خلف الضوء

خلف الضوء
كان ضوء المنارة يدور فوق البحر كما اعتاد منذ مئة وثلاثة أعوام، لكن تالة عرفت من اللفة الأولى أنه ليس الضوء نفسه. وقفت عند أسفل البرج، ورفعت وجهها نحو الحزمة البيضاء التي تشق الضباب كل اثنتي عشرة ثانية. بالنسبة إلى رجال الشرطة المتجمعين عند البوابة، كان الضوء قويًا ومنتظمًا. أما هي فرأت غياب الحواف الملونة التي تصنعها العدسة الزجاجية القديمة حين تعبرها الأشعة؛ لم يظهر على الضباب ذلك الخيط الأخضر القصير، ولا الوميض الكهرماني الذي كان يسبق قلب الحزمة. قال الضابط نائل: ــ استدعيناك لفحص الزجاج المكسور، لا لمراقبة الغيوم. أنزلت تالة حقيبتها عن كتفها. ــ أنا لا أراقب الغيوم. أراقب ما لم يعد يصل إليها. كانت مهندسة حفظ زجاج معماري، تعمل مع المتاحف والمباني التاريخية حين يصبح الفرق بين الإصلاح والإتلاف أضيق من شعرة. قبل تسعة أشهر شاركت في توثيق عدسة منارة المرفأ القديم: أسطوانة ضخمة من حلقات زجاجية منشورية، صُنعت في مطلع القرن الماضي، وتدور داخل الغرفة العليا فوق قاعدة نحاسية. سجّلت يومها كل شرخ وفقاعة هواء وخدش. لم يكن جمال العدسة في صفائها، بل في عيوبها التي بقيت موزعة مثل بصمات لا تتكرر. في تلك الليلة، وُجد رفيق، حارس المنارة، محبوسًا في مخزن الطابق الأرضي ويداه موثوقتان إلى الأمام. قال إنه فوجئ برجل مقنّع عند منتصف الليل. تعطلت حساسات الباب تسع دقائق، وحين وصلت الشرطة وجدت إحدى وحدات العدسة محطمة وقطعتها المركزية مفقودة. لم يكن في البرج مخرج ثانٍ، ولم تسجل الكاميرا الخارجية دخول أحد أو خروجه. صعدت تالة الدرج الحلزوني خلف نائل. كانت رائحة الملح تختلط بزيت الآلات، والريح تضرب النوافذ الضيقة كما لو أنها تجرب متانة البرج. عند الطابق الأخير، فتح الضابط باب غرفة المصباح. توقفت تالة على العتبة. تناثرت قطع شفافة قرب القاعدة النحاسية، وبقي فراغ بيضوي في قلب أحد ألواح العدسة. كان المصباح الكهربائي الحديث يواصل الدوران خلف الحلقات، فيدفع إلى البحر ضوءًا قويًا لكنه مسطح، بلا العمق الذي تعرفه. لبست قفازين، وانحنت فوق أكبر قطعة. لم تلمسها. قرّبت مصباحًا صغيرًا من حافتها، ثم أطفأته. ــ هذه ليست من العدسة. قال نائل: ــ إنها في مكانها، ولها الشكل نفسه. ــ لكنها بلا فقاعات، وحافتها لينة أكثر مما ينبغي. هذه مادة أكريليكية مصبوبة، وليست زجاجًا بصريًا. التقطت قطعة بملقط وطرقت عليها طرقًا خفيفًا. خرج صوت قصير مكتوم. ــ من كسرها أراد أن نرى حادثة وقعت الليلة. الجريمة الحقيقية أقدم. كانت هناء الرفاعي، مديرة متحف المنارة، تنتظر في مكتبها بالطابق الثاني. جلست خلف طاولة تغطيها مخططات الترميم، وبدت كمن قضى الليل يجيب عن السؤال نفسه بصيغ مختلفة. قالت إن العدسة خضعت طوال ثمانية أشهر لترميم شامل نفذته شركة يقودها سنان القيسي، أشهر مرمم أجهزة ملاحية في المنطقة. انتهى العمل قبل ثلاثة أسابيع، وكان مقرّرًا أن تصل تالة في الصباح لإجراء التقييم المستقل قبل إعادة افتتاح المتحف. سألها نائل: ــ من كان يعرف بموعد الفحص؟ ــ مجلس الإدارة، وسنان، وكريم الكهربائي، ورفيق. نشرنا إعلان الافتتاح، لكن اسم الخبيرة لم يذكر. قالت تالة: ــ هل احتج سنان على التقييم؟ ــ قال إنه إجراء لا داعي له، ثم وافق. وهو أصلًا لم يكن هنا الليلة. حضر مزادًا في مدينة تبعد أربع ساعات، وظهر في بث مباشر قبل منتصف الليل وبعده. مد نائل أمام هناء صورة القطعة المكسورة. ــ هل رأيتِ البلاستيك بدل الزجاج أثناء الترميم؟ ارتعشت أصابعها فوق الورق. ــ رأيت العدسة مضاءة عشرات المرات. ــ لم أسأل عن الضوء. صمتت، ثم فتحت درجًا وأخرجت ملفًا أزرق. احتوى على استمارات التخلص من مخلفات الترميم: نحاس متآكل، زجاج متشقق، خشب رطب، وأسلاك قديمة. حملت كل ورقة توقيع هناء وختم الشركة. قالت: ــ كان سنان يضع الاستمارات في ملف نهاية كل أسبوع. أراجع العناوين وأوقع. لم نكن نملك مكانًا لحفظ النفايات. قلبت تالة الأوراق. خرجت من المنارة خلال الأشهر الثمانية ست عشرة حاوية صغيرة من «زجاج غير صالح للعرض»، يتراوح وزن الواحدة بين سبعة عشر وثلاثة وعشرين كيلوغرامًا. ــ كم قطعة أصلية سمحتم باستبدالها؟ ــ خمس قطع هامشية فقط. لدينا تقرير مصور. ــ خمس قطع لا تملأ ست عشرة حاوية. فتحت هناء التقرير على حاسوبها. احتوى على صورة أسبوعية للعدسة من الجهات الأربع، التقطت من موضع يبدو ثابتًا. في الصورة الأولى ميزت تالة فقاعة هواء طويلة قرب أعلى اللوح الشرقي. ظلت الفقاعة في الصورة الثانية، ثم اختفت في الثالثة. وفي الأسبوع التالي اختفى خدش هلالي من حلقة مجاورة. كان المصور يزيد شدة الإضاءة قليلًا كل مرة، حتى صارت التفاصيل الداخلية تذوب في البياض. ــ من التقط الصور؟ ــ سنان. قال إن تثبيت الكاميرا يمنع اختلاف القياسات. قربت تالة صورتين. لم تكن الكاميرا ثابتة تمامًا؛ تحركت بضعة سنتيمترات إلى اليمين، بما يكفي ليقع انعكاس المصباح فوق الحلقة التي استُبدلت حديثًا. قالت هناء: ــ كنت أرى الصور كل أسبوع. ــ كنت ترين عدسة كاملة، لا القطع التي تتكون منها. ــ هل كان يجب أن أعرف؟ لم تجب تالة فورًا. في عمل الحفظ، كان السؤال الأصعب دائمًا هو أين ينتهي جهل المسؤول وتبدأ مسؤوليته. ــ كان يجب أن يسأل شخص واحد على الأقل لماذا تختفي العلامات التي دُفع المال لتوثيقها. أغلقت هناء الحاسوب، ثم قالت إن ميزانية المشروع تأخرت مرتين، وإن مجلس الإدارة هدد بسحب التمويل إذا لم يفتتح المتحف قبل موسم الزوار. كان سنان ينجز العمل بسرعة، ويجيب عن كل اعتراض بمصطلحات فنية لا يفهمها أحد. اعترفت بأنها فضلت الرجل الذي يقدم حلًا على الخبيرة التي تقدم سؤالًا جديدًا. لم يجعل ذلك منها سارقة، لكنه جعل الباب واسعًا لمن أراد السرقة. وصل كريم، كهربائي المنارة، بعد شروق الشمس بقليل. كان رجلًا نحيلًا يحمل جهاز قياس ودفترًا أسود. أقر بأنه عطّل حساسات الباب الليلة الماضية، لكنه قال إن رفيق اتصل به عند الحادية عشرة وأبلغه أن الإنذار يطلق إشارة كاذبة كلما دارت العدسة. ــ دخلت إلى النظام من البيت، وعزلت الحساس تسع دقائق كي يعيد الحارس تشغيله. هذه ليست أول مرة. فتح سجل الصيانة على جهازه اللوحي. ظهرت عمليتان سابقتان بالطريقة نفسها، كلتاهما في ليالٍ كان فريق سنان يعمل فيها حتى وقت متأخر. سأل نائل: ــ لماذا لم تبلغ المديرة؟ ــ كتبت الملاحظة في النظام. ــ النظام الذي لا تقرؤه إلا أنت؟ ــ وسنان. حسابه يتيح له رؤية التنبيهات أثناء الترميم. لم تقتنع تالة بأن تعطيل الحساس يفسر استبدال عدسة كاملة. عادت إلى غرفة المصباح، وهذه المرة أوقفت الشرطة دوران الجهاز. مررت ضوءًا بنفسجيًا على الحلقات المنشورية. لمع معظم السطح بلون أزرق منتظم، بينما ظهرت ثلاث قطع صغيرة داكنة لا تستجيب بالطريقة نفسها. أشارت إليها. ــ هذه أصلية. الباقي بدائل. حدق نائل في الأسطوانة التي تبلغ قامة رجلين. ــ أتقولين إنهم سرقوا كل هذا؟ كيف يُخرج شخص عدسة بهذا الحجم من باب واحد وكاميرا واحدة؟ ــ لم يخرجها بهذا الحجم. العدسة ليست قطعة واحدة. إنها ألواح، وكل لوح مركب من حلقات منفصلة في إطار نحاسي. إذا استبدلت كل أسبوع حلقة أو اثنتين، فلن تحمل في المرة الواحدة أكثر من صندوق يستطيع عامل واحد رفعه. نزعت غطاء لوحة تشغيل المحرك بإذن الضابط. لم تكن خبيرة كهرباء، لكنها عرفت ما تبحث عنه. طلبت من كريم سجلات استهلاك الطاقة قبل الترميم وبعده. ظهرت الأرقام على الشاشة: قبل ثمانية أشهر كان المحرك يسحب تيارًا أعلى كي يدير كتلة الزجاج السميك. انخفض الاستهلاك تدريجيًا، على ست عشرة درجة صغيرة، حتى استقر عند أقل من ثلثي قيمته القديمة. قال كريم: ــ ظننت أن السبب تنظيف المسار وتغيير المحامل. ــ التنظيف يخفض الاحتكاك دفعة واحدة. هذه الدرجات تعني أن الوزن كان ينقص على مراحل. أخرج كريم فواتير الصيانة. في كل أسبوع انخفض فيه استهلاك المحرك ظهرت في اليوم التالي ملاحظة كتبها سنان: «إعادة موازنة»، «تصحيح احتكاك»، «اختبار دوران». لم تكن العبارات كاذبة تمامًا؛ حين تُنزع حلقة زجاجية ثقيلة وتوضع مكانها أخرى أخف، يحتاج الجهاز فعلًا إلى إعادة موازنة. استخدم سنان آثار السرقة بوصفها أعمال صيانة، وجعل كل دليل توقيعًا على كفاءته. طلبت تالة تشغيل المحرك بسرعة منخفضة. دارت العدسة، ثم اهتز إطارها لحظة عند مرور الجانب الغربي. وضعت قلمًا على حافة القاعدة، فبدأ يتدحرج ذهابًا وإيابًا بإيقاع منتظم. ــ البدائل ليست متساوية الوزن، قالت. كان يعرف أن الجهاز سيفقد توازنه، لذلك أضاف أثقالًا إلى القاعدة بدل أن يصنع نسخًا بسماكة الزجاج الأصلي. فتح كريم غطاءً نحاسيًا صغيرًا. وجدوا في الداخل صفائح رصاص حديثة مثبتة بمسامير جديدة. لم تكن الصفائح مسروقة ولا ممنوعة، لكنها أثبتت أن انخفاض التيار لم يكن نتيجة المحامل وحدها. كان أحدهم يعالج نتائج نقص الوزن أسبوعًا بعد أسبوع. قال نائل: ــ هل يمكن لعامل عادي أن يفعل هذا؟ ــ يمكنه فك حلقة إذا عرف البراغي، لكنه لن يعرف أين يضيف الوزن كي لا يسقط الإطار أثناء الدوران. من خطط للعمل يفهم العدسة والآلة معًا. لم تكن السرقة حادثة ليلية، بل جدول عمل. عاينت تالة الورشة المؤقتة خلف المنارة. نُقلت معظم المعدات، لكن الغبار احتفظ بحدود الأشياء التي غادرت. وجدت طاولة تغطى بطبقة رقيقة من مسحوق أبيض، وقالبًا خشبيًا منحنيًا يطابق قوس العدسة. في سلة جانبية بقيت قصاصات من غشاء بلاستيكي شفاف، وعلى الأرض مسمار نحاسي قديم انغرس تحت الخزانة. قال نائل: ــ هذا يثبت أن البدائل صُنعت هنا. ــ يثبت أنها شُكّلت هنا. لا يثبت من فعل ذلك. كان سنان يملك الخبرة والفرصة، لكنه يملك أيضًا أوضح موضع لتلقي الاتهام. أما هناء فوقّعت إخراج الحاويات. وكريم عطّل النظام. ورفيق وحده كان حاضرًا كل ليلة خرجت فيها المخلفات من البوابة. بحثت تالة في خزانة المواد، فوجدت عبوات زيت البرتقال على رف مفتوح. استُخدم الزيت في ورشة عامة نظمها المتحف قبل أسبوع، ووزعت منها قوارير صغيرة على الزوار لتنظيف قطع نحاسية تجريبية. أدركت أن الرائحة التي ذكرها رفيق ليست وصفًا عفويًا، بل دليلًا جاهزًا يوجّه الاتهام إلى المرمم. كان يستطيع أن يقول إنه سمع صوت سنان أو رأى معطفه، لكن ذلك سينهار أمام البث المباشر. اختار رائحة لا تثبت حضور صاحبها، وتبقى عالقة بما يكفي لتبدو مقنعة. رفعت إحدى القوارير. لم يكن غطاؤها مغلقًا جيدًا، وتركت دائرة زيتية حديثة على الرف. قال نائل: ــ ربما أخذها المهاجم فعلًا. ــ وربما أخذها من أراد أن يمنح مهاجمه رائحة. صوّر الضابط الرف والقارورة، ثم طلب رفع البصمات عنها. لم يجد المختبر لاحقًا سوى بصمات رفيق وموظفة الورشة، مع أن الحارس أكد أنه لم يدخل خزانة المواد منذ شهر. استدعوا جود، سائق الشاحنة التي نقلت الحاويات إلى مستودع البلدية. أكد أنه لم يفتح صندوقًا واحدًا؛ كانت الملصقات تحمل ختم المتحف، والوزن أقل من الحد الذي يوجب المرور على ميزان الشاحنات. ــ من كان يسلمك الصناديق؟ سأل نائل. ــ غالبًا رفيق. أحيانًا سنان أو أحد عماله. ــ وهل وصلت كلها إلى المستودع؟ فرك جود عنقه. ــ كنت أتوقف عند مخزن الشركة في المنطقة الصناعية. يقولون إن بعض المخلفات يجب تسجيلها أولًا لأن فيها نحاسًا يمكن إعادة تدويره. يبدلون صندوقًا بصندوق، ثم أكمل طريقي. وجدت الشرطة في مستودع البلدية ست عشرة حاوية مختومة. احتوت فعلًا على زجاج مكسور ونحاس متآكل، وكانت أوزانها مطابقة للأوراق. لكن تواريخ تصنيع الزجاج المكسور حديثة؛ ألواح نوافذ عادية حُطمت لتملأ الصناديق البديلة. اتصل نائل بالنيابة لطلب تفتيش مخزن شركة سنان. أوقفته تالة قبل أن ينهي المكالمة. ــ إذا وجدنا المخزن فارغًا، فسنكون قد أخبرناه أننا فهمنا الطريقة. نحتاج أولًا إلى تفسير الليلة الماضية. لماذا يكسر قطعة زائفة قبل ساعات من فحص كان سيكشف بقية القطع الزائفة على أي حال؟ قال نائل: ــ ليجعلنا نظن أن اللص دخل الليلة. ــ وهو يظهر في بث حي بعيدًا عن هنا. يريد أن يصبح الزمن نفسه حجة براءته. عادا إلى رفيق في العيادة. لم تكن به إصابات سوى كدمة سطحية عند الرسغ. قال إن المقنّع باغته من الخلف، هدده بأداة معدنية، ثم قاده إلى المخزن وربط يديه. لم ير وجهه، لكنه شم رائحة زيت البرتقال المستخدم في تنظيف النحاس. طلبت تالة منه أن يصف ترتيب الأحداث مرة أخرى. قال إنه كان في الساحة عندما انطفأ ضوء حساس الباب، فصعد ليفحصه. في الطابق الأول سمع زجاجًا يتحطم، ثم هوجم. سألته: ــ متى اتصلت بكريم؟ ــ قبل ذلك بقليل. ــ قلت له إن الحساس يطلق إنذارًا كاذبًا مع دوران العدسة. كيف عرفت المشكلة وأنت في الساحة، بينما لوحة الإنذار في غرفة المصباح؟ تردد. ــ ظهرت الإشارة على هاتفي. قال كريم، الذي كان واقفًا عند الباب: ــ الحارس لا تصله إشعارات النظام. هاتفه قديم أصلًا. غيّر رفيق جلسته. قال إنه ربما رأى الضوء الأحمر في أثناء جولته السابقة. طلب نائل تصوير هاتفه وفحص سجل المكالمات. اعترض الحارس، ثم وافق حين أوضح الضابط الإجراء. بين الصور ظهرت لقطة التقطت قبل أسبوع لصندوق مفتوح في مخزن الشركة. لم ير فيها سوى ألواح زجاجية ملفوفة، لكن تالة كبّرت الزاوية. ظهر شق مائل في إحدى الحلقات، بالشكل نفسه الذي وثقته قبل تسعة أشهر في القطعة رقم سبعة وعشرين من العدسة الأصلية. قال رفيق بسرعة: ــ صورتها لأنني شككت بهم. كنت أجمع دليلًا. ــ ولماذا لم تسلمه؟ ــ خفت أن يتهموني. نظرت تالة إلى يديه. كان أثر الحبل على الرسغين متوازيًا وخفيفًا، بلا احتكاك عند الجهة الداخلية. ــ الرجل الذي ربطك فعل ذلك وأنت تمد يديك إليه بهدوء، أو أنك ربطت الحلقة الأولى بنفسك ثم مررت الثانية فيها. لم تحاول المقاومة. قال نائل: ــ ومن أغلق المخزن؟ أجابت تالة: ــ الباب يُقفل حين يُدفع. كان يستطيع أن يربط نفسه، يضع المفتاح خارجًا قبل أن يغلقه، ثم يركل الباب حتى يسمعه عامل النظافة صباحًا. انهار صوت رفيق قبل أن ينهار جسده. قال إن سنان عرض عليه مبلغًا يكفي لسداد قرض منزله. لم يشارك في تبديل الحلقات، لكنه كان يفتح البوابة للشاحنة ويغلق سجل الكاميرا عند إخراج الصناديق. عندما عرف سنان بقدوم خبيرة مستقلة، أرسل إليه تعليمات: يعطل الحساس عبر كريم، يكسر القطعة الأكريليكية المركزية، يخبئ الشظايا الأصلية القليلة التي تركوها للتمويه، ثم يحبس نفسه. وفي الوقت نفسه يظهر سنان أمام مئات الأشخاص في المزاد. سأل نائل: ــ أين الأجزاء الأصلية؟ ــ لم يخبرني. رأيتها مرة في مخزن الشركة، ثم نقلها. ــ وماذا تركتم في العدسة؟ ــ ثلاث حلقات صغيرة. قال إن وجودها سيجعل فحصًا سريعًا يثبت أنها أصلية. كانت تلك الحلقات الداكنة نفسها التي رصدتها تالة. فتشت الشرطة مخزن الشركة في الظهيرة. وجدت قوالب النسخ، وفواتير مواد أكريليكية، وصناديق فارغة، لكنها لم تجد الزجاج الأصلي. عاد سنان من المزاد عند المساء برفقة محاميه، وكرر أنه لا علاقة له بما فعله الحارس. قال إن أي عامل يستطيع استعمال الورشة، وإن الصورة في هاتف رفيق ربما التقطت لقطعة تجريبية. جلس سنان قبالة تالة في غرفة الاجتماعات، محافظًا على هدوء يشبه هدوء من يشرح خطأً لتلميذ. قال إن الأكريليك استُخدم لصنع نماذج تعليمية للزوار، وإن صفائح الرصاص جزء معتاد من موازنة الأجهزة القديمة. حتى الفقاعة التي اختفت من الصور وجد لها جوابًا: ربما أزالتها زاوية التصوير. قالت تالة: ــ والخدش الهلالي؟ ــ انعكاس. ــ والحفر عند حافة القطعة في هاتف رفيق؟ ــ رقم لقالب تجريبي. ــ وخفض استهلاك المحرك على ست عشرة مرحلة؟ ــ دليل على أنني أصلحت آلة أهملها المتحف سنوات. لم يرفع صوته ولم ينكر الوقائع؛ منح كل واقعة اسمًا آخر. رأت تالة عندها سبب نجاح الخطة. لم يعتمد على محو الأدلة، بل على إغراق كل دليل بتفسير فني لا يستطيع الموظفون مناقشته. سألته عن المشترين الذين قد يهتمون بزجاج منارة قديم. انحنى إلى الخلف وقال: ــ الخبير الحقيقي لا يسأل المتهم عن سوق يعرفه الخبير. أجابته: ــ أنا أعرف الزجاج. أنت تعرف الطريق الذي خططتَ له كي يغادر. تغيرت عينه للحظة، ثم عاد إلى ابتسامته. لم يكن ذلك اعترافًا، لكنه أول سؤال لم يجد له مصطلحًا يختبئ خلفه. وضعت تالة أمامه جدول استهلاك المحرك واستمارات المخلفات. قال مبتسمًا: ــ استنتاج جميل، لكنه لا يقول أين العدسة ولا من أخذها. كان محقًا. الاعتراف الجزئي يثبت التستر على إخراج الصناديق، لكنه لا يعيد القطع ولا يغلق الطريق أمام ادعاء أن عاملًا آخر سرقها من مخزن الشركة. عادت تالة إلى المنارة بعد غروب الشمس. أوقفت الدوران، وجلست داخل الحلقة النحاسية حيث كان الضوء يمر من حولها. في توثيقها القديم، كانت كل قطعة تحمل رقمًا محفورًا عند الحافة السفلية. لا يمكن بيع الحلقات كاملة بسهولة، لأن الأرقام تربطها بالمنارة. توقعت أن يقطعها سنان إلى أجزاء أصغر، لكنه لو فعل لفقدت معظم قيمتها لدى جامعي التحف البحرية. إذن كان يحتاج إلى إخراجها من البلاد كاملة، تحت وصف لا يستدعي فتح الصناديق. تذكرت استمارات المخلفات: «زجاج غير صالح للعرض». الوصف نفسه يصلح للشحن إذا تغيرت كلمة واحدة. طلبت من نائل مراجعة الشحنات التي سجلتها شركة سنان خلال الشهر الأخير. ظهرت ثلاث حاويات متجهة إلى معرض حدائق في الخارج، مسجلة بوصفها «زجاجًا للزينة الخارجية». لم تغادر الحاوية الثالثة بعد؛ كانت في الساحة الجمركية تنتظر سفينة الصباح. وصلوا قبل منتصف الليل. فتح الموظفون الحاوية بحضور الجهات المختصة. في مقدمتها صناديق أحجار وأحواض نباتات، وخلفها ستة عشر صندوقًا مسطحًا بين ألواح خشبية. رفعوا الغطاء الأول، فانعكس ضوء المصابيح على زجاج سميك ذي حواف منشورية. مررت تالة أصابعها فوق الشق المائل في القطعة رقم سبعة وعشرين، ثم طابقت الحفر الصغير في أسفلها بصورة التوثيق. قالت: ــ هذه عدسة المنارة. في صندوق جانبي وجدوا دفترًا بخط سنان يطابق بين أرقام القطع وأسماء مشترين مختصرة، إضافة إلى تعليمات لخلط الصناديق بأحواض الزينة. لم يعد الزمن الذي أمضاه في المزاد ينقذه؛ فقد أثبت فقط أنه خطط كي تقع الجريمة الظاهرة في غيابه. أُوقف سنان عند عودته إلى الفندق، واعترف رفيق بتفاصيل دوره كاملة. كشفت التحقيقات المالية أن هناء لم تتلق مالًا، لكنها وقعت الاستمارات من غير فحص، وأخفت عن المجلس انخفاض أداء العدسة خوفًا من تأجيل الافتتاح. أُحيلت مسؤوليتها الإدارية إلى لجنة مستقلة، بينما بقي كريم شاهدًا على التنبيهات التي كتبها ولم يتابعها أحد. استغرق تركيب الزجاج المستعاد خمسة أسابيع. لم تُخفَ الشقوق القديمة، ولم تُلمّع الفقاعات حتى تزول؛ أعيدت كل قطعة إلى موضعها وفق سجل تالة الأول. أما الحلقة التي كسر رفيق بديلها، فكانت أصلها بين الصناديق ولم يصبها ضرر. في ليلة التشغيل، وقفت تالة عند أسفل البرج مع نائل. دار الضوء ببطء، عبر الحلقات الزجاجية، ثم انطلق فوق البحر. ظهر على الضباب خيط أخضر، أعقبه وميض كهرماني قصير، ثم قلب أبيض كثيف. قال نائل: ــ عاد كما كان. ــ لا. صار معروفًا كيف كاد يضيع. رفعت بصرها إلى الحزمة التالية. لم تُسرق المنارة في ليلة واحدة، ولم ينقذها دليل واحد. ضاعت قطعة بعد أخرى، تحت توقيع سريع، وتنبيه مؤجل، وصندوق لم يفتحه أحد. وما أعادها لم يكن الضوء الذي يراه الجميع، بل الفروق الصغيرة المختبئة خلفه. دارت العدسة مرة أخرى، وبقي كل عيب في زجاجها يؤدي عمله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9