المشاركات

مجتمع لا ينتظر

صورة
 لم يعد التأخر في الرد مجرد تأخر، ولا الانشغال سبباً مفهوماً، ولا الغياب المؤقت حقاً طبيعياً للإنسان. في المجتمع المتصل طوال الوقت، أصبح ظهورك على الإنترنت دليلاً على أنك متاح، وقراءتك للرسالة التزاماً بالرد عليها، وحملك للهاتف سبباً كافياً كي يتوقع الآخرون الوصول إليك في أي لحظة. وإذا لم تستجب بالسرعة المطلوبة، تبدأ التأويلات: ربما أنت غاضب، أو متكبر، أو متجاهل، أو أنك لم تعد تهتم. هكذا تحول التواصل، الذي صُمم لتقريب الناس وتسهيل حياتهم، إلى مصدر ضغط اجتماعي مستمر. وأصبح كثيرون يعيشون وكأنهم في غرفة انتظار لا تغلق أبوابها؛ رسائل عائلية، ومجموعات عمل، وإشعارات تطبيقات، ومكالمات مفاجئة، وطلبات صغيرة تصل في أوقات غير مناسبة، ثم شعور داخلي بالذنب كلما قرر الإنسان تأجيل الرد. المشكلة ليست في الهاتف نفسه، بل في الثقافة التي نشأت حوله. نحن لم نعد نستخدم أدوات الاتصال فقط، بل سمحنا لها بأن تعيد تعريف معنى الاحترام والاهتمام والالتزام. صار الرد السريع عند بعض الناس دليلاً على المحبة، مع أنه قد يكون مجرد عادة. وصار التأخر دليلاً على الإهمال، مع أنه قد يكون نتيجة تعب أو عمل أو حاجة إلى اله...

فكّر بعقل... وعِش بقلب

صورة
كان نادر السامرائي يؤمن بأن القرارات الجيدة لا تُتخذ في لحظات الفرح، ولا في ساعات الغضب، ولا حين يكون القلب خائفًا من الفقد. كان يقول إن المشاعر تشبه الطقس؛ تتبدّل بسرعة، بينما القرار بناءٌ يفترض أن يصمد سنوات. لذلك لم يكن يشتري شيئًا قبل مقارنة أسعاره، ولم يدخل مشروعًا قبل حساب خسارته المحتملة، ولم يمنح ثقته لأحد قبل أن يراقب أفعاله طويلًا. حتى حياته الشخصية كان يديرها كما لو أنها شركة صغيرة لا تحتمل المغامرة. يستيقظ في السادسة والنصف، يشرب قهوته من دون سكر، يراجع جدول أعماله، يرتدي بدلته، ثم يغادر شقته الواقعة في الطابق التاسع من بناية حديثة وسط بغداد. لم يكن في منزله شيء زائد عن الحاجة؛ أريكة رمادية، مكتبة مرتبة، طاولة سوداء، وستائر بلون لا يثير أي إحساس واضح. حتى الصور العائلية لم يضعها على الجدران. احتفظ بها داخل صندوق خشبي في الخزانة، إلى جانب رسائل قديمة لم يقرأها منذ سنوات. كان في الرابعة والثلاثين، ناجحًا في عمله مستشارًا للتخطيط وإدارة المخاطر، ومطلوبًا من شركات كثيرة لأن قدرته على توقع المشكلات كانت تسبق وقوعها غالبًا. غير أن أحدًا لم يكن يعرف أن الرجل الذي أتقن حساب...

خريطة الغد المسروق

صورة
 في مدينة إيراميل، لم يكن أحد يولد ومعه مستقبله كاملاً. حين يبلغ الطفل عامه السابع، تحمله أسرته إلى دار المقايضة القائمة أسفل البرج الأزرق، وهناك يضع كفه فوق حوض من الزجاج، فيظهر على سطح الماء الطريق الذي كان يمكن أن تسلكه حياته: المهنة التي سيبرع فيها، الشخص الذي سيحبه، البيت الذي سيبنيه، والأخطاء التي قد تحطمه أو تجعله أكثر حكمة. لا يرى الطفل شيئاً من ذلك. الذي يراه هو موظف دار المقايضة وحده، ثم يختار من مستقبل الطفل يوماً واحداً وينتزعه. قد يكون يوماً عادياً لا يحمل أكثر من نزهة قرب النهر، وقد يكون اليوم الذي كان سيقابل فيه حب حياته، أو الساعة التي سينجو فيها من موت محقق. لا يعرف أحد ما أُخذ منه، لأن اليوم المسروق يُمحى من جميع الطرق التي يمكن أن تقوده إليه. وكان أهل إيراميل يقبلون ذلك من دون اعتراض. ففي مقابل كل يوم يؤخذ، يمنح البرج المدينة عاماً جديداً من الحماية ضد الضباب الأسود المحيط بأسوارها. ذلك الضباب لا يشبه السحب، ولا يتحرك مع الريح؛ يظل واقفاً خلف الجدران الحجرية مثل بحر بلا أمواج، ويبتلع كل من يدخله. لا يعود منه جسد، ولا صوت، ولا حتى ظل. حذرت الحكايات القديمة م...

حمولة تتنفس

صورة
 لم يكن القفل الحديدي جزءاً من تجهيزات الشاحنة. لاحظ داغر ذلك فور وصوله إلى ساحة التحميل القريبة من ميناء أم قصر. كان جديداً ولامعاً، معلقاً بين مقبضي الحاوية المبردة كأنه وُضع قبل دقائق، بينما غطى الصدأ أطراف الباب وبقية الأقفال القديمة. كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. الهواء القادم من جهة الميناء مشبعاً برائحة الملح والوقود، والساحة شبه خالية إلا من شاحنتين متوقفتين قرب مخزن مظلم، وسيارة سوداء بقي محركها يعمل منذ وصوله. لم يكن من المفترض أن يقود داغر تلك الرحلة. اتصل به مدير شركة النقل قبل ثلاث ساعات، وأخبره بأن السائق الأصلي أصيب بوعكة مفاجئة، وأن هناك حمولة دواجن مجمدة يجب أن تصل إلى بغداد قبل ظهر اليوم التالي. ووعده بأجر إضافي يدفع نقداً عند التسليم. كانت الرحلة طويلة، لكنه اعتاد الطرق الليلية. وما جعله يقبلها لم يكن الأجر وحده، بل حاجته إلى تسديد جزء من تكاليف علاج أمه قبل موعد مراجعتها التالية. أخبرها أنه سيغيب يوماً واحداً، ارتدى سترته، وقاد إلى العنوان الذي أرسله المدير. استقبله في الساحة رجل ضخم اسمه رضوان، يرتدي قميصاً أسود وساعة ذهبية. وخلفه كان شابا...