خطّ المساء

خطّ المساء
لم ينتبه نائل إلى الفتاة في المرة الأولى؛ فالركاب عند السابعة مساءً يصعدون بوجوه متشابهة من التعب، ويحمل كل واحد منهم رغبة واحدة: أن يصل قبل أن يبدأ يوم آخر داخل البيت. كانت في الثالثة عشرة تقريبًا، نحيلة، بشعر مربوط على عجل، تصعد من موقف المستشفى ومعها امرأة مسنة تمسك ذراعها بكلتا يديها. دفعت الفتاة أجرتين، ثم اختارت المقعد الطويل خلف السائق. جلست العجوز عند النافذة، ووضعت الفتاة حقيبة مدرسية فوق ركبتيها. انطلقت الحافلة في خطها الدائري عبر حي الميناء القديم، ولم يسمع نائل منهما إلا سؤالًا واحدًا تكرر كل بضع دقائق. «هل وصلنا إلى بيتنا؟» فتجيب الفتاة: «ليس بعد يا جدتي. عندما نصل سأخبرك.» بعد ساعة وعشرين دقيقة عادت الحافلة إلى موقف المستشفى، وقد نزل جميع الركاب. بقيت الاثنتان في مكانيهما. التفت نائل وقال: «انتهى الخط.» نهضت الفتاة وأمسكت جدتها. شكرته، ونزلتا إلى الرصيف، ثم جلستا على المقعد الحديدي تحت المظلة. ظن أنهما تنتظران سيارة أو قريبًا، وأغلق الأبواب ليأخذ استراحته. في المساء التالي صعدتا في الموعد نفسه. وفي الثالث أيضًا. وبعد أسبوع صار يعرف ترتيب رحلتهما: تختار الفتاة المقعد الخلفي نفسه، تخرج دفتر الرياضيات، وتثبت القلم بين أصابعها كلما انعطفت الحافلة. أما العجوز فتراقب الأضواء، ثم تسأل عن البيت، فتأتيها الإجابة هادئة لا تتغير. كان اسم الفتاة ريم، عرفه عندما قالت العجوز فجأة: «يا ريم، أبوك ينتظرنا.» توقفت يد الفتاة فوق مسألة الكسور. قالت: «أبي مسافر يا جدتي.» «منذ الصباح؟» «منذ وقت أطول.» لم تسأل العجوز بعدها. أسندت رأسها إلى الزجاج ونامت. عرف نائل من زميله في الوردية الصباحية أن المرأة تدعى أمينة، وأنها كانت خياطة في الحي قبل أن تبدأ ذاكرتها بالتراجع. كانت تعرف الشوارع القديمة أحيانًا، وتنسى اسم حفيدتها أحيانًا أخرى. لكنه لم يعرف لماذا تقطعان الدائرة كاملة كل مساء، ولا لماذا تنتظران بعد النزول نصف ساعة أمام المستشفى ثم تمشيان نحو الأزقة. لم يكن فضوليًا بطبعه. أمضى اثنين وعشرين عامًا يقود الحافلات، وتعلم أن الراكب قد يمنحك وجهه وأجرته من دون أن يمنحك حكايته. غير أن ريم لم تكن راكبة عادية؛ كانت طفلة تؤدي عمل شخص بالغ، ولا تترك لنفسها حتى رفاهية الضجر. ذات ثلاثاء، امتلأت الحافلة بعد خروج موظفي السوق المركزي. صعد رجل يحمل أكياسًا كبيرة، فلم يجد مقعدًا. نظر إلى أمينة النائمة ثم إلى ريم وقال: «الصغار يقفون.» أغلقت ريم دفترها ونهضت فورًا. حاولت إبقاء يدها على كتف جدتها وهي واقفة، لكن الزحام دفعها بعيدًا. عند المنعطف قرب دار البريد، استيقظت أمينة، ولم تجد حفيدتها بجوارها. صاحت باسم رجل لم يعرفه أحد، ثم قامت مذعورة. أوقف نائل الحافلة عند أول مساحة آمنة. شقت ريم طريقها بين الركاب، لكن أمينة كانت قد بدأت تضرب النافذة