حكايات الفا الموقع الرسمي للكاتب والروائي عمر إلفا (Omar Elpha)، لنشر القصص الواقعية والاجتماعية، وقصص الحب والرعب والتشويق والخيال، والرسائل الأدبية. Elpha Tales Elpha Tales is a digital reading platform and application for story enthusiasts. Users can sign in with Google to securely save reading progress and personal favorites.
الدائرة الناقصة
الحصول على الرابط
Facebook
X
Pinterest
بريد إلكتروني
التطبيقات الأخرى
بواسطة
𝑶𝑴𝑨𝑹 𝑬𝑳𝑷𝑯𝑨
-
بدأت لُبنى الجاسر مهمتها بورقة تحمل قرارًا شبه مكتمل: إلغاء المسار الدائري السادس في مدينة دار السرو مع نهاية الأسبوع. لم يبقَ، وفق رئيس القسم، سوى أن تضيف توقيعها تحت جدول الأرقام: ثمانية وثلاثون راكبًا في اليوم، وكلفة تشغيل تكفي لخدمة ثلاثة أضعافهم في الأحياء الجديدة.
قال لها وهو يدفع الملف عبر المكتب: «لا نحتاج إلى دراسة طويلة. اركبي الحافلة مرة، قارني الواقع بالنظام، ثم أغلقي المسألة.»
كان يعرف أن لُبنى تجيد إغلاق المسائل. أمضت سبع سنوات في تحليل حركة النقل، وتحولت عندها المدينة إلى نقاط تتقدم فوق شاشة: كثافة، تأخير، استهلاك، ومسافة فارغة. لم تكن تستخف بالناس، لكنها كانت تؤمن بأن العدالة تبدأ حين تُوزع الخدمة على أكبر عدد ممكن، لا حين يُحمى خط قديم لأن سكانه اعتادوه.
في السادسة صباح اليوم التالي، وقفت عند المحطة الأولى من المسار السادس. لم يكن هناك لوح مواعيد؛ مجرد عمود حديدي نزعت الشمس لونه، ومقعد إسمنتي ضيق. وصلت الحافلة متأخرة أربع دقائق، صغيرة وعتيقة، بلون أخضر باهت. فتح السائق الباب قبل أن تتوقف تمامًا، ثم قال معتذرًا: «الحفرة قرب المستودع اتسعت.»
كان اسمه قيس مهنّا. رجل في أواخر الخمسين، ذو شارب رمادي ويدين تتحركان على المقود برفق غريب، كأنه يقود شيئًا نائمًا. مررت لُبنى بطاقتها على الجهاز، فأصدر صوتًا حادًا ورفضها.
قال قيس: «الجهاز متعطل منذ شهر. ضعي الأجرة في الصندوق.»
دفعت قطعة نقدية وجلست في الخلف، من دون أن تعرّف بنفسها.
عند المحطة الثانية، صعدت امرأة تحمل زيًّا أبيض داخل كيس شفاف. عند الثالثة، صعد رجل مسن بعصا وعلبة معدنية صغيرة. ثم عاملة مخبز تفوح من معطفها رائحة الخميرة، وشاب يحمل صندوق أدوات، وامرأة تجر عربة قماشية ممتلئة بملابس مكوية. كان كل واحد يدفع نقدًا، ولا يظهر اسمه أو رحلته على الجهاز المعطل.
فتحت لُبنى تطبيق العد في هاتفها. قبل بلوغ السوق القديم، صار الركاب أربعة عشر، بينما سجل النظام في تلك الساعة راكبين فقط.
راقبت قيس. بعد كل محطة كان يضع علامة صغيرة في دفتر مثبت قرب المقود. وحين نزل الرجل المسن أمام مركز غسيل الكلى، انتظر السائق حتى يعبر المدخل، رغم أن سيارة خلفه أطلقت بوقها مرات.
سألته لُبنى عندما خلا المقعد الأمامