حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
اللون الثالث
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
لم تشك نيروز في سرقة اللوحة لأن إطارها كان فارغًا، بل لأن الشق الذي يقسم وجهها لم يكن قديمًا بما يكفي.
وقفت في قاعة الخزف بالمتحف الإقليمي قبل افتتاح معرض «أبواب الساحل» بثلاث ساعات. أمامها لوحة من ست وثلاثين بلاطة خزفية، تشكل سفينة زرقاء تمخر أمواجًا خضراء تحت قمر نحاسي. وصلت اللوحة صباحًا من متحف الميناء، داخل صندوق محكم رافقه حارسان ومندوب تأمين. كان واجب نيروز، بصفتها مرممة خزف مستقلة، أن تثبت حالتها قبل تعليقها أمام الجمهور.
مررت عدسة مكبرة فوق الشق المائل في البلاطة الوسطى. ذكر تقرير الإعارة أن الشق ناتج عن سقوط قديم قبل سبعين عامًا، وأنه ثُبّت براتنج مصفر في ترميم سابق. لكنها رأت على حافتيه مسحوقًا أبيض ناعمًا، ورأت تحت الأشعة البنفسجية خطًا أزرق باردًا بدل التوهج الأصفر المتوقع.
قالت لؤلؤة، أمينة مجموعة الخزف في متحف الميناء: «هل حدث لها شيء في الطريق؟»
كان سؤالها هادئًا، لكن أصابعها شدّت ملف النقل إلى صدرها.
أجابت نيروز: «لا أعرف بعد. أحتاج إلى مقارنة الشق بصور الفحص السابقة.»
اقترب رائد البستاني، مدير المتحف المضيف، بربطة عنق لم تستقر في موضعها منذ الصباح. قال إن المحافظ سيصل عند السادسة، وإن تأجيل الافتتاح سيصنع فضيحة بين مؤسستين ظلتا عامًا كاملًا تتفاوضان على الإعارة.
«هل اللوحة آمنة للعرض؟»
قالت نيروز: «آمنة من السقوط، نعم. أما إن كانت اللوحة نفسها التي غادرت متحف الميناء، فهذا سؤال آخر.»
ساد الصمت. رفع مصور صحفي كان يختبر إضاءته رأسه، فأمره رائد بالخروج وأغلق باب القاعة.
لم تكن اللوحة أشهر قطع الساحل، لكنها كانت الأكثر توثيقًا. صنعها الخزاف سديد القرملي سنة 1887 لواجهة دار تاجر لؤلؤ، ثم نُقلت إلى المتحف بعد هدم الدار. اشتهرت لأن سديدًا جمع فيها ثلاثة ألوان زرقاء في بحر واحد: الكوبالت الداكن للأعماق، والنحاس الفيروزي للرغوة، ودرجة ثالثة شفافة لا تظهر إلا إذا تغير اتجاه الضوء. ظل تركيب اللون الثالث مجهولًا، ولهذا صارت البلاطة الوسطى، التي تحمل الشراع والقمر، أثمن أجزاء اللوحة.
طلبت نيروز صور الفحص عالي الدقة. فتحت لؤلؤة حاسوبها وعرضت ملفًا التقط قبل ستة أشهر، يوم بدأ إعداد الإعارة. في الصورة القديمة كان الشق يصل إلى طرف القمر، وتتخلله ثلاث فجوات صغيرة ملأها المرمم السابق بمادة بنية. أما الشق أمامهم فانحرف قبل القمر بنصف سنتيمتر، ولم يحمل الفجوة الثالثة.
قال رائد: «نسخة.»
لم تجبه نيروز. وجهت مصباحًا مائلًا إلى سطح البلاطة. تحرك البحر مع الضوء، لكن الدرجة الثالثة غابت. بقي لونان فقط.
قالت لؤلؤة: «هذا مستحيل. كنت حاضرة حين أُغلقت الصناديق.»
«هل فحصتِ اللوحة بعد تركيبها في الصندوق؟»
«فحصتها قبل التغليف بدقائق.»
أخرج رائد هاتفه ليتصل بالشرطة، لكن مندوب التأمين، فاضل ريان، طلب منه الانتظار. كان رجلًا نحيلًا يحمل حقيبة سوداء، ولم يتكلم منذ فتح الصندوق. قال إن إعلان السرقة قبل تحديد مكان الاستبدال قد يمنح الفاعل فرصة لإتلاف الأصل، وإن عقد التأمين يلزمهم بعزل القاعة والمحافظة على سلسلة الحيازة.
وافقت نيروز على الجزء الأخير فقط. صُوّرت اللوحة في موضعها، وأغلقت القاعة، واستُدعي النقيب جود السالمي من وحدة جرائم الممتلكات الثقافية. وصل بعد أربعين دقيقة ومعه محققة شابة، وبدأ بجمع هواتف الحاضرين وسجلات البوابات والكاميرات.
كانت رحلة اللوحة قصيرة على الورق: أُنزلت من جدار متحف الميناء مساء السبت، وبقيت ليلة في غرفة التغليف. صباح الأحد ثُبتت داخل صندوقين متداخلين، وأغلقت بستة أختام مرقمة. ظلت في المخزن المراقب حتى فجر الثلاثاء، ثم نُقلت في شاحنة مكيفة إلى المتحف الإقليمي. لم ينقطع بث جهاز تحديد الموقع، ولم تُكسر الأختام، وأظهر ميزان التحميل في المكانين الوزن نفسه تقريبًا.
قال جود: «إذا كانت النسخة داخل صندوق سليم، فالاستبدال حدث قبل إغلاقه.»
قالت لؤلؤة: «رآها خمسة أشخاص وهي أصلية.»
كان الخمسة هي، وفاضل، والمصور المكلّف بالتوثيق، ورئيس المرممين بشير نبهان، وعامل التغليف عاصم. استدعاهم جود واحدًا بعد آخر.
أكد بشير أنه فحص الحوامل والشق القديم، ثم ترك القاعة في التاسعة والنصف مساء السبت. قال عاصم إنه بدأ بناء الغلاف الواقي عند العاشرة تحت إشراف لؤلؤة، ولم يرفع اللوحة من الطاولة قط؛ أدخل تحتها لوحًا رغويًا، ثم أقام جدران الصندوق حولها. أما المصور فكان آخر من التقط صورة كاملة قبل أن يغطيها الورق العازل.
عرضت الصورة سفينة ذات ثلاثة ألوان، وشقًا يمر إلى حافة القمر كما ينبغي.
سأل جود: «متى التقطت؟»
أجاب المصور: «العاشرة واثنتا عشرة دقيقة. الوقت مسجل في الملف.»
فحصت نيروز الصورة. كانت حادة، وفي زاويتها مسطرة الألوان الخاصة بالمتحف ورقم اللوحة مكتوبًا على بطاقة. لم تر فيها ما يدعو للشك، إلا شيئًا صغيرًا: انعكاس مصباح مستطيل على طبقة الطلاء، مع أن غرفة التغليف تستخدم مصابيح دائرية معلقة.
سألت عن مكان التصوير. أشار بشير إلى طاولة بجوار الجدار الشرقي. فوقها مصباحان دائريان بالفعل.
قال المصور إن مصباحًا محمولًا ربما كان قائمًا خلفه، لكنه لم يتذكر.
طلب جود نسخة من الملف الأصلي، ثم أرسل المحققة لفحص بياناته. بعد دقائق عادت قائلة إن وقت الالتقاط صحيح بحسب بيانات الكاميرا، وإن الملف لم يعدل بعد حفظه.
تمتم رائد: «إذن الكاميرا تكذب من دون أن يكذب الملف.»
التفتت نيروز إلى البلاطة المزيفة. النسخة لم تكن عمل هاوٍ. أبعادها دقيقة، وتقادم الملاط حولها مقنع، وحتى خدوش السطح نُقلت بعناية. كان على صانعها أن يرى الأصل عن قرب أيامًا، وأن يملك فرنًا كبيرًا ومهارة في تركيب الألوان. ومع ذلك أخطأ في الشق واللون الثالث.
قال بشير بانزعاج: «كل مرمم في البلاد يعرف صور هذه اللوحة.»
«لكن الصور المنشورة لا تكفي لصنع هذا التطابق.»
«هل تتهمين ورشتي؟»
لم تتهمه. طلبت سجل أعمال قسم الترميم خلال السنة. كانت اللوحة قد نُقلت إلى ورشة بشير مرتين: مرة لتنظيف الأملاح، ومرة قبل شهر لإصلاح حامل خلفي. دخلها معه مساعدان، وسجلت الكاميرا خروجها في المرتين.
