معطف باسمين

معطف باسمين
لم تنتبه عايدة نوري إلى المعطف في البداية. كانت واقفة عند باب الإدارة، تمسح بمنديل ورقي قطرات المطر التي حملتها الريح إلى سجل الحضور، حين شقّ صراخ حاد ضجيج الطالبات المتدافعات في الممر. قالت فتاة: «هذا معطفي! أعرفه من الزر المكسور.» توقفت عشرات الأقدام دفعة واحدة. في المدارس، تنتشر التهمة أسرع من رنين الجرس؛ تكفي جملة ناقصة حتى تصير لها شهود وحكاية ونهاية. رفعت عايدة رأسها فرأت طالبة من الصف الثالث تمسك بكمّ معطف خمري ترتديه فتاة أصغر منها. كانت صاحبة اليد تالا فاضل، ابنة رئيسة مجلس الأمهات، أما الأخرى فعرفتها عايدة بعد لحظة: رُبى خليل، طالبة هادئة من الصف الأول، كثيرة الغياب في الأيام الماطرة. قالت عايدة بصوت لم ترفعه، لكنه وصل: «اتركي كمّها يا تالا.» أفلتت تالا القماش، وبقيت أصابعها معلقة في الهواء كأنها ما زالت تمسك بالدليل. تجمعت الطالبات في نصف دائرة. كانت رُبى تحدق إلى الأرض، وقد أغلقت المعطف حتى ذقنها. «سرقته من بيتنا، أو من صندوق التبرعات»، قالت تالا. «أمي وضعته في حملة الشتاء قبل أسبوعين. اسمي مخيط داخله.» اقتربت المعاونة وطلبت من رُبى أن تفتح المعطف. لم تتحرك. مدت يدها إلى السحّاب، فتقدمت عايدة خطوة ومنعتها. «ليس هنا. إلى الإدارة.» في الغرفة الضيقة، جلست رُبى على طرف الكرسي، بينما وقفت تالا قرب المدفأة الكهربائية. كانت المديرة، ابتهاج كامل، لم تصل بعد بسبب ازدحام الشوارع، فصار على عايدة، بصفتها مسؤولة السجلات، أن تمنع الموقف من التحول إلى محاكمة مرتجلة. خلعت رُبى المعطف ببطء. قلبته تالا بسرعة، وأظهرت شريطًا أبيض صغيرًا خيط عند الياقة بخيط أزرق. كُتب عليه اسمها بقلم قماشي باهت. قرب الجيب الداخلي زرّ بديل أخضر لا يشبه بقية الأزرار. قالت منتصرة: «ألم أقل لكم؟ حتى الزر أخضر. أمي أصلحته ليلة السفر إلى أربيل.» سألت عايدة رُبى: «من أين حصلتِ عليه؟» ظل فم الفتاة مغلقًا. كان وجهها جامدًا بطريقة لا تشبه الإنكار، بل تشبه شخصًا يعرف أن كل جواب سيؤذيه. وبعد صمت طويل قالت: «أمي اشترته.» «من أين؟» «لا أعرف.» وصلت المديرة بعد عشر دقائق، ومعها نهى فاضل، والدة تالا. كانت قد تلقت اتصالًا من ابنتها قبل أن تجمع المدرسة الهواتف. دخلت نهى وهي تحمل مظلة تقطر على البلاط، ثم نظرت إلى المعطف فوق المكتب كما ينظر المرء إلى شيء خرج من قبره. قالت: «تبرعت به ضمن حملة كسوة الشتاء. كان نظيفًا وغاليًا، ولم نلبسه إلا موسمًا واحدًا. كيف وصل إليها؟» لم تسأل عن اسم رُبى. أشارت إليها فقط. قالت المديرة إن المدرسة ستتصل بولي أمرها، وإن الأمر قد يستدعي تعهدًا، وربما إبلاغ الشرطة إذا ثبتت السرقة. عند كلمة الشرطة، رفعت رُبى رأسها للمرة الأولى. لم تبك، لكنها أمسكت حافة الكرسي بكلتا يديها. قالت عايدة: «قبل أي تعهد، نعرف مسار المعطف. السيدة نهى تقول إنها سلمته للحملة، ورُبى تقول إن أمها اشترته. الاثنان ممكنان.» التفتت نهى إليها. «كيف يكونان ممكنين؟ نحن لم نقم بسوق.» كانت الحملة قد بدأت في أول كانون الأول. اقترحتها نهى في مجموعة الأمهات، ثم وضعت المدرسة ثلاث حاويات كرتونية في المدخل، تحمل عبارات عن الدفء والتكافل. خلال أسبوع امتلأت الحاويات بملابس شتوية وأحذية وبطانيات. التقطت لجنة النشاط صورًا للأكياس، ونشرتها صفحة المدرسة، ثم جاءت شاحنة صغيرة وأخذت كل شيء إلى جمعية اسمها «يدٌ للحي». لم تحتفظ المدرسة بقائمة مفصلة؛ كتبوا فقط: اثنان وثلاثون كيسًا، وست بطانيات، وثلاثة صناديق أحذية. اتصلت المديرة برقم الجمعية. أجاب رجل اسمه غسان، وقال إن التوزيع تم في أطراف بغداد، وإن المستفيدين وقعوا على الاستلام. حين سألته عايدة عن الملابس التي لا تناسب المقاسات، شرح بثقة أن الجمعية تستبدل بعضها مع مخازن الملابس المستعملة لتوفير المقاسات المطلوبة. سألته: «تستبدلونها كيف؟» تغير صوته قليلًا. قال إن التفاصيل عند مسؤولة المخزن، وإنه سيرسل الرقم لاحقًا. قالت نهى: «هذا لا يغير شيئًا. المعطف لم يُعطَ لهذه الطالبة.» أجابتها عايدة: «لكنك حين تبرعتِ به، نقلتِ ملكيته. السؤال ليس لماذا ارتدته رُبى، بل هل أخذته بغير حق.» اعترضت المديرة على كلمة الملكية، كأنها قانون أثقل من حادثة مدرسية، ثم قررت إبقاء المعطف في خزانتها إلى أن تحضر والدة رُبى. رفضت الفتاة العودة إلى الصف من دونه. كان قميصها المدرسي رقيقًا، والنافذة لا تنغلق تمامًا. أخرجت عايدة سترتها الصوفية من المشجب ووضعتها على كتفيها. قالت رُبى بصوت خافت: «لا أريد شيئًا من أحد.» «هذه ليست هدية. ستعيدينها لي عند انتهاء الدوام.» قبل الظهر بقليل، وصلت أم رُبى. كان اسمها سنابل محمود، عاملة تغليف في مخبز آلي، وقد خرجت من نوبتها قبل نهايتها. دخلت بغطاء رأس رطب ورائحة خميرة عالقة بثيابها. لم تجلس حين عرضت عليها المديرة الكرسي. استمعت إلى القصة كلها، ثم قالت: «اشتريته يوم الجمعة من سوق الملابس في النهروان. دفعت ثمانية آلاف دينار.» طلبت نهى وصلًا، فضحكت سنابل ضحكة قصيرة بلا فرح. «وصل؟ من بسطة تحت جسر؟» قالت المديرة: «هناك اسم الطالبة مخيط في الداخل.» نظرت سنابل إلى ابنتها، ثم إلى المعطف. «رأيت الاسم. حاولت نزعه، لكن الخيط كان يشد القماش. قلت لها تلبسه يومين إلى أن أضع فوقه رقعة.» «ولم تستغربي أن معطفًا كهذا يباع بذلك السعر؟» سألت نهى. أجابتها سنابل: «كل شيء في السوق كان يخص أحدًا قبلي. القمصان عليها أسماء مدارس، والأحذية فيها أرقام هواتف، وبعض الجيوب بقيت فيها مناديل. لو استغربنا، سنرجع بلا ملابس.» ساد الغرفة صمت أثقل من الاتهام. كانت رُبى لا تزال ترتدي سترة عايدة، وأكمامها أطول من ذراعيها. قالت نهى إن الكلام مؤثر، لكنه لا يثبت الشراء. عندها أخرجت سنابل هاتفًا قديمًا، وفتحت محادثة بينها وبين أختها. أرسلت يوم الجمعة صورة لرُبى واقفة أمام البسطة وهي ترتدي المعطف، وكتبت تحتها تسأل إن كان لونه مناسبًا. كان التاريخ سابقًا لأول يوم ارتدته فيه في المدرسة، لكنه لا يثبت كيف وصل إلى البسطة. رأت عايدة في خلفية الصورة كيسًا شفافًا مطبوعًا عليه شعار الجمعية نفسه. كبّرت الصورة. ظهرت أكياس كثيرة مكدسة قرب شاحنة بيضاء، ورجل ينقل الملابس إلى البائع. قالت: «نحتاج إلى الذهاب إلى السوق.» رفضت المديرة أولًا؛ المدرسة ليست جهة تحقيق، والدوام لم ينتهِ. لكن وجود صورة منشورة للحملة، وتهديد سابق بالشرطة، جعلا التراجع أصعب من المتابعة. اتفقن على أن تذهب عايدة بعد الدوام مع سنابل، وأن يبقى المعطف في خزانة الإدارة. تركت نهى رقمها وخرجت مع ابنتها، بينما عادت رُبى إلى صفها بسترة عايدة. عند البوابة، سمعت عايدة طالبتين تتهامسان: «هذه هي الحرامية.» أدارت رُبى وجهها إلى الجدار كأنها تصلح رباط حذائها. انتظرت عايدة أن تبتعدا، ثم قالت: «غدًا سنتكلم في الطابور.» ردت الفتاة: «إذا قلتم إني لم أسرق، سيقولون خافت المدرسة مني.» لم تجد عايدة جملة تطمئنها. الحقيقة تصل متأخرة غالبًا، وحين تصل لا تجد الجمهور نفسه. بعد انتهاء الدوام، ركبت مع سنابل حافلتين صغيرتين إلى سوق النهروان. كان المطر قد تحول إلى رذاذ، والطريق مليئًا بحفر تعكس مصابيح السيارات. جلستا متجاورتين من دون حديث طويل. أخبرتها سنابل أنها انفصلت عن زوجها منذ ثلاث سنوات، وأنه يرسل مبلغًا غير ثابت. تعمل من الخامسة فجرًا إلى الواحدة، وتترك رُبى وأخاها عند خالتهما في أيام العطل. قالت ذلك بلهجة تقريرية، لا كمن يقدم ملفًا لاستحقاق الشفقة. وجدتا البسطة مغلقة بقماش أزرق. اتصلت سنابل برقم كانت قد أخذته من البائع حين سألته عن أحذية مدرسية. جاء بعد نصف ساعة على دراجة نارية، منزعجًا وخائفًا في آن. كان اسمه زهير عويد، وقال إنه اشترى حمولة الملابس من وسيط يتعامل مع جمعيات عدة. قالت عايدة: «هل تعرف أنها تبرعات؟» «قالوا فائض غير صالح للتوزيع.» «وهذا المعطف غير صالح؟» نظر إلى الصورة في هاتفها. «يمكن مقاسه قليل الطلب. الجمعيات تريد ملابس رجال وأطفال أكثر. ملابس البنات الكبيرة تبقى.» أخرج دفترًا صغيرًا من صندوق الدراجة، وأراها رقم الوسيط وتاريخ الحمولة. كان قد دفع ثمانمئة وخمسين ألف دينار مقابل وزن كامل، لا مقابل قطع معدودة. رفض تصوير الصفحة حتى اتصلت عايدة بغسان وشغلت مكبر الصوت. أنكر غسان أولًا، ثم قال إن البيع إجراء معتاد لتمويل النقل وشراء بطانيات موحدة، وإن الجمعية لا تستطيع تخزين كل ما يصل إليها. سألته سنابل: «يعني أنا اشتريت منكم الشيء اللي أعطاه الناس حتى يصل لي مجانًا؟» قال غسان إن أحدًا لم يجبرها على الشراء، وإن الجمعية وزعت مساعدات فعلية على مئات الأسر. كانت إجابته صحيحة بالمعنى الضيق، وقاسية بالمعنى الكامل. طلبت عايدة كشفًا بالمبالغ التي دخلت من بيع الفائض وما اشتُري بها. قال إن المحاسب مسافر، وإن الأوراق في المخزن. ذكّرته بأن المدرسة ستنشر توضيحًا عن مصير تبرعاتها، فوافق على لقاء صباح اليوم التالي. في طريق العودة، قالت سنابل: «لا أريد معطفهم. سأشتري غيره آخر الشهر.» «هو معطفك الآن.» «كلما لبسته البنت، سيقرؤون اسم الثانية داخله.» فهمت عايدة أن إثبات الحق لا يمحو الإهانة. اقترحت إزالة الشريط وإصلاح القماش عند خياطة تعرفها. رفضت سنابل المال، فكررت عايدة العبارة نفسها التي قالتها لابنتها: ليست هدية؛ إنها كلفة خطأ شاركت المدرسة في صنعه. في صباح اليوم التالي، حضر غسان ومعه ملف ناقص. أظهر وصولات شراء بطانيات، لكنها تغطي أقل من نصف المبلغ المقدر من بيع الملابس. قال إن الباقي ذهب لأجرة الشاحنة والإيجار والعمال. لم تكن هناك سرقة واضحة يمكن وضع إصبع عليها، بل نظام من الاتفاقات الشفهية والنيات الحسنة والمصاريف التي يأكل بعضها بعضًا حتى يصل المعطف المجاني إلى الفقير بسعر. حضرت نهى أيضًا. قرأت الأوراق، ثم اتصلت بأعضاء مجلس الأمهات. كانت غاضبة لأن صورتها ظهرت في إعلان الحملة، وخافت أن تتحول القصة إلى فضيحة على صفحات الحي. اقترحت أن تعيد الجمعية ثمن المعطف لسنابل، وأن تنشر المدرسة عبارة عامة عن «سوء تفاهم تمت معالجته». قالت عايدة: «المشكلة ليست ثمانية آلاف.» «إذن ماذا تريدين؟» «أن تعرف الطالبات أن رُبى لم تسرق. وأن نعرف نحن ماذا يحدث بعد الصورة التي ننشرها للأكياس.» اعترضت المديرة على ذكر اسم رُبى في الطابور، حمايةً لها. وحين سألوا الفتاة، قالت إنها لا تريد أن تقف أمام الجميع ولا أن تعتذر لها تالا على المنصة. طلبت شيئًا واحدًا: «قولوا إن المعطف مباع من الجمعية، من غير اسمي. والباقي يعرفونه وحدهم.» في الطابور، تحدثت المديرة عن التسرع في الاتهام، وأعلنت أن قطعة الملابس موضع الخلاف خرجت من حملة التبرعات إلى سوق البيع قبل أن تشتريها أسرة إحدى الطالبات بصورة مشروعة. لم تذكر اسمًا. مع ذلك، التفتت عشرات الوجوه نحو رُبى. هذه المرة لم تخفض رأسها. بعد الطابور، جاءت تالا إلى الإدارة برفقة أمها. قالت اعتذارًا قصيرًا تدربت عليه: إنها أخطأت حين أمسكت رُبى أمام الطالبات. لم تطلب منها رُبى أن تسامحها، ولم ترفض. اكتفت بقول: «لا تمسكي ملابسي مرة ثانية.» وضعت نهى المعطف على المكتب. كانت الخياطة قد نزعت الشريط الأبيض، ورقعت مكانه بقطعة قماش خمرية مطابقة تقريبًا. أما الزر الأخضر فبقي كما هو. قالت نهى: «كان يمكن تبديله.» لمست رُبى الزر وقالت: «لا. هذا يجعلني أعرفه.» لم تُلغَ حملة الشتاء، لكن شكلها تغير. اقترحت عايدة أن تتوقف المدرسة عن جمع الأكياس المجهولة، وأن تفتح يومين في الشهر غرفة لتبادل الملابس داخل المدرسة من دون تصوير المتبرعات أو المستفيدات. تُفحص القطع، وتُنزع منها الأسماء والمناديل والأوراق، وتُرتب حسب المقاس. من تأخذ قطعة لا توقع باسمها؛ يسجل العدد فقط. أما ما يرسل إلى جمعية خارجية، فيرافقه كشف، ولا يسمح ببيعه إلا باتفاق مكتوب يوضح السبب والمبلغ ومصيره. قالت المديرة إن المشروع يحتاج غرفة ورفوفًا ومسؤولة. نظرت إلى عايدة، فهزت رأسها قبل أن تُكلف تلقائيًا. «أديره هذا الشهر فقط، وبعدها تكون المناوبة بين الموظفات ومجلس الأمهات.» ابتسمت نهى ابتسامة محرجة. فهمت الرسالة، ووافقت على أول مناوبة. خلال الأسابيع التالية، امتلأت الغرفة ببطء. لم يسموها غرفة الفقراء، ولا مخزن التبرعات. كتبوا على الباب «التبادل»، لأن الكلمة لا تفترض اتجاهًا واحدًا للفضل. جاءت طالبة بحذاء ضاق عليها وأخذت حقيبة، وتركت معلمة معطفًا وأخذت كتابين لابنة أختها، ووضعت أم زيًا رياضيًا لم يُستخدم إلا مرة. بعض الطالبات أخذن أشياء ولم يتركن شيئًا، ولم يسألهن أحد. كانت رُبى تمر بالباب من غير أن تدخل. ظل المعطف معها طوال الشتاء، وصار الشريط المرقع داخل الياقة أكثر نعومة مع الغسل. خفتت الحكاية بين الطالبات، ثم جاءت حكايات أخرى. وحده الزر الأخضر بقي ظاهرًا كلما رفعت يدها في الصف. في آخر يوم بارد من آذار، دخلت رُبى غرفة التبادل وهي تحمل كيسًا ورقيًا. أخرجت منه سترة عايدة الصوفية، مطوية ونظيفة. قالت عايدة: «كان يمكنك إعادتها في اليوم نفسه.» «أمي أصلحت الفتحة تحت الإبط. وجدتها حين غسلتها.» ثم أخرجت وشاحًا أزرق صغيرًا ووضعته على رف الملابس. قالت إن أخاها لم يعد يلبسه. سألتها عايدة: «هل تريدين شيئًا بدلًا منه؟» تفحصت الرفوف، واختارت زوج قفازات رمادية. جربتهما، فكانا مناسبين. لم تشكر أحدًا، ولم يشكرها أحد. سجلت عايدة في الدفتر: قطعة دخلت، وقطعة خرجت. قبل أن تغادر، خلعت رُبى المعطف الخمري وعلّقته لحظة على المشجب كي ترتب حقيبتها. انفتح طرف الياقة، فظهر مكان الاسم القديم: مستطيل صغير بلا حروف، لا يحمل اسم تالا ولا اسم رُبى. كان القماش قد احتفظ بثقوب الإبرة فقط، صفين متوازيين من آثار دقيقة. أعادت رُبى ارتداءه وأغلقت السحّاب. في الخارج، كانت الشمس قد ظهرت بعد أسبوع من المطر، فصار المعطف أثقل مما يلزم. لكنها لم تخلعه. قالت عايدة: «الجو دافئ اليوم.» أجابت رُبى وهي تمسح الزر الأخضر بإبهامها: «أعرف. سأحمله عند الباب.» ومشت عبر الممر من دون أن تخفيه تحت ذراعها. عند الساحة، نزعت المعطف فعلًا وحملته فوق حقيبتها، لا كشيء استعارته من حياة أخرى، ولا كدليل نجاة من تهمة، بل كقطعة اشترتها أمها في ظهيرة مزدحمة، ودفعت ثمنها، واختارتها لها من بين مئات الأشياء التي فقدت أسماء أصحابها. راقبتها عايدة حتى خرجت من البوابة، ثم عادت إلى غرفة التبادل. قلبت السترة الصوفية التي أصلحتها سنابل، فرأت تحت الإبط غرزة دقيقة بلون لا يطابق النسيج تمامًا. ابتسمت وعلقتها على المشجب بدل أن تأخذها إلى مكتبها. في الدفتر، شطبت أمامها عبارة «مسترجعة إلى صاحبتها»، وكتبت: «جاهزة لمن يحتاجها».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*

مقعد القطار رقم 9