فكّر بعقل... وعِش بقلب


كان نادر السامرائي يؤمن بأن القرارات الجيدة لا تُتخذ في لحظات الفرح، ولا في ساعات الغضب، ولا حين يكون القلب خائفًا من الفقد.

كان يقول إن المشاعر تشبه الطقس؛ تتبدّل بسرعة، بينما القرار بناءٌ يفترض أن يصمد سنوات. لذلك لم يكن يشتري شيئًا قبل مقارنة أسعاره، ولم يدخل مشروعًا قبل حساب خسارته المحتملة، ولم يمنح ثقته لأحد قبل أن يراقب أفعاله طويلًا.

حتى حياته الشخصية كان يديرها كما لو أنها شركة صغيرة لا تحتمل المغامرة.

يستيقظ في السادسة والنصف، يشرب قهوته من دون سكر، يراجع جدول أعماله، يرتدي بدلته، ثم يغادر شقته الواقعة في الطابق التاسع من بناية حديثة وسط بغداد. لم يكن في منزله شيء زائد عن الحاجة؛ أريكة رمادية، مكتبة مرتبة، طاولة سوداء، وستائر بلون لا يثير أي إحساس واضح.

حتى الصور العائلية لم يضعها على الجدران.

احتفظ بها داخل صندوق خشبي في الخزانة، إلى جانب رسائل قديمة لم يقرأها منذ سنوات.

كان في الرابعة والثلاثين، ناجحًا في عمله مستشارًا للتخطيط وإدارة المخاطر، ومطلوبًا من شركات كثيرة لأن قدرته على توقع المشكلات كانت تسبق وقوعها غالبًا.

غير أن أحدًا لم يكن يعرف أن الرجل الذي أتقن حساب مخاطر الآخرين لم يكن يفعل ذلك بدافع الذكاء وحده، بل لأن حياته بدأت بخسارة لم يستطع تفسيرها.

حين كان في السابعة عشرة، اتخذ والده قرارًا عاطفيًا سريعًا، فوضع مدخرات العائلة كلها في مشروع مع صديق قديم. قال يومها إن الصداقة أثمن من العقود، وإن الرجل لا يطلب ضمانًا ممن أكل معه الخبز والملح.

بعد ستة أشهر، اختفى الصديق.

انهار المشروع، تراكمت الديون، بيع البيت، ومرض والده من شدة الندم. أما والدته، فقد تحولت إلى امرأة صامتة تقيس ثمن كل شيء قبل شرائه، حتى الدواء.

ومنذ ذلك الوقت، ترسخت في رأس نادر جملة لم يغادر صداها ذاكرته:

القلب لا يدفع الفواتير بعد أن يخطئ.

لهذا اختار أن يعيش بعقله.

نجح، استقر، سدد ما بقي من ديون أسرته، واشترى لوالدته منزلًا صغيرًا يطل على حديقة. لكنه، وهو يعيد بناء كل ما تهدّم، لم ينتبه إلى أنه بنى حول نفسه جدارًا أيضًا.

في صباح خريفي، تلقى اتصالًا من محامٍ أخبره بوفاة عمه صفوان.

لم يكن العم قريبًا منه كثيرًا في السنوات الأخيرة، لكنه كان الشخص الوحيد الذي وقف إلى جانب العائلة بعد خسارة البيت. امتلك صفوان مطبعة قديمة في شارع فرعي من شوارع بغداد، داخل منزل تراثي واسع يعود إلى عشرينيات القرن الماضي.

حين حضر نادر جلسة قراءة الوصية، اكتشف أن عمه ترك له المبنى والمطبعة وكل ما فيهما.

لم يشعر بالحزن بالطريقة المعتادة.

شعر بالارتباك.

كان المبنى قديمًا، يحتاج إلى صيانة، وموقعه مغرٍ للمستثمرين. لذلك لم يحتج نادر إلى وقت طويل قبل أن يتخذ قراره: سيبيعه، يسدد الضرائب والمصاريف، ثم يستثمر المال في مشروع مضمون.

اتصل بشركة عقارية، وحدد موعدًا لمعاينة المكان.

وصل عصرًا، فوجد الباب الخشبي الأزرق نصف مفتوح. كانت واجهة المنزل متعبة، تتخللها شقوق رفيعة، لكن الشرفات الحديدية ظلت محتفظة بزخارفها القديمة، وكانت شجرة نارنج ترتفع في الفناء الداخلي كأنها صاحبة البيت الحقيقية.

دخل وهو يحمل ملف الأوراق تحت ذراعه.

سمع صوتًا يأتي من الطابق العلوي.

قالت امرأة:

— لا تضع الصندوق هناك، الضوء مباشر، والحبر القديم لا يحتمل الشمس.

رفع رأسه.

كانت تقف عند نهاية السلم الخشبي، ترتدي قميصًا أبيض واسعًا ومئزرًا أزرق ملطخًا ببقع الحبر. رفعت شعرها بطريقة عشوائية، وأمسكت بين أصابعها فرشاة دقيقة.

نظرت إليه لحظة، ثم قالت:

— هل تبحث عن أحد؟

أجاب:

— أنا نادر السامرائي.

لم يتغير وجهها، لكنها أنزلت يدها ببطء.

— ابن أخ الأستاذ صفوان؟

— نعم.

صمتت، ثم نزلت الدرج.

حين اقتربت، لاحظ عينيها الداكنتين وهدوءًا حذرًا في ملامحها. لم تكن جميلة بالطريقة التي تُلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، بل بالطريقة التي تجعلك تنظر مرة ثانية لتفهم ما فاتك في الأولى.