قضوا الظهيرة في قياس البلاطات. اكتشفت نيروز أن اللوحة كلها أصلية ما عدا البلاطة الوسطى. لم يسرق أحد القطعة الكبيرة، بل نزع بلاطة واحدة وأعاد لوحة الثلاثة أمتار إلى مكانها. لذلك تطابق الوزن، وبقيت الأختام بلا مساس.
قال جود: «هل يمكن نزع بلاطة من الوسط من دون تفكيك الصفوف؟»
أرته نيروز الحامل الحديث خلف اللوحة. كل بلاطة مثبتة بمشبكين مستقلين، ويمكن تحرير الوسطى من الخلف إذا أزيل غطاء صغير. لكن العملية تحتاج عشرين دقيقة على الأقل وأدوات لا تخدش المعدن.
فحص جود الغطاء. كانت براغيه تحمل آثار مفك حديث، بينما غطاها تقرير السبت بأنها سليمة.
تحولت الأنظار إلى بشير. فهو الذي صمم الحامل، وهو الذي يملك مفاتيح الورشة والأدوات. وعندما فتشت الشرطة خزانته وجدت قالب سيليكون لزاوية الشراع، وبقايا طلاء كوبالت، وفاتورة لفرن خاص استأجره ليلتين قبل شهر.
قال بشير إن القالب أُخذ بإذن الإدارة لصنع عينة تعليمية، وإن الفرن استُخدم لترميم نافورة أثرية. لم يجدوا تصريحًا مكتوبًا للقالب. وفي حاسوبه ظهر بحث عن أسعار اللوحة في سوق التحف غير المشروع.
قال رائد غاضبًا: «كنت أثق بك.»
ضرب بشير كفه بالطاولة. «بحثت عن السعر حين طلبت شركة التأمين تقديرًا جديدًا. وفاضل يعرف ذلك.»
نظر الجميع إلى مندوب التأمين. أقر فاضل بأنه طلب تقدير المخاطر، لكنه قال إن البحث لا يبرر وجود قالب غير مسجل.
اقتيد بشير إلى غرفة منفصلة، ولم يعتقل بعد. بقيت نيروز في الورشة تحدق في النسخة. كان الاتهام مرتبًا أكثر مما ينبغي: المشتبه به يملك المهارة والدافع المفترض والأدوات، ثم يترك القالب والطلاء في خزانته داخل المتحف.
أخذت مسحة دقيقة من الحافة الخلفية للبلاطة المزيفة. تحت المجهر ظهر غبار أسود تتخلله حبيبات لامعة. سألها جود عن معناها.
قالت: «أثر الرف الذي بردت عليه بعد الحرق. إذا عرفت مادته قد نعرف الفرن.»
أرسلوا العينة إلى مختبر الجامعة، لكن النتيجة تحتاج ساعات. في هذه الأثناء طلبت نيروز رؤية الفرن الذي استأجره بشير. كان في ورشة خزاف يُدعى صالح على أطراف المدينة. وجدوا رفوفه مصنوعة من كربيد السيليكون الأسود، وهو ما قد يفسر الغبار. غير أن صالح أبرز سجل التشغيل: في الليلتين المسجلتين باسم المتحف، حُرقت بلاطات النافورة بحضور ثلاثة عمال، ولم تكن بينها قطعة تحمل سفينة.
سألته نيروز إن كان أحد يستطيع تشغيل الفرن من دونه. قال إن لوحة التحكم تحتاج رمزًا، وإن الكاميرا تغطي الباب. سلم التسجيلات للشرطة.
قبل مغادرتهم رأت نيروز صفًا من أوعية الاختبار فوق رف. كانت بقع الطلاء الأزرق عليها تتحول من داكن إلى فيروزي، لكن لا أثر للزرقة الشفافة الثالثة. سألته عن سر اللون.
ضحك صالح. «لو عرفته لاشتريت المتحف بدل أن أؤجره فرني.»
في طريق العودة اتصل المختبر. الغبار ليس كربيد السيليكون وحده؛ فيه رقائق ميكا برونزية ومادة عازلة تستخدم في أفران صغيرة سريعة الحرق، لا في فرن صالح الصناعي.
تذكرت نيروز الانعكاس المستطيل في الصورة. طلبت من جود ألا يكتفي ببيانات الملف، بل أن يفحص رقم الصورة في تسلسل بطاقة الذاكرة. اتصل بالمحققة. جاءت الإجابة بعد عشر دقائق: الملف محاط بصورتين التقطتا في صباح مختلف، ورقم عداد الغالق أقدم بأربعة أشهر. ضُبط تاريخ الكاميرا يدويًا قبل نسخ الملف إلى بطاقة جديدة.
لم تكن الصورة توثيقًا للحظة التغليف. التُقطت في زيارة سابقة ثم قُدمت على أنها حديثة.
استدعوا المصور. اسمه مازن الخطيب، يعمل متعاقدًا مع المتحفين وشركة التأمين. واجهوه بتسلسل العداد، فقال إن الكاميرا عادت من الصيانة وربما اختلطت البطاقات. وحين سأله جود عن المصباح المستطيل، أجاب أنه لا يحفظ أشكال المصابيح.
قالت نيروز: «لكن الطلاء يحفظها.»
وضعت أمامه الصورة القديمة وصورة التقطتها صباحًا. في الأولى ظهر اللون الثالث على الجانب الأيسر من الموجة، وفي الثانية لم يظهر. شرحت أن اللون يتغير بحسب زاوية الضوء، وأن موضعه في الصورة يكشف اتجاه المصباح. صورة مازن لم تُلتقط في غرفة التغليف، بل في مخزن التصوير ذي الألواح المستطيلة.
لم يعترف. قال إنه صور اللوحة هناك في الربيع ضمن حملة المتحف، وإن شخصًا ربما سرق ملفه القديم ووضعه في تقرير السبت.
كان ذلك ممكنًا، ولم يجد جود في حقيبته أو منزله شيئًا يربطه بالبلاطة.
عند الخامسة أُلغي الافتتاح رسميًا. انتشر الخبر بوصفه «عارضًا تقنيًا»، وأُخرج الموظفون. بقي فريق الشرطة ونيروز ولؤلؤة ورائد وفاضل. تلقى رائد عشرات الاتصالات، ثم جاءه إشعار بأن خبر السرقة تسرب إلى موقع محلي.
قال فاضل: «الآن سيعرف المشتري أن الخطة انكشفت.»
سألته نيروز: «أي مشتري؟»
«قطعة بهذه القيمة لا تُسرق من دون مشترٍ.»
كانت العبارة منطقية، لكنها جعلتها تفكر في شيء أغفلوه. البلاطة مشهورة إلى حد يستحيل معه عرضها للبيع كاملة. لا يستطيع المشتري تعليقها، ولا نقلها عبر مزاد، ولا إثبات ملكيتها. قيمتها السوقية أقل من خطرها، إلا إذا لم تكن السرقة بغرض بيعها.
عادت إلى تقرير التأمين. ارتفعت قيمة اللوحة قبل شهرين إلى خمسة أضعاف تقديرها السابق، بناء على تقييم مستقل طلبه فاضل واعتمده مجلس المتحف. إذا ضاعت البلاطة أثناء النقل، تدفع الشركة التعويض لمتحف الميناء، ثم تطالب الناقل وفق العقد.
قالت لؤلؤة: «لكن الأصل ما يزال مع السارق.»
«وقد لا يريد بيعه. يكفي أن يستعيده بعد دفع التعويض، أو أن يعيده لاحقًا بوصفه اكتشافًا.»
فتح جود ملف التقييم. الخبير الذي وقعه متقاعد يعيش خارج البلاد، وقد أرسله إلكترونيًا. اتصل به عبر مكالمة مصورة. أنكر الرجل التوقيع وقال إنه لم ير اللوحة منذ سبع سنوات.
نظر جود إلى فاضل. لم يبدُ عليه الذعر؛ بدا غاضبًا من خطأ إداري. قال إن مكتبه تلقى التقرير من المتحف، وإنه لم يتواصل مع الخبير مباشرة.
«مَن أرسله؟»
فتح بريده. جاءت الرسالة من حساب لؤلؤة الرسمي.
شحب وجهها. قالت إنها لم ترسلها، وإن حسابها تعرض للاختراق قبل شهر. أظهر سجل البريد دخولًا من جهاز داخل متحف الميناء، في غرفة التوثيق التي يستخدمها الموظفون بالتناوب.
اتسعت دائرة الاشتباه بدل أن تضيق.
في السابعة وصلت نتائج إضافية من المختبر: الطلاء الأزرق في النسخة يحتوي على صبغة صناعية حديثة، ومعها آثار ملح وكلور وميكا برونزية. قالت نيروز إن اجتماع المواد الثلاثة غير معتاد. الملح والكلور يوحيان بهواء البحر، والميكا ببطانة فرن صغير.
طلبت مخطط متحف الميناء وصور غرفه. كان مبنى قديمًا ملاصقًا للرصيف، وله سطح مغلق يحتوي على مستودع معدات المعارض. في زاوية إحدى الصور ظهر فرن خزف مكتبي يستخدمه قسم التعليم لصنع تذكارات للأطفال. بطانته من ألياف عازلة مغطاة بميكا مقاومة للحرارة، وفوقه مصباح مستطيل للتصوير.
قالت لؤلؤة: «ذلك الفرن لا يبلغ الحرارة اللازمة للخزف الحجري.»
«لكنه يبلغها إذا عُدّل حساسه، والنسخة مسامية أكثر من الأصل. لهذا امتص شقها المسحوق الأبيض.»
اتصل جود بفريقه في الميناء وأمرهم بإغلاق السطح. جاءت المفاجأة: الفرن اختفى من المستودع صباح الاثنين، وسجلت الإدارة أنه أُرسل للصيانة. وقع الطلب بشير نبهان.
أنكر بشير توقيعه. بمقارنته اتضح أن الخط مقلد، لكن الختم صحيح. كان ختم قسم الترميم محفوظًا في درج مكتبه، ويمكن لأي موظف يدخل الغرفة أخذه لدقائق.
راجعوا كاميرات الممر المؤدي إلى السطح. كانت الصورة تنقطع عشرين ثانية كل ليلة عند الثانية وثلاث عشرة دقيقة، وقت إعادة تشغيل الخادم تلقائيًا. لا تكفي المدة لصعود شخص ونزوله، لكنها تكفي لتمرير شيء من باب المستودع إلى المصعد إذا كان الفاعل ينتظر في الداخل.
سألت نيروز عن سجل الدخول إلى المستودع. فتح ببطاقة إلكترونية لم تستخدم إلا باسم لؤلؤة يوم السبت. قالت إنها دخلت عند الثامنة لتجلب ورق التغليف، وبقيت أقل من دقيقة.
«هل رأيت الفرن؟»
ترددت. «لا أتذكر.»
كان جود مستعدًا لتفتيش مكتبها ومنزلها. لكن نيروز طلبت رؤية تسجيل البطاقة مع استهلاك الكهرباء. إذا صُنعت النسخة في الفرن الصغير، فلا بد أنه عمل ساعات ورفع الحمل الكهربائي على خط السطح.
أرسل مهندس المبنى القراءات. ظهر ارتفاع واضح ليلة الخميس، من الحادية عشرة حتى الرابعة. في تلك الساعات لم تسجل بطاقة لؤلؤة ولا بشير ولا مازن دخولًا. سجل باب الموظفين دخول شخص واحد قبل الإغلاق وخروجه صباحًا: عاصم، عامل التغليف. ذكر في كشفه أنه أمضى الليل لإعداد صناديق المعرض.
وجدوه في منزله قرب الميناء. لم يقاوم التفتيش. في مرآبه ظهرت عربة نقل، وألواح رغوية، وفرن المتحف مفككًا. لكن البلاطة الأصلية لم تكن هناك.
قال عاصم إنه نقل الفرن بأمر مكتوب، وإنه لا يعرف شيئًا عن السرقة. أبرز رسالة وصلته من بريد لؤلؤة، مرفقًا بها طلب يحمل ختم بشير. كان قد اعتاد تنفيذ الأوامر من دون الاتصال بأصحابها.
سأله جود عن ليلة الخميس. أقر بأنه شغل الفرن، لكن مازن هو الذي أحضر بلاطة رطبة وقال إنها نموذج تعليمي عاجل للمعرض. دفع له أجرة إضافية نقدًا. لم يسأل، لأنه رأى توقيع بشير على الطلب.
«ومَن أخذ القطعة بعد الحرق؟»
«مازن. صباح الجمعة.»
داهمت الشرطة استوديو مازن. وجدت الصبغات والقوالب وصورًا تفصيلية للشق، لكنها لم تجد الأصل. هذه المرة لم يستطع إنكار صنع النسخة. قال إنه تلقى عمولة من شخص لا يعرفه، تواصل معه عبر رسائل مؤقتة، وترك المال والأوامر في خزانة بمحطة الحافلات. زعم أن مهمته انتهت بتسليم النسخة إلى صندوق معدات في المتحف.
قال جود: «هل تتوقع أن نصدق أنك زورت صورة، واستنسخت أثرًا، وعبثت بتوقيت كاميرتك، ولم تسأل لمن؟»
خفض مازن رأسه. «سألت عن المال فقط.»
قبضوا عليه، لكن القضية بقيت بلا أصل ولا عقل مدبر. أعادت نيروز تسلسل السبت: كانت اللوحة أصلية قبل التغليف وفق شهادة لؤلؤة وبشير، لكن صورة التوثيق مزورة. عاصم بنى الصندوق حولها. لكي تُستبدل البلاطة، كان على شخص الوصول إلى ظهر الحامل قبل إغلاق الجدار الأخير. من كان حاضرًا طوال ذلك الوقت؟ لؤلؤة، عاصم، وفاضل الذي سجل سلامة كل طبقة لأغراض التأمين.
تذكرت نيروز حقيبة فاضل السوداء. كانت معه عند فتح الصندوق، وبدت عادية، لكن طولها يساوي تقريبًا طول البلاطة الوسطى. سألها جود إن كانت رأته يفتحها. لم تره.
فتشوا الحقيبة. احتوت أوراقًا وحاسوبًا وجهاز قياس رطوبة. كان قاعها سميكًا، لكنه لم يخفِ شيئًا. فحصت نيروز البطانة، فوجدت عليها ذرات ملاط قديم وبقعة زرقاء شفافة لا تظهر إلا في الضوء المائل.
قال فاضل إن الحقيبة لامست الصندوق مرارًا. لكن الملاط عالق داخل القاع، لا خارجه. فك جود البطانة، فظهر تجويف بعمق ثلاثة سنتيمترات، مناسب تمامًا لبلاطة محاطة بالرغوة.
لم تكن البلاطة فيه الآن.
ظل فاضل صامتًا حتى وضع جود أمامه تقرير التقييم المزور وسجلات بريده مع مازن. لم تتطابق الحسابات، لكن تحويلًا ماليًا خرج من شركة استشارات تملكها أخته إلى المصور قبل أسبوع من صنع النسخة.
قال فاضل أخيرًا: «لن تجدوا القطعة.»
لم يكن اعترافًا كاملًا، لكنه كان أول جملة لا يحاول بها تفسير الأدلة.
شرح جود ما استطاعوا إثباته: ضخم فاضل قيمة التأمين بتقرير مزور، واستعان بمازن لصنع النسخة والصورة الكاذبة، ثم استغل التفاف عاصم حول الصندوق. أثناء تركيب الطبقة الخلفية، طلب فاضل إعادة قياس الرطوبة، وبقي وحده خلف اللوحة أقل من نصف ساعة. حرر البلاطة الأصلية، وضع النسخة مكانها، وخبأ الأصل في حقيبته ذات القاع المعدل. في صباح النقل كان هو الشخص الوحيد الذي خرج من المتحف حاملًا شيئًا لم يفتشه الحراس، لأنه مندوب الجهة التي تراقب الآخرين.
كان ينوي إعلان السرقة بعد الوصول، تحميل الناقل المسؤولية، وتقاسم التعويض مع مازن. أما بشير فزرعوا في خزانته القالب والطلاء ليمنحوا الشرطة متهمًا جاهزًا.
بقي السؤال: أين الأصل؟
راجعوا حركة فاضل منذ السبت. خرج من المتحف إلى موقف السيارات، ثم توجه إلى مكتبه. لم يدخل منزله، ولم يقابل أحدًا بحسب هاتفه وسيارته. وفي مكتبه التقطته الكاميرات داخلًا بالحقيبة وخارجًا بها. فتشوا الخزائن والسقف وأجهزة التكييف بلا نتيجة.
في الحادية عشرة ليلًا جلست نيروز في قاعة الخزف الخالية. كانت النسخة ما تزال في اللوحة، وقد نزعت منها الشرطة عينات صغيرة. مر ضوء الحراسة على السفينة، فبقي البحر بلونين.
فكرت في جملة فاضل: لن تجدوا القطعة. لم يقل إنه أتلفها. ورجل خطط لتعويض ضخم لا يحطم الشيء الذي يضمن صمته إذا احتاج إلى مساومة شريكه.
كان يحتاج إلى مخبأ لا يلفت التفتيش، ومكان يمر أمام الجميع بوصفه جزءًا من الإجراءات.
نظرت إلى صندوق النقل الضخم القائم عند الجدار. فُحصت ألواحه بالأشعة قبل الرحلة، ووزنوه مرتين. لكنه بعد فتحه صار فارغًا، ولم يفتش أحد القطع الرغوية التي أخرجت منه؛ حملها عمال المعرض إلى مستودع النفايات القابلة لإعادة الاستخدام.
سألت رائد أين ذهبت طبقة الرغوة الخلفية. اتصل بالمخزن. قال العامل إن فاضل طلب عصرًا إرسالها إلى شركة التأمين لأنها «مادة دليل»، وإن سائقًا سيجمعها صباحًا.
ركضوا إلى المستودع. كانت ألواح الرغوة مكدسة في عربة، وكل واحد منها يحمل فراغات تناسب أجزاء الحامل. رفعتها نيروز واحدة واحدة. في اللوح الأخير بدا تجويف البلاطة الوسطى ممتلئًا بسدادة ملتصقة بالغراء.
شق جود حافتها بسكين الأدلة. ظهرت طبقة قماش، ثم لمع خط أزرق لا يشبه أي لون صناعي. أزاحوا السدادة، فخرجت البلاطة الأصلية ملفوفة بغشاء رقيق، وشقها القديم يعبر القمر بثلاث فجوات كاملة.
قالت لؤلؤة وهي تكاد تجلس من شدة الارتياح: «لماذا أعادها إلى الصندوق؟»
قالت نيروز: «لم يخرجها منه قط. وضعها في الرغوة الخلفية أثناء الاستبدال. حمل حقيبته الفارغة ليصنع مسارًا كاذبًا، ثم انتظر حتى ينشغل الجميع بالنسخة. لو نُقلت الرغوة صباحًا لخرج الأصل من المتحف بوصفه دليلًا تابعًا لشركته.»
واجهوا فاضل بالعثور عليها. طلب محاميًا ولم يقل شيئًا آخر.
في اليوم التالي أُطلق سراح بشير، وأوقف مازن وعاصم على ذمة التحقيق بدرجات مختلفة؛ أثبتت الرسائل أن عاصم نفذ أوامر مزورة، لكن قبوله المال وعدم سؤاله عن تشغيل فرن المتحف أبقياه مسؤولًا. أما لؤلؤة فغيّرت كلمات المرور ونظام التصاريح، وألغت استخدام الأختام التي يمكن أن تسافر وحدها نيابة عن أصحابها.
استغرقت نيروز يومين لإزالة الغشاء والغراء عن ظهر البلاطة الأصلية. لم يُصب الطلاء بأذى. أعادتها إلى موضعها، وشدت المشبكين، ثم وجهت ثلاثة مصابيح من زوايا مختلفة. ظهر الكوبالت أولًا، ثم الفيروز، ثم انساب اللون الثالث على الموجة كظل ماء لا يثبت في مكان.
وقف جود قرب الباب وقال: «قادتنا صورة كاذبة إلى المصور، وغبار الفرن إلى العامل، والحقيبة إلى المدبر. أي دليل منها كشف الأصل؟»
قالت نيروز: «الشيء الذي عاملناه كأنه لم يعد مهمًا بعد فتحه.»
أشارت إلى الصندوق المفكك.
افتتح المعرض بعد أسبوع بلا خطب طويلة. لم يذكر المتحف تفاصيل القضية، لكنه أضاف إلى بطاقة اللوحة سطرًا عن الترميم الحديث. شاهد الزوار السفينة والقمر والشق القديم، وانتظر بعضهم أن يظهر اللون الثالث. كان لا يُرى إذا وقف المرء أمام اللوحة مباشرة؛ عليه أن يتحرك خطوة إلى الجانب.
في آخر النهار بقي طفل يبدل موضعه يمينًا ويسارًا، حتى لمح الزرقة الخفية فصاح لأمه. ابتسمت نيروز من بعيد.
لم يكن السر في اللون أنه لا يُرى.
كان في أن رؤيته تتطلب ألا يظل الناظر حيث وُضع أول مرة.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق