حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
أيام للبيع
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
تذوّق سُلَيْم مرارة قشر البرتقال في ذكرى لا تخصه، فعرف أن اليوم مصنّف خطأ.
كان جالسًا في المقصورة السابعة من دار الأيام المستعملة، يضع طوق الاستقبال حول صدغيه ويمرر حياة الغرباء أمام حواسه ليتأكد من صلاحيتها للبيع. في الشاشة كُتب أن المادة المسجلة «صباح ربيعي هادئ، درجة الفرح: متوسطة، خالية من الروائح الحادة». غير أن المرأة التي عاش بعينيها كانت تقف في مطبخ ضيق ليلة شتوية، تقشر برتقالة بسكين غير حاد، وتراقب طفلًا يحاول كتابة اسمه على بخار النافذة. كان المطر يضرب الزجاج، والمدفأة تطقطق، وفي الغرفة المجاورة يسعل شخص بصوت متعب.
لم يكن الخلل في الفصل وحده. حين مد الطفل إصبعه إلى البخار ورسم حرف السين معكوسًا، شعر سُلَيْم بأن قلبه يعرف الحركة قبل أن تكتمل. انحنى نحو الصورة حتى كاد وجهه يلامس الفراغ.
قالت المرأة للطفل:
— ليس هكذا. ابدأ من الأعلى، يا سُلَيْم.
نزع الطوق بعنف. انطفأ المطبخ، وعاد إلى المقصورة البيضاء التي لا رائحة فيها. بقي طعم البرتقال على لسانه، وبقي اسمه في أذنه بصوت امرأة يعرفه أكثر مما يعرف صوته.
فتح بطاقة المادة. لم يظهر اسم البائع، فالقانون يحمي هويات من يبيعون أيامهم، لكن رمز المصدر كان واضحًا: 30417-و. وتحت خانة المالك الحالي كُتب: «بيت الذاكرة الصافية»، وهي شركة خاصة تشتري الأيام النادرة وتؤجرها للأثرياء والمتاحف وصنّاع الأفلام الحسية.
أعاد سُلَيْم الطوق إلى قاعدة التعقيم، ثم أغلق باب المقصورة. كان في السادسة والثلاثين، يعمل مدققًا للأيام منذ أحد عشر عامًا. يستطيع اكتشاف ذكرى مركبة من اختلاف الظلال، ويعرف أن الخوف الحقيقي يترك طعمًا معدنيًا خلف الأسنان، وأن الحنين إذا عولج أكثر من اللازم يفقد الأصوات البعيدة أولًا. لكنه لم يتعلم ما ينبغي فعله عندما يناديه طفل غريب باسمه من داخل يوم تملكه شركة.
في دار الأيام المستعملة لم تكن الذكريات تُسمى ذكريات. الكلمة الرسمية هي «وحدات زمن معيش». يستطيع أي بالغ أن يبيع يومًا من ماضيه، فيُستخرج من ذاكرته بكل ما فيه من صور وروائح وانفعالات، ويُحفظ في خرزة زجاجية. يحصل البائع على المال، ويفقد اليوم. يبقى عارفًا بأنه عاش في التاريخ المحدد، لكنه لا يتذكر ماذا حدث فيه أو كيف شعر. أما المشتري فيرتدي طوقًا كالذي يستخدمه سُلَيْم، ويعيش الساعات المسجلة من داخل جسد صاحبها، من دون أن يستطيع تغيير شيء.
بدأت التجارة بوصفها علاجًا. كان الأطباء يستخرجون يوم الحادث من عقول المصابين بالصدمة كي يمنحوهم فرصة للنوم، ثم اكتشف المستثمرون أن الناس يدفعون مبالغ كبيرة ليجربوا أول قبلة لم يعيشوها، أو انتصار عدّاء عند خط النهاية، أو صباحًا عائليًا دافئًا لم تعرفه بيوتهم. خلال عشرين عامًا صارت للأيام بورصة، ووسطاء، وإعلانات تعد الفقراء بأن «الماضي مورد لا ينفد». لكنه كان ينفد. رأى سُلَيْم بائعين يعودون للمرة الخامسة وقد تحولت سيرهم إلى تقويم مثقوب.
منع النظام الموظفين من البحث في رموز المصادر. غير أن سُلَيْم كان يملك صلاحية التصحيح، واستطاع أن يفتح السجل بحجة خطأ التصنيف. وجد أن الرمز 30417-و مرتبط بتسع عشرة خرزة، بيعت على أربع دفعات خلال سبع سنوات. تواريخها تمتد من طفولته حتى بلوغه الثانية عشرة. جميعها مملوكة لبيت الذاكرة الصافية. أما اسم البائع فحُجب بأمر قضائي قديم.
نسخ الأرقام على راحة يده، ثم مسح سجل دخوله. في الممر قابلته يَمام، مهندسة الأطواق والمسؤولة عن الأعطال الحسية. كانت تحمل صندوق أدوات وتشد شعرها بقلم رصاص.
قالت وهي تنظر إلى وجهه:
— كم ساعة عشت اليوم؟
— ساعاتي المعتادة.
— وجهك يقول إنك عدت من عمرين.
حاول تجاوزها، فأمسكت باب المقصورة قبل أن يغلق.
— إذا تركت أثرًا على النظام، فامسحه قبل تبديل النوبة. المراقبة بدأت تراجع عمليات البحث اليدوي.
توقف.
— لماذا تفترضين أنني بحثت؟
— لأن كل من يعمل هنا طويلًا يجد يومًا يعرفه. الفرق أن بعضنا يشيح بنظره، وبعضنا يفتح السجل.
لم تشرح أكثر. مضت بصندوقها، وتركته يتساءل أي يوم وجدته هي ولماذا لم تخبر أحدًا.
كانت أم سُلَيْم تعيش في شقة صغيرة فوق متجر للأقمشة في الحي الشرقي. اسمها وِئام، في الثالثة والستين، ولها عادة كتابة المواعيد على قصاصات ملونة تلصقها في كل مكان: موعد الدواء على المرآة، يوم دفع الماء قرب الصنبور، واسمه على باب الثلاجة إلى جانب عبارة «يتصل مساء الخميس». كان يظن أن ذلك نتيجة تقدم العمر، مع أنها بدأت قبل سنوات.
وصل من دون اتصال. وجدها تخيط زرًا في معطف وتستمع إلى برنامج إذاعي قديم. قبل أن تسأله عن سبب زيارته، وضع أمامها ورقة كتب عليها التواريخ التسعة عشر.
تغير وجهها عند رؤية الرمز، لا التواريخ.
قال:
— بعتِ أيامًا؟
طوت المعطف بهدوء زائد.
— معظم الناس فعلوا ذلك مرة.
— تسع عشرة مرة ليست مرة.
— من أين حصلت على هذه الأرقام؟
— أحد الأيام دخل جدول الفحص عندي. رأيتكِ تقشرين برتقالة. رأيت طفلًا يكتب اسمي.
رفعت يدها إلى فمها، كأن ذكرى الحركة بقيت في الجسد رغم غياب اليوم من العقل.
— هل كان المطر يهطل؟
— أنتِ أخبريني.
نظرت إلى الورقة. مررت إصبعها فوق تاريخ اليوم الأول، ثم قالت:
— أعرف أنني بعته، لكنني لا أعرف ما كان فيه. هذه طبيعة البيع.
— لماذا كانت كل الأيام معي؟
— لا أعرف إن كانت كلها معك.
— من يملكها؟
لم تجب. سألها عن بيت الذاكرة الصافية، فنهضت وجمعت القصاصات القريبة من الثلاجة كأن ترتيبها أهم من الحديث. عندما أمسك معصمها، سقطت ورقة صغيرة كانت تخفيها تحت ساعتها. عليها الرمز نفسه، وتحته جملة: «إذا عادت الأيام، لا تثق بالنسخة السادسة».
قرأها مرتين.
— من كتب هذا؟
— خطي، على ما أظن.
— وما النسخة السادسة؟
— لو كنت أعرف لما احتجت إلى الورقة.
جلست، وفجأة بدت أكبر من عمرها.
قالت إن أول بيع تم حين كان سُلَيْم في السابعة. كان يحتاج إلى عملية في أذنه بعد التهاب حاد هدده بفقدان السمع، ولم تملك المال. عرض عليها وسيط شراء يوم سعيد من طفولته، لكنها رفضت بيع ما يخصه واختارت يومًا من ذاكرتها هي. بعد العملية احتاجا إلى تسديد ديون أخرى، فباعت أيامًا إضافية. هذا ما تتذكره من الوقائع، لا من الأيام نفسها. أما سبب بيع تسع عشرة وحدة إلى الشركة ذاتها، أو سبب كتابة التحذير، فلا تعرفه.
قال سُلَيْم:
— كذبتِ عليّ طوال هذه السنوات.
— كنت طفلًا.
— ثم كبرت.
— وكلما فكرت في إخبارك، بدا الأمر كأنني أقدم لك فاتورة عن بقائك سليمًا. لم أرد أن تعيش مدينًا لي.
— فتركتِني أكتشف أن طفولتي معروضة للإيجار.
لم تدافع عن نفسها. أعادت الورقة تحت ساعتها، وقالت:
— إذا كانت لديك فرصة لرؤيتها، فلا تدخل النسخة السادسة.
خرج غاضبًا، لكنه أخذ معه نصف البرتقالة التي وضعتها له في كيس صغير. في الطريق أكلها، فوجد القشر أمرّ من الثمرة التي ذاقها داخل اليوم.
في الصباح قصد قسم العقود. استخدم صلاحية الموظف لطلب مراجعة ملكية المواد التسع عشرة. ظهر العقد الأول عاديًا: بيع نهائي، تنازل عن حق الاسترجاع، وتعويض مالي موثق. لكن العقود اللاحقة حملت بندًا غير مألوفًا: «يحق للمالك دمج المادة وتجزئتها وإعادة ترتيبها وإنتاج نسخ مشتقة». هذا يعني أن بيت الذاكرة لم يشتر الأيام ليعرضها كما هي؛ اشترى الحق في تحريرها.
كانت النسخ المشتقة خطرة. عندما تُقتطع ساعة من سياقها وتُلصق بساعة أخرى، يمكن صنع يوم لم يحدث قط. تمنع القوانين استخدامه في المحاكم، لكنه يباع للترفيه بلا مشكلة ما دام يحمل علامة «تجربة مركبة». ومع ذلك، وجد سُلَيْم أن الشركة سجلت ست نسخ من أيام وِئام على أنها مواد أصلية كاملة. النسخة السادسة مختومة بأمر أمني، ومصنفة «خطر على الاستقرار العام».
طبع صفحة البيانات، فانفتح باب المكتب خلفه. دخل مدير الدار، فاضل نَسَق، رجل مستدير الوجه يختار كلماته كما يختار ربطة عنقه.
— لم أتوقع منك تحديدًا أن تقع في فضول المبتدئين.
أخفى سُلَيْم الورقة تحت ملف.
— هناك مواد مصنفة خطأ.
— مهمتك تصحيح المزاج والفصل، لا التاريخ.
— المادة تحمل اسمي.
— كثيرون يسمون سُلَيْم.
— وتحمل صوت أمي.
أغلق فاضل الباب.
— إذن ابتعد عنها أكثر. صلة القرابة تلغي صلاحيتك المهنية.
سأله عن النسخة السادسة. لم ينكر معرفته بها. قال إن الملف سابق لعملهما معًا، وإن أمر الحجب صادر عن مجلس المدينة، وإن محاولة فتحه تؤدي تلقائيًا إلى إلغاء ترخيص الموظف وربما محاكمته بتهمة سرقة ملكية زمنية.
— الماضي الذي باعته أمك لم يعد ماضيها، قال فاضل. هذا ليس رأيًا أخلاقيًا؛ إنها قاعدة السوق.
— وإذا كان داخله دليل على جريمة؟
— يصبح دليلًا يملكه المشتري، ما لم يصدر أمر قضائي بالمصادرة.
— وكيف سيصدر الأمر إذا كان لا أحد يستطيع رؤيته؟
ابتسم فاضل بأسف بارد.
— لهذا يفضل العقلاء ألا يطرحوا أسئلة لا يسمح النظام بإجابتها.
عند الظهر وجد سُلَيْم بطاقته معطلة. لم يُطرد رسميًا، لكن الأبواب لم تعد تفتح له، وحساب العمل اختفى. انتظر يَمام عند مخرج الموظفين. حين خرجت، أراها صفحة البيانات.
قالت:
— قلت لك امسح أثرك.
— مسحته.
— إذن كانوا يراقبون المادة نفسها.
سألها عما قصدته حين قالت إن كل موظف يجد يومًا يعرفه. أخذته إلى مقهى قرب سوق السمك، واختارت طاولة في الخارج حيث تضيع الأصوات بين الباعة. أخبرته أن أخاها باع يوم زفافه بعد وفاة زوجته، لأنه لم يحتمل استعادته كل ليلة. بعد عام ظهر اليوم في إعلان لعطر، مختصرًا ومعدلًا، ووضعت الشركة وجه ممثلة مكان وجه العروس. حاول الاعتراض، فقيل له إنه تنازل عن حقوق التعديل. لم يستطع تذكر زوجته في ذلك اليوم، لكنه رآها تُمحى من النسخة أيضًا.
منذ ذلك الحين بدأت يَمام تحتفظ بسجل سري للمواد المعدلة. اكتشفت أن بيت الذاكرة الصافية يشتري أيام الفقراء التي تتقاطع مع أحداث محرجة للأثرياء والشركات: حوادث عمل، اعتداءات، لقاءات سرية. لا يستطيع المشتري حذف ذاكرة لم تُبع، لكنه يستطيع شراء اليوم من الشاهد، ثم دفنه قانونيًا. أحيانًا يدفع الوسطاء للبائع بسخاء، وأحيانًا يقنعونه بأن اليوم عادي ولا قيمة له.
قال سُلَيْم:
— أمي باعت اليوم الأول لعلاجي.
— ربما. لكن لماذا اشترت الشركة الأيام الثمانية عشر التالية؟
وضعت أمامه خريطة قديمة للحي الشرقي. كان مصنع الصباغة الكبير يحتل مكان المجمع الزجاجي الحالي. قبل تسعة وعشرين عامًا اندلع فيه حريق ليلي قُتل فيه أحد عشر عاملًا، بحسب السجل الرسمي. خلص التحقيق إلى أن العمال فتحوا أبواب التخزين خلافًا للتعليمات، فتسرب مذيب سريع الاشتعال. حصلت العائلات على تعويضات صغيرة، ثم اشترت شركة عقارية الأرض وبنت مقر بيت الذاكرة الصافية نفسه.
كانت وِئام تعمل آنذاك في مغسلة مقابلة للمصنع.
قالت يَمام:
— النسخة السادسة مؤرخة بليلة الحريق.
ذهب سُلَيْم إلى أمه مرة أخرى. هذه المرة لم يسألها عن الأيام السعيدة. وضع خريطة المصنع أمامها. حدقت فيها طويلًا، ثم نهضت وأخرجت صندوقًا حديديًا من أسفل سريرها. احتوى الصندوق على عقود البيع، وقصاصات بأسماء لا تعرف أصحابها، وصورة لطفلة في التاسعة تقف قرب سُلَيْم وهو رضيع.
سأل:
— من هذه؟
أجابت وِئام بصوت لم يخرج كاملًا:
— ابنتي.
— أنا ابنكِ الوحيد.
— هذا ما تتذكره أنت، وما أستطيع أنا أن أعيشه. لكن الأوراق تقول إن اسمها نَوْر، وإنها ماتت في حريق المصنع.
جلس على الأرض. قلب الصورة. في الخلف كتبت وِئام: «نور تحمل أخاها للمرة الأولى». لم يتذكر وجهًا آخر في البيت، لكنه كان أصغر من عامين حين ماتت. أما أمه فقد باعت اليوم الذي فقدتها فيه، ومعه أيامًا كثيرة كانت نور تظهر فيها. لم تَبِع وجود ابنتها عمدًا على الأرجح؛ غير أن اقتلاع الأيام الأساسية فكك الروابط بين ما بقي منها، فتحولت نور في عقلها إلى معلومة لا ابنة. تعرف تاريخ ميلادها ووفاتها، ولا تستطيع استحضار ضحكتها.
قالت وِئام:
— أحيانًا أستيقظ وأنا أفتقد شخصًا لا أراه. أظن أن الجسد يرفض العقد.
أخرجت من الصندوق رسالة بخطها، كتبت قبل آخر عملية بيع: «شاهدت أبواب المصنع مقفلة من الخارج. رأيت سيارة المدير تغادر قبل الحريق. نور كانت توصل العشاء إلى خالتها في النوبة الليلية. إذا نسيت، فالنسخة السادسة تعرف».
لم تكن وِئام شاهدة عابرة. في تلك الليلة، رأت العمال يضربون الأبواب المعدنية من الداخل، ورأت الحارس يحاول فتح السلسلة قبل أن يبتلعه الدخان. أدلت بشهادتها، لكن التحقيق وصفها بالمرتبكة. بعد أسابيع جاءها وسيط يعرض شراء يوم «احتفال عائلي» بمبلغ يكفي لعلاج سُلَيْم. لم تعرف أن التاريخ المطبوع في العقد يعود إلى ليلة الحريق؛ فقد وُضع وفق تقويم الدار القديم، بصيغة تختلف عن التقويم المدني. حين فهمت الخدعة لاحقًا، كانت قد فقدت اليوم، ولم تعد شهادتها مقبولة لأنها لا تستطيع وصف ما رأت.
بدأت تبيع أيامًا أخرى عمدًا إلى الوسيط نفسه. كانت تكتب داخل كل يوم إشارات تربطه بالحريق: تقرأ أسماء العمال بصوت عالٍ، تخبئ قصاصة في جيبها، أو تمر أمام بوابة المصنع. أرادت أن تجعل الأيام المشتراة شبكة تحفظ ما حاولوا دفنه. لكنها مع كل بيع كانت تنسى جزءًا من الخطة، لذلك تركت لنفسها الأوراق. قبل أن تكمل، صدر قانون يمنح الشركات حق إخفاء المواد التي تمس «الاستقرار العام». اختفت النسخة السادسة، وصارت بقية الأيام مجموعة قابلة للعرض.