قالت:

— أنا ليال منصور. كنت أعمل مع عمك.

مد يده إليها، فمسحت أصابعها بالمئزر قبل أن تصافحه.

— تعازيّ، قالت.

شكرها بنبرة رسمية، ثم نظر حوله.

كانت قاعة المطبعة مليئة برفوف الكتب، وحروف الطباعة المعدنية، وآلات ثقيلة سوداء، وصناديق أوراق صفراء. على أحد الجدران عُلقت ملصقات قديمة لمسرحيات وأمسيات شعرية وطبعات أولى لكتب لم يعد أحد يتذكرها.

قال نادر:

— لم أكن أعلم أن المطبعة ما زالت تعمل.

— لا تعمل تجاريًا منذ ثلاث سنوات. حولنا جزءًا منها إلى ورشة لترميم الكتب والمخطوطات.

— نحن؟

— أنا وعمك، ومعنا ثلاثة متدربين.

فتح الملف الذي يحمله.

— هل لديك عقد إيجار؟

عقدت حاجبيها قليلًا.

— لدي اتفاق مع الأستاذ صفوان.

— مكتوب؟

— نعم.

— جيد. سأحتاج إلى نسخة منه.

نظرت إلى الأوراق في يده، ثم إلى الرجلين اللذين دخلا خلفه يحملان أجهزة قياس.

— من هؤلاء؟

— مهندسان من الشركة العقارية.

سألته، مع أنها بدت تعرف الإجابة:

— لماذا؟

قال بوضوح:

— أريد تقييم المبنى تمهيدًا لبيعه.

لم ترفع صوتها، ولم تتوسل، لكنها ثبتت نظرها عليه بطريقة جعلته يشعر أنه قال شيئًا أكثر قسوة مما قصده.

— وكم احتجت من الوقت لتقرر؟

— ماذا؟

— عمك دُفن قبل أربعة أيام.

— القرار لا علاقة له بموعد الدفن.

— بالطبع، قالت بهدوء. الموت شأن عاطفي، والبيع شأن حسابي.

لم تعجبه نبرتها.

— لا داعي لتحويل الأمر إلى مواجهة شخصية. المبنى قديم، وصيانته مكلفة، والمطبعة لا تحقق دخلًا.

— وهل تعرف ما الذي يحدث هنا أصلًا؟

— أعرف ما يكفي.

ابتسمت ابتسامة قصيرة بلا فرح.

— تلك جملة يقولها الناس عادة عندما لا يريدون أن يعرفوا أكثر.

استدار أحد المهندسين نحوهما ثم تظاهر بالانشغال، فأخفض نادر صوته.

— آنسة ليال، أنا المالك الآن، ومن حقي أن أحدد ما أفعله بالمكان.

— ومن حقي أن أبقى حتى نهاية عقدي.

— ومتى ينتهي؟

— بعد أحد عشر شهرًا.

تغيرت ملامحه.

أخرجت من أحد الأدراج ملفًا ووضعته أمامه. قرأ العقد سريعًا، فاكتشف أنه موثق بالفعل، ويتضمن بندًا يمنع إخلاء الورشة قبل انتهاء المدة إلا بموافقة المستأجر.

قال:

— الإيجار المذكور هنا رمزي.

— لأن العمل ثقافي، لا تجاري.

— هذا لا يغيّر الأرقام.

— بل يغيّر المعنى.

رفع عينيه إليها.

— الأرقام لا تهتم بالمعنى.

أجابته:

— ولذلك لا تصلح وحدها لتفسير الحياة.

خرج نادر من المكان منزعجًا، وأخبر الشركة بأن البيع سيتأجل إلى أن يجد حلًا للعقد.

في الأيام التالية، درس خياراته. كان يستطيع بيع المبنى مع وجود المستأجر، لكن السعر سينخفض. ويمكنه التفاوض معها على الإخلاء مقابل تعويض مالي. لذلك عاد بعد أسبوع حاملًا عرضًا اعتبره سخيًا.

وجد ليال جالسة على الأرض، تحاول إصلاح غلاف كتاب جلدي متآكل. كان المكان ساكنًا، تفوح فيه رائحة الورق والغراء والقهوة.

وضع العرض أمامها.

قرأته، ثم أعادته إليه.

— لا.

— المبلغ يكفي لاستئجار مكان أفضل لعامين.

— أفضل بحسب أي معيار؟

— مساحة أكبر، بناء أحدث، كهرباء مستقرة، وموقف للسيارات.

— ولا توجد فيه هذه المطبعة.

أشار إلى الآلات القديمة.

— هذه قطع حديد لا تعمل.

— بعضها يعمل، والبقية يمكن إصلاحها.

— وكم شخصًا يهتم بالطباعة اليدوية اليوم؟

— ليس عليك أن تهتم بها كي تعترف بأن لها قيمة.

— القيمة التي لا يمكن قياسها ليست أساسًا جيدًا لاتخاذ قرار.

وضعت الكتاب جانبًا ونهضت.

— أتدري ما مشكلتك؟

أغلق الملف.

— لم أطلب تحليلًا لشخصيتي.

— أنت لا ترى الشيء إلا بعد أن تحوّله إلى رقم. كأن العالم فاتورة طويلة.

— وأنت ترين الذكريات بديلًا عن الجدوى.

— ليست ذكريات فقط. عمك كان يخطط لتحويل المكان إلى مركز لتعليم الترميم والطباعة والفنون. قدمنا طلبًا للحصول على منحة.

— وهل حصلتم عليها؟

— لم تصل النتيجة بعد.

— إذن هي مجرد احتمالية.

— وكل شيء كبير بدأ احتمالًا.

قال ببرود:

— وكذلك كل كارثة.

ظلت تنظر إليه لحظة، ثم تناولت دفترًا قديمًا من فوق الطاولة.

— أعطني ثلاثة أشهر.

— لماذا؟

— ثلاثة أشهر فقط. سأثبت لك أن المكان قادر على تحقيق دخل يكفي لصيانته، من دون بيعه أو تحويله إلى مقهى زجاجي بلا روح.

— وإذا فشلتِ؟

— أغادر قبل انتهاء العقد، من دون تعويض.

أدرك نادر أنها تقدم له ما يريده تقريبًا. ثلاثة أشهر ليست مدة طويلة، وإذا فشلت فسيتمكن من البيع بسعر أعلى.

— وما المطلوب مني؟

— ألا تعرقلنا. وأن تسمح باستخدام القاعة السفلية لإقامة الفعاليات.

— سأراجع الخطة والميزانية أسبوعيًا.

تنهدت.

— كنت أعلم أنك ستقول ذلك.

— هل اتفقنا؟

مد يده.

نظرت إليها لحظة، ثم صافحته.

— اتفقنا.

بدأت الأشهر الثلاثة في اليوم التالي.

وضعت ليال خطة لإقامة دورات في الخط العربي، وترميم الكتب، والطباعة اليدوية، إلى جانب معرض أسبوعي للرسامين الشباب وسوق صغير للكتب القديمة.

حين قرأ نادر الخطة، شطب نصف البنود.

قالت وهي تنظر إلى الورقة:

— لقد قتلتها.

— جعلتها قابلة للتنفيذ.

— حذفت أمسية الموسيقى.

— لأنها مكلفة.

— وحذفت ركن الأطفال.

— لأنه لا يحقق دخلًا.

— وحذفت دخول الطلبة المجاني.

— لأن المجاني لا يدفع تكاليف الكهرباء.

رفعت رأسها إليه.

— أنت تريد من المكان أن ينجح، لكنك تحذف كل الأسباب التي قد تجعل الناس يحبونه.

أجاب:

— الحب لا يكفي لاستمراره.

— لكنه يجعل الناس يعودون.

توقف قليلًا عند الجملة.

لم يجادلها، بل أعاد القلم إلى الورقة، وسمح بركن الأطفال بشرط وجود جهة راعية، ووافق على أمسية موسيقية واحدة كتجربة.

ابتسمت.

— أهذا تنازل؟

— تعديل مبني على شروط.

— بالطبع. لا بد أن نحمي سمعتك.

خلال الأسابيع التالية، اضطر نادر إلى الحضور يوميًا تقريبًا. اكتشف أن ليال سيئة في إعداد الجداول، تنسى تسجيل المصروفات الصغيرة، وتشتري أحيانًا مواد أكثر مما تحتاجه لأنها تعجبها رائحتها أو لونها.

لكنه اكتشف أيضًا أنها تعمل اثنتي عشرة ساعة من دون شكوى، وتحفظ أسماء المتدربين وأحلامهم، وتعرف تاريخ كل آلة وكتاب في المكان.

كانت تتعامل مع الأشياء التالفة كما لو أنها كائنات جريحة لا مهملات.

في أحد الأيام، وجدها تحاول إصلاح درج خشبي مكسور.

قال:

— استبداله أرخص.

— لكنه من خشب الساج الأصلي.

— ولن يعرف الزوار الفرق.

— أنا سأعرف.

جلس قبالتها وسأل:

— لماذا يهمك هذا المكان إلى هذه الدرجة؟

توقفت يداها.

— كنت في التاسعة عشرة حين دخلته أول مرة. توفيت أمي قبلها بأشهر، وكنت قد تركت الجامعة مؤقتًا لأعتني بوالدي وأخي الصغير. لم أكن أعرف ماذا أريد، ولا كيف أعود إلى حياتي. جئت لطباعة دعوات زفاف لقريبة لي، فرأى عمك رسومات على طرف دفتري.

ابتسمت وهي تتذكر.

— قال لي إن يدي تفهم الورق حتى إن كنت لا أفهم نفسي. أعطاني وظيفة بسيطة، ثم علمني الترميم. بعد عام عدت إلى الجامعة، لكنني واصلت العمل هنا.

نظر نادر إلى الدرج المكسور.

— إذن أنت مدينة للمكان.

— لا. أنا أحبه. والفرق كبير.

— الدَّين أوضح من الحب.

— لكنه أثقل.

بعد ذلك الحديث، بدأ يرى الورشة بطريقة مختلفة.

لم تعد مجرد عقار مؤجل البيع. صار يلاحظ ضوء العصر حين يتسلل من النوافذ الملونة، وصوت آلة الطباعة القديمة حين تدور، وفرح الأطفال وهم يضغطون الورق فوق الحروف المعدنية.

وكان يلاحظ ليال.

يراها وهي تنفخ خصلة شعر سقطت فوق جبينها لأن يديها ملطختان بالحبر. يراها تضحك حين تخطئ، وتغضب حين يصف أحدهم كتابًا قديمًا بأنه خردة، وتصمت فجأة كلما ورد اتصال من والدها.

ذات مساء، بقي الاثنان بعد انصراف الجميع. كانت الأمطار تضرب الزجاج، وانقطعت الكهرباء، فأشعلت ليال مصباحين زيتيين.

قال نادر:

— هذا المكان يحتاج إلى مولدة جديدة.

— أعلم.

— أضفتها إلى قائمة النفقات.

— هل لديك قائمة لكل شيء؟

— تقريبًا.

أحضرت إبريق الشاي وجلست مقابله.

— هل وضعت قائمة بمواصفات المرأة التي ستتزوجها؟

أجاب بجدية:

— نعم.

انفجرت ضاحكة.

— كنت أمزح.

— لا أرى ما يثير الضحك.

— أخبرني، ما المواصفات؟

تردد، ثم قال:

— مستقرة نفسيًا، متعلمة، مسؤولة، واضحة، لا تتخذ قرارات متهورة، وتفهم قيمة التخطيط المالي.

— هل ستتزوج امرأة أم ستعيّن مديرة تنفيذية؟

لم يستطع منع ابتسامته.

— وماذا عنك؟

— ماذا عني؟

— كيف تختارين الرجل الذي سترتبطين به؟

نظرت إلى لهب المصباح.

— كنت أظن أن الحب وحده يكفي.

كانت نبرتها قد تغيرت.

انتظر، فتابعت:

— خُطبت قبل أربع سنوات. كان اسمه حسام. أحببته، أو تصورت ذلك. حين مرض والدي واحتجت إلى تأجيل الزواج، بدأ يقول إن عائلتي ستستهلك حياتنا. طلب مني أن أترك أبي وأخي يدبران أمرهما، وأن أختاره.

— وماذا فعلتِ؟

— اخترت عائلتي.

— وهل ندمتِ؟

— على اختياري؟ لا. على أنني لم أرَ حقيقته مبكرًا؟ كثيرًا.

رفع نادر كوبه.

— المشاعر تعمينا أحيانًا.

— والعقل قد يحرمنا الرؤية من الأصل.

التقت عيناهما في ضوء المصباح.

في تلك اللحظة، لم تكن بينهما ورشة ولا عقد ولا خطة مالية. كان هناك رجل يخشى أن يثق بقلبه، وامرأة تخشى أن تمنح قلبها لمن يراها عبئًا حين تصبح الحياة ثقيلة.

دوّى الرعد في الخارج، فارتجف زجاج النافذة.

قالت ليال:

— أتخاف من شيء؟

— القرارات التي لا يمكن التراجع عنها.

— أنا أخاف من أن أقضي عمري أتراجع.

بقيت عبارتها في ذهنه طويلًا بعد أن أوصلها إلى بيتها.

مع نهاية الشهر الأول، بدأت النتائج تظهر. امتلأت الدورات، ونجحت الفعاليات في جذب الزوار. ساعد نادر في إنشاء نظام للحجوزات، وتفاوض مع شركة لتقديم رعاية شهرية، كما أقنع دار نشر بتمويل برنامج للأطفال.

قالت له ليال يوم توقيع الاتفاق:

— اعترف بأن ركن الأطفال كان فكرة جيدة.

— أصبح فكرة جيدة بعد أن وجدت له ممولًا.

— الاعتراف لا يؤلم إلى هذه الدرجة.

— لا أريد أن يفسدك الانتصار.

كانت علاقتهما تتغير ببطء. صارا يتناولان الغداء معًا، ويتبادلان الكتب والملاحظات الساخرة. علمت أنه يحب الشعر لكنه يخفي دواوينه خلف كتب الاقتصاد. وعلم أنها تشتري دفاتر جديدة باستمرار ثم تخاف الكتابة في الصفحة الأولى كي لا تفسدها.

في عيد ميلادها، قدم لها دفترًا مصنوعًا يدويًا.

فتحت الغلاف، فوجدت في الصفحة الأولى جملة كتبها بخطه المتردد:

«بعض الصفحات لا تُفسدها البداية الخاطئة، بل بقاؤها فارغة.»

ظلت تحدق في الجملة.

— أنت كتبت هذا؟

— لا أظن أن الخط يحتاج إلى خبير ليثبت الجريمة.

رفعت عينيها إليه.

— شكرًا.

لم يكن الشكر عاديًا. كان يحمل شيئًا جعل نادر يتجنب النظر إليها طويلًا.

وفي مساء آخر، صعدا إلى سطح المبنى بعد انتهاء فعالية مزدحمة. كانت بغداد تحت سماء شتوية صافية، وأصوات السيارات تصل إليهما خافتة.

جلست ليال على الحافة الحجرية، بينما ظل هو واقفًا.

قالت:

— اجلس. لن ينهار السطح.

— أنا لا أثق بتقديرك الهندسي.

— لكنك تثق بي في أشياء أخرى.

لم يجب.

نظرت إلى المدينة وقالت:

— بعد وفاة أمي، كنت أعتقد أنني لن أشعر بالأمان مرة ثانية. ثم اكتشفت أن الأمان ليس مكانًا ثابتًا. أحيانًا يكون شخصًا لا يجعلك تخاف من أن تكون ضعيفًا أمامه.

جلس بعيدًا عنها مسافة صغيرة.

— الاعتماد على الناس مخاطرة.

— صحيح.

— وقد يرحلون.

— صحيح.

— إذن لماذا نفعل ذلك؟

ابتسمت.

— لأنك مهما رتبت بيتك، سيظل باردًا إن لم يشاركك أحد الجلوس فيه.

تذكر شقته الرمادية.

تذكر الطاولة التي لا يجلس قبالتها أحد.

قال:

— أنت تجعلين الأمور تبدو سهلة.

— لا أظنها سهلة. أظنها تستحق.

كانت يدها قريبة من يده، فوق الحافة. حرك أصابعه ببطء، ثم توقف قبل أن يلمسها.

لاحظت تردده.

لم تقترب ولم تبتعد.

قالت بهدوء:

— أنت تفكر كثيرًا.

— وأنت لا تفكرين بما يكفي.

— ربما لهذا ننجح في العمل معًا.

التفت إليها.

كانت تبتسم، لكن في عينيها سؤال واضح.

مد يده هذه المرة، وأمسك يدها.

لم يحدث شيء صاخب. لم تتوقف المدينة، ولم تتغير السماء. إلا أن نادر شعر بأن تفصيلًا صغيرًا انزاح داخله، كقفل صدئ استجاب أخيرًا للمفتاح.

اقترب منها وقبّلها بهدوء.

حين ابتعد، بقي صامتًا.

سألته:

— هل ستعدّ هذه مخاطرة غير محسوبة؟

قال:

— ما زلت أجمع البيانات.

ضحكت، وأسندت رأسها إلى كتفه.

دخلت ليال حياته من دون إعلان رسمي. بدأت تترك أكواب القهوة فوق مكتبه، ويرسل لها رسائل لتذكيرها بمواعيدها. كانت تدفعه إلى مغادرة العمل مبكرًا، وكان يجبرها على الاحتفاظ بفواتير مشترياتها.

زار والدها، وجلس معه ساعات يتحدثان عن الكتب والسياسة. أما أخوها يزن، فقد أحبه منذ أن ساعده في إعداد خطة لمشروع التخرج.

غير أن نادر لم يسمِّ ما بينهما.

كلما اقترب الحديث من المستقبل، كان يغير الموضوع، أو يقول إنهما يحتاجان إلى مزيد من الوقت.

في البداية احترمت ليال حذره. ثم بدأت تخشاه.

كانت قد خبرت الرجال الذين يمنحون الحاضر بسخاء، لكنهم يختبئون حين يُسألون عن الغد.

وفي بداية الشهر الثالث، تلقى نادر عرضًا للعمل في لندن مديرًا إقليميًا لشركة استشارية كبرى. كان العرض حلمًا قديمًا؛ راتب مرتفع، منصب مرموق، وفرصة لبناء حياة مهنية عالمية.

طلبت الشركة رده خلال أسبوعين.

في اليوم نفسه، تواصلت معه شركة عقارية وقدمت سعرًا أعلى للمبنى، بشرط إتمام الصفقة سريعًا.

احتفظ بالأمرين لنفسه.

قال إنه يحتاج إلى التفكير.

بدأ يعود إلى عاداته القديمة. أغلق الملفات، أنشأ جداول للمكاسب والخسائر، ودوّن الخيارات:

بيع المبنى وقبول عرض لندن.

الاحتفاظ بالمبنى وإدارته عن بُعد.

رفض الوظيفة والاستمرار في المشروع.

بحث عن القرار الأقل مخاطرة، لكن كل طريق كان يحمل خسارة لا تظهر في الأرقام.

لاحظت ليال ابتعاده.

كانت تسأله إن كان بخير، فيقول إنه مشغول. وحين تقترح عشاءً، يعتذر بسبب اجتماع. لم يكن يقصد معاقبتها أو الهرب منها؛ كان يحاول فقط أن يتأكد من قراره قبل أن يخبرها.

لكنه لم يفهم أن الصمت قرار أيضًا.

في مساء يوم الخميس، وصلت رسالة الموافقة المبدئية على المنحة. ركضت ليال إلى مكتبه وهي تحمل الورقة.

— حصلنا عليها!

نهض نادر.

— حقًا؟

— الموافقة النهائية تحتاج إلى توقيع مالك المبنى والتزام بعدم بيعه خمس سنوات.

تجمدت ابتسامته.

لاحظت ذلك.

— ما الأمر؟

— خمسة أعوام مدة طويلة.

— نادر، هذه المنحة ستغطي الترميم وتكاليف البرامج لعامين.

— أعلم، لكن الالتزام القانوني يحتاج إلى دراسة.

— كنت تدرس المشروع معنا منذ ثلاثة أشهر.

— المنحة تغير الشروط.

وضعت الورقة على مكتبه.

— هل تنوي البيع؟

صمت لحظة أطول مما ينبغي.

— وصلني عرض جديد.

تراجعت خطوة.

— ومتى؟

— قبل أيام.

— ولماذا لم تخبرني؟

— لأنني لم أتخذ قرارًا.

— هناك شيء آخر، أليس كذلك؟

أدرك من نظرتها أنها لن تقبل إجابة ناقصة.

قال:

— تلقيت عرض عمل في لندن.

ظل وجهها ساكنًا.

— ومتى ستغادر؟

— لم أقل إنني قبلته.

— لكنك تفكر فيه.

— بالطبع أفكر فيه. إنه عرض مهم.

أومأت ببطء.

— صحيح. التفكير مهم.

اقترب منها.

— ليال، لا تحولي الأمر إلى—

— إلى ماذا؟ أمر شخصي؟ يبدو أنك حريص دائمًا على ألا يصبح أي شيء شخصيًا.

— هذا غير عادل.

— غير العادل أن تجعلني أعمل ثلاثة أشهر لإنقاذ مكان تعرف أنك قد تبيعه. غير العادل أن تدخل حياتي، ثم تخفي عني أنك تفكر في الرحيل.

— كنت سأخبرك حين أصل إلى قرار.

— قرارك يخصني أيضًا.

— لم أطلب منك أن تبني حياتك عليّ.

ما إن خرجت الجملة حتى أدرك قسوتها.

رأى الألم يمر في عينيها، سريعًا لكنه واضح.

قال:

— لم أقصد—

قاطعته:

— لا. أنت تقصد أكثر مما تعترف به. وهذه هي المشكلة.

نزعت مفتاح المطبعة من حقيبتها ووضعته فوق المكتب.

— ماذا تفعلين؟

— أنهي الاتفاق.

— بقي أسبوعان على الأشهر الثلاثة.

— أثبتُّ أن المكان يستطيع النجاح. الأرقام أمامك. الآن افعل ما تراه مناسبًا.

— وليال؟

— نعم؟

— ماذا عنا؟

ضحكت بحزن.

— لا أعرف. أنت لم تعطِ ما بيننا اسمًا أصلًا.

— لأنني لم أرد التسرع.

— وأنا لم أطلب منك أن تتسرع. طلبت منك أن تكون واضحًا.

اقترب خطوة، فتراجعت.

— حين تعرف ماذا تريد، أخبر نفسك أولًا. أما أنا، فقد تعبت من الوقوف داخل احتمالات الآخرين.

غادرت.

لم يلاحقها.

ظل واقفًا أمام المفتاح، يقنع نفسه بأن عليها أن تهدأ، وأن الحديث في لحظة الانفعال لن يفيد. لكنه، للمرة الأولى، شك في حكمته القديمة.

ربما كانت بعض اللحظات لا تحتاج إلى الانتظار.

ربما كان التأخر في قول الحقيقة شكلًا من أشكال الكذب.

لم تأتِ ليال في اليوم التالي. أرسلت المتدربين لإكمال العمل، وأبلغت نادر أنها ستسلم بقية أغراضها خلال أسبوع.

حاول الاتصال بها، فلم تجب.

كتب رسالة طويلة، ثم حذفها لأن صياغتها بدت عاطفية أكثر مما يحتمل. كتب أخرى مختصرة، فبدت باردة. انتهى به الأمر إلى إرسال جملة واحدة:

«نحتاج إلى الحديث.»

أجابته بعد ساعات:

«أنت تحتاج إلى أن تقرر.»

جلس في شقته تلك الليلة أمام الجداول. كانت الخانة الأولى تقول إن عرض لندن هو الأفضل مهنيًا. والخانة الثانية تقول إن بيع المبنى هو الأكثر ربحًا. أما الاحتفاظ به، فكان يعني مخاطر وتكاليف ومسؤوليات.

كل شيء منطقي كان يقوده بعيدًا.

لكنه حين تخيل حياته بعد سنة، لم يرَ المنصب ولا المكتب الجديد. رأى نفسه يعود إلى شقة أخرى مرتبة وباردة، في مدينة بعيدة، ويفتح هاتفه ليرى صور المطبعة بعد أن أصبحت بناية تجارية.

ورأى ليال تقف قرب آلة الطباعة، تضحك مع رجل آخر لا يخاف من تسمية الأشياء.

أغلق الحاسوب.

في اليوم التالي، زار والدته.

كانت تسقي نباتات حديقتها. جلست معه وقدمت له الشاي، ثم استمعت إلى قصته كاملة من دون مقاطعة.

حين انتهى، قال:

— لا أريد أن أكرر خطأ أبي.

وضعت الكوب جانبًا.

— وما خطؤه؟

— وثق بقلبه، وخسر كل شيء.

— أبوك لم يخطئ لأنه أحب صديقه. أخطأ لأنه رفض كتابة عقد واضح، وتجاهل إشارات كثيرة، ثم سمّى الإهمال وفاءً.

نظر إليها.

تابعت:

— نحن ظلمنا القلب يا نادر. حمّلناه ذنبًا ارتكبه سوء التقدير.

— لكن القرارات العاطفية خطرة.

— وكل القرارات خطرة. حتى اختيار الأمان قد يجعلك تخسر حياتك بهدوء.

صمت طويلًا.

سألته والدته:

— هل تحبها؟

قال بعد تردد:

— نعم.

كانت تلك أول مرة ينطقها.

بدت الكلمة مخيفة وبسيطة في آن واحد.

ابتسمت أمه.

— وهل المشروع قابل للنجاح؟

— نعم، إذا أُدير بطريقة جيدة.

— وهل عليك رفض الوظيفة كي تبقى؟

— ربما أستطيع التفاوض على إدارة فرع إقليمي من بغداد والسفر عدة مرات في السنة. لكن الراتب سيكون أقل.

— إذن أنت لا تختار بين العقل والقلب. أنت تبحث عن قرار يحترمهما معًا.

في تلك الليلة، عاد نادر إلى المطبعة.

كانت الأمطار غزيرة، والمكان خاليًا. جلس في مكتب عمه وفتح الأدراج القديمة، باحثًا عن ملفات الملكية. وجد ظرفًا يحمل اسمه.

فتح الرسالة.

كان خط عمه مرتجفًا:

«نادر، أعرف أنك ستفكر في بيع المكان، ولن ألومك. المباني ليست مقدسة، والذكريات لا ينبغي أن تتحول إلى سجون. لكن قبل أن تقرر، امنح المكان فرصة عادلة. لا تحتفظ به من أجلي، ولا تبعه خوفًا من أن يشبهني قلبك. أنت أذكى مما كنتُ، لكن الذكاء الذي لا يسمح لصاحبه بالحب يتحول إلى حارس لسجن جميل.

