خارج اللقطة

خارج اللقطة
قبل أن تفتح رُواء حقيبة الكاميرا، طلبت من مؤنس أن يجعل المرآة تبدو أقدم. كانت مرآة عادية تمتد فوق ثلاثة كراسٍ في صالون «المقص الأزرق»، وعلى حافتها شق دقيق لا يراه أحد إلا إذا بحث عنه. ومع ذلك قالت رُواء إن انعكاس المصابيح الجديدة يمنح المكان مظهرًا تجاريًا، بينما تحتاج الحلقة إلى «دفء الحارات القديمة». سألها مؤنس: «وكيف أجعلها أقدم؟» أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة فيها مسحوق بلون الغبار. اقترحت أن يمسح به زاويتي الإطار، ثم يترك منشفة باهتة على الرف. ضحكت حين ظل ينظر إليها، وأضافت أن التصوير لا يكذب؛ إنه فقط يزيل من الحقيقة ما يشتت المشاهد. لم يجادلها. كان في جيبه إشعار متأخر من مالك المحل، وفي درج الحساب فاتورتان للكهرباء، وعلى هاتفه رسالة من شركة توريد تطلب تسديد نصف ثمن الكراسي الجديدة قبل نهاية الشهر. أما رُواء فقد عرضت عليه ألفًا ومئتي دولار مقابل إغلاق الصالون صباح السبت وتصوير حلقة من برنامجها الإلكتروني: عشرة رجال يمرون بظروف صعبة يحصلون على حلاقة وملابس نظيفة وفرصة لبداية جديدة. قرأ العقد ليلة كاملة. لم يفهم كل بنوده، لكنه فهم الرقم. قال: «المرآة تبقى كما هي.» ابتسمت رُواء. «حسنًا. الأصالة أفضل أحيانًا.» كانت في أواخر العشرينات، تتكلم بسرعة هادئة، كأن كل جملة حُررت قبل أن تخرج من فمها. خلفها وقف المصور نائل يختبر الضوء، ومساعدته تلصق شرائط سوداء فوق أسماء المنتجات كي لا تظهر علامات تجارية مجانية. جلس أصيل، المتدرب في الصالون، على الكرسي الثالث يراقبهم، وقد نسي أن يكنس الشعر الذي قصه مؤنس لزبون الصباح. قال مؤنس: «أكمل عملك.» رد أصيل: «أغلقت الباب.» «الشعر لا يعرف أننا أغلقنا.» قام الفتى وجمع القصاصات. كان في التاسعة عشرة، جاء قبل ثمانية أشهر يطلب تعلم المهنة. أعطاه مؤنس المكنسة أولًا، ثم المشط، وبعد أسابيع سمح له بتحديد أطراف شعر الأطفال. لم يدفع له راتبًا ثابتًا في البداية، وإنما جزءًا من أجرة كل زبون يساعده. بعد نقاش طويل مع أخته، بدأ يمنحه أجرًا أسبوعيًا صغيرًا، وكان يؤجله أحيانًا يومين ثم يشعر أن نظرة الفتى تعرف ذلك. حين غادرت رُواء، بقي على الطاولة جدول التصوير. أمام كل مشارك سبع دقائق للحديث، وعشرون للحلاقة، وخمس للصور قبل التغيير وبعده. بجانب فقرة الحديث أسئلة مقترحة: أين تنام؟ متى كانت آخر مرة نظر إليك أحد باحترام؟ ما أسوأ شيء فعلته لتبقى حيًا؟ قرأ أصيل السؤال الأخير مرتين. قال: «هل وافق الرجال على هذا؟» «هي أحضرتهم من جمعية قريبة.» «هذا لا يعني أنهم وافقوا.» أشار مؤنس إلى أسفل الورقة، حيث كتب أن نماذج الإذن ستوقع قبل التصوير. قال أصيل: «أقصد: هل يعرفون ماذا ستسأل؟» طوى مؤنس الجدول ووضعه في الدرج. «نحن نحلق. هي مسؤولة عن برنامجها.» لم يكن مقتنعًا بعبارته، لكنه أحب الحدود التي رسمتها. على جانب منها دينه ومحلّه والكراسي التي اشتراها حين صدق أن الحي يتحسن. وعلى الجانب الآخر كاميرا وأسئلة وأناس سيأتون بمحض إرادتهم. إذا بقي كل واحد مسؤولًا عما يخصه، استطاع السبت أن يمر بسلام. في التاسعة صباحًا، وصل الرجال تباعًا. لم يكونوا مجموعة متشابهة كما تخيل مؤنس. جاء رجل مسن بمعطف واسع يحمل كيسًا من الصيدلية، وشاب يرتدي حذاء عمل مغطى بالإسمنت، ورجل أصلع ضحك من دعوته إلى حلاقة مجانية وقال إنه جاء من أجل القهوة. كان بينهم زاهر، رجل في الثانية والأربعين تقريبًا، بقميص مربعات نظيف طُويت أكمامه بعناية. لم يحمل حقيبة، ولم يبدُ كالصورة التي رتبتها رُواء في ذهن مؤنس حين قالت «رجال من الشارع». طلب زاهر استخدام دورة المياه. عاد وقد بلل شعره بيديه، ثم وقف قرب الباب بدل أن يجلس مع الآخرين. دخلت رُواء بعده مع فريقها، ورحبت بالجميع بصوت مرتفع. وضعت صندوقًا من المعجنات على الطاولة، وقالت إن اليوم لهم. بعد ذلك وزعت أوراق الإذن وأقلامًا. قرأ بعض الرجال الورقة، ووقع بعضهم حيث أشارت المساعدة. أمسك الرجل المسن الورقة بعيدًا عن عينيه وحاول فك الحروف الصغيرة. اقترب منه مؤنس. «تريد نظارتي؟» قال الرجل: «أريد أن أعرف أين ستظهر صورتي.» استدعت رُواء مساعدتها، فأجابت أن الحلقة ستنشر على منصات البرنامج وقد تستخدم مقاطع منها في الإعلان. سأل عن أسماء المنصات. قالت إنها كثيرة، وإن التوقيع يغطيها كلها. أعاد الورقة إلى الطاولة. «ابنتي لا تعرف أنني أراجع مركز المبيت.» لم تقل رُواء شيئًا للحظة، ثم أخبرته أن عدم الظهور حقه طبعًا، لكن الحلاقة والملابس جزء من الحلقة، والجمعية رتبت عشرة مشاركين لأن الجهة الراعية تريد عشر قصص كاملة. تكلمت بلطف، إلا أن الرقم عشرة صار فجأة بابًا لا يتسع لمن يريد أن يأخذ شيئًا ويحتفظ بجزء من نفسه. قال مؤنس: «أحلق له بعد التصوير.» نظرت إليه رُواء. «مجانًا؟» «نعم.» هز الرجل رأسه شاكرًا، وجلس في زاوية بعيدة عن العدسة. كتبت المساعدة شيئًا في جدولها، واتصلت بالجمعية لتطلب بديلًا. بدأ التصوير بالرجل الأصلع. جلست رُواء قبالته، وسألته كيف غيّرت الحلاقة حياته. أشار إلى رأسه وقال إنها وفرت عليه وقتًا طويلًا، فضحك الجميع. طلبت إعادة الجواب من غير المزحة. حاول الرجل، لكنه صار ينظر إلى العدسة كلما تكلم، فتكسرت جمله. أوقفت رُواء التصوير مرتين، ثم انتقلت إلى لقطة القهوة والمعجنات. أما الرجل الثاني، فحكى أنه ينام منذ ثلاثة أسابيع في غرفة مشتركة تدفعها جمعية العمال، بعدما تأخر مقاول فرعي في أجوره. حين قال إنه ما زال يعمل كل يوم، سألته رُواء إن كان يشعر بأنه صار غير مرئي. أجاب بأنه يشعر بأنه لم يُدفع له. طلبت منه أن ينظر إلى الأرض قبل الجواب. كان مؤنس يمرر الآلة على جانبي رأسه. رأى في المرآة تغير وجه الرجل، وشعر باليد التي تحت المنشفة تشد طرف الكرسي. قال مؤنس: «يجب أن يبقي رأسه مرفوعًا حتى يتساوى الخط.» قالت رُواء: «ثانية واحدة فقط.» «إذا أنزله الآن سأعيد الجانب.» رفعت يدها للمصور كي يتوقف. كان يستطيع الانتظار فعلًا، لكن مؤنس تعمد إطالة تعديل الخط حتى انتقلت إلى سؤال آخر. عند دور زاهر، رفض وضع القميص الذي أحضرته الجهة الراعية. كان رماديًا، جديدًا، وفي صدره شعار صغير أخفاه الفريق سابقًا بشريط أسود. قال إن قميصه مناسب. قالت رُواء: «نريد فرقًا واضحًا في صورة ما بعد التغيير.» أجاب: «غيّروا شعري.» تدخلت المساعدة، فشرحت أن الملابس ستبقى له. شكرها زاهر وقال إنه لا يحتاجها. كان صوته منخفضًا، لكنه لم يكن مترددًا. جلسته على الكرسي، وسألته رُواء أين ينام. «في سيارتي حاليًا.» «منذ متى؟» «اثنين وعشرين يومًا.» «ما الذي أوصلك إلى الشارع؟» نظر زاهر إليها من المرآة. «أنا لست في الشارع.» أوضحت أنها لا تقصد الإساءة، وأن السيارة شكل من أشكال انعدام السكن. قال إنه يعرف ذلك، لكنه يعمل فني صيانة في مصنع تعبئة، وانفصل عن زوجته، وغادر الشقة المشتركة قبل أن يجد مكانًا يناسب دخله. ينام في سيارته لأنه لا يريد توقيع عقد لا يستطيع تحمله، ويستحم في النادي الرياضي، وينتظر أن تصبح غرفة أعلن عنها زميله شاغرة بعد أسبوع. قالت رُواء: «لكن هذه التفاصيل مهمة. الناس يحتاجون إلى فهم أن فقدان المنزل قد يحدث لأي شخص.» قال زاهر: «لم أفقد منزلًا. خرجت من زواج.» سألته إن كانت الخلافات سببًا في وضعه. أوقف مؤنس الآلة، لا لأن السؤال فاجأه، بل لأن الشعر القصير تجمع عند ياقة الرجل واحتاج إلى إزالته. مسحه بالفرشاة، واستأنف العمل. قال زاهر: «اتفقنا أن الحديث عن السكن والعمل، لا عن زوجتي.» راجعت المساعدة ورقة الإذن. ردت رُواء أن النموذج يسمح بمناقشة الخلفية الشخصية، لكنهم يستطيعون حذف ما لا يناسب بعد التصوير. لم يقبل زاهر. قال إن الحذف بعد أن يقوله أمام ستة غرباء لا يعيد الكلام إلى فمه. ظهرت في وجه رُواء ابتسامة ضيقة. التفتت إلى نائل، وطلبت منه لقطة قريبة ليد مؤنس والآلة. ثم سألت زاهر عن شعوره حين يراه زملاؤه يصل بالسيارة نفسها التي نام فيها. أغلق مؤنس الآلة. امتلأ الصالون بالهدوء الذي تخلفه آلة كانت أعلى من كل شيء. قالت رُواء: «هل البطارية انتهت؟» وضع الآلة على الرف. «استراحة خمس دقائق.» «ليس لدينا وقت.» فك المنشفة عن عنق زاهر، ونفض عنها الشعر، ثم قال له إن بإمكانه الوقوف قليلًا. خرج الرجل إلى الرصيف. تبعه أصيل بكوب ماء. اقتربت رُواء من مؤنس. لم ترفع صوتها. قالت إنهم متأخرون وإن الجهة الراعية دفعت مقابل حلقة محددة، وإن التدخل في الأسئلة يجعل الضيوف يظنون أنهم في مواجهة. أجاب بأن زاهر قال بوضوح ما لا يريد مناقشته. «وأنا أحترم ذلك. لكن المقابلة تحتاج مادة.» «لديك عمله وسيارته والبحث عن غرفة.» «هذه معلومات، وليست قصة.» نظر إلى صف الرجال. بعضهم يتابع الحديث، وبعضهم يتظاهر بالانشغال بهاتفه أو فنجانه. الرجل المسن الذي رفض التصوير بقي في الزاوية ينتظر دوره المجاني. كانت المنشفة الباهتة التي طلبت رُواء وضعها للزينة على الرف، مطوية بعناية تحت عبوة الرش. قال مؤنس: «ربما حياتهم ليست المادة التي تريدينها.» ردت: «هل تعرف كم كلف تنظيم هذا اليوم؟ نحن ندفع لك، ونعطيهم خدمة وملابس وبطاقات شراء. لا أحد أُجبر على الحضور.» من خلف الزجاج، كان أصيل يقف مع زاهر. لم يحاول إقناعه بالعودة. كان يسمعه فقط. عاد مؤنس إلى الكرسي ومسح الشعر عنه. قال لرُواء إنهم يستطيعون متابعة الحلاقة بلا أسئلة شخصية، وتصوير العمل والنتائج لمن يقبل. رفضت، لأن الاتفاق مع الراعي قائم على القصص، ولأن الحلقة بلا مقابلات ستبدو إعلانًا لصالون. قال: «إذن صوّري إعلانًا.» قالتها عينها قبل فمها: الإعلان أقل قيمة من الألم. عادت إلى الطاولة وجمعت أوراق الإذن. أعلنت استراحة حتى يصل البديل العاشر، ثم طلبت من فريقها الخروج لتصوير مقدمة في الشارع. بقي المشاركون داخل الصالون، يتحدثون همسًا، بينما مر نائل بينهم حاملًا الكاميرا مطفأة. ومع ذلك كانوا يبتعدون عن مساره كما لو أن العدسة ترى وهي مغلقة. فتح مؤنس الباب لزاهر. سأله إن كان يريد إكمال الحلاقة من دون تصوير. قال: «دفعت الجمعية لك؟» «هي دفعت للحلقة.» «إذن سأدفع أنا.» أخرج محفظة فيها نقود قليلة وبطاقة عمل. رفض مؤنس، لكن زاهر وضع عشرين دولارًا على الرف، وقال إنه لا يريد الانتقال من رجل يحصل على صدقة أمام الكاميرا إلى رجل يحصل عليها خلفها. لم تكن العبارة قاسية؛ كانت دقيقة، ولذلك لم يمد مؤنس يده إلى المال. جلس زاهر، وعاد صوت الآلة. سأله مؤنس عن الطول، وعن شكل الخط خلف الأذن، وعن استعماله خوذة واقية في المصنع. كانت أسئلة الحلاق المعتادة، وقد بدت بعد المقابلة كأنها صيغة من الاحترام لم ينتبه إليها من قبل: أسئلة لا تأخذ من حياة الرجل أكثر مما يلزم لإنجاز ما جاء من أجله. حين انتهى، ناوله مرآة صغيرة ليرى الخلف. مرر زاهر كفه على عنقه، وابتسم. عادت رُواء فوجدت الحلاقة مكتملة. سألت إن كان نائل صور النهاية. قال مؤنس إنه لم يصورها أحد. وقفت وسط المحل، وخلفها دخل البديل الذي أرسلته الجمعية، شاب نحيل لا يعرف سبب توتر الوجوه. شرحت رُواء لمؤنس أن إتمام الخدمة خارج الكاميرا يخل باستمرارية الحلقة، وأن عليه إعادة بعض الخطوات كي يصوروها. قال إنه لن يمرر آلة بلا حاجة على جلد رجل من أجل لقطة. «العقد يطلب تعاونك.» «العقد لا يطلب مني تمثيل حلاقة.» فتحت نسخة إلكترونية على هاتفها، وراحت تقرأ بندًا عن الالتزام المعقول بمتطلبات الإنتاج. كان الرقم الذي سيحصل عليه ينتصب في ذهنه كلما تكلمت. ألف ومئتا دولار تساوي شهرين من الإيجار المتأخر تقريبًا، وتساوي أجر أصيل، وتساوي مهلة لا يملكها. سألها: «إذا توقفنا، كم أدفع لكم؟» أجابته بأن العربون غير مسترد، وأن من حق الشركة المطالبة بتكاليف الفريق إن كان الإلغاء من طرفه. لم تهدده. قالتها بنبرة من يضع ميزانًا على الطاولة ويتركه يرى أي الكفتين أثقل. طلب منها عشر دقائق. دخل الغرفة الصغيرة خلف الصالون. لم تكن مكتبًا؛ كانت مساحة فيها سخان ماء وكرسي مكسور وصندوق مناشف. اتصل بأخته نُهى، التي تمسك حساباته حين يسمح لها. شرح ما حدث بسرعة، ثم سألها عن أسوأ احتمال. قالت إن أسوأ احتمال ليس رقمًا قبل أن ترى العقد. طلبت منه أن يصوره ويرسله إليها. فعل، وانتظر وهي تقرأ. في الخارج عاد صوت رُواء، تسأل المساعدة عن إمكان تعديل ترتيب المشاركين. قالت نُهى أخيرًا: «يمكنهم حجز الباقي من أجرك. مطالبتهم بأكثر ليست واضحة، لكنها ممكنة. هل وقّعت أنك تضمن موافقة المشاركين؟» «لا.» «هل تريد أن تكمل؟» نظر إلى صندوق المناشف. في طفولته، كان أبوه يضع صندوقًا شبيهًا تحت كرسي الحلاقة، ويأمره ألا يسأل الزبون عن ندبة في رأسه أو سبب غيابه الطويل. يقول إن الرجل يجلس أمام المرآة مكشوف العنق؛ وهذه وحدها ثقة كافية، فلا تطلب فوقها حكاية. قال: «لا.» أجابته نُهى: «إذن قلها بلا خطبة. وأرسل إليّ كل رسالة تصل.» عاد إلى الصالون. أخبر رُواء أن التصوير انتهى، وأن كل من حضر سيحصل على الحلاقة التي وعد بها، لكن من دون كاميرا إلا إذا طلب بنفسه صورة عادية بعد الانتهاء. قال إنه لن يستخدم الأزياء، ولن يعيد أي حركة، ولن يسمح بمقابلات داخل المكان. سألته إن كان يتصور أن هذا يحمي كرامة الناس بعد أن عرّفهم البرنامج إلى الجمعية والجهة الراعية. قال إنه لا يستطيع إصلاح ما سبق، لكنه يستطيع ألا يضيف إليه. نزعت رُواء جهاز الصوت من ياقة قميصها. للحظة بدت أقل شبهًا بالمقدمة التي تظهر على الشاشة. قالت إنها بدأت برنامجها بمقاطع تصورها بهاتفها، وإن الرعاة لا يدفعون لقاء كلام هادئ لا يشاهده أحد. كل حلقة تعيل فريقًا، وكل رقم مشاهدة يقرر إن كانت الحلقة التالية موجودة. قال مؤنس: «وأنا وافقت لأنني أحتاج المال. لا أحد منا جاء نقيًا.» لم تجب. طلبت من نائل جمع المعدات، وأخبرت المشاركين أن الصالون ألغى التصوير، وأن البرنامج سيتواصل معهم بشأن بطاقات الشراء. سأل الرجل ذو حذاء الإسمنت إن كانت البطاقات ستلغى. قالت إنها لا تعرف بعد. حين حمل الفريق حقائبه، بقي على الأرض مربع نظيف أحاطت به حوامل الضوء، بينما كان الغبار ظاهرًا في بقية البلاط. خرجت رُواء أخيرًا، وتركت المنشفة الباهتة على الرف. أقفل مؤنس الباب، لكن الرجال ظلوا في الداخل. قال لهم إن الحلاقة مستمرة لمن يريد، وإنه لا يحتاج إلى شرح سبب مجيئهم ولا إلى صورة. رفع الرجل الأصلع يده وقال إن الشرط الوحيد أن يسمحوا له بالاحتفاظ بشعره القليل، فضحكوا هذه المرة من دون أن يطلب أحد إعادة الضحكة. عمل مؤنس وأصيل حتى الثالثة. حلقا لثمانية رجال؛ غادر اثنان لأن لديهما موعدًا آخر. الرجل المسن جلس أخيرًا، وأخرج صورة قديمة لنفسه من محفظته، لا ليروها على الكاميرا، بل ليشرح شكل شاربه الذي يريده. قص أصيل أطرافه ببطء تحت نظر مؤنس. عندما انتهوا، لم يكن في الصالون طعام كافٍ. قسموا ما بقي من المعجنات، وأعد مؤنس الشاي في أكواب غير متشابهة. لم يقل أحد إن اليوم غيّر حياته. تحدثوا عن أجرة الغرف، وعن حافلة تتوقف مبكرًا، وعن حارس مركز المبيت الذي يشخر أكثر من النزلاء. خرجوا واحدًا بعد آخر، ولم يبقَ إلا زاهر، يساعد أصيل على جمع المناشف. قال مؤنس: «أنت دفعت أجرة الحلاقة. لست مضطرًا إلى العمل.» أجاب زاهر: «وأنا أنتظر أن يخف ازدحام الطريق.» كان ذلك عذرًا يحفظ المعروف من أن يصير دينًا. تركه مؤنس يحمل المناشف إلى السلة. في الاثنين، وصلت رسالة من الشركة المنتجة تطلب إعادة العربون، وتخبره بأن بقية الأجر أُلغي. أرسلها إلى نُهى، ثم فتح صندوق النقود. كان قد دفع أجرة أصيل، واشترى مواد استُخدمت في الحلاقات، ولم يبقَ من العربون كاملًا. اتفق مع الشركة على رد المبلغ على ثلاث دفعات. لم ينتصر في مفاوضة أخيرة، ولم تعتذر رُواء. بعد أيام نشرت حلقة أخرى، وفي مقدمتها جملة عابرة عن صعوبة التعاون مع بعض الأماكن. لم تذكر الصالون، لكن أصيل عرف المقصود وغضب. أراد أن يسجل مقطعًا يشرح فيه الحقيقة. قال مؤنس: «إذا فعلنا ذلك، سنضع الرجال في القصة مرة أخرى.» «من دون أسمائهم.» «سيعرف بعضهم نفسه. وسيصبح دفاعنا حلقة ثانية من اليوم نفسه.» حذف أصيل المسودة. بدلًا منها، كتب ورقة صغيرة وثبتها قرب الكرسي الأول: «لا تصوير داخل الصالون من دون موافقة كل شخص يظهر في الإطار.» صحح مؤنس العبارة، وأضاف أن رفض التصوير لا يغيّر الخدمة أو السعر. لم تكن الورقة جميلة، لكنها بقيت. مر الشهر بصعوبة. باع مؤنس الكرسي الثالث إلى صالون جديد، وعمل بكرسيين. تأخر في استبدال جهاز التعقيم، فاستأجر جهازًا صغيرًا مؤقتًا بدل أن يقامر بالنظافة. لم تصل إليه جموع من الزبائن لأن موقفه شاع، ولم تنقذه الجمعية بعقد دائم. جاء ثلاثة من رجال ذلك السبت مرة أخرى، ودفع كل واحد منهم ما يستطيع وفق السعر المعلن، لا وفق قصة يعرفها الحلاق. أما زاهر، فانتقل إلى الغرفة التي انتظرها. جاء مساء خميس، بعد ورديته، وحمل معه قاعدة معدنية صنعها في ورشة المصنع. ثبتها أسفل المرآة المتشققة كي لا يميل إطارها. حاول مؤنس أن يدفع ثمنها، فقال زاهر إنها مقابل الشاي والمناشف التي جمعها، ثم وافق في النهاية على حلاقة بنصف السعر حتى لا يتحول الحساب بينهما إلى منافسة في الكرم. بعد إغلاق المحل، وقف مؤنس وأصيل أمام المرآة. اختفى الميل، لكن الشق بقي عند الحافة. قال أصيل: «كان يمكنه أن يغطيه.» «طلبت منه تثبيت الإطار، لا تغيير المرآة.» فتح الفتى درج الأدوات، وأخرج المنشفة الباهتة التي تركها فريق التصوير. سأل إن كان يرميها. أخذها مؤنس، وفردها على الكرسي. لم تكن قديمة كما أرادت رُواء أن تبدو؛ كانت فقط كثيرة الاستعمال، نظيفة، وحوافها فقدت تماسكها من الغسل. قطعها إلى قطع صغيرة لمسح الأدوات، ووضع كل قطعة في مكانها. في صباح السبت التالي، جلس الرجل المسن على الكرسي الأول. جاء هذه المرة بنظارته، وقال إن ابنته عرفت بأمر مركز المبيت لأنه أخبرها بنفسه. لم تحل المكالمة خلافاتهما، لكنها جاءت إليه، وتناقشا في أشياء كان يؤجلها. لم يطلب نصيحة، فلم يقدم مؤنس واحدة. ضبط أصيل طول المشط، وسأل الرجل كيف يريد جانبي شاربه. أجاب بتفصيل، ثم رفع عينيه إلى المرآة. خارج الصالون، مر شاب يحمل هاتفًا مرفوعًا، فظهر الثلاثة لحظة في خلفية بث لا يعرفونه. كانت المدينة مليئة بالعدسات، ولا يستطيع مؤنس أن يوقفها كلها. لكنه استطاع أن يدير الكرسي قليلًا إلى الداخل. تلقى الضوء وجه الرجل من دون أن يأخذه إلى الشارع، وبدأ أصيل الحلاقة. وقف مؤنس إلى جواره يصحح زاوية المقص، فيما ظلت المرآة تعكس ما يحدث كاملًا؛ لا أكثر مما اختاره الجالس، ولا أقل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9