حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
طرف المقود
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
تركت رُهام المربّع الأخير في رزنامة المطبخ بلا علامة. كانت قد وضعت دوائر زرقاء حول مواعيد اللقاحات، وخطوطًا حمراء تحت أيام الاختبارات، ونجمة صغيرة عند أول رحلة ناجحة في الحافلة، لكنها لم تستطع أن ترسم شيئًا على يوم التسليم. ظلّ التاريخ أبيض، كأن عدم تسميته يؤخّره.
في السادسة صباحًا، نهض بارق من فراشه عند سماع المنبّه، تمدّد حتى لامست كفّاه الأماميتان أرض الممر، ثم حمل مقوده الأزرق إلى رُهام. لم يكن ذلك جزءًا من تدريبه. علّم نفسه هذه العادة لأنه لاحظ أنها تبتسم كلما فعلها. أخذت المقود منه وقالت عبارتها اليومية:
ــ صباح العمل.
هزّ ذيله مرة واحدة، ثم جلس ينتظر الطوق.
كان بارق كلب إرشاد أشقر، عريض الصدر، في الثالثة من عمره. قضى عامه الأول مع أسرة متطوعة عوّدته ضجيج البيوت والأسواق، ثم انتقل إلى مركز «خطوة» حيث تولّت رُهام تدريبه المتخصص. خلال تسعة عشر شهرًا علّمته أن يتوقف عند حافة الرصيف، وأن يتجاهل الطعام الملقى، وأن يبحث عن باب أو مقعد أو درج حين يسمع الأمر المناسب، وأن يرفض الطاعة إذا كان تنفيذ الأمر يعرّض صاحبه للخطر. وفي المقابل علّمها هو أن تميّز صمته الحائر من صمته الواثق، وأن تفهم من ميل أذنيه ما لا يظهر في دفاتر التقييم.
لم يكن أسرع كلاب الدفعة. احتاج شهرين كي يكف عن التراجع أمام أبواب المتاجر التي تفتح وحدها، وكان يرفع قدمه الأمامية كلما رأى ظله على الزجاج. جلست رُهام معه عشرات المرات قرب باب المركز؛ تعبر وحدها، ثم تعود، ثم تعبر إلى جواره، حتى صار يدخل من غير أن يخفض رأسه. وفي أول اختبار وسط المدينة، سقط لوح معدني خلفهما بصوت مدوٍّ. ارتجف بارق، لكنه لم يهرب. التصق بساقها لحظة، ثم عاد إلى المسار. يومها كتب المشرف في تقريره أن الكلب استعاد تركيزه بسرعة. أما رُهام فاحتفظت بالحقيقة لنفسها: هي أيضًا كانت قد ارتجفت، وكان ثباته هو الذي أعادها إلى المسار.
كانت تعرف منذ البداية أنه لن يبقى لها. هذه أول جملة يقولها المركز لكل مدرّب جديد: «نحن نبني رابطة قوية كي نسلّمها». بدت العبارة معقولة في قاعة المحاضرات، بل نبيلة. لكنها لم تقل شيئًا عن وعاء الماء الذي سيختفي من المطبخ، أو الشعر الأشقر الذي سيظل عالقًا في معطف أسود بعد أن يغادر صاحبه.
وصلا إلى المركز قبل الثامنة. في الساحة الداخلية كان رجل طويل يقف قرب المقعد الحجري، يحمل عصًا بيضاء مطوية في يده اليسرى. إلى جانبه حقيبة صغيرة وسماعتان معلقتان حول عنقه. تقدمت لبنى، مديرة برنامج المطابقة، وقدّمته:
ــ هذا قصيّ. سيقيم في دار الضيافة اثني عشر يومًا للتدريب المشترك.
مدّ قصيّ يده في الاتجاه الصحيح قبل أن تساعده رُهام، وقال:
ــ أعرف صوتك من المقابلة، وأعرف أن بارق على بعد خطوتين لأنه يتنفس كمن صعد جبلًا.
ضحكت رُهام، أما بارق فظل جالسًا. طلبت من قصيّ ألا يلمسه حتى تعطي الإشارة. شرحت أن اللقاء الأول ينبغي أن يكون هادئًا، ثم وضعت في كفه بضع حبات من الطعام. قالت له أن ينادي الاسم مرة واحدة.
ــ بارق.
تحرك الكلب نحوه، تناول الطعام برفق، وعاد بعينيه إلى رُهام.
ذلك الالتفات القصير، الذي لم يلحظه قصيّ، أصابها براحة خجلت منها.
كان قصيّ في السادسة والثلاثين، يعمل مدرّبًا على برامج قراءة الشاشة، ويتنقل بعصاه وحده منذ سنوات. لم يطلب كلبًا ليبدأ حياته، كما افترضت رُهام في سرّها، بل ليختصر الوقت الذي يستهلكه في الطرق المزدحمة، وليخفف ألم كتفه الناتج عن ساعات استخدام العصا. حفظ مسارات المدينة في ذهنه، وكان يصحح لرُهام أسماء الشوارع حين تتعمد اختبار انتباهه.
في المقابلة الأولى سألته رُهام عمّا ينتظره من الكلب. توقعت أن يقول الأمان، فقال: «أن أصل وفي رأسي بقية من اليوم». شرح أن العصا تمنحه كل المعلومات اللازمة، لكنها تجعله يتخذ مئات القرارات الصغيرة في الطريق: عمود أم شجرة، شق أم حافة، شخص واقف أم صندوق مهمل. كان يريد أن يصل إلى عمله من غير أن ينفق انتباهه كله قبل التاسعة صباحًا. تذكرت رُهام جوابه حين رأته مع بارق؛ لم يكن رجلًا يُسلَّم حلًا، بل شريكًا يتعلم طريقة جديدة لتوزيع القرارات.
في اليوم الأول تعلّم طريقة الإمساك بالمقبض المثبت في صدرية بارق، وأوامر الاتجاه، ومتى يمد يده ليتحقق من حافة الدرج. كانت رُهام تمشي إلى يمينه، قريبة بما يكفي لتتدخل، وتشرح كل حركة قبل حدوثها. أنجزا الممر الداخلي بلا خطأ، لكن بارق ظل يوجّه إحدى أذنيه نحوها.
قالت لبنى في نهاية الجلسة:
ــ ابتعدي غدًا نصف خطوة إضافية.
ــ ما زال يراقبني.
ــ لأنه يجدك دائمًا حين يراقبك.
في صباح اليوم التالي خرج الثلاثة إلى شارع هادئ. أعطى قصيّ أمر التقدم، فانطلق بارق بإيقاع أسرع قليلًا مما اعتاده معه. توترت رُهام وقالت: «مهلًا» قبل أن تتذكر أن الأمر لم يعد لها. أبطأ الكلب فورًا.
توقف قصيّ، وأفلت المقبض من يده.
ــ هل أخطأت؟
ــ لا. أنا التي تكلمت بلا داع.
ــ إذن لنعيدها.
أعادا المسار. هذه المرة عضّت رُهام باطن خدها كي لا تتدخل. عند صندوق كهرباء بارز، قاد بارق قصيّ في قوس واسع، ثم عاد إلى خط السير. مد قصيّ يده وربت على كتفه كما تدرب. التفت بارق إلى الخلف، فوجد رُهام واقفة حيث بدأت الجولة.
في اليوم الرابع ركبا الحافلة. عثر بارق على مقعد خالٍ، لكن رُهام أشارت إليه بإصبعها قبل أن يصدر قصيّ الأمر. لم ير قصيّ الإشارة، إلا أنه سمع احتكاك حذائها بالأرض. جلس ثم قال بهدوء:
ــ أنت تساعدينه على مساعدتي.
ــ في البداية فقط.
ــ البداية بيني وبينه لا تحدث ما دمتِ تملئين كل فراغ.
احمرّ وجهها. أجابت بأن سلامته مسؤوليّتها، وأن الانتقال لا يتم بالعاطفة. ابتسم قصيّ ابتسامة قصيرة لم تبلغ صوته.
ــ لهذا أقول ما أقول. أنا لا أطلب منك أن تثقي بي وحدي. أطلب أن تمنحيه فرصة ليثق بما تعلمه منك.
في المركز، اشتكت رُهام إلى لبنى من حدته. استمعت المديرة حتى انتهت، ثم أخرجت ملف بارق من الخزانة. فتحت صفحة التقييم الأول، وفيها ملاحظة بخط رُهام: «يتردد إذا تلقى إشارتين مختلفتين، ويبحث عن الشخص الأكثر ألفة».
دفعت لبنى الملف نحوها وقالت:
ــ كتبتِ التشخيص بنفسك منذ عام.
ــ كان جروًا وقتها.
ــ وأنت الآن الإشارة الثانية.
لم تجادل. خرجت إلى غرفة المعدات، حيث تتدلى المقابض الجلدية والأطواق الاحتياطية في صفوف منتظمة. لكل قطعة بطاقة تحمل رقمًا، لا اسمًا. فكرت أن النظام صُمم ليجعل الفراق إداريًا: توقيع، نقل ملكية، إغلاق ملف. لكن الأرقام لم تعرف أن بارق يخاف صوت الأكياس إذا حملتها الريح، أو أنه ينام واضعًا أنفه تحت طرف فراشه، أو أنه لا يشرب بعد التمرين إلا إذا ابتعد الجميع عن الوعاء.
في تلك الليلة، أزالت وعاءه الثاني من المطبخ ثم أعادته بعد دقائق. نام بارق عند باب غرفتها، مع أن مكانه المعتاد في الصالة. مدت يدها نحو رأسه، لكنها أوقفتها قبل أن تلمسه. لم تكن تريد أن تمنحه قلقًا لا يفهمه. ظلّت مستيقظة تسمع تنفسه، وتعد الأيام الثمانية الباقية كأنها درجات تهبطها في الظلام.
في الصباح طلبت من لبنى أن يتابع مدرّب آخر الجلسة. رفضت المديرة.
ــ الانسحاب ليس هو التسليم. عليك أن تبقي، ولكن في المكان الصحيح.
خرجت رُهام مع قصيّ وبارق إلى السوق. مشت خلفهما عشر خطوات، ثم خمس عشرة. كانت تحمل جهاز الاتصال للطوارئ، ولم تستعمله. أمام مخبز مزدحم توقّف بارق لأن صندوقًا من الخضار سد الرصيف. انتظر قصيّ لحظة، تحسّس الهواء بعصاه، ثم قال: «ابحث عن الطريق». قاده بارق إلى ممر ضيق بمحاذاة الجدار، وتجاوز الصندوق. شكره قصيّ بلمسة على الصدر.
للمرة الأولى لم يلتفت بارق إلى رُهام.
سجلت في دفترها: «استجابة مستقلة ممتازة». بقي قلمها فوق الكلمة الأخيرة حتى ترك بقعة حبر.
تغير إيقاع التدريب بعد ذلك. عرف قصيّ أن بارق يسرع في المساحات المفتوحة، فعلمه بكلمة قصيرة أن يضبط خطوه. وعرف بارق أن قصيّ يحتاج ثانية إضافية قبل النزول من الحافلة، فصار يثبت قدميه عند الباب بدل أن يندفع مع الركاب. لم تكن تلك المهارات مما لقنته رُهام لأحدهما؛ نشأت بينهما مثل لغة تضيف كلماتها بنفسها.
طلب قصيّ منها في مساء ذلك اليوم أن تملي عليه تفاصيل روتين بارق. فتح حاسوبه، ودوّن مواعيد الطعام والتنظيف والراحة، واسم العيادة التي تحتفظ بملفه، والكلمة التي تعني انتهاء وقت اللعب. توقفت رُهام عند الأشياء التي لا تدخل عادة في كتيب التسليم: يحب أن تكون النافذة مفتوحة قدر إصبع، وينزعج إذا تحرك وعاء الماء تحت فمه، ويختار الكرة البرتقالية مهما وضعت أمامه من ألعاب.
قال قصيّ:
ــ اشتريت له كرة زرقاء.
ــ لن يهتم بلونها.
ــ وأنا أيضًا.
ضحكت، ثم وصف لها شقته: الممر خالٍ من العوائق، وعلى الشرفة مساحة للشمس، وقد وضع فراشه إلى جوار مكتبه لا عند الباب. كان قد قاس المسافة بين الأثاث، وثبّت السجاد، واتفق مع جارته على ألا تترك دراجتي طفليها أمام المصعد. أدركت رُهام أنه يستعد لقدوم بارق بالدقة نفسها التي استعدت بها لرحيله. خف عنها خوف صغير، وحل مكانه حزن أكبر.
في استراحة اليوم الثامن جلس قصيّ على الدرج، وكان بارق نائمًا قرب قدمه. قال لرُهام:
ــ غضبت مني في الحافلة.
ــ نعم.
ــ وأنا تعمدت أن أكون قاسيًا قليلًا.
ــ أعرف.
ــ هل تريدين أن أعتذر؟
نظرت إلى بارق. كان رأسه مائلًا نحو حذاء قصيّ، وجسده مسترخيًا بالطريقة التي لا يبلغها إلا حين يشعر بالأمان.
ــ أريد أن يكون كلامك صحيحًا. وهذا أسوأ.
هز قصيّ رأسه، ثم قال إنه لا يتوقع منها أن تختفي بعد التسليم. يحق لها أن تسأل عنه عبر المركز، وأن تراه في زيارات المتابعة. لكنها عرفت أن المسألة ليست عدد اللقاءات. تستطيع أن تراه كل شهر، ومع ذلك لن يكون هو الكلب الذي ينتظر منبّه مطبخها.
جاء الاختبار النهائي في صباح ممطر. كان المسار يبدأ من المركز، يمر بمحطة الحافلات، ثم يعبر شارعين فيهما أعمال صيانة، وينتهي عند مبنى التدريب الذي يعمل فيه قصيّ. تبعت لبنى الزوج على مسافة، وسارت رُهام خلفها. لم تحمل جهاز الاتصال هذه المرة؛ كان في يد لبنى، وفق قواعد الاختبار.
عند التقاطع الثاني أضاءت إشارة المشاة، وانطلق صوتها المتقطع. أعطى قصيّ أمر التقدم، لكن بارق لم يتحرك. كرر الأمر، فثبت الكلب مكانه وشد صدره إلى الخلف. من بين السيارات الواقفة تسللت دراجة توصيل كهربائية بسرعة، مخالفة اتجاه السير، وقطعت الممر أمامهما من غير هدير ينبه قصيّ.
شهقت رُهام، واندفعت قدمها نصف خطوة. أمسكت لبنى بذراعها.
مرّت الدراجة. ظل قصيّ ساكنًا، ثم مد يده وربت على كتف بارق وقال:
ــ أحسنت. إلى الأمام.
عبرا حين خلا الطريق. لم يلتفت بارق، ولم يبحث عن إشارة ثانية. قاد قصيّ حول حفرة الصيانة، وعبر به الباب الدوار من الفتحة الواسعة، ثم وجد المصعد. عند وصولهما، أخرج قصيّ من جيبه قطعة الطعام التي سمح بها البرنامج، ووضعها في فم بارق. انحنى الكلب تحت يده، سعيدًا بعمل اكتمل.
قالت لبنى: «ناجحان».
صفق موظفو المبنى، ولم تسمع رُهام سوى احتكاك المطر بالزجاج. كتبت النتيجة في الملف، ووقعت تحت العبارة التي تنقل مسؤولية بارق إلى قصيّ. كان توقيعها ثابتًا على نحو أثار غضبها؛ تمنّت لو خانتها يدها مرة، لتترك على الورق دليلًا على أن الأمر لم يكن سهلًا.
في مساء اليوم الثاني عشر، رتبت أغراض بارق في حقيبة: فرشاة الشعر، كمية من طعامه المعتاد، لعبته المطاطية، منشفة تحمل رائحة البيت، وسجلّه الصحي. غسلت الوعاء المعدني ثم جففته مرتين. قال قصيّ إن لديه وعاءً جديدًا، فأجابته إن بارق يفضل هذا. لم يقل إن الكلاب لا تفضل المعادن، ولم تقل هي إن الوعاء لها بقدر ما هو له.
وقفوا في فناء المركز عند الغروب. كان المطر قد توقف، وبقيت الحجارة تلمع تحت المصابيح. ارتدى بارق صدرية العمل، وأمسك قصيّ بالمقبض. بقي المقود الأزرق في يد رُهام؛ ذلك الذي حمله إليها كل صباح.
قال قصيّ:
ــ أيمكنني أن أودعك له؟
ابتسمت رغم ثقل حلقها.
ــ لا يحتاج إلى مترجم.
جثت أمام بارق، نزعت المقود من طوقه، ومررت أصابعها خلف أذنيه مرة واحدة. لم تستخدم نبرة العمل، ولم تطلب منه الجلوس أو البقاء. قالت فقط:
ــ اذهب يا بارق.
وقف لحظة بينهما. شم يدها، ثم عاد إلى يسار قصيّ، حيث تعلّم أن يكون. أعطى قصيّ أمر السير. ابتعدا نحو البوابة، الكتف بمحاذاة الكتف، بينما ظلت رُهام في مكانها تمسك المقود من طرفيه كخط انقطع من الوسط.
عند الباب الخارجي توقف بارق لحظة لأن بركة ماء اعترضت الطريق. قاد قصيّ حولها، ثم واصلا. لم يلتفت أي منهما.
عادت رُهام إلى شقتها وحدها. فتحت الباب واتسعت أمامها مساحة لم ترها من قبل، مع أنها لم تتغير. لم يكن ثمة رأس أشقر يدفع ساقها، ولا وقع مخالب يتبعها إلى المطبخ. وضعت الحقيبة الفارغة على الكرسي، ثم وجدت شعرة طويلة على كمها. سحبتها بين إصبعين، وكادت تلقيها، لكنها وضعتها في الدرج قبل أن تسخر من نفسها.
أخرجت كوبًا لنفسها، ثم ملأت إبريق الماء. تحركت يدها تلقائيًا نحو مكان الوعاء المعدني، فتوقف الماء في منتصف انسكابه. ظلت واقفة تحمل الإبريق أمام البلاط الخالي، كأن الجسد لم يتلق الخبر الذي فهمه العقل. أعادت الإبريق إلى الطاولة من غير أن تشرب. بعد ذلك جمعت فراش بارق وكنسته، لكنها تركت العلامة الباهتة التي رسمتها حافته على الجدار. لم تكن مستعدة لأن تعيد الغرفة إلى ما كانت عليه قبل مجيئه؛ فالغرفة نفسها لم تعد تعرف كيف تفعل ذلك.
في السادسة من صباح اليوم التالي رن المنبّه. نهضت قبل أن تتذكر أنها لا تحتاج إلى النهوض. بقيت جالسة على حافة السرير حتى انطفأت الشاشة، ثم ذهبت إلى المطبخ. كان المربّع الأخير في الرزنامة لا يزال أبيض. أخذت القلم الأزرق ورسمت حوله دائرة كاملة، لا نجمة ولا خطًا. داخل الدائرة كتبت كلمة واحدة: «وصل».
بعد ثلاثة أشهر حضر قصيّ وبارق لمراجعة الأداء. سمعت رُهام خطواتهما في الممر قبل أن تراهما. دخل بارق، فاهتز جسده كله، واندفع نحوها بإذن قصيّ. وضع رأسه تحت كفها كما كان يفعل في البيت، ودارت قدماه على الأرض من الفرح. ضحكت وبكت في اللحظة نفسها.
بعد أقل من دقيقة ناداه قصيّ. رفع بارق رأسه، عاد فورًا إلى يساره، وجلس ملاصقًا لساقه. شعرت رُهام بوخزة حادة؛ لم ينسها، لكنه لم يعد ينتظرها.
أنهيا المراجعة بلا ملاحظات. عند المغادرة سألها قصيّ:
ــ هل يؤلمك أنه عاد إليّ بهذه السرعة؟
كان يمكنها أن تمنحه الإجابة المهنية: هذا دليل نجاح، وهذا هو الهدف. لكنها قالت الحقيقة:
ــ نعم. ويطمئنني أيضًا.
مد يده، فوضعت فيها المقود الأزرق الذي احتفظت به. قالت إنه المقود الخفيف الذي يرتاح له بارق في النزهات حين لا يرتدي صدرية العمل. أغلق قصيّ أصابعه عليه وشكرها.
مضيا عبر الساحة. هذه المرة لم يبق في يد رُهام شيء. شاهدت بارق يتوقف عند الحافة، ينتظر، ثم يعبر مع قصيّ بخطوات متوافقة. وحين غابا، لم تبحث عن شعرة أو أثر قدم. عادت إلى غرفة المعدات، نزعت البطاقة التي تحمل رقم بارق من الخطاف، وأغلقت ملفه للمرة الأخيرة.
في الصفحة الأخيرة كتبت: «انتقل كامل الثقة».
ثم أضافت بعد تردد: «وكذلك فعلتُ».
وضعت الملف في خزانة الأزواج العاملة، لا في خزانة الكلاب التابعة للمركز، وأدارت المفتاح. كان الحزن باقياً، واضحًا ونظيفًا، لكنه لم يعد اعتراضًا. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وفي الممر لم يكن هناك مقود تحمله.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق