف عاصم.
اتصل به بعد ساعات.
قال:
— النزيل ما تبلغ رسمياً بأي وفاة.
— لكن شاف الختم.
— شافه، وصارت عنده حالة انفعال. رفض يستلم الطرد لأن عليه عبارة تقول أمه متوفية. هو يقول مستحيل.
— ليش مستحيل؟
— لأن عنده رسائل منها.
— رسائل قديمة؟
— آخر رسالة وصلته قبل أربعة أيام.
تجمد صفوان.
كانت بهيجة ميتة منذ أكثر من شهر.
سأل:
— متأكد الرسالة باسمها؟
— مكتوب على الظرف اسمها وعنوانها، والخط نفسه اللي معتاد عليه.
— ومختومة من مكتبنا؟
— نعم.
أغلق صفوان المكالمة ونظر نحو غرفة الفرز. مرت في ذهنه عشرات الظروف التي تعامل معها من دون أن يقرأ أسماء مرسليها. كان البريد الصادر من المنطقة يجمع في أكياس كبيرة، ولا يراجعه الموزعون واحداً واحداً.
فتح سجل الإرسال اليدوي. بحث في معاملات الأسبوع السابق حتى وجد ظرفاً مسجلاً باسم بهيجة، موجهاً إلى عاصم.
عند خانة المرسِل، ظهر توقيع غير واضح.
وتحت التوقيع كُتب رقم هاتف.
اتصل به.
رن مرتين، ثم جاء صوت رَنيم:
— نعم؟
قال:
— أنا صفوان، موزع البريد.
صمتت، ثم أغلقت الخط.
في اليوم التالي قدّم طلب إجازة نصف يوم، وذهب إلى المقبرة التي دُفنت فيها بهيجة. لم يكن يعرف موضع قبرها، لكنه سأل الحارس وساعده الاسم وتاريخ الوفاة.
وجد رَنيم هناك.
كانت تجلس قرب شاهد القبر، تقرأ رسالة مطوية. حين رأته، أخفت الورقة في حقيبتها.
قالت:
— لحقتني للمقبرة؟
— الرقم الموجود على رسالة باسم خالتچ رقمچ.
لم تجب.
— أنتِ اللي ترسلين الرسائل إلى عاصم.
وقفت ونفضت التراب عن ثوبها.
— وإذا أنا؟
— هو يعتقد أن أمه حية.
— خليه يعتقد.
— شاف ختم الوفاة.
— وأنت اللي خليته يشوفه.
قال صفوان:
— هذا إجراء رسمي. ما كنت أعرف أن أحداً يخدعه.
اقتربت منه.
— لا تسميه خداعاً وأنت ما تعرف شي.
— إذن فهميني.
نظرت إلى القبر، ثم جلست من جديد. ظل واقفاً حتى أشارت إلى طرف المصطبة الحجرية.
قالت بعد صمت:
— عاصم أخوي بالرضاعة. خالتي بهيجة ربتني بعد موت أمي، وأنا كنت أعتبره أخوي الحقيقي. قبل سبع سنين دخل السجن بسبب حادث سيارة.
— أعرف أنه مسجون، لكن ما أعرف السبب.
— كان يسوق سيارة صديقه. صدم عائلة على طريق سريع. مات الأب وطفل، وبقيت الأم مصابة. عاصم هرب أول ليلة لأن السيارة ما كانت باسمه، وبعدها سلّم نفسه. أخذ حكماً عشر سنين.
خفض صفوان عينيه.
تابعت:
— خالتي باعت قطعة أرض كانت ورثتها حتى تدفع تعويضاً للعائلة، وظلت تزوره كل شهر. الناس تركوها. بعض الأقارب قالوا ابنچ قاتل، وبعضهم قالوا خليه يتعفن بالسجن. هي وحدها بقيت تكتب له.
— وماتت شلون؟
شدت رَنيم حزام حقيبتها.
— سرطان بنكرياس. اكتشفناه متأخر. عاشت أربعة أشهر بعد التشخيص.
— ليش ما خبرتوه؟
— هي ما أرادت.
— حتى بمرضها؟
— خصوصاً بمرضها. كانت تقول إذا عرف، راح يطلب يشوفها، وإذا ما سمحوا له ينكسر، وإذا سمحوا له يشوفها راح تبقى صورتها الأخيرة بجسم ضعيف وأنابيب.
— كان من حقه يعرف.
نظرت إليه بقسوة.
— الحق كلمة سهلة للي ما راح يدفع ثمنها.
أخرجت من حقيبتها رزمة أوراق مربوطة بشريط.
— قبل ما تموت، كتبت له اثنتي عشرة رسالة. كل رسالة عليها تاريخ. طلبت مني أرسل واحدة كل أسبوعين، حتى موعد خروجه.
أخذ صفوان الرسائل بيده. كانت الأظرف مكتوبة بخط بهيجة الذي عرفه من الطرود. على كل واحد تاريخ صغير بالقلم الرصاص.
قال:
— متى يطلع؟
— بعد شهرين. خفضوا محكوميته لحسن السلوك.
— وهي أرادت يعرف بعد خروجه؟
— كتبت له كلشي بالرسالة الأخيرة.
— لهذا رفض الطرد. الختم قال له الحقيقة قبل الوقت.
— إي.
استعاد صفوان تفاصيل الطرد: الخيط المشدود، اسمه فوق الزاوية، والعبارة الحمراء التي طبعتها موظفة لا تعرف شيئاً عن صاحبه.
قال:
— شنو موجود داخله؟
— ما أعرف.
— تقدرين تستلمينه بالقسام الشرعي.
— ما أريده. هو أرسله إلها.
— وربما يحتوي شيئاً مهماً.
— كل شي صار مهماً بعد ما ماتت. قبلها، ما حد جان يريد يسمعها.
مسحت التراب عن صورة صغيرة مثبتة قرب القبر.
قال صفوان:
— لازم نبلغه.
— لا.
— عرف أساساً. من الختم.
— هو ما صدّق. الضابط اتصل بي، وكذبت عليه. گلت له صار خطأ بالأسماء، وخالتي بخير.
— وبعدين؟
— أستمر بالرسائل.
— شهرين كاملين؟
— خالتي تحملت السرطان أربعة أشهر حتى لا تخليه ينهار. أقدر أتحمل كذبة شهرين.
— هذا مو حملچ وحدچ. هذا عمره هو.
رفعت عينيها نحوه.
— وعمره شراح يستفاد إذا عرف هسه؟ راح يضرب راسه بالجدار؟ يدخل بمشكلة ويضيع التخفيض؟ هو انتظر سبع سنين حتى يرجع إلها. إذا عرف أنها ماتت قبل باب السجن بشهرين، يمكن ما يبقى عنده سبب يطلع.
لم يستطع صفوان أن يجيب فوراً.
كانت محقة بطريقة مخيفة، ومخطئة بطريقة لا تقل وضوحاً.
قال:
— وإذا خرج وسأل ليش ما أحد أخبره؟
— أخليه يكرهني. المهم يطلع.
أخذت الرسائل من يده ونهضت.
— رجّع الطرد أو أتلفه. بس لا تتدخل بالرسائل.
تركته عند القبر ومشت.
عاد صفوان إلى عمله وهو يشعر أن الطرد صار أثقل، مع أن شيئاً لم يضف إليه.
أعاده إلى الخزانة الحديدية المخصصة للأمانات، ومدد مدة الاحتفاظ به بصفته «موضوع نزاع وراثي». لم يخبر فاضل بكل التفاصيل، واكتفى بالقول إن أحد الورثة سيحضر أوراقه.
في البيت، حكى لحوراء ما حدث.
استمعت إليه وهي تطوي الملابس، ثم قالت:
— البنية تريد تحميه.
— بالكذب؟
— مرات الإنسان يكذب لأن الحقيقة أكبر من قدرة الشخص بوقت معين.
— ومن يقرر قدرته؟
— ما أعرف.
— إذا أنا متّ، ترضين أحد يكتب رسائل باسمي لمازن حتى يكبر؟
توقفت عن الطي.
— لا.
— إذن هي غلطانة.
قالت:
— بس إذا كنتَ أنت كاتب الرسائل قبل موتك؟
لم يجب.
أضافت:
— خالته ما طلبت منها تخترع كلاماً. طلبت توصل كلامها بوقت محدد.
— الموت مو خبر جانبي نخليه لنهاية الرسالة.
— صحيح. بس أنت هم مو من حقك تقرر مكانها.
ضايقه أنها لم تمنحه جواباً واضحاً.
خلال الأسابيع التالية، تابع الرسائل من دون أن يلمسها. كل أسبوعين يظهر ظرف باسم بهيجة في سجل البريد الصادر، ثم يختفي نحو السجن. وكان صفوان يتخيل عاصم يفتحه داخل زنزانته، ويقرأ كلام امرأة دُفنت قبل أسابيع.
اتصل بالضابط صادق مرة وسأله عنه.
قال الضابط:
— مستقر. بعده مصر أن الختم خطأ.
— والرسائل؟
— يحتفظ بيها كلها تحت فراشه. يقرأها بالليل.
— تعرف محتواها؟
— الرقابة تقرأ البريد الوارد.
— شتكتب له؟
— أشياء عادية. تسأله عن صحته، تحچي عن الجيران، وتكله إنها ترتب غرفته.
كانت ترتب غرفته وهي تعرف أنها لن تراه يدخلها.
صار صفوان يفكر في بهيجة أكثر مما يريد. كيف جلست وهي مريضة لتكتب اثنتي عشرة رسالة؟ هل كتبتها في يوم واحد، أم وزعتها على أيام قدرتها القليلة؟ هل كانت تتعمد استخدام المستقبل كي يبدو صوتها حياً؟
مرّ من أمام البيت الأخضر ذات مساء، فرأى رَنيم تحمل أكياساً إلى سيارة صغيرة.
سألها:
— راح تبيعون البيت؟
— البيت إيجار. المالك يريد يستلمه نهاية الشهر.
— وأغراض عاصم؟
— نقلتها لشقتي.
— راح يعيش عندچ؟
— أول فترة، إلى أن يلقى شغل ومكان.
كانت تتحدث بثبات، لكن الإرهاق ظهر تحت عينيها.
قال صفوان:
— شلون راح تستقبلينه عند باب السجن؟
— مثل ما استقبلت خالتي كل شي قبله: أتصرف وبعدين أنهار وحدي.
نظر إلى الباب الأخضر.
— هو يعرف العنوان. إذا طلع ولقى البيت بيد ناس غيركم؟
— آخر رسالة تخبره يجي لشقتي.
— وتخبره بموتها؟
— إي.
— متأكدة؟
— قرأتها أكثر من عشرين مرة.
— شنو كاتبة؟
— هذا بينها وبينه.
قبل موعد الإفراج بثلاثة أسابيع، استدعى فاضل صفوان إلى مكتبه.
كان الطرد فوق الطاولة.
قال فاضل:
— تجاوز مدة الاحتفاظ. يا تجيب أوراق وريث، يا يرجع نهائي للسجن، يا يدخل لجنة الإتلاف.
— أعطني أسبوع.
— أخذت أكثر من شهر.
— أسبوع واحد.
— ليش مهتم؟
أجاب صفوان:
— لأن شخصين أرسلاه لبعض، وواحد منهما مات قبل أن يعرف الثاني.
حدق فاضل فيه، ثم دفع الطرد نحوه.
— أسبوع. بعدها لا تحرجني.
ذهب صفوان إلى رَنيم وطلب منها إحضار شهادة الوفاة والقسام الشرعي. رفضت أولاً، لكنه أصر.
قال:
— إذا ما أخذتيه، ينفتح أمام لجنة ويتلفون محتواه.
— افتحه أنت.
— ما أقدر.
— تريد تعرف شنو بيه، مو؟
كان يريد، لكنه قال:
— أريد أوصله.
في اليوم التالي جاءت إلى مكتب البريد تحمل الوثائق. وقعت الاستلام، ثم خرجت بالطرد تحت ذراعها.
ظن صفوان أن قصته معه انتهت.
لكنها عادت بعد ساعة.
وضعت الطرد أمامه كما هو.
قالت:
— افتحه وياي.
أغلق باب غرفة الأرشيف. جلسا قبالة بعضهما، وقطعت رَنيم الخيط بمقص صغير.
تحت الورق البني ظهرت علبة خشبية مستطيلة صنعها عاصم بيده. كان غطاؤها مزيناً بزهور محفورة، وفي الوسط عبارة:
«إلى أمي، حتى يبقى شيء مني قربچ».
فتحتها رَنيم.
في داخلها جهاز تسجيل صوتي صغير، وقطعة قماش مطرزة، ورسالة. كانت هناك أيضاً زهرة خشبية دقيقة، يتوسطها تجويف دائري فارغ.
قرأت رَنيم الرسالة بصمت. ارتجفت شفتاها، ثم ناولتها إلى صفوان.