بكفها، مقتنعة بأن أحدهم حبسها. قالت ريم: «أنا هنا»، مرة ثم عشر مرات، من غير فائدة. فك نائل حزامه، وجلس القرفصاء على مسافة من العجوز. تذكر أمه في أشهرها الأخيرة، وكيف كان الاقتراب السريع يزيد خوفها. قال: «يا خالة أمينة، ماكينة الخياطة عندك تحتاج زيتًا.» توقفت يدها في الهواء. نظرت إليه بحذر. «أي ماكينة؟» «السوداء، ذات الدرج الصغير. الخيط يعلق تحت الإبرة.» جلست ببطء. قالت: «لأن المكوك مركب خطأ.» اقتربت ريم وأخذت يدها. عاد نائل إلى مقعده، وطلب من الرجل صاحب الأكياس أن يضعها في المساحة المخصصة للأمتعة بدل أن تسد الممر. لم يقل شيئًا عن المقعد، لكن امرأة كانت تجلس أمامهما نهضت، وأجلست ريم إلى جوار جدتها. بعد نهاية الرحلة، انتظر نائل حتى نزل آخر راكب. قال لريم: «لا تستطيعين القيام بهذا وحدك كل يوم.» شدت حزام الحقيبة على كتفها. «أنا لا أقوم بشيء.» «تدرسين في حافلة، وتحرسين جدتك ساعة ونصفًا، ثم تعودان ليلًا. هذا شيء.» ظهرت في وجهها الصغير صلابة أزعجته أكثر من البكاء. قالت: «نحن ندفع الأجرة.» «لم أقل إنكما لا تدفعان.» «إذن لماذا يزعجك بقاؤنا؟» لم يجد جوابًا لا يبدو اتهامًا. فتح الباب، فنزلتا. بقي يراهما في المرآة تمشيان تحت مصابيح الشارع، بخطوتين غير متساويتين. بعد يومين استدعاه جلال، مشرف المحطة، إلى المكتب. كانت أمامه ثلاثة تقارير عن راكبتين تدوران في الخط من بدايته إلى نهايته. إحدى الشكاوى قالت إن الحافلة «صارت مكانًا للنوم»، وأخرى زعمت أن الفتاة تستخدم تذكرة واحدة لرحلتين، مع أنها تدفع أجرتين في كل مرة. قال جلال: «التعليمات تمنع البقاء بعد نهاية الخط. يجب أن تنزلا عند المحطة الأخيرة.» «هما تنزلان.» «ثم تصعدان في اليوم التالي وتعيدان الأمر. الناس بدأت تتكلم.» «عن ماذا؟ عن مقعدين مدفوعين؟» تنهد جلال. لم يكن قاسيًا، لكنه يقيس المشكلات بما قد تكتبه الإدارة عنها. قال إن وجود امرأة مرتبكة تحت مسؤولية طفلة يعرض الشركة والسائق للخطر. إذا حدث لها شيء، سيسألون لماذا سمح لها نائل بالركوب المتكرر من دون إبلاغ. «أبلغ من؟» سأل نائل. «هذا ليس عملي.» «ولا عملي. لكنهما عندي كل ليلة.» انتهى الاجتماع بتعليم واضح: من الغد، لا رحلة دائرية كاملة لهما. تستطيعان النزول في أي موقف، أما البقاء من نقطة البداية إلى عودتها فلا. في تلك الليلة لم تصعدا. ظل نائل يراقب موقف المستشفى في المرآة حتى ابتعد. شعر براحة قصيرة، ثم كرهها؛ فقد كان غيابهما أسهل عليه، لكنه لا يعني أن مشكلتهما حُلّت. ظهرتا في الليلة التالية قبل إغلاق الباب بثوان. كانت أمينة مضطربة، وثوبها غير مرتب، وريم تلهث كأنها ركضت مسافة طويلة. دفعت الأجرة، لكن نائل غطى آلة التذاكر بيده. قال: «أين أمك؟» نظرت إلى الركاب خلفها. «في العمل.» «أحتاج إلى الحديث معها.» «بعد الرحلة.» «التعليمات تغيرت.» فهمت قبل أن يشرح. أخذت جدتها إلى المقعد، ثم عادت إليه وهمست: «دعنا هذه الليلة فقط.» كان يستطيع أن يرفض وينهي مسؤوليته عند الرصيف. لكنه رأى خدشًا على ساعدها، ورأى أن أمينة لا تلبس حذاءين متشابهين. فتح الباب وقال للركاب إن الانطلاق سيتأخر دقائق، ثم اتصل بجلال. لم يطلب استثناءً؛ أخبره أنه أمام حالة لقاصر ترافق امرأة غير مستقرة، وأن إخراجهما إلى الشارع ليس تنفيذًا آمنًا للتعليمات. لم يعجب جلال أسلوبه، لكنه وافق على رحلة أخيرة بشرط أن تأتي الأم إلى المحطة عند النهاية. جلست ريم قرب الباب هذه المرة. لم تفتح دفترها. قالت إن أمها هدى تعمل في مغسلة الفندق المقابل للمستشفى، من الثانية بعد الظهر حتى العاشرة ليلًا. كانت خالتها تبقى مع أمينة بعد المدرسة، ثم انتقلت مع زوجها إلى مدينة أخرى. حاولت هدى دفع أجر لجارة، لكنها انسحبت بعد أن خرجت أمينة من البيت مرتين. دار الرعاية النهارية يغلق عند الخامسة، والاشتراك في مركز خاص يساوي أكثر من نصف راتبها. في الأسبوع الأول بقيت ريم وجدتها في البيت. أغلقت ريم الباب بالمفتاح، لكن أمينة طرقت عليه حتى جرحت يدها، لأنها ظنت أن ابنتها محبوسة خارجه. وفي مساء آخر فتحت الغاز لتعد الشاي ونسيت النار. عندئذ أخذتها ريم إلى الشارع. اكتشفت مصادفة أن حركة الحافلة تهدئها، وأنها تنام بعد الدورة، وأنهما تصلان إلى الفندق وقت انتهاء وردية هدى تقريبًا. سأل نائل: «وأبوك؟» قالت ريم إن أباها انفصل عن أمها قبل ثلاث سنوات، وانتقل إلى محافظة بعيدة. يرسل مبلغًا حين يستطيع، ويتحدث معها في الأعياد. لم تقل ذلك بشكوى، بل كما تسرد عنوانًا قديمًا. «هل المدرسة تعرف؟» «تعرف أنني أتأخر في الواجب.» «ولا تعرف السبب؟» هزت رأسها. «إذا عرفوا، قد يقولون إن أمي تتركني وحدي مع جدتي. ليست وحدها. أنا معها.» كانت الجملة هي لب المشكلة: ريم لا ترى نفسها طفلة تُترك مع عبء، بل البديل الوحيد عن ترك جدتها وحدها. وصلت هدى إلى المحطة قبل العاشرة بدقائق، بزي العمل الأزرق وشعر مغطى بوشاح أبيض. اعتذرت قبل أن يسألها أحد. قالت إنها تبحث عن عمل صباحي، وإنها سجلت أمينة في قائمة انتظار مركز حكومي، وإنها تعرف أن ما تفعله ليس جيدًا. قال جلال، الذي حضر بعد اتصال نائل: «المسألة ليست جيدة أو سيئة فقط. إذا ضاعت والدتك، أو مرضت ريم، من يتحمل؟» أجابت هدى: «أنا. كما أتحمل كل شيء.» لم ترفع صوتها، ومع ذلك سكت الرجال. عرض نائل أن يدفع لجارة أخرى أسبوعًا حتى يجدوا حلًا. رفضت هدى المال، لا كبرياءً فارغًا، بل لأنها تعرف أن الأسبوع سينتهي وتبقى المشكلة. قالت: «أنا لا أحتاج صدقة لسبعة أيام. أحتاج ساعات آمنة من الخامسة إلى العاشرة.» تذكّر جلال غرفة قديمة في مبنى المحطة كانت تستخدم لاستراحة السائقين قبل توسعة المرآب. صارت مخزنًا للكراسي المكسورة والملفات. قال إن الغرفة لا تصلح لإيواء مرضى، وإن الشركة ليست مركز رعاية. أجابه نائل بأنها على الأقل باب وسقف ودورة مياه، وأقرب إلى مكان عمل هدى من بيتها. قالت هدى: «ومن يبقى معها؟ ريم؟ سننقل الحافلة إلى غرفة فقط.» لم يكن الاعتراض رفضًا للحل، بل كشفًا لنقصه. في صباح اليوم التالي ذهب نائل، بعد انتهاء نومه القصير، إلى مركز الصحة المجتمعية في الحي. لم يقل إنه يريد «مساعدة أسرة فقيرة»، لأن العبارة فضفاضة تجعل المسؤولين يعتذرون بسهولة. قال إن طفلة في الثالثة عشرة تقدم رعاية يومية لخمس ساعات لمصابة باضطراب في الذاكرة، وإن شركة النقل مستعدة لإتاحة غرفة قريبة مساءً إذا وُجد إشراف مؤهل. قابلته فرح، أخصائية اجتماعية تعرف قائمة الانتظار التي تحدثت عنها هدى. قالت إن المركز حاول قبل أشهر فتح فترة مسائية، لكنه لم يجد عددًا كافيًا لتبرير تعيين ممرضة ومشرفة. كانت الأسر لا تسجل أسماءها لأنها افترضت أن الخدمة غير موجودة، والمركز لا ينشئ الخدمة لأن الأسماء قليلة. سألها نائل: «كم اسمًا تحتاجون؟» «ثمانية على الأقل لثلاثة أيام في الأسبوع.» عاد إلى المحطة وطلب من السائقين أن يلاحظوا الركاب الذين يرافقون مسنين في ساعات المساء، من غير تصوير ولا أسئلة علنية. خلال أربعة أيام عرفوا ست أسر تتناوب الرعاية بطرق هشة: صاحب متجر يغلق ساعتين في ذروة البيع، امرأة تأخذ أباها إلى صالونها، موظف أمن يترك أمه لدى أبنائه الصغار، وأخَوان يتبادلان الغياب عن الدراسة الجامعية. لم يجمع نائل أسماءهم بنفسه. رتبت فرح لقاءً مفتوحًا في المركز، وعلقت إعلانًا بسيطًا في الصيدليات وموقف الحافلة. حضرت إحدى عشرة أسرة. لم تكن حاجاتهم متطابقة؛ بعض المسنين يحتاجون إلى رعاية طبية لا توفرها الغرفة، وبعضهم إلى صحبة وإشراف فقط. اختارت فرح سبع حالات مناسبة، وانضمت إليها أمينة فصار العدد ثمانية. بقي المكان والتمويل. وافقت شركة النقل على إعارة الغرفة ستة أشهر إذا تكفل المركز بالتأمين والإشراف. رفضت الإدارة أولًا لأن دخول غير الموظفين إلى المحطة يخالف النظام، ثم قدم جلال مخططًا يجعل باب الغرفة من الشارع مباشرة ويغلق الممر الداخلي. ساهمت جمعية الحي في إصلاح الباب والإنارة، وتبرع الفندق، بعد طلب رسمي من العمال لا من هدى وحدها، بكراسي سليمة وطاولة وثلاجة صغيرة. أما البلدية فنقلت جزءًا من بند برنامج الرعاية النهارية غير المستخدم إلى الفترة المسائية التجريبية. استغرق ذلك سبعة أسابيع. خلالها لم تختفِ المشكلة. عدلت هدى ورديتها يومين، وتناوبت مع جارة موثوقة يومين، وسمح جلال لريم وأمينة برحلتين مسائيتين في الأسبوع بوصفهما إجراءً مؤقتًا مسجلًا، لا عادة مخفية. في الأيام الأخرى كان نائل يراهما أحيانًا عند الفندق، وأحيانًا لا يراهما. انخفضت درجات ريم في اختبارين، ونامت مرة في الصف. تدخلت فرح مع المدرسة، لا لتقديم شكوى ضد هدى، بل لترتيب ساعة دراسة بعد الظهر وإعفاء مؤقت من واجبات غير ضرورية. في مساء افتتاح الغرفة، لم تُقص أشرطة ولم تُلق كلمات. كانت الجدران مطلية بلون فاتح، وفي زاوية منها صندوق أقمشة وأزرار كبيرة اقترحته هدى لتنشغل أمينة بفرزها. جاءت ممرضة متقاعدة ومشرفة بالتناوب، وسُجلت أرقام الأدوية والحساسيات وجهات الاتصال. وضعت فرح قاعدة مكتوبة بلغة واضحة: المكان للرعاية، لا لترك المسؤولية بلا متابعة؛ لكل أسرة خطة، ولكل حالة تقييم. دخلت أمينة، فرأت ماكينة خياطة قديمة وضعتها جمعية الحي للزينة والعمل البسيط. لمست غطاءها وسألت: «من ركب المكوك؟» قال نائل: «كنت أعرف أنك ستجدين الخطأ.» جلست تفتح الدرج الصغير، بينما وقفت ريم عند الباب كأنها لا تعرف ماذا تفعل بيدين فارغتين. قالت لها أمها: «اذهبي إلى البيت.» سألت ريم: «وحدي؟» «وحدك. أو ابقي في قاعة الدراسة بالمركز. اختاري أنت.» نظرت ريم إلى جدتها، ثم إلى الساعة. كانت السابعة والربع. في العادة تكون قد فتحت دفتر الرياضيات فوق ركبتيها، مستعدة لمنع القلم من السقوط عند المنعطفات. اختارت قاعة الدراسة أولًا. بقيت ساعة، أنهت واجبها على طاولة ثابتة، ثم عادت لتطمئن. وجدت أمينة تضحك مع امرأة أخرى وهما تفرزان بكرات الخيط بحسب اللون. لم تسأل عن البيت إلا مرة واحدة. بعد أسبوعين صعدت ريم حافلة نائل وحدها عند العصر. وضعت الأجرة واختارت مقعدًا قرب النافذة. سألها: «إلى المحطة الأخيرة؟» قالت: «إلى المكتبة. عندي مشروع مع زميلتين.» كاد يسأل عن جدتها، ثم امتنع. كانت تلك هي الفكرة كلها: ألا تضطر ريم إلى شرح مكان أمينة في كل خطوة تخطوها. نزلت بعد أربعة مواقف. حملت حقيبتها على كتف واحد، ولوحت له قبل أن تعبر الشارع. تابع نائل الخط، فمر بعد قليل أمام الغرفة ذات الباب الخارجي. رأى أمينة من النافذة، جالسة تحت ضوء دافئ، تقيس قطعة قماش على ذراع امرأة بجوارها. كانت هدى قد بدأت ورديتها، وكانت المشرفة تسجل شيئًا في دفترها. عند السابعة مساءً وصل نائل إلى موقف المستشفى. نظر تلقائيًا إلى المقعد الحديدي تحت المظلة. كان خاليًا. صعد الركاب وأغلق الأبواب. خلفه بقي المقعد الطويل الذي جلست عليه ريم وجدتها أسابيع كثيرة شاغرًا حتى المحطة الثالثة. لم يشعر أنه فقد راكبتين، بل إن المقعدين استعادا معناهما العادي. في نهاية الدوام دخل غرفة الرعاية ليودعهم. كانت أمينة تستعد للمغادرة مع هدى. ناولته قطعة قماش صغيرة خيطت حافتها بخيط أخضر، وقالت إنها غطاء لمقبض ماكينة الخياطة. لم تتذكر اسمه، لكنها قالت: «أنت الذي أصلحت المكوك.» أخذها منها ولم يصحح لها. خارج الباب كانت ريم تنتظر، تحمل كتابين من المكتبة. لم تمسك ذراع جدتها فورًا؛ مشت إلى جوارها فقط، بينما أمسكت هدى باليد الأخرى. عند الرصيف سألت أمينة: «هل وصلنا إلى بيتنا؟» قالت ريم: «سنصل بعد قليل.» ثم مضت الثلاث معًا، ولم تكن أي واحدة منهن تسير خلف الأخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9