فكّر بعقل، يا بني، لكن عِش بقلب.»

قرأ الجملة مرات.

ثم سمع صوت ارتطام قوي في الطابق العلوي.

صعد مسرعًا، فوجد الماء يتسرب من جزء متصدع في السقف. كانت الرياح قد كسرت إحدى النوافذ، وتساقطت المياه قرب رفوف المخطوطات.

اتصل بالعمال والمتدربين، ثم بليال.

ردت بعد الاتصال الثالث.

— ماذا حدث؟

— السقف يتسرب، والماء وصل إلى غرفة الأرشيف.

لم تسأله عن شيء آخر.

قالت:

— أنا قادمة.

وصلت خلال عشرين دقيقة، مع يزن واثنين من المتدربين. عملوا جميعًا على نقل الكتب وتغطية الآلات. كانت المياه باردة، والأرض زلقة، والفوضى كبيرة.

رأى نادر ليال تحاول سحب صندوق ثقيل، فتقدم ليساعدها.

قالت:

— أمسك الطرف الآخر.

لم يكن الوقت مناسبًا للعتاب.

حملا الصندوق معًا، ثم عادا لإنقاذ بقية الأوراق.

مع اقتراب الفجر، توقف المطر. جلس الجميع في القاعة السفلية، مبتلين ومنهكين، تحيط بهم الصناديق.

خرج المتدربون لشراء القهوة.

بقي نادر وليال وحدهما.

قالت وهي تنظر إلى السقف:

— الإصلاح سيكون مكلفًا.

— أعلم.

— هل ستبيعه الآن؟

أجاب:

— لا.

نظرت إليه.

— لا تقلها لأنك متأثر بما حدث الليلة.

أخرج من حقيبته ملفًا ووضعه أمامها.

— هذه خطة خمسية للمشروع. تكاليف الترميم، مصادر الدخل، البرامج المدفوعة والمجانية، صندوق للطوارئ، وشراكة مع الجامعة. اتصلت بالشركة التي عرضت الوظيفة. وافقوا مبدئيًا على أن أدير عمل المنطقة من بغداد مع سفر دوري.

لم تفتح الملف.

— ومتى أعددت هذا؟

— بدأت أمس.

— إذن قررت البقاء؟

— قررت ألا أهرب.

جلست بصمت.

اقترب منها، لكنه أبقى مسافة بينهما.

— كنت أظن أن القرار العقلاني هو القرار الذي يقلل احتمال الخسارة. لكنني لم أفهم أن بعض الخسائر لا تظهر إلا بعد سنوات. قد تربحين وظيفة وتخسرين نفسك. قد تحمين مالك وتخسرين المكان الذي يمنح حياتك معنى. وقد تحمين قلبك إلى درجة ألا يستخدمه أحد، حتى أنت.

رفعت عينيها إليه.

تابع:

— أنا أحبك يا ليال.

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تتكلم.

— لا أقولها لأمنعك من الرحيل، ولا أطلب منك نسيان ما فعلته. كنت جبانًا، لكنني سميت خوفي حكمة. أخفيت عنك العرض لأنني لم أرد أن أراك تتألمين قبل أن أتخذ القرار، ولم أفهم أنني بذلك جعلتك غريبة عن قرار يمس حياتك.

قالت بصوت خافت:

— أخشى أن تستيقظ يومًا وتشعر بأنك ضحيت من أجلي.

— لم أضحِّ بحياتي. أعدت تصميمها.

— وماذا إن فشل المشروع؟

— سنراجعه، نعدله، أو حتى نغلقه إن اضطررنا. الاحتفاظ بالمكان ليس وعدًا أعمى. هو فرصة محسوبة.

— وماذا إن فشلنا نحن؟

ابتسم بحزن.

— لا توجد دراسة جدوى تضمن الحب. لكن يمكننا أن نكون صريحين، وأن نكتب شروطنا بوضوح، وأن نتوقف حين نؤذي بعضنا بدل أن نهرب إلى الصمت.

تنفست ببطء.

— لا أريد رجلًا ينقذني.

— وأنا لا أريد أن أكون منقذًا. أريد شريكة.

دفع الملف نحوها.

— لهذا اسمك مكتوب هنا بوصفك مديرة المشروع وشريكة مؤسسة، لا موظفة عندي. ستكون لك نسبة واضحة، وصلاحيات واضحة، وعقد لا يعتمد على الحب كي يحمي حقك.

فتحت الملف أخيرًا.

قرأت الصفحة الأولى، ثم الثانية. حين وصلت إلى بند الشراكة، نظرت إليه والدموع في عينيها.

— حتى اعترافك بالحب يأتي مع عقد.

— تعلمت من أبي أن الحب يحتاج إلى وضوح، لا إلى فوضى.

ضحكت وسط دموعها.

— وما الذي تريده مني الآن؟

قال:

— فرصة. لا جوابًا أبديًا في صباح متعب. فقط فرصة أُثبت فيها أنني قادر على البقاء حاضرًا حين تصبح الأمور صعبة.

سألته:

— وهل ستخبرني بعد الآن حين تتغير القرارات؟

— قبل أن تتحول إلى قرارات.

— ولن تختفِ أيامًا لتفكر وحدك؟

— سأطلب وقتًا، لكنني لن أغلق الباب.

ظلت صامتة، ثم مدت يدها إليه.

أمسكها.

قالت:

— أنا ما زلت غاضبة.

— أعرف.

— ولن أسامحك في خمس دقائق لأنك ألقيت خطابًا جيدًا.

— أتفهم ذلك.

— والخطة تحتاج إلى تعديلات كثيرة.

— هذا مؤلم أكثر من غضبك.

ابتسمت للمرة الأولى.

ثم اقتربت وأسندت جبينها إلى صدره.

أحاطها بذراعيه، لا بقوة من يخشى أن تهرب، بل بهدوء من يعرف أن البقاء لا يُفرض.

بعد أسبوع، وقّع نادر التزام المنحة.

وبدأ ترميم المبنى.

استغرق العمل ثمانية أشهر كاملة. أُصلح السقف، ورُممت الشرفات، وأعيد طلاء الباب الخشبي باللون الأزرق نفسه. احتفظا بآلات الطباعة القديمة، وأضافا قاعة قراءة واستوديو صغيرًا للفنانين.

اختلف نادر وليال كثيرًا خلال تلك الفترة.

اختلفا بشأن الميزانية، وألوان الجدران، وعدد الفعاليات المجانية. كانت تتهمه أحيانًا بأنه يحوّل الفن إلى جدول، ويتهمها بأنها تعتقد أن المال ينمو في حديقة المنزل.

لكن خلافاتهما لم تعد تتحول إلى صمت.

كان يقول حين يحتاج إلى وقت:

— أنا مرتبك، لا مبتعد.

وكانت تقول حين تخاف:

— أحتاج إلى طمأنة، لا إلى حل.

تعلما أن الحب لا يعني أن يفهم أحدهما الآخر من دون كلام، بل أن يمتلكا الشجاعة لقول ما يحتاجان إليه من غير ألعاب أو كبرياء.

بعد عام، افتُتح المكان باسم «دار صفوان للفنون والكتاب».

في صباح الافتتاح، امتلأ الفناء بالزوار. ركض الأطفال بين الطاولات، ودارت آلة الطباعة القديمة للمرة الأولى منذ أعوام، وصفق الجميع حين خرجت منها الصفحة الأولى.

كانت العبارة المطبوعة:

«فكّر بعقل... وعِش بقلب.»

وقفت ليال بجانب نادر تتأمل الورقة.

قالت:

— هل اخترت الجملة؟

— وجدتها في رسالة عمي.

— يبدو أنه كان يعرفك أكثر مما كنت تعرف نفسك.

أخرج نادر من جيبه صندوقًا صغيرًا.

نظرت إليه، ثم قالت:

— لا تقل إنك ستفعل هذا أمام الجميع.

— خطتي الأصلية كانت تتضمن جمهورًا وموسيقى.

— وألغيتها؟

— بعد دراسة المخاطر.

ضحكت.

فتح الصندوق، لكنه لم يركع. وقف أمامها كما اعتاد أن يقف حين يناقش معها قرارًا يخصهما معًا.

قال:

— لا أعدك بأنني لن أخاف، ولا بأنني سأتوقف عن التفكير الزائد. لكنني أعدك ألا أجعل خوفي يقرر وحده. أريد أن نبني بيتًا فيه جداولك الفوضوية وقوائمي المزعجة، وكتب أكثر مما تحتمل الرفوف، وطاولة لا أجلس إليها وحدي.

اغرورقت عيناها.

— هل هذا طلب زواج أم خطة تشغيل؟

— كلاهما.

— وهل لدي مهلة لدراسة العرض؟

— خذي ما تحتاجينه.

مدت يدها إليه.

— وافقت.

وضع الخاتم في إصبعها وسط تصفيق من لمح المشهد، بينما بقيت هي تنظر إليه كما لو أن العالم كله اختصر نفسه في تلك اللحظة.

بعد أشهر، تزوجا في فناء الدار تحت شجرة النارنج.

لم تكن حياتهما بعد الزواج خالية من القلق أو الخلاف. لم يتحول نادر فجأة إلى رجل متهور، ولم تصبح ليال خبيرة في حساب النفقات. ظلت تشتري أوراقًا نادرة من دون استشارته، وظل يسألها عن الفواتير في أسوأ الأوقات.

لكنهما تعلما مبدأ بسيطًا:

العقل ليس عدو القلب، والقلب ليس خصم العقل.

العقل يرسم الطريق، لكن القلب يمنحنا سببًا للسير فيه.

وبعد سنوات، حين كان الزوار يسألون نادر لماذا لم يبع ذلك المنزل القديم يوم ورثه، كان ينظر إلى ليال وهي تعلم طفلًا كيف يطبع اسمه فوق ورقة، ثم يجيب:

— لأنني حسبت الأرباح جيدًا، لكنني تأخرت قليلًا في حساب ما كنت سأخسره.

أما ليال، فكانت تسمعه وتبتسم.

كانت تعرف أن الحب لم ينتصر على عقل نادر.

ولم تكن تريد له أن ينتصر.

لقد علّمه فقط ألا يستخدم عقله ليختبئ من الحياة، وعلّمها هو ألا تستخدم قلبها لتبرير ما يؤذيها.

وبين احتياطاته الكثيرة واندفاعها الجميل، بنيا حياة لم تكن مثالية، لكنها كانت صادقة؛ حياة يعرفان فيها متى يتوقفان للتفكير، ومتى يتركان أيديهما تمتد إحداهما نحو الأخرى بلا حساب.

فبعض القرارات تحتاج إلى ورقة وقلم.

وبعضها يحتاج إلى شجاعة.

أما القرارات التي تصنع العمر كله، فتحتاج إليهما معًا:

عقل يرى الطريق بوضوح...

وقلب يجرؤ على اختياره.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*