كتب عاصم:
«يمّه، عرفت من رسالتچ السابقة أن صوتچ صار يتعب بسرعة، حتى لو گلتِ إنها نزلة برد. سويت إلچ هذا المسجل حتى تسجلين صوتچ بدل الكتابة. لا تضحكين على شكله، اشتريت الجهاز من أجرتي بالورشة، والصندوق أنا صنعته. أما الفراغ بنص الوردة، خلي بيه صورتنا القديمة، الصورة اللي أنا بحضنچ وعمري خمس سنين. أريدها تبقى عندچ إلى أن أرجع، وبعدها نضع صورة جديدة بمكانها. بقت أشهر قليلة، فلا ترتبين الغرفة وحدچ. خلّي كلشي مثل ما هو، وأنا أرتبه بيدي».
أعاد صفوان الرسالة.
جلست رَنيم فوق كرسي الأرشيف وبكت.
لم يكن بكاؤها صاخباً. انحنت فوق العلبة، ووضعت يدها على الجهاز الذي وصل متأخراً كي يحفظ صوت امرأة لم يعد ممكناً تسجيله.
قال صفوان:
— عندچ تسجيلات قديمة إلها؟
هزت رأسها.
— فيديوات؟
— كانت تكره التصوير.
ضغطت زر الجهاز، فلم يعمل. فتح صفوان غطاء البطارية، فوجدها ملفوفة داخل كيس صغير. وضعها وشغله.
ظهر ضوء أحمر.
كان الجهاز فارغاً.
قالت رَنيم:
— هو صنع مكان لصوتها… وهي ماتت قبل ما يوصل.
بقي الاثنان صامتين.
ثم فتحت رَنيم حقيبتها وأخرجت الرسالة الأخيرة من رزمة بهيجة.
قالت:
— كنت راح أرسلها بعد أسبوعين.
ناولتها إليه.
لم يفتحها.
— قلتي إنها بينه وبينها.
— أريدك تقرأها.
أخرج الورقة. كان خط بهيجة أضعف من العناوين القديمة، وبعض الكلمات مائلة كأن يدها توقفت أثناء كتابتها.
«ابني عاصم،
إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فمعنى ذلك أن موعد خروجك صار قريباً جداً، ومعنى ذلك أيضاً أنني لم أستطع أن أبقى حتى أراك.
لا تغضب من رَنيم. أنا التي طلبت منها تأجيل الخبر. أعرف أن هذا حقك، وأعرف أنني أخذته منك، لكنني خفت أن تفعل بحزنك ما فعلت بخوفك ليلة الحادث: تهرب أولاً، ثم تقضي عمرك تدفع ثمن الهرب.
أنا متّ يا ابني.
كتابة هذه الجملة أصعب من الموت نفسه، لأنني أتخيل وجهك وأنت تقرؤها، ولا أستطيع أن أمد يدي إليك.
لم أخفِ مرضي لأنني أخجل من ضعفي، ولا لأنني لم أحتج إليك. أخفيته لأنك كنت على بعد أشهر من الحرية، وأردت أن أعيدك إلى الحياة قبل أن أدفعك إلى قبر جديد داخل السجن.
قد تقول إنني لم أثق بك. ربما يكون هذا صحيحاً. الأم ترى ابنها في عمره كله مرة واحدة؛ تراه رجلاً، وترى معه الصبي الذي كان يخاف النوم إذا انطفأ المصباح.
سامحني إذا استطعت. وإذا لم تستطع، اخرج أولاً، ثم اغضب كما تريد.
لا تذهب إلى البيت القديم؛ لن تجده لنا. اذهب إلى رَنيم. تركت عندها ملابسك وصورك ومفتاح الصندوق الصغير. لا تبحث عني في الغرفة، ولا في المطبخ، ولا عند الباب. ستتعب.
اذهب إلى عائلة الرجل الذي مات في الحادث. لا تطلب منهم أن يسامحوك، لأنهم غير ملزمين بذلك. فقط قل لهم إنك خرجت، وإنك ستكمل دفع التعويض من عملك، لا من مالي. عشت سنوات تقول إنك قتلت شخصين. لا تجعل ما تبقى من حياتك ضحية ثالثة.
أما أنا، فلا تقل إنني متّ قبل أن تعود. قل إنني عدت قبلك بقليل.
أمك».
طوى صفوان الرسالة ببطء.
قال:
— لازم توصل الآن.
مسحت رَنيم وجهها.
— بقى على خروجه ثمانية عشر يوماً.
— ما نقدر نكمل بعد ما شفنا الصندوق.
— إذا عرف، يمكن يضيع كلشي.
— وإذا خرج وقرأها وحده، يمكن يضيع أكثر.
قالت بعصبية:
— شتريد مني؟ أدخل السجن وأكله أمك ماتت وإحنا كتبنا لك باسمها شهرين؟
— إي.
— وأنت تجي وياي؟
لم يتوقع السؤال.
— أنا؟
— أنت دخلت بالقصة من أول طرد. لا تتركني بالنهاية.
حصلت رَنيم على موافقة لزيارة استثنائية بحجة وفاة قريب من الدرجة الأولى. طلبت أن يدخل صفوان بصفته موظف البريد الذي تعامل مع المراسلات، فرفضت الإدارة أولاً، ثم وافقت بعد تدخل الضابط صادق.
في صباح الزيارة، حملت رَنيم العلبة الخشبية والرسالة الأخيرة. لم يُسمح لها بإدخال جهاز التسجيل، فتركته في الأمانات.
جلسا في غرفة صغيرة تفصلها طاولة مثبتة بالأرض. كان صفوان يسمع حركة الأبواب الحديدية قبل أن يظهر عاصم.
جاء رجل في أواخر الثلاثينيات، أطول مما تخيله، نحيل الوجه، وشعره مشذب بعناية. دخل مبتسماً عندما رأى رَنيم، ثم انتقلت عيناه إلى صفوان والعلبة.
اختفت ابتسامته.
جلس.
— شنو أكو؟
قالت رَنيم:
— عاصم، لازم تسمعني للآخر.
نظر إلى العلبة.
— هذا الطرد.
— إي.
— أمي ليش ما إجت؟
لم تجبه مباشرة.
سأل:
— هي بالمستشفى؟
أمسكت رَنيم الرسالة بكلتا يديها، لكنها لم تستطع فتحها.
قال صفوان:
— عاصم، الختم اللي شفته ما كان خطأ.
اتجهت عيناه إليه.
— منو أنت؟
— موزع البريد بمنطقة والدتك.
— أمي بخير. رسالتها وصلتني قبل أسبوع.
قالت رَنيم:
— الرسائل كتبتها قبل ما تموت.
لم يتحرك.
بدا كأنه لم يفهم الكلمات، لا كأنه رفضها.
قال:
— شنو؟
مدت إليه الرسالة الأخيرة.
— خالتي توفت قبل شهرين ونصف.
لم يأخذ الورقة.
نظر إلى وجهها، ثم إلى صفوان، ثم عاد إليها.
— أنتِ كتبتي الرسائل؟
— لا. هي كتبتها كلها قبل وفاتها، وأنا أرسلتها بالمواعيد اللي حددتها.
— يعني كل مرة گالت بيها إنها زينة…
— كانت رسائل مكتوبة مسبقاً.
— ولما سألتها عن المطر؟
— كتبت لك جواباً من عندي في هامش الرسالة.
نهض فجأة، فتحرك الحارس عند الباب.
قال عاصم:
— شهرين ونصف؟
— إي.
— وأنتِ تزوريني وتكذبين؟
— ما زرتك. كنت أخاف ما أقدر…
ضرب الطاولة بكفه.
— شهرين ونصف!
قال الحارس:
— اجلس.
صرخ عاصم:
— أمي ماتت وأنا أقرأ رسائلها وأرد عليها!
اقترب الحارس، لكن الضابط صادق أشار إليه بالانتظار.
قالت رَنيم وهي تبكي:
— هذا طلبها.
— وأنت نفذتيه؟ لو طلبت منچ تدفنيها من غير ما أعرف، دفنتيها؟
— دفناها وأنت ما تعرف.
خرجت الجملة أقسى مما أرادت.
تراجع عاصم، ثم جلس ببطء.
قال:
— آخر مرة حچيت وياها متى؟
— قبل وفاتها بثلاثة أيام.
— سألت عني؟
— كل يوم.
— تألمت؟
سكتت.
— جاوبيني.
— إي.
— نادتني؟
— إي.
غطى وجهه بيديه.
لم يبكِ أولاً. بقي منحنياً، يضغط أصابعه على عينيه كأنه يحاول إيقاف شيء داخل رأسه. ثم خرج منه صوت منخفض، ليس نحيباً كاملاً ولا كلمة.
وضعت رَنيم الرسالة أمامه.
— تركت هذه إلك.
رفع رأسه.
— ما أريدها.
— اقرأها بعدين.
— ما أريد أي شي منچ.
قال صفوان:
— الرسالة منها، مو من رَنيم.
نظر عاصم إليه للمرة الأولى بوضوح.
— وأنت شنو دخلك؟
— أنا اللي ختمت مؤسستي الطرد بالوفاة وأرسلته إلك.
— يعني أنت خبرتني، وبعدين جيت تعتذر؟
— جئت لأن الطرد ما وصل لأمك، والرسالة ما لازم تتأخر أكثر.
— طرد؟ تحچون عن أمي كأنها عنوان تغير.
لم يرد صفوان.
دفع عاصم العلبة بعيداً.
— اطلعوا.
قالت رَنيم:
— بقى على خروجك…
— اطلعوا!
أنهى الحارس الزيارة.
خرجت رَنيم وهي تحمل العلبة، لكن الرسالة بقيت على الطاولة. لم تعرف هل تركها عاصم عمداً أم لم يرها.
قبل أن يغلق الباب، رأى صفوان عاصم يمد يده إليها.
مرّت الأيام الثمانية عشر بطيئة. لم يتصل عاصم برَنيم. أخبرهم الضابط أنه توقف عن الذهاب إلى الورشة يومين، ثم عاد. لم يدخل في شجار، ولم يخسر قرار الإفراج.
في صباح خروجه، وقفت رَنيم أمام بوابة السجن، وإلى جانبها صفوان. وضعت العلبة في المقعد الخلفي، ومعها كيس ملابس جديد.
سألها صفوان:
— ليش طلبتي مني أجي؟
— أخاف ما يطلع.
— الإفراج صادر.
— مو قصدي من الباب.
خرج عدة رجال تباعاً، بعضهم ركض نحو أهله، وبعضهم وقف مرتبكاً أمام الشمس. ثم ظهر عاصم يحمل كيساً أسود صغيراً.
توقف عندما رآهما.
لم يبتسم، لكنه لم يعد إلى الداخل.
اقتربت رَنيم خطوة.
— الحمد لله على السلامة.
مرّ قربها من دون عناق. وقف أمام صفوان وقال:
— الجهاز وين؟
فتح صفوان باب السيارة وأخرج العلبة.
أخذها عاصم.
— بيه تسجيل؟
— لا. وصل بعد وفاتها.
أدار العلبة بين يديه. مرر إصبعه فوق العبارة المحفورة، ثم فتحها ونظر إلى الفراغ في منتصف الزهرة.
قال:
— الصورة القديمة عند رَنيم؟
— إي، خالتي حافظتها.
أغلق الصندوق.
سألته:
— نروح للبيت؟
— أي بيت؟
لم تجب.
قال:
— أريد أروح للمقبرة.
قاد صفوان السيارة، وجلست رَنيم في الخلف. طوال الطريق لم يتحدث أحد. كان عاصم ينظر من النافذة إلى الشوارع التي تغيرت خلال سبع سنوات: محال جديدة، بنايات أزيلت، جسور اكتمل بناؤها، وأطفال صاروا شباباً.
عند المقبرة، نزل وحده.
ترك العلبة في السيارة.
وقف أمام قبر أمه وقتاً طويلاً من دون أن يجثو. ثم جلس على التراب ووضع يده فوق اسمها. بقي هناك حتى مالت الشمس.
لم يسمع صفوان ما قاله، ولم يحاول الاقتراب.
عندما عاد، كانت عيناه حمراوين، لكن صوته هادئ.
قال لرَنيم:
— أريد أروح لعائلة الرجل.
نظرت إليه.
— اليوم؟
— أمي طلبت.
— استرح أولاً.
— إذا استرحت، يمكن أهرب مرة ثانية.
وجدوا عنوان العائلة في أوراق بهيجة. كانت الأرملة، نوال، تعيش مع ابنتها التي نجت من الحادث وصار عمرها الآن خمسة عشر عاماً.
فتح لهم أخو نوال. وحين عرف عاصم، حاول إغلاق الباب.
قال عاصم:
— ما جاي أطلب مسامحة. أريد فقط أحچي وياها إذا تقبل.
انتظروا في الشارع. بعد دقائق خرجت نوال. كانت تمشي بعكاز بسبب الإصابة القديمة.
وقف عاصم عاجزاً عن رفع عينيه.
قال:
— طلعت اليوم.
— أعرف. أمك أخبرتني قبل موتها.
رفع رأسه بسرعة.
تابعت:
— إجتني قبل ثلاثة أشهر. كانت مريضة. قالت يمكن أنت تجي بعد خروجك، وطلبت مني ما أقسو عليك.
قال بصوت منخفض:
— وأنتِ؟
— ما وعدتها.
سكت.
قالت نوال:
— التعويض اللي دفعته أمك ساعدنا، بس ما رجع زوجي ولا ابني. وأنت دخولك السجن ما رجعهم أيضاً.
— أعرف.
— لا، بعدك ما تعرف. راح تعرف كل مرة تفرح بشي وتتذكر أنهم ما عاشوا حتى يفرحون. هذا جزء من حكمك، والمحكمة ما كتبته بالورق.
خفض عاصم رأسه.
— راح أشتغل وأكمل التعويض.
قالت:
— ما أريد مالك.
— مو حتى تسامحيني.
— إذن ليش؟
— لأن أمي دفعت عني أول مرة، وأنا ما أريدها تبقى تدفع بعد موتها.
نظرت إليه طويلاً.
قالت:
— إذا تريد تسوي شي، اشتغل. لا ترجع للهروب. هذا يكفي الآن.
ثم عادت إلى بيتها.
في شقة رَنيم، نام عاصم أربع عشرة ساعة. وعندما استيقظ، طلب رؤية أغراض أمه. فتحت له صندوقاً احتوى على ثيابها ونظارتها ومسبحتها والرسائل التي أرسلها إليها.
وجد بينها إيصالات الطرود كلها.
اثنان وثلاثون إيصالاً، يحمل كل واحد توقيع صفوان.
في المساء، شغّل جهاز التسجيل الفارغ. أضاء المصباح الأحمر، وظهرت على الشاشة مساحة زمنية تبدأ من الصفر.
قالت رَنيم:
— شراح تسجل؟
لم يجب.
جلس قرب النافذة، ووضع الجهاز أمامه.
ضغط الزر.
— يمّه… طلعت اليوم.
توقف، ومسح وجهه.
— ما أعرف إذا الواحد يگدر يرسل كلاماً لمكان ما عنده عنوان. بس أنتِ ظلّيتي ترسلين إلي حتى بعد ما متِّ، فگلت أجرب.
حاول إكمال الحديث، لكن صوته انكسر. أوقف التسجيل.
قال لرَنيم:
— امسحيه.
— ليش؟
— ما كملت.
أخذت الجهاز منه ووضعته داخل العلبة.
— خليه. تكمله باچر.
في اليوم التالي سجل دقيقة أخرى. وبعد أسبوع صار يسجل كل مساء: عن بحثه عن عمل، وعن زيارته للقبر، وعن غضبه منها لأنها أخفت موتها، وعن اشتياقه إليها. لم يكن يعرف لمن يحتفظ بالتسجيلات، لكنه شعر أن الكلام حين يُحفظ يصبح أقل ثقلاً من الكلام الذي يبقى داخل صاحبه.
عمل في ورشة للأثاث بمساعدة الضابط صادق. دفع من أول راتب جزءاً صغيراً إلى صندوق رعاية ضحايا الحوادث بعدما رفضت نوال ماله. لم تتحول حياته إلى قصة نجاح سريعة. كان يستيقظ أحياناً مذعوراً، ويغضب من أصوات المكابح، ويتجنب الطريق الذي وقع فيه الحادث.
كما لم يسامح رَنيم بسرعة.
كان يتحدث معها في شؤون البيت، لكنه يصمت إذا ذكرت أمه. وحين اعتذرت للمرة العاشرة، قال:
— أنا فاهم ليش سويتيها، بس الفهم مو مسامحة.
أجابت:
— أنتظر.
بعد ستة أشهر، جاء عاصم إلى مكتب البريد يحمل العلبة الخشبية.
كان صفوان يفرز الرسائل.
قال:
— أريد أرسل طرداً.
رفع صفوان رأسه وابتسم.
— لوين؟
أعطاه ورقة عليها عنوان رَنيم.
— هي سافرت لبيت زوجها أسبوعين. اليوم عيد ميلادها.
فتح العلبة وأخرج جهاز التسجيل، ثم وضع مكانه صندوقاً صغيراً آخر صنعه في الورشة.
قال صفوان:
— شنو بيه؟
— نسخة من مفتاح شقتي.
— اشتريت شقة؟
— أجّرت غرفة صغيرة. رَنيم تريد تبقى عندها نسخة للطوارئ.
لفّ الطرد بورق بني، ثم ناوله إلى صفوان.
لاحظ صفوان أن عاصم وضع داخل العلبة الزهرة الخشبية القديمة. لم يعد التجويف في وسطها فارغاً؛ ثبت فيه صورة صغيرة له مع أمه، الصورة التي كان فيها طفلاً في حضنها.
وعلى ظهرها صورة جديدة لعاصم ورَنيم وصفوان أمام باب ورشة الأثاث يوم بدأ عمله.
قال صفوان:
— صورتان بمكان واحد؟
— القديمة ما تنشال. والجديدة لازم تلقى مكاناً.
كتب عنوان المرسِل بوضوح، ثم توقف عند خانة المستلِم.
قال:
— متأكد من عنوان رَنيم؟
— إي.
— ورقم البيت؟
أملاه عليه.
راجعه صفوان مرتين، ثم ختم الاستمارة.
قبل أن يغادر، أخرج عاصم من جيبه ظرفاً آخر.
— هذا إلك.
— إليّ؟
— إي.
فتحه صفوان بعد خروجه.
وجد داخله ورقة واحدة:
«إلى الرجل الذي لم يترك طرداً يضيع،
كرهتك أول مرة شفتك، لأنك كنت الشخص الذي حمل إليّ الخبر الذي هرب منه الجميع. بعدين فهمت أن المشكلة مو باللي يوصل الحقيقة، المشكلة بالوقت الذي نتركها فيه معلقة بين مكانين.
أمي ماتت وأنا ما كنت أعرف. هذا الشي ما راح يتصلح. لكن رسالتها وصلت، وصندوقي وصل، وأنا خرجت.
يمكن البريد مو بس ينقل الأشياء من عنوان إلى عنوان. أحياناً يبقى ماسكها إلى أن يصير الإنسان مستعداً يفتحها.
شكراً لأنك ما أتلفت الطرد».
طوى صفوان الرسالة ووضعها في درج مكتبه.
بعد أسبوعين عاد إليه إشعار التسليم. ظهر فيه توقيع رَنيم، وتحته جملة كتبتها لموظف البريد:
«وصل كاملاً».
احتفظ صفوان بالإشعار إلى جانب رسالة عاصم.
مرت سنوات، وتقاعد من عمله. في آخر يوم له، أفرغ الأدراج التي امتلأت بأشياء نسيها: أقلام جافة، صور معاملات، مفاتيح لا يعرف أبوابها، وإيصالات فقدت أهميتها.
وجد إشعار الطرد القديم، ذلك الذي حمل الختم الأحمر:
«تعذّر التسليم: وفاة المستلِمة».
قلب الورقة.
على ظهرها ألصق منذ سنوات إشعار الطرد الأخير إلى رَنيم، وعليه العبارة:
«وصل كاملاً».
تأمل الجملتين طويلاً.
لم تكن الأولى خطأ، ولم تكن الثانية تعني أن كل شيء انتهى بخير. فبهيجة لم تستلم الصندوق، وعاصم لم يستعد أمه، ورَنيم لم تمحُ الكذبة باعتذار، والعائلة التي فقدت رجلين لم تستردهما بندم السائق.
بعض الأشياء لا تصل أبداً كما أُرسلت.
تتأخر، ويموت أصحابها، وتتغير العناوين، ويفتحها أشخاص لم تكن موجهة إليهم. لكن الأمانة لا تكون دائماً في إعادة الشيء إلى مصدره؛ قد تكون في منعه من الضياع حتى يجد المعنى الشخص الذي يحتاج إليه.
وضع صفوان الإشعارين في جيبه، وأغلق درج مكتبه للمرة الأخيرة.
عند الباب كان عاصم ينتظره. صار يملك ورشة صغيرة، وتزوج قبل عام، وأنجب طفلة سماها بهيجة. جاءت رَنيم معه تحمل الصغيرة، بينما وقف مازن، ابن صفوان، وقد أصبح شاباً، ليلتقط لهم صورة.
قال عاصم:
— جاهز للتقاعد؟
أجاب صفوان:
— لا. بس الظاهر وصل موعده.
ضحكوا، ثم ساروا نحو السيارة.
قبل أن يركب، نظر صفوان إلى مبنى البريد الذي أمضى فيه ثمانية عشر عاماً. تذكر آلاف الرسائل التي حملها من دون أن يعرف ما فيها، والأبواب التي فتحها أصحابها فرحين أو خائفين، والطرد البني الذي عاد مرتين لأن الموت غيّر عنوانه.
سأله عاصم:
— نسيت شي بالداخل؟
تحسس صفوان الإشعارين في جيبه.
— لا.
ثم أغلق باب السيارة وقال:
— كلشي وصل.

تعليقات
إرسال تعليق