سألها سُلَيْم:
— لماذا لم تعطيني الصندوق؟
— توجد قصاصة تقول: «لا تسلمي الصندوق لسُلَيْم قبل أن يجد اليوم بنفسه».
— لماذا؟
— ربما خفت أن أحمّلك معركة صنعتها أنا.
— أو ربما لم تثقي بي.
— ربما كنت أعرفك يومها أكثر مما أعرفك الآن.
كانت العبارة قاسية من دون قصد. نظر إلى الصورة ثانية. أدرك أن أمه لم تفقد ابنتها مرة واحدة؛ فقدتها في النار، ثم فقدتها طوعًا داخل جهاز الاستخراج، ثم عاشت مع ألم بلا وجه. لم يعرف هل يغضب منها لأنها باعت، أم من نفسه لأنه استفاد من الثمن، أم من سوق يستطيع تحويل هذا الاختيار إلى عقد صحيح.
قرر استعادة النسخة السادسة.
كان بيت الذاكرة الصافية يفتح مقره للجمهور مرة واحدة كل عام في «ليلة الأعمار»، مهرجان تُعرض فيه أشهر الأيام قبل بيعها بالمزاد. ذلك العام أعلنت الشركة مجموعة بعنوان «حنان الأمهات»، تتضمن اثني عشر صباحًا نادرًا من أنحاء المدينة. عرف سُلَيْم أن يوم البرتقال سيكون بينها. ستأتي الصحافة وأعضاء المجلس وكبار المشترين، وستتصل أطواق القاعة بالشبكة المركزية لبث مقتطفات جماعية. إذا استطاع الوصول إلى الخادم، أمكنه البحث عن النسخة السادسة.
قالت يَمام إن الدخول سهل؛ الدعوات تُباع. الصعب هو فتح المادة المختومة من دون أن يحترق الطوق أو يرسل إنذارًا. احتاجا إلى مفتاح توقيع من مدير قديم شارك في تسجيلها. كان الاسم في العقود: سَهْبان رُشْد، مؤسس بيت الذاكرة ورئيسه المتقاعد.
وجداه في دار رعاية خاصة خارج المدينة. كان في الثانية والثمانين، لا يتذكر أسماء أبنائه، لكنه اشترى لنفسه نسخًا من أفضل أيامه ويعيشها كل مساء. استقبلهما وهو يضع طوقًا ذهبيًا، وأصر على أنه في الخامسة والأربعين وأنه عاد للتو من رحلة صيد. على الجدار خزائن مليئة بالخرزات، مرتبة بحسب الأعوام. لم يكن الرجل يحتفظ بذاكرته؛ كان يحتفظ بمكتبة يؤدي فيها دور نفسه.
أخبره سُلَيْم باسم وِئام. لم يتغير وجهه. وحين ذكر مصنع الصباغة، مد سهبان يده إلى زر استدعاء الحراس. فصلت يَمام سلك الطوق، فعاد الشيخ إلى عمره الحقيقي دفعة واحدة. ارتجفت عيناه.
قال:
— أعيدوا لي البحر.
— أعطنا مفتاح النسخة السادسة، قال سُلَيْم.
— أي نسخة؟
— اليوم الذي اشتريته من امرأة فقدت ابنتها.
ضحك سهبان، ثم سعل طويلًا.
— اشترينا مئات الأمهات. كنّ أفضل البائعين؛ يحتجن المال ويعرفن كيف يقدمن الألم كأنه واجب.
أمسكه سُلَيْم من ثوبه، لكن يَمام أبعدت يده. أشارت إلى الطوق الذهبي. كان من الطراز الأول الذي يخزن مفاتيح التوقيع في مشبك الرقبة. لم يستطيعا أخذه بالقوة؛ سيستدعي الجهاز الأمن إذا انفصل عن نبض صاحبه. عرضت يَمام صفقة: تعيد إليه يوم البحر الذي كان يشاهده إذا سمح لها بنسخ مفتاح قديم. وافق من دون أن يسأل ما الذي سيفتحه المفتاح.
بينما أعادت توصيل الطوق، قال سهبان لسُلَيْم:
— لا تنظر إليّ هكذا. أمك أخذت المال.
— لأنكم أخفيتم التاريخ الحقيقي.
— كل عقد يخفي شيئًا. لهذا يدفع طرف ويوقع الآخر.
— مات أناس خلف أبواب مقفلة.
— ومات بعدهم آلاف، لكن أحدًا لا يشتري أيامهم. القيمة لا تأتي من العدالة، بل من الندرة.
عاد البحر إلى عينيه قبل أن يسمع جوابًا. ابتسم للهواء ومد قدميه كأن الموج يلامسهما. خرج سُلَيْم وهو يفكر في رجل يملك آلاف الحيوات ولا يستطيع الوصول إلى الحمام من دون ممرض.
في ليلة المزاد ارتدى بدلة قديمة تركها له أبوه، ودخل مع يَمام ببطاقتين اشترتهما بكل مدخراتها تقريبًا. امتلأت القاعة بأشخاص لا ينظرون إلى بعضهم، بل إلى الخرزات المضيئة في الصناديق. وُضعت على كل مقعد خوذة حسية خفيفة، وفي السقف شاشة تعلن أسعار البدايات. على المنصة وقف فاضل نَسَق مرحبًا بالضيوف، كأن طرده لسُلَيْم لم يقع قبل يومين.
بدأ العرض بيوم طيار شاهد المدينة من أول منطاد، ثم بساعة من طفولة عازفة شهيرة. صفق الجمهور لكل إحساس كما يصفق لمغنٍ. بعضهم بكى من ذكريات غرباء، ثم فتح كتيب الأسعار قبل أن تجف دموعه.
عندما ظهرت مجموعة «حنان الأمهات»، خفت الضوء. عاش الحاضرون ثلاث دقائق من كل يوم: يد تمسح جبين طفل محموم، امرأة تعلم ابنتها عجن الخبز، أم تنتظر ابنها عند بوابة مدرسة. ثم جاء مطبخ وِئام. دخلت رائحة المطر والبرتقال إلى القاعة. رأى سُلَيْم نفسه طفلًا يرسم السين معكوسًا، وسمع ضحك الجمهور حين لطخت أصابعه الزجاج.
بدأ المزاد. رفع رجل في الصف الأول السعر لأن اليوم «صادق وغير متكلف». زايدت امرأة تريد تقديمه لابنتها التي لم تنجب. كانا يتحدثان عن صباحه كما لو كانا يختاران سجادة.
ضغط سُلَيْم أظافره في كفه. همست يَمام:
— إذا تحركت الآن نخسر النسخة السادسة.
بيعت الخرزة بمبلغ يزيد على راتبه لعشر سنوات. لم يعد قادرًا حتى على مشاهدتها بوصفه موظفًا.
عند الاستراحة تسللا إلى الممر التقني. استخدمت يَمام نسخة مفتاح سهبان لفتح المصعد السفلي. في الطابق الثالث تحت الأرض كانت الخوادم محفوظة داخل خزائن مبردة، وكل خزانة تصدر همهمة تشبه نومًا جماعيًا. وجدا ملف وِئام، لكن النسخة السادسة لم تكن خرزة منفصلة. كانت موزعة داخل ثماني عشرة مادة أخرى، مقطعة إلى ثوانٍ صغيرة. إذا جُمعت بالترتيب الصحيح، عادت ليلة الحريق.
قالت يَمام:
— لهذا احتاجوا حق التجزئة. لم يدفنوا الدليل في خزنة؛ نشروه داخل الأيام كي لا يستطيع أحد إثبات أن قطعة واحدة تحمل الحقيقة.
فتحت برنامج التركيب. احتاجت إلى عشر دقائق لاستخراج المقاطع. بعد الدقيقة الثالثة ظهر إنذار صامت على الشاشة. أغلقت أبواب الطابق.
سمعا صوت فاضل عبر مكبر صغير:
— كنت أتمنى أن تكتفي بفقدان وظيفتك يا سُلَيْم.
قال سُلَيْم:
— افتح الباب، وسنخرج بلا نسخة.
— لو كنت تصدق ذلك لما جئت مع مهندسة تحمل مفتاحًا مسروقًا.
ظهر فاضل خلف الزجاج مع أربعة حراس. لم يبد غاضبًا؛ بدا متعبًا.
— النسخة لن تدين أحدًا، قال. الشركة التي أدارت المصنع اختفت، ومديرها مات، والمجلس الذي أغلق التحقيق تبدل. ستفعلون ماذا؟ تفتحون جرحًا قديمًا وتدمرون ثقة الناس بسوق يعيش منه نصف الحي؟
أجابته يَمام وهي تواصل العمل:
— نصف الحي يعيش منه لأنه باع النصف الآخر من نفسه.
قال فاضل إن استخراج الأيام طوعي، وإن الدار تمنح الناس سيولة حين ترفضهم البنوك، وإنها عالجت مصابين لم تنفع معهم الأدوية. لم يكن كله كذبًا. رأى سُلَيْم أشخاصًا أنقذهم بيع يوم واحد من كابوس متكرر، كما رأى آخرين باعوا أول عام من حياة أطفالهم لتسديد الإيجار. الأداة لا تختار من يستعملها، لكن السوق اختار دائمًا من يحتاج إلى البيع ومن يملك حق الشراء.
اكتمل جمع المقاطع عند وصول الحراس إلى الباب الداخلي. بقيت مشكلة واحدة: النسخة لا يمكن نقلها خارج الخادم لأنها تحمل ختم الاستقرار. يمكن تشغيلها فقط على الشبكة المحلية.
قال سُلَيْم:
— أو على شبكة القاعة.
فهمت يَمام قصده. إذا استبدلا المادة التالية في المزاد بالنسخة السادسة، سيعيش مئات الضيوف والصحفيين الدليل معًا. لن يمكن محو ما دخل عقولهم. لكن البث الكامل لذكرى عنيفة قد يؤذي الحاضرين، وبعضهم لم يوافق إلا على مواد مصنفة آمنة.
— لا نستطيع إجبارهم على عيش الحريق، قالت.
— يمكننا قطع الإحساس وترك الصورة والصوت.
— تصبح تسجيلًا مسطحًا، وقد يقولون إنه مركب.
— إذن اتركي لهم خيار الدخول.
عدلت شاشة القاعة بحيث تظهر دعوة قبل البث: «هذه مادة محجوبة تتعلق بحريق مصنع الصباغة. تتضمن مشاهد قاسية. من يوافق على المشاهدة يلمس ذراع مقعده». لم يستطيعا معرفة من سيوافق ولا إن كان الوقت سيكفي. وصل الحراس، فكسروا الباب الخارجي.
نقل سُلَيْم النسخة إلى منصة العرض. قبل أن يضغط الإرسال، فتح فاضل الباب الداخلي بمفتاح الطوارئ. اندفع حارسان نحو يَمام. وقف سُلَيْم أمام الجهاز، لكن فاضل رفع يده وأوقفهم.
قال:
— أمك ليست الضحية التي تتخيلها. هي من طلبت تقسيم اليوم.
أخرج عقدًا ورقيًا مصورًا. في هامشه توقيع وِئام وتعليمات بخطها: «قسّموا المادة بين الوحدات اللاحقة، ولا تجمعوها إلا بطلب مني». ارتبك سُلَيْم. التحذير من النسخة السادسة، الصندوق، والخطة كلها قد تعني أنها أرادت إخفاء اليوم لا كشفه.
اتصل بأمه. أجابت بعد رنات كثيرة. قرأ لها العبارة.
صمتت، ثم قالت:
— توجد ورقة داخل بطانة الصندوق. لم أفهمها.
طلب منها فتحها. سمع صوت تمزيق القماش، ثم أنفاسها.
قرأت: «قسّمت اليوم لأنهم يفتشون عن النسخة الكاملة. إذا طلبتُ جمعه وأنا وحدي، فلا تفعلوا؛ ربما أكون تحت الضغط. اجمعوه فقط إذا وصل سُلَيْم بنفسه واختار أن يعرف. لا تجعلوه يحمل النار وهو طفل».
رفع سُلَيْم عينيه إلى فاضل.
— أكملتَ نصف الجملة.
قال فاضل:
— النصف الآخر لا يغير ملكية المادة.
— لكنه يغير معنى موافقتها.
بدأ مقدم المزاد في الطابق العلوي يعلن العرض التالي. لم يبق إلا ثوانٍ. ضغط سُلَيْم الإرسال.
ظهرت رسالة الاختيار على شاشات القاعة. في البداية لم يلمس أحد المقاعد. ثم أضاء مقعد في الخلف، فآخر قرب المنصة، ثم صف كامل. وافق الصحفيون أولًا بدافع الفضول، وتبعهم أشخاص عرفوا أسماء عائلات الضحايا. خلال نصف دقيقة اختار أكثر من ثلثي الحاضرين الدخول.
بدأ اليوم.
كانت وِئام تمشي تحت المطر حاملة مظلة وطعامًا لابنتها. عبرت الشارع نحو المصنع فرأت سيارة المدير تخرج مسرعة. عند البوابة كان الحارس يجادل رجلين يريدان تثبيت سلسلة حول الأبواب لمنع عمال النوبة من المغادرة قبل انتهاء تفتيش مفاجئ. قال أحدهما إن الأمر لن يستغرق عشر دقائق. وِئام نادت نور من خلف السياج، فلوحت الطفلة من نافذة المغسلة الداخلية؛ كانت تساعد خالتها في ترتيب المناشف.
ثم ظهر الدخان.
ركض الحارس إلى السلسلة، لكن المفتاح سقط من يده. حاول العمال دفع الباب. سمعت وِئام ابنتها تصرخ باسمها. أمسكت السلسلة حتى تقطعت راحتاها، وشاركها المارة، لكن القفل لم ينفتح. جاء الرجل الذي أمر بإغلاق الباب، وانتزع الورقة المعلقة قرب البوابة قبل أن يهرب. التفت للحظة، فرأت وجهه بوضوح.
كان سهبان رُشد، قبل أن يؤسس بيت الذاكرة الصافية.
لم يكن مجرد مشترٍ جاء لاحقًا لدفن الدليل. كان المستشار القانوني للمصنع، وهو من أمر بإغلاق الأبواب كي يمنع خروج العمال أثناء مراجعة السجلات. بعد الحريق أسس شركته بأموال حصل عليها مقابل تسوية القضية، ثم استخدم أول أجهزة الاستخراج لشراء يوم وِئام وإضعاف شهادتها.
في القاعة، خلع بعض المشاهدين أطواقهم وهم يصرخون. بقي آخرون حتى النهاية، حين جلست وِئام في الشارع المبتل تحمل حذاء نور الصغير الذي خرج مع الماء من تحت الباب. لم يكن في اليوم موسيقى ولا معالجة. انتهى على صوت سيارات الإطفاء وهي تصل متأخرة.
شاهد سُلَيْم من داخل ذاكرة أمه. شعر بحرارة السلسلة في كفيها، وبصوت الطفلة يخترق صدرها. وحين انتهى اليوم، لم يستطع الوقوف. لم يكن قد عرف نور، لكنه حمل للحظات الطريقة التي أحبتها بها أمه، ثم فُصل عنها فجأة. فهم لماذا كان الحزن بلا وجه يسكن البيت، ولماذا كانت وِئام تكره رائحة القماش المحترق من دون أن تعرف السبب.
اعتُقل هو ويَمام في الطابق السفلي، لكن الخبر سبق الحراس إلى الخارج. كان ثلاثون صحفيًا قد شاهدوا اليوم، بينهم امرأة بثت موافقتها والشاشة مباشرة. حاولت الشركة وصف المادة بالمركبة، فنشر سُلَيْم سجل المقاطع وتوقيع سهبان ومفاتيح التحقق. أكد مدققون مستقلون أن القطع كلها مأخوذة من وحدة زمنية واحدة ولم تُغيّر وجوهها أو أصواتها.
أُطلق سراحهما بعد يومين بقرار قضائي مؤقت، لا لأن النظام أصبح عادلًا فجأة، بل لأن حبس شاهدي البث أمام الناس كان سيبدو اعترافًا. فُتح تحقيق جديد في الحريق، وجُمّدت أصول بيت الذاكرة، واستُدعي فاضل وأعضاء سابقون في المجلس. أما سهبان، فظهر أمام المحققين عاجزًا عن تذكر المصنع. حاول محاموه القول إن ذاكرته المتدهورة تمنع مساءلته، لكن العقود والنسخة وتسجيلات الشركة لم تكن مصابة بالنسيان.
ذهب سُلَيْم إلى أمه ومعه نسخة قانونية من يوم الحريق. وضع الخرزة على الطاولة، لكنها لم تمد يدها إليها.
قال:
— يمكنكِ مشاهدته.
— هل ستعود نور إليّ؟
— سترينها.
— لم أسأل إن كنت سأراها.
كان الأطباء قد أوضحوا أن اليوم المباع لا يمكن إعادته إلى صاحبه كما كان. يمكنها تجربته عبر الطوق، لكنها ستشاهده من داخل نسختها القديمة كزائرة، ثم تستيقظ بذاكرتها الحالية. ربما تستعيد بعض الروابط، وربما يزداد الألم من دون أن يعود الحب كاملًا.
قالت:
— عشت سنوات أبحث عن سبب الحفرة. الآن أعرف السبب. لا أعرف إن كنت أحتاج إلى السقوط فيها مرة أخرى.
احتفظت بالخرزة في الصندوق، إلى جانب صورة نور. لم تكسرها ولم تشاهدها. كان ذلك أول قرار تتخذه بشأن اليوم وهي تعرف ما يحتويه.
استمرت القضية عامًا كاملًا. أثبت التحقيق أن عدد ضحايا المصنع كان سبعة عشر لا أحد عشر؛ ستة عمال لم تُسجل عقودهم. وجدت عائلاتهم أسماءهم داخل القصاصات التي كانت وِئام تقرؤها في أيامها المبيعة. أُدين سهبان بالتلاعب بالأدلة وشراء شهادة تحت الخداع، وأُغلقت الشركة ثم أعيد فتح منشآتها تحت إدارة عامة لحفظ المواد حتى لا تضيع أيام آلاف البائعين.
لم تُحظر تجارة الأيام تمامًا. احتج مرضى يحتاجون إلى الاستخراج العلاجي، وبائعون قالوا إن المال أنقذ بيوتهم. بدل الحظر، صدر قانون يمنح البائع نسخة غير قابلة للتداول وحق الاعتراض على التعديل، ويمنع شراء الأيام المرتبطة بتحقيقات أو حوادث عمل. كانت إصلاحات ناقصة، لكنها أغلقت الباب الذي عبر منه سهبان طويلًا.
عُرض على سُلَيْم أن يعود إلى الدار مديرًا لقسم النزاهة. رفض في البداية، ثم قبل بشرط أن تعمل يَمام معه وأن يصبح للبائعين ممثلون داخل لجنة التصنيف. قالت أمه إنه يعود إلى المكان الذي سرق أيامها. أجاب بأن المخزن ما زال ممتلئًا بأيام أشخاص قد لا يعرفون أين ذهبت، وإن تركه لمن اشتروها أول مرة ليس انتصارًا.
بدأ عمله الجديد بإعادة تسمية الأشياء. ألغى عبارة «مورد الماضي» من النماذج، وكتب بدلها: «جزء غير متجدد من حياة إنسان». لم تغير الجملة السوق وحدها، لكنها جعلت الموظف الذي يقرأها يتوقف لحظة قبل الضغط على زر الاستخراج.
أما يوم البرتقال، فقد تعقب المشتري الذي حصل عليه في المزاد. كانت امرأة ثرية اسمها لَوْزان، اشترته لابنتها كما قالت. رفضت إعادته لأن البيع قانوني، ثم وافقت على أن يشاهده سُلَيْم مرة أخيرة مقابل تنازله عن المطالبة. دخل المقصورة الخاصة في بيتها، ووضع الطوق.
عاد المطر إلى النافذة. جلست وِئام الشابة أمامه، تصلح له حرف السين. في الغرفة المجاورة لم يكن السعال صادرًا عن رجل؛ كانت نور مصابة بالزكام، وتضحك بين نوباته. بعد لحظات دخلت المطبخ، أكبر منه بسنوات، وسرقت قطعة برتقال من الطبق. ضربت يد أخيها بخفة حين حاول أخذها، ثم قسمت القطعة نصفين وأعطته الأكبر.
لم يكن سُلَيْم يتذكرها، لكنه رأى نفسه يحبها. شاهد رأسه الصغير يستند إلى ذراعها، وسمعها تعده بأنها ستعلمه كتابة بقية اسمه حين تتحسن. لم تعرف أنها لن تبقى حتى الربيع.
انتهى اليوم، وبقي سُلَيْم داخل المقصورة دقائق. عرضت لوزان أن تبيعه نسخة من التجربة بسعر مخفض. ضحك للمرة الأولى منذ أسابيع، لا لأن العرض طريف، بل لأن السوق لم يعرف طريقة أخرى للتعامل مع حزنه.
قال:
— احتفظي بالخرزة. لكن لا تعدليها، ولا تستبدلي وجه أختي.
— هذا حقي في العقد.
— أعرف. وأنا لا أطلب منكِ بوصفك مالكة. أطلب بوصفك إنسانة شاهدت امرأة تقسم برتقالة مع أخيها.
لم تعده. بعد شهر وصلته رسالة منها تتضمن تنازلًا كاملًا عن اليوم لوِئام، من دون مقابل. لم تكتب سببًا.
وضع سُلَيْم الخرزة في صندوق أمه. صار لديها يومان من نور: يوم موتها ويوم ضحكها. ظلت أسابيع لا تلمسهما. ثم في صباح شتوي أعدت إبريق الشاي وطلبت من ابنها أن يجلس معها. اختارت يوم البرتقال أولًا.
شاهدا المادة بطوقين متصلين. عاش سُلَيْم اليوم من داخل ذاكرة أمه، وعاشتها وِئام من داخل نسختها السابقة. حين ظهرت نور، ارتجف جسدها. مدت يدها في الهواء كأنها تستطيع لمس شعرها، ثم قالت اسمها مرة واحدة. بعد انتهاء العرض فتحت عينيها والدموع على وجهها.
سألها:
— هل تذكرتِ؟
قالت:
— لا. لكنني صدقتُ أنني أحببتها.
كان الفرق مؤلمًا، لكنه حقيقي. لم تستعد الأمومة التي انتُزعت منها، إلا أنها لم تعد تقرأ اسم نور بوصفه معلومة عن امرأة أخرى. صار الاسم يشير إلى شخص فقدته هي، حتى لو بقيت تفاصيله خلف زجاج.
لم تشاهد يوم الحريق. طلبت أن يُحفظ في أرشيف الضحايا بحيث لا يستطيع أحد تأجيره أو امتلاكه، وأن يُعرض فقط بموافقة العائلات ولأغراض التعليم والتحقيق. قال سُلَيْم إن من حقها الاحتفاظ به. أجابت:
— حملته وحدي حين كان في رأسي، ثم حملته الشركة حين صار سلعة. الآن يجب أن يعود إلى الذين كانوا خلف الأبواب.
في الذكرى الثلاثين للحريق، أُقيمت حديقة صغيرة مكان المصنع. لم يبنوا تمثالًا ضخمًا، بل وضعوا سبعة عشر مقعدًا، على كل واحد اسم عامل. اختارت وِئام مقعد نور قرب شجرة برتقال. جاءت تحمل شتلة صغيرة زرعتها في أصيص، وساعدها سُلَيْم على نقلها إلى التراب.
قالت وهي تضغط التربة حول الجذور:
— أخاف أن أنسى هذا اليوم أيضًا.
— لن نبيعه.
— النسيان لا يحتاج دائمًا إلى عقد.
أخرج دفترًا صغيرًا وأعطاها إياه. لم يكن جهاز تسجيل ولا خرزة. كتب في الصفحة الأولى التاريخ، ووصف لون السماء ورائحة التراب وعدد المقاعد. ثم ناولها القلم.
كتبت وِئام: «زرعنا شجرة لنور. لم أتذكرها كما ينبغي، لكنني بقيت حتى سقاها سُلَيْم».
جلسا على المقعد. حولهما كانت عائلات العمال تتحدث، وبعضها يلتقي للمرة الأولى. لم يرتدِ أحد طوقًا، ولم تعرض شاشة ما يشعرون به. مر بائع فاكهة، فاشترى سُلَيْم برتقالتين. قشر واحدة وأعطى أمه نصفها. ضحكت حين رأت أنه أخذ القطعة الأكبر، وقالت إن هذه عادة قديمة. لم تعرف من أين جاءت العبارة، وربما قالها الجسد قبل الذاكرة.
عند الغروب امتلأ الدفتر بتفاصيل صغيرة: طفل ركض بين المقاعد، امرأة أحضرت صورة لجدها، وعامل سابق لمس اسم صديقه ثم ابتعد. لم يكن اليوم سعيدًا تمامًا ولا حزينًا تمامًا، ولم يصلح لإعلان تجاري. كان يومًا عاديًا وثقيلًا يخص أصحابه وحدهم.
قبل أن يغادرا، وقفت وِئام أمام شجرة البرتقال. قالت لنور كلامًا لم يسمعه سُلَيْم، ثم عادت إليه وأمسكت ذراعه. في الطريق سألها إن كانت تريد أن يكتب ما قالته كي لا تنساه.
هزت رأسها.
— ليس كل ما ننساه يضيع، قالت. بعض الأشياء تبقى في الطريقة التي نمسك بها يدًا، أو نخاف بها من رائحة، أو نقسم بها ثمرة إلى نصفين. لقد جعلونا نظن أن اليوم لا يبقى إلا إذا امتلكوه. أريد أن أترك شيئًا يعيش من دون خزنتهم.
في البيت وضعت الدفتر قرب القصاصات الملونة، لا داخل الصندوق الحديدي. وفي صباح اليوم التالي اتصلت بسُلَيْم وسألته إن كان قد تناول فطوره. كان السؤال مألوفًا، لكنه سمع خلفه هذه المرة حياة كاملة لا يستطيع أي طوق قياسها.
أجابها بأنه أكل، مع أنه لم يفعل. ثم اشترى في طريقه إلى العمل برتقالة، ووضع نصفها على مكتب يَمام. لم يشرح السبب. أكلت القطعة وقالت إن قشرها مرّ، فابتسم.
في دار الأيام، كانت خزائن الخرزات تلمع خلف الزجاج. مر بينها، يعرف أن بعضها يحمل أفراحًا اختار أصحابها بيعها، وبعضها يخفي أدلة، وبعضها ليس سوى يوم احتاج فيه إنسان إلى المال أكثر مما احتاج إلى ماضيه. لم يعد يستطيع النظر إليها كبضاعة صافية ولا كسرقة صافية. كانت قرارات بشرية اتخذت تحت درجات مختلفة من الحرية، ولهذا احتاجت إلى حراسة لا تقوم بها السوق وحدها.
فتح سجل وِئام، وعدّل خانة المالك في يوم الحريق إلى «عائلات الضحايا مجتمعة». ثم نقل يوم البرتقال إلى حسابها، وألغى صلاحية النسخ والتعديل. بقيت سبع عشرة وحدة أخرى من أيامها. لم يسترجعها كلها دفعة واحدة، ولم يفترض أنها تريد ذلك. طبع قائمة مختصرة بلا تفاصيل، ووضعها أمامها مساءً.
قال:
— هذه أيامكِ. القرار لكِ، يومًا يومًا.
اختارت استعادة ثلاثة، وترك أربعة في الأرشيف، وطلبت حذف نسختين لأنهما تحملان ألمًا لا تريد بيعه ولا مشاهدته. أما البقية فأجّلت قرارها بشأنها. للمرة الأولى لم يكن التأجيل نتيجة نسيان، بل حقًا تملكه.
مرت سنة، وكبرت شجرة نور حتى أخرجت أول زهرة. ذهبت وِئام وسُلَيْم لرؤيتها. حملت معها الدفتر، وقرأت ما كتبته في يوم الزراعة. تذكرت بعض المشهد قبل أن تقرأه: المقعد، والتراب تحت أظافرها، وطعم البرتقال. لم تعرف هل الذاكرة عادت أم أنها بنت نسخة جديدة من الكلمات والصور. لم يعد الفرق يؤلمها كما كان.
في الجهة الأخرى من الحديقة، كان طلاب مدرسة يزورون المقاعد مع معلمتهم. لم تضع لهم الأطواق، بل طلبت منهم قراءة الأسماء وسؤال العائلات عن أصحابها. جلس طفل قرب وِئام وسألها إن كانت نور تحب البرتقال. نظرت إلى سُلَيْم، ثم إلى الزهرة البيضاء الصغيرة، وأجابت بأنها كانت تقسم الثمرة بالعدل تقريبًا، لكنها تمنح أخاها الجزء الأكبر حين تظن أن أمها لا تراها. لم تعرف إن كانت تتذكر أم تستعين بما شاهدته، إلا أن الطفل دوّن الجملة بجانب اسم نور. خرجت الحكاية من الخزنة إلى دفتر آخر، هذه المرة من دون بيع.
كتبت تحت السطر القديم: «عدنا اليوم، وكانت الشجرة تعرفنا من دون عقد».
ثم أغلقت الدفتر. لم توصل رأسها بجهاز، ولم تحفظ اللحظة في خرزة. تركت النسيم يحرك الأوراق البيضاء، وتركت اليوم يمر بالطريقة القديمة: يدخل القلب ما استطاع، ويضيع منه ما شاء، ولا يصبح ملكًا لأحد.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
تعليقات
إرسال تعليق