قبل الإتلاف

قبل الإتلاف
في التاسعة وسبع دقائق مساءً، ألصق ماهر بطاقة الإتلاف على اثنتين وأربعين علبة لبن لم تفسد بعد. كانت العلب مصطفة داخل عربة معدنية في الممر الخلفي لمتجر الساحة، باردة وسليمة الأغطية، ولم ينقضِ تاريخها إلا بعد منتصف الليل. غير أن التعليمات واضحة: كل منتج لن يبقى صالحًا للبيع حتى افتتاح اليوم التالي يُسحب قبل إغلاق الأبواب، ثم يُسجل ويُنقل إلى حاوية النفايات المقفلة. مرر ماهر جهاز الجرد فوق الرمز الأول. صدر طنين قصير، وظهر على الشاشة: «انتهاء مدة العرض». كرر الحركة إحدى وأربعين مرة. لم يكن يستطيع تغيير القرار، لكنه لم يعتد منظره رغم سنوات عمله. خلف اللبن انتظرت أكياس خبز أُعدت صباحًا، وصناديق طماطم استُبعدت لأن بعض ثمارها لينة، وثماني وجبات مغلفة بقيت من ركن الطعام الساخن. قال زميله بَهيج وهو يدفع عربة أخرى: «لا تنظر إليها كأنها جنازة. الأرقام تحتاج إلى الإغلاق قبل العاشرة.» «الأرقام لا تُؤكل.» «ولا أستطيع أخذها إلى بيتي. تذكر ما حدث لعامر.» قبل شهر، فصلت الإدارة عاملًا أخذ كيسين من الخبز بعد تسجيلهما للإتلاف. لم يتهموه بحرمان أحد من حقه، بل بمخالفة سلسلة الحيازة؛ فالمنتج بعد شطبه لا يجوز أن يعود إلى التداول. منذ ذلك اليوم صار الموظفون يرمون الطعام تحت عدسة كاميرا، ثم يوقعون أنهم فعلوا. أكمل ماهر التسجيل. عند البوابة الخلفية وجد رجلًا مسنًا ينتظر على الرصيف المقابل. لم يقترب من الحاوية، لأنه يعرف أن قفلها لا يفتح إلا ببطاقة المشرف. جلس فوق صندوق بلاستيكي مقلوب، وبجانبه كيس قماشي فارغ. كان يظهر مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع، بعد أن تنطفئ لافتة المتجر ويغادر آخر الزبائن. رفع الرجل يده تحية لماهر. رد ماهر التحية، ثم دفع العربة إلى داخل غرفة الإتلاف وأغلق الباب. في اليوم التالي جاءت سَناء إلى المتجر قبل الظهر. عرفها ماهر من سترتها الرمادية التي تحمل آثار دقيق عند الأكمام، ومن قائمتها الطويلة التي تراجعها وهي تحسب الأسعار في هاتف قديم. كانت تدير مطبخًا مجتمعيًا في قاعة تابعة لنادٍ رياضي متوقف. لا يسألون من يأتي عن سبب حاجته، ولا يقدمون وجبات عشوائية؛ يعلنون كل صباح ما سيطبخونه، ويعطون الأسر حصصًا تكفي يومًا واحدًا. ملأت سناء عربتين بالأرز والعدس والزيت، ثم وقفت أمام رف اللبن. قرأت السعر، حذفت شيئًا من قائمتها، وأخذت نصف الكمية التي أرادتها. سألها ماهر: «كم وجبة تعدون اليوم؟» «سبعًا وثمانين. كان يفترض أن تكون معها علبة لبن، لكننا سنعوضها بثمرة فاكهة إن بقي المال.» نظر إلى الرف الجديد الممتلئ بعلب وصلت صباحًا. قال: «أتلفنا اثنتين وأربعين علبة أمس.» لم تبدُ عليها الدهشة. «أعرف. كل متجر يفعل ذلك.» «كانت صالحة.» «صالحة للبيع حتى ساعة معينة، أم صالحة للأكل فعلًا؟» لم يتوقع السؤال. شرح لها الفرق بين تاريخ انتهاء العرض وتاريخ الاستهلاك، وبين المنتجات التي تحفظ مبردة وتلك التي يمكن تجميدها، وبين الطعام الساخن الذي لا يملكون سجل حرارته بعد إغلاق الركن. استمعت حتى انتهى، ثم قالت: «إذن لا أريد ما لا تستطيع ضمانه. أريد فقط ما تستطيع.» كانت جملة بسيطة، لكنها نزعت من اعتراضه أسهل الأعذار. لم تطلب منه فتح الحاوية أو مخالفة التعليمات. طلبت مسارًا داخل التعليمات. في استراحته، فتح ماهر دليل التشغيل الداخلي وبحث عن التبرعات. وجد ثلاثة أسطر: لا تُسلّم المنتجات المسحوبة لأي جهة من دون عقد معتمد، ولا يوقع العقد إلا المكتب الإقليمي، ويجب أن تتولى الجهة المستلمة النقل وفق اشتراطات الحفظ. لم يقل الدليل إن التبرع ممنوع. قال إنه لم يُنظم في فرعهم. ذهب إلى مدير المتجر، فارس، وطبع الصفحة قبل أن يدخل مكتبه. كان فارس يراجع جدول العمال، وحين وضع ماهر الورقة أمامه لم ينظر إليها طويلًا. قال: «جربنا هذا قبل سنوات.» «لم أكن أعمل هنا وقتها.» «اتفق المدير السابق مع جمعية. كانوا يأتون متأخرين، فتظل الصناديق في الممر. أخذوا مرة خضارًا تالفة مع السليمة، ثم نشر أحدهم صورة وقال إن المتجر يتصدق بما لا يجرؤ على بيعه. خسرنا الجمعية والطعام والسمعة.» «المطبخ الموجود قرب النادي يستطيع الاستلام كل مساء.» «اليوم يستطيع. غدًا تتعطل سيارتهم أو ينشغل المتطوع. ومن يتحمل المسؤولية إذا قُدمت علبة فقدت تبريدها؟ أنا وأنت، لا صاحب المنشور الذي سيكتب أننا رمينا الطعام.» لم يكن فارس ساخرًا ولا قاسيًا. تحدث كرجل دفع ثمن تجربة سابقة ولا يريد دفعه ثانية. أعاد الورقة إلى ماهر وقال: «إذا قدمت لي نظامًا لا يعتمد على النيات، سأرسله إلى المكتب الإقليمي. أما فكرة طيبة وسيارة قد تصل، فلا.» خرج ماهر من المكتب غاضبًا، ثم أدرك بعد ساعة أن المدير لم يقل لا. وضع شروطًا. في المساء، لم يذهب إلى سناء بوعد. طلب أن يرى مطبخها. قادته إلى القاعة القديمة بعد انتهاء دوامه. كان نصف الملعب مفصولًا بستارة سميكة، وخلفها طاولات من الفولاذ وثلاجتان منزليتان وفرن كبير. على الجدار سبورة عليها قائمة الغد وأعداد الحصص. لم تكن هناك أكوام مجهولة من الطعام؛ كل صندوق يحمل وقت وصوله، وما لا يدخل الخطة يرفضونه. قالت سناء: «نحن لسنا مكانًا لتخفيف ذنب المتاجر. إذا أرسلتم عشرين صندوق كعك ولا خضارًا، لن نستطيع تحويلها إلى عشاء محترم.» «ماذا تحتاجون بصورة ثابتة؟» «خبزًا يمكن تجميده، خضارًا قابلة للفرز، منتجات مبردة قبل تاريخها بساعات كافية. ونحتاج إلى معرفة الكمية قبل أن نرسل السيارة.» أرته ميزان الحرارة داخل الثلاجة، وسجل التنظيف، وصناديق النقل المعزولة التي اشتروها مستعملة. كان السائق متطوعًا، لكن لديهم ثلاثة بدلاء وجدول أسبوعي. إذا تعذر وصولهم، يبلغون قبل ساعتين. اتفقا على ألا يأخذا شيئًا سرًا. سيجمع ماهر البيانات أولًا. قبل أن يغادر، سأل سناء سؤالًا ظل يزعجه منذ فصل عامر: «إذا كان أحد عمال المتجر نفسه يحتاج إلى وجبة، هل تقبلونه؟» قالت: «نحن لا نصنف الناس بحسب مكان عملهم. الراتب لا يعني دائمًا أن آخر الشهر يصل إلى البيت كاملًا.» «لكن إذا ذهب عامل من هنا إلى مطبخ يستلم طعام متجره، سيشعر أنه يأخذ صدقة من عمله.» «لهذا لا نسلّم صناديق التبرع كما جاءت. الطعام يدخل مطبخًا واحدًا ويخرج وجبات مثل غيره. من يجلس إلى الطاولة لا يعرف إن كان الخبز مُشترًى أو منقولًا، ولا نعرف نحن لماذا جاء.» في طريق عودته فكر ماهر في عامر. لم يسأله أحد يوم فصله لماذا أخذ الخبز، واكتفوا بتسجيل أن كاميرا البوابة أثبتت المخالفة. ربما كان جائعًا، وربما أخذه لغيره، وربما اعتقد أن ما سيُرمى لا مالك له. لم يستطع ماهر إعادة وظيفته، لكنه أدرك أن البرنامج إذا بُني على إذلال العامل المحتاج فلن يحل المشكلة؛ سينقلها من باب إلى آخر. طوال سبعة أيام، سجّل كل ما دخل غرفة الإتلاف من دون أن يغير إجراءً واحدًا. فصل ما تلف فعلًا عما سُحب لانتهاء مدة العرض أو لعيب شكلي. كتب وقت الخروج من البراد، ودرجة الحرارة، والسبب. اكتشف أن الكمية لا تتشابه من يوم إلى آخر، لكن أنماطًا واضحة ظهرت: الخبز يزيد مساء الخميس، واللبن يومي الاثنين والأربعاء، والخضار بعد وصول الشحنة الجديدة. أما الوجبات الساخنة فاستبعدها تمامًا لأن حفظها لا يمكن إثباته. اكتشف أيضًا مشكلة لم يفكر فيها. تستغرق العربة من البراد إلى البوابة الخلفية ست دقائق إذا كان الممر خاليًا، لكنها قد تبقى عشرين دقيقة أمام مخزن التنظيف حين تصل شاحنة البضائع في الوقت نفسه. لا يكفي أن تكون العلبة باردة عند إخراجها؛ يجب أن يعرفوا كم بقيت خارج التبريد حتى لحظة التسليم. مشى المسار مع بهيج في ليلة مزدحمة، وسجل زمن كل باب. اقترح أن تُجهز التبرعات داخل قفص مبرد صغير ملاصق للبوابة بدل غرفة الإتلاف الدافئة. لم يكن لديهم قفص زائد، ففرغ فارس خزانة تبريد كانت تستخدم للمشروبات الموسمية، ونقلها عامل الصيانة إلى الخلف. وضعوا فيها ميزان حرارة مستقلًا لا يتصل بنظام المتجر، كي يستطيع الطرف المستلم رؤية القراءة بنفسه. قال بهيج وهو يثبت السلك: «غريب أن كل هذا كان يحتاج فقط إلى ثلاجة لا يستعملها أحد.» أجابه ماهر: «الثلاجة سهلة. الصعب أن يتفق الجميع على من يفتحها ومتى ولماذا.» في نهاية الأسبوع، كانت لديه عشر صفحات. لم يحسب قيمة الطعام بسعر البيع، لأن ذلك يعطي رقمًا مضخمًا لا يساعد. حسب عدد الأرغفة والعلب والكيلوغرامات، والوقت المتاح لنقلها بأمان. ساعدته سناء في كتابة خطة من صفحة واحدة: يرسل المتجر قائمة أولية عند السادسة، يؤكد الكميات عند الثامنة والنصف، تصل السيارة عند التاسعة، تُقاس حرارة المبردات أمام الطرفين، ويوقع المستلم على كل صندوق. إذا تأخرت السيارة خمس عشرة دقيقة، يعود الطعام إلى مسار الإتلاف. لا تُنقل عبوة مفتوحة، ولا خضار متعفنة، ولا وجبة ساخنة، ولا شيء لا يحتاجه المطبخ. قرأ فارس الخطة ببطء. توقف عند بند الرفض وقال: «يعني يمكنهم ترك الصندوق لنا؟» قال ماهر: «بل يجب أن يتركوه إذا خالف القائمة. لا نريد أن يصبح مطبخهم حاوية ثانية.» رفع فارس عينيه إليه للمرة الأولى منذ بدأ القراءة. «هذه الجملة أريدها في العقد.» أرسل الخطة إلى المكتب الإقليمي، ولم يصل جواب أسبوعين. خلالهما استمر الإتلاف كما هو. كان الرجل المسن ينتظر أحيانًا عند الرصيف، وسناء تشتري ما تستطيع، وماهر يمسح الرموز واحدًا بعد آخر. شعر أن جمع الأرقام جعل المشهد أسوأ، لأنه صار يعرف ما تمثله كل عربة. في الأسبوع الثالث جاء الرد: تجربة لمدة أربعة عشر يومًا، تقتصر على الخبز المغلف والخضار غير المقطعة والمنتجات المبردة التي بقي على انتهاء استهلاكها أربع وعشرون ساعة على الأقل. يجب أن يحضر مسؤول من المكتب في الليلة الأولى. بدأوا يوم الاثنين. عند الثامنة وخمسين دقيقة وصلت سيارة المطبخ، تقودها سناء. كان معها متطوعان وصناديق معزولة. وقف ممثل المكتب الإقليمي يحمل لوحة إلكترونية، ووقف فارس بجانبه كأنه يتوقع ظهور خطأ من الجدار. أخرج ماهر أول صندوق لبن وقاس حرارته. كانت ضمن الحد. أعاد سناء القياس بميزانها، ثم وقعت. انتقلوا إلى الخبز والطماطم. في الصندوق الأخير وجدت ثمرة متعفنة في الأسفل، فرفضت الصندوق كله. قطب ممثل المكتب. قال فارس: «يمكننا إزالة الثمرة.» أجابت سناء: «العفن ظاهر، ولا أعرف كم لامس البقية. الاتفاق يسمح لي بالرفض.» انتظر ماهر أن تنتهي التجربة عند أول خلاف. لكن فارس نظر إلى الخطة، ثم أمر بإعادة الصندوق إلى غرفة الإتلاف. قال لممثل المكتب: «إذا لم نلتزم بالرفض، فلا معنى للتوقيع.» غادرت السيارة بتسعة صناديق بدل عشرة. في صباح اليوم التالي، لم تنشر سناء صورًا للطعام، ولم تكتب اسم المتجر على لافتة شكر. أرسلت تقريرًا بسيطًا: استُخدم اللبن مع الوجبات، جُمّد نصف الخبز، ودخلت الطماطم في حساء اليوم. لم تذكر أسماء من أكلوا، لأنهم لم يكونوا جزءًا من حملة دعائية. قرأ بهيج التقرير في غرفة الاستراحة، ثم طواه ووضعه قرب آلة القهوة. سأله ماهر لماذا لم يتركه مع بقية الأوراق الإدارية. قال: «حتى يراه من كان يظن أننا نرمي الطعام لأن أحدًا لا يريده.» في الظهيرة اختفى التقرير. خشي ماهر أن يكون فارس نزعه، لكنه وجده مثبتًا داخل غرفة الإتلاف، في الموضع الذي كانت تعلق فيه تعليمات الحاوية وحدها. لم يعرف من نقله. ولم يسأل. نجحت الأيام الأربعة الأولى، ثم وقع ما خافه فارس. تعطلت سيارة المطبخ مساء الجمعة. أبلغت سناء عند السابعة وأربعين دقيقة، لكنها لم تجد البديل قبل التاسعة. كانت في غرفة التسليم ستة صناديق جاهزة، وبدأ بهيج يقترح أن ينتظروا عشر دقائق أخرى. نظر ماهر إلى الساعة. الاتفاق واضح. عند التاسعة وخمس عشرة دقيقة أعاد الصناديق إلى مسار الإتلاف. وصلت سناء بعد ثماني دقائق بسيارة مستعارة. رأت الغرفة فارغة وفهمت. لم تطلب استثناءً، لكنها جلست لحظة على المقعد قرب الباب وقالت: «هذه أصعب مرة أكون فيها سعيدة لأنكم التزمتم.» قال ماهر: «أضعنا الطعام.» «لو كسرنا القاعدة الليلة، ستصبح كل ليلة قابلة للكسر. وعند أول مشكلة صحية ينتهي المشروع كله.» في اليوم التالي اقترحت تعديلًا: بدل انتظار سيارة واحدة، يضع المطبخ صندوقي نقل في المتجر منذ الصباح، ويكون لسائقين احتياطيين مفتاح القاعة. وافق فارس بشرط تسجيل اسم السائق قبل الظهر. لم يمنع النظام كل فشل، لكنه لم يعتمد بعد ذلك على شخص واحد. انتهت التجربة بعد أربعة عشر يومًا. أُتلف خلالها طعام أيضًا؛ بعضه لم يكن آمنًا، وبعضه لم يحتجه المطبخ، وبعضه فات موعد استلامه. لكن أربعًا وثمانين حزمة خبز، ومئة وست عشرة علبة مبردة، وسبعة عشر صندوق خضار خرجت من باب التسليم بدل باب الحاوية. كتب ماهر الأعداد من غير تحويلها إلى شعارات. جاء ممثل المكتب في اليوم الأخير وسأل فارس إن كان يريد تمديد البرنامج. قال فارس: «أريده عقدًا دائمًا، بشرط بقاء حق الرفض، وبشرط ألا نعدّ ما نتبرع به نجاحًا إذا كنا نطلب أكثر مما نبيع.» كانت تلك الإضافة من عنده. خلال التجربة لاحظ أن قسم المخبوزات يعد الكمية نفسها حتى في الأيام الهادئة، لأنه اعتاد أن يرى الفائض يختفي. طلب من المسؤول تخفيض إنتاج الدفعة المسائية. قال لماهر: «أفضل صندوق هو الذي لا نحتاج إلى إنقاذه أصلًا.» في أول مساء بعد اعتماد العقد، رأى ماهر الرجل المسن جالسًا في موضعه المعتاد على الرصيف المقابل. عبر إليه وسأله إن كان يعرف المطبخ القريب من النادي. أجابه الرجل: «أعرفه، لكنني لا أذهب.» «لماذا؟» «لأنهم قد يحتاجون إلى إثبات أو يسألونني عن البيت.» شرح ماهر أنهم لا يطلبون وثيقة ولا قصة. قال الرجل إنه سيزورهم غدًا، لكنه لم يتحرك من مكانه. فهم ماهر أن الشرح لا يمحو حرجًا بُني خلال سنوات. في الليلة التالية طلب من سناء أن تضع بعض الوجبات على طاولة عند مدخل النادي بدل أن يبقى التوزيع خلف الستارة. لم تخصص الطاولة للفقراء، ولم تعلق فوقها لافتة. جلس حولها متطوعون وعمّال عائدون من أعمالهم ولاعبون صغار ينتظرون التدريب. كان من يريد وجبة يأكل هناك أو يحملها، من غير أن يمر أمام صف يعلن حاجته. جاء الرجل المسن بعد يومين. جلس عند طرف الطاولة، وشرب اللبن ببطء مع رغيف وحساء طماطم. رآه ماهر حين وصل لتسليم الصناديق، لكنه لم يقترب منه ولم يذكر الرصيف. اكتفى بأن وضع صندوق الخبز في مكانه ووقّع سجل الحرارة. لم يتحول المتجر إلى مؤسسة خيرية، ولم تختفِ الحاوية المقفلة. بقيت هناك أطعمة يجب التخلص منها، وبقيت أخطاء الطلب والتخزين. لكن غرفة الإتلاف لم تعد نهاية آلية لكل شيء يصل إليها. صار أمام كل صندوق سؤالان منفصلان: هل هو آمن؟ وهل يحتاجه أحد؟ إذا كانت الإجابتان نعم، فتح له باب آخر. بعد شهر، مر بهيج بالعربة المعتادة عند التاسعة وسبع دقائق. كانت تحمل اثنتي عشرة علبة لبن وأكياس خبز. مد يده إلى بطاقات الإتلاف، ثم توقف. قال: «هذه بقي على استهلاكها يومان، وحرارتها سليمة.» راجع ماهر قائمة المطبخ. كانوا يحتاجون إلى اللبن في وجبة الصباح. نقل العلب إلى صندوق معزول، ووضع جهاز القياس بينها، ثم أغلق الغطاء. خلف الباب الخارجي وصلت سيارة سناء في موعدها. لم تكن هناك كاميرا، ولا خطاب، ولا أحد يصفق. تبادلا القياس والتوقيع، وحمل المتطوع الصندوق إلى السيارة كما يحمل أي طلب عادي. حين أغلق ماهر السجل، لم يشطب الكمية من العالم. نقلها فقط من خانة إلى أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9