حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
وردية بلا أجر
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
في نهاية الوردية، أعاد المشرف المئزر إلى نيروز داخل كيس شفاف، كأنه يعيد إليها شيئًا استعارته منه لا شيئًا ارتدته وهي تعمل عشر ساعات كاملة.
قال وهو يتفقد شاشة هاتفه: «سنتصل بك بعد أن نقارن بين المتقدمين.»
كانت الساعة قد تجاوزت موعد إغلاق المخبز. بقيت رائحة الزبدة المحروقة عالقة في شعرها، وعلى ساعدها خط أحمر من صينية ساخنة لم تجد وقتًا لتبريده. منذ السابعة صباحًا عجنت، ووزنت الحشوات، ورتبت الواجهة، وغسلت الأدوات، واستقبلت طلبات الزبائن في ساعة الازدحام. لم تجلس إلا سبع دقائق قرب باب المخزن، وحين رآها المشرف مجد قال إن اليوم التجريبي يكشف قدرة العامل على تحمل الضغط.
سألته: «متى يُدفع أجر اليوم؟»
رفع عينيه عن الهاتف أخيرًا. «هو يوم تقييم، مو دوام رسمي.»
«لكنني شغّلت محطة المعجنات وحدي بعد الظهر.»
ابتسم ابتسامة صغيرة لا تحمل اعتذارًا. «إذا ثبتناكِ، يُعوَّض كل شيء بالراتب. لا تستعجلي.»
خرجت نيروز من الباب الخلفي لمخبز «حبّة قمح»، وسارت إلى محطة الحافلات وهي تضغط أصابعها كي تخفف ألمها. كانت قد أمضت ثلاثة أسابيع تبحث عن عمل بعد إغلاق مطعم الفندق الذي عملت فيه سنتين. دفعت اليوم أجرة الطريق من آخر مبلغ احتفظت به، واشترت حذاءً أسود لأن الإعلان اشترط مظهرًا مهنيًا. لم تسأل منذ البداية إن كانت التجربة مدفوعة؛ خافت أن تبدو مهتمة بالمال أكثر من الفرصة.
في صباح اليوم التالي انتظرت الاتصال. أبقت هاتفها قريبًا حتى أثناء الاستحمام، وخفضت صوت التلفاز في الشقة المشتركة كي لا تفوتها الرنة. عند الظهر وصلتها رسالة قصيرة: «نشكر اهتمامك. وقع الاختيار على مرشح آخر.»
قرأت العبارة مرتين. لم تكن الصدمة في الرفض؛ اعتادت أن تتلقى رفضًا بلا تفسير. ما أثقلها أنها تذكرت عدد الصواني التي أخرجتها من الفرن، والطلبات التي سلمتها، والطاولات التي نظفتها. لم يكن اليوم اختبارًا مصطنعًا بمهام محدودة، بل عملًا احتاجه المخبز فعلًا، وانتهى من دون اسمها في كشف الأجور.
فتحت دفتر مصروفها الصغير. بعد حصة الإيجار وفاتورة الهاتف لم يبق معها ما يكفي لأسبوع كامل من التنقل. كانت تشارك الشقة مع موظفتين تعملان بنظام المناوبات، وتتجنب أن تطلب منهما قرضًا لأن إحداهما أرسلت معظم راتبها إلى أسرتها، والأخرى تنتظر أصلًا استرداد مبلغ أقرضته لنيروز عند إغلاق الفندق. أغلقت الدفتر قبل أن تعودا. لم تكن تخجل من البطالة بقدر ما تخجل من أن يبدو بحثها عن العمل عبئًا جديدًا على أشخاص يواجهون ضيقهم الخاص.
في المساء غسلت المئزر الذي أعاده مجد، مع أنها لن ترتديه مرة أخرى. انتشرت رائحة المخبز في حوض الغسيل، وشعرت أن اليوم يلتصق بها حتى بعد رفضه. فكرت في الذهاب صباحًا والمطالبة بنقودها أمام الزبائن، ثم تخيلت مجد يقول إنها فشلت وتحاول الانتقام. لم يكن لديها شاهد مستعد للكلام، ولا ورقة تثبت أنها عملت. كانت هذه هي الحيلة الأشد قسوة: أن يؤدي الإنسان عملًا ظاهرًا أمام الجميع، ثم يعود إلى بيته عاجزًا عن إثبات أنه كان عاملًا.
بعد يومين عادت إلى الشارع نفسه لتقدم طلبًا في متجر قريب. مرّت أمام «حبّة قمح»، فرأت شابة ترتدي المئزر الرمادي ذاته، تقف عند محطة المعجنات مرتبكة وهي تسأل مجد عن درجات حرارة الفرن. لم تكن المرشحة التي وقع عليها الاختيار؛ بدت في يومها الأول تمامًا، ومجد يشرح لها العبارة نفسها التي قالها لنيروز: «نريد أن نشوف قدرتك تحت الضغط.»
وقفت نيروز خلف الزجاج لحظات. في الداخل لمحها عامل غسل الصحون، رجل في أواخر الأربعين يدعى حارث. كان قد أعطاها كوب ماء يوم التجربة حين منعها الازدحام من مغادرة المحطة. خرج إليها في استراحته، وظل ممسكًا بعلبة طعام لم يفتحها.
قالت: «وظفوا هذه بدلًا مني؟»
هز رأسه. «تجربة.»
«ومن وُظف؟»
نظر نحو الباب قبل أن يجيب. «منذ تركت موظفة المعجنات قبل شهرين، ما وظفوا أحدًا. كل يومين أو ثلاثة يجيبون شخصًا للتجربة.»
حسبت نيروز الأيام. إذا عمل كل متقدم وردية كاملة، فقد ملأ المخبز معظم ساعات النقص بعمال لا يتقاضون شيئًا.
سألته: «وأنت ساكت؟»
لم يغضب من السؤال. فتح علبة الطعام ثم أغلقها. «عندي راتب متأخر أسبوعين، وإقامتي مرتبطة بعقدي. إذا تكلمت، أول واحد يطلع أنا.»
شعرت بالخجل من نبرتها. كان سكوتها هي أيضًا خوفًا، غير أن خوفه يحمل كلفة أكبر. أعطاها حارث اسمين يتذكرهما من المتقدمين السابقين: دالية، طالبة تركت رقمها عند صندوق الحساب، ورائف، شاب تدرب يومًا في قسم القهوة. لم يعرف أين تجدهما.
كان الأسهل أن تمضي. وظيفة أخرى قد تظهر، والمخبز لن يتغير من أجل يوم واحد. لكن اليوم لم يعد واحدًا. بحثت نيروز في إعلان المخبز القديم، ووجدت التعليقات مغلقة. راجعت نسخة الإعلان التي حفظتها على هاتفها، فلم تجد كلمة عن الأجر ولا مدة التجربة. كتبت رسالة إلى رقم التوظيف تسأل عن تعويضها، فوصلتها إجابة مقتضبة: «لم تنشأ علاقة عمل.»
لم ترد. حفظت الإجابة.
تذكرت دالية لأن الاسم غير مألوف. بحثت عنه في مجموعة الحي الخاصة بالوظائف، فوجدت تعليقًا قديمًا تسأل صاحبته عن ساعات العمل في المخبز. تواصلت معها. جاء الرد بعد ساعات: عملت دالية تسع ساعات، وطُلب منها تزيين اثنتين وخمسين قطعة حلوى، ثم رُفضت في اليوم التالي. كانت تظن أن الأمر حدث معها وحدها، ولذلك لم تخبر أحدًا.
أما رائف فوصلت إليه عبر عامل سابق في مقهى مجاور. أخبرهما أنه عمل يومين لأن مجد قال إن قسم القهوة يحتاج إلى اختبار أطول. في اليوم الثالث طلبوا منه توقيع ورقة تعترف بأن حضوره كان «مراقبة طوعية»، فرفض. عندها قيل له إن شخصيته لا تناسب التعامل مع الزبائن.
التقوا مساءً في مطعم شعبي بعيد عن الشارع التجاري. وضعت نيروز أمامهما ورقة بيضاء، وطلبت من كل واحد كتابة ما يتذكره: وقت الدخول والخروج، المهام، أسماء الحاضرين، والطلبات التي نفذها. لم تكن محامية، ولم تعرف إن كانت التفاصيل تكفي، لكنها عرفت من المطابخ أن الوصفة التي لا تُكتب تضيع عند أول خلاف.
اكتشفت دالية أنها ما تزال تحتفظ بصورة لطبق طلب منها مجد إعادة تزيينه، وقد التقطتها داخل المطبخ لتعرضها على أختها. ظهر في الخلفية جدول التحضير لذلك اليوم. أما رائف فاحتفظ بإيصال موقف السيارات وتسجيل دخوله إلى شبكة الإنترنت الداخلية. كانت لدى نيروز رسالة من مجد يحدد فيها موعد التجربة، وصورة للحرق على ساعدها أرسلتها مساء الوردية إلى زميلة سابقة.
قال رائف: «ننشر كل شيء ونفضحهم.»
رفضت دالية. كانت تخشى أن يظهر اسمها حين تتقدم إلى أعمال أخرى. قالت إن أصحاب المتاجر يعرف بعضهم بعضًا، وإنها لا تريد أن توصف بالمشاكسة.
قالت نيروز: «إذا نشرنا الغضب وحده، يصير الموضوع رأيًا مقابل رأي. نحتاج أولًا أن نعرف من مرّ من هناك.»
صاغوا إعلانًا عامًا لا يذكر اسم المخبز: «هل طُلب منك أداء وردية تجريبية كاملة في محل أغذية من دون أجر خلال الشهرين الماضيين؟». وضعوا وسيلة تواصل منفصلة، وطلبوا ذكر التفاصيل الخاصة فقط. نُشر الإعلان في مجموعات الباحثين عن العمل، لا في صفحات التشهير.
خلال ثلاثة أيام وصلتهم سبع إجابات. خمس منها تخص المخبز نفسه، واثنتان لمحال أخرى. كان بين المجيبين رجل عمل في تغليف الطلبات، وامرأة نظفت الواجهة بعد أن قيل لها إن النظافة جزء من اختبار خدمة الزبائن، وشاب حمل أكياس الطحين طوال يوم ثم رفضوه لأنه «بطيء في التعلم». صاروا ثمانية أشخاص، بمجموع اثنتين وسبعين ساعة عمل لم يُدفع عنها شيء.
اجتمع خمسة منهم في القاعة الخلفية للمطعم الشعبي. حمل كل واحد رواية تشبه الأخرى وتختلف في التفصيل الذي يؤلمه. قال عامل التغليف إنه اشترى قميصًا أبيض خصيصًا للتجربة، ثم اضطر إلى بيعه بعد الرفض ليسدد أجرة غرفته. أما المرأة التي نظفت الواجهة فكانت قد تركت طفلها عند جارتها مقابل مبلغ، فخرجت من اليوم مدينة للجارة بدل أن تعود بأجر. والشاب الذي حمل الطحين ظل يومين يعالج ألم ظهره، ثم أقنع نفسه بأن جسده هو الذي خانه، قبل أن يعرف أن متقدمًا آخر حمل الأكياس نفسها بعده.
لم يتحدثوا كضحايا في البداية. تبادلوا المزاح عن أخطائهم الصغيرة، وعن صينية احترقت، وكوب سقط، وطلب وصل متأخرًا. كان كل واحد يحاول أن يثبت للآخرين أنه لم يُرفض لأنه عديم الكفاءة. أدركت نيروز أن المخبز لم يأخذ ساعاتهم فقط؛ ترك كل واحد منهم يحمل تفسيرًا شخصيًا للفشل. حين وضعوا الوقائع جنبًا إلى جنب، ظهر أن معظمهم أدى مهام مختلفة في الأيام التي تنقص فيها مناوبات العاملين الدائمين. لم يكونوا سلسلة مرشحين سيئي الحظ، بل جدول عمل موزعًا على أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا.
لم يكن الجميع مستعدين لتقديم شكوى. اثنان أرادا فقط أن يعرفا أنهما لم يكونا ساذجين. امرأة طلبت حذف اسمها فورًا لأن زوجها لا يعلم أنها عملت ذلك اليوم. احترمت نيروز رغبتهم، وفصلت الشهادات المجهولة عن الأدلة التي وافق أصحابها على استخدامها.
ذهبت مع دالية ورائف إلى مركز صغير يقدم استشارات للعمال والباحثين عن عمل. استمعت إليهم المستشارة، ثم شرحت أن تسمية اليوم «تجريبيًا» لا تحسم طبيعته وحدها؛ المهم هل كان المتقدم يراقب ويتعلم في مدة معقولة، أم أدى عملًا منتجًا استفاد منه المكان وتحت إشرافه. نصحتهم بألا يبالغوا في الادعاء، وأن يميزوا بين ما شاهدوه بأنفسهم وما سمعوه من غيرهم، وأن يطلب كل شخص أجر ساعاته كتابة قبل اتخاذ خطوة أخرى.
أرسل خمسة منهم مطالبات منفصلة في صباح واحد. تضمنت كل مطالبة موعد الحضور وعدد الساعات والمهام المنفذة. لم يهددوا، ولم يستخدموا الشتائم. طلبوا ردًا خلال مدة محددة، ونسخة من سياسة الأيام التجريبية.
بعد ساعة اتصل مجد بنيروز.
قال من دون تحية: «أنتِ جاي تجمعين الناس علينا؟»
«أنا أطلب أجري.»
«ما عندك عقد.»
«عندي موعد حددته أنت، وتعليماتك أثناء الوردية، وطلبات خرجت للزبائن من عملي.»
خفض صوته. «صاحب المخبز ما يعرف التفاصيل. أنا كنت أحاول أختار الأفضل.»
«ثمانية أشخاص حتى تختار عاملًا واحدًا لم توظفه؟»
صمت، ثم قال إن إثارة المشكلة ستغلق باب العمل أمامها في الشارع كله. كانت العبارة أكثر ما أخافها لأنها لامست سبب سكوت الجميع. شعرت برغبة في الاعتذار وإنهاء المكالمة، لكنها سألت بهدوء: «هل هذا جواب رسمي على طلب الأجر؟»
أغلق الخط.
في اليوم التالي، حذف المخبز إعلان التوظيف، ثم اتصل محاسب المالك بكل واحد من أصحاب المطالبات. عرض دفع نصف الساعات بوصفه «مساعدة حسن نية» بشرط توقيع إقرار بعدم وجود علاقة عمل وعدم مناقشة الأمر. وافق اثنان؛ كانا يحتاجان إلى المال فورًا. رفضت نيروز ودالية ورائف، لا لأن المبلغ قليل وحده، بل لأن الورقة ستجعل المشكلة تبدو إحسانًا من المخبز لا أجرًا مستحقًا.
قدموا شكوى جماعية إلى الجهة المختصة، وأرفقوا ما يملكونه. لم يحدث شيء درامي. لم تصل سيارات إلى المخبز، ولم يُغلق في المساء. استمر في بيع الخبز، وبقي مجد خلف الواجهة. مر أسبوعان من دون جواب، وبدأ رائف يعتقد أنهم أضاعوا وقتهم.
خلال ذلك وجدت نيروز عملًا جزئيًا في مطبخ مدرسة خاصة. كان الراتب أقل مما كانت تأمله، لكنه واضح، وساعات التجربة التدريبية مسجلة ومدفوعة. في أول يوم، أعطاها المدير ورقة بالمهام وسألها أن توقع وقت دخولها. لم تكن الورقة امتيازًا كبيرًا؛ مع ذلك، كادت تبكي لأنها رأت اسمها إلى جانب الساعات، لا خارجها.
بعد شهر، حضر مفتش إلى «حبّة قمح» وطلب سجلات التوظيف وكاميرات الأيام المحددة. لم يكن المخبز قد حذف التسجيلات كلها. أظهرت المقاطع المتقدمين وهم يشغلون محطات كاملة، بينما يغيب العامل الدائم أو ينتقل إلى قسم آخر. وأظهرت سجلات المبيعات أن أيام التجارب لم تكن دورات تعليمية مغلقة، بل أيام عمل عادية بيعت فيها المنتجات التي أعدها المتقدمون.
استدعاهم المركز واحدًا بعد آخر لمطابقة الأوقات الظاهرة في التسجيلات. جلست نيروز أمام شاشة صغيرة تشاهد نفسها تدخل المطبخ بثياب نظيفة وحركة متحمسة، ثم تظهر بعد ساعات بكتفين منحنيين وهي تحمل صينية تلو أخرى. لم يكن في التسجيل صوت، لكن جسدها تذكر الضوضاء والحرارة قبل أن تصل الصورة إلى نهاية الوردية. عند إحدى اللقطات ظهر مجد يشير إليها بأن تنتقل إلى حوض الغسيل بعدما غادر العامل المسؤول. ثبت المفتش الزمن وسألها عن المهمة. أجابت بدقة، ثم أضاف حارث في شهادته أن المطبخ كان سيضطر إلى إغلاق محطة المعجنات ذلك اليوم لولا وجودها.
كان حارث آخر من قرر الكلام. انتظر حتى تسلم جزءًا من راتبه المتأخر، ثم حضر إلى المركز مرتديًا قميص العمل نفسه. قال إنه خاف على عقده، وإن خوفه لم يختفِ، لكنه أدرك أن الإدارة استخدمت صمته لإحضار متدرب جديد كلما تراكمت المهام. لم يطلبوا منه أن يكون شجاعًا في كل شيء؛ طلبوا أن يصف ما رآه فقط. فعل ذلك، وغادر من دون خطبة أو وعد.
اتصل المالك بنيروز وطلب لقاء المجموعة. قال إنه ترك التوظيف لمجد ولم يعرف عدد المتدربين. لم تصدقه تمامًا؛ فالنقص استمر شهرين، وكلفة الأجور لا تختفي من الحسابات بلا أن يلاحظها صاحب العمل. لكنه وافق، تحت متابعة الشكوى، على دفع الساعات المثبتة، وتعويض من استُدعي ليوم ثانٍ، ووضع سياسة مكتوبة لأي اختبار مهني لاحق: مدة قصيرة لمهمة محددة لا تدخل في الإنتاج، أو وردية مدفوعة إذا استفاد المخبز من العمل.
استقال مجد قبل انتهاء الإجراءات. أخبر حارث نيروز لاحقًا أن الإدارة عرضت عليه توقيع عقد جديد وتسوية راتبه المتأخر. لم يتحول المكان إلى نموذج مثالي، ولم يعتذر أحد علنًا. حصل خمسة على أجورهم كاملة، وثلاثة على مبالغ بحسب الساعات التي استطاعوا إثباتها. أما الذين طلبوا إخفاء أسمائهم، فبقيت شهاداتهم سببًا في فهم النمط، وإن لم تدخل في التسوية.
في صباح استلامها المبلغ، لم تشعر نيروز بالانتصار الذي تخيلته. كان المال أقل من كلفة الوقت والقلق، والحرق على ساعدها ترك أثرًا خفيفًا. اشترت لنفسها إفطارًا، ثم حولت جزءًا من المبلغ إلى دالية التي تأخر تحويلها بسبب خطأ في الحساب، على أن تعيده حين يصل. ضحكتا من المفارقة: بعد كل ما حدث، ما زالتا مضطرتين إلى مطاردة المال الذي كسبتاه بأيديهما.
بعد أسابيع، مرّت نيروز أمام المخبز في طريقها إلى المدرسة. كان على الباب إعلان جديد عن وظيفة في قسم المعجنات. لم تقترب لتقرأه، لكن حارث خرج إليها وأشار إلى سطر أضيف أسفل الإعلان. قال إن السطر يوضح أن الوردية التجريبية مدفوعة.
في الداخل كانت موظفة جديدة ترتب الصواني. لم تكن متقدمة عابرة؛ كان اسمها مثبتًا على لوحة المناوبات، ولها خزانة صغيرة قرب غرفة الاستراحة. لم تعرف شيئًا عن نيروز ولا عن السبعة الذين سبقوها، وربما ظنت أن الأجر في يوم التجربة أمر طبيعي لا يحتاج إلى معركة.
كان هذا أفضل ما في الأمر.
فالحق حين يستقر لا ينبغي أن يبدو بطولة استثنائية، بل قاعدة عادية لا يضطر أحد إلى طلبها مرتين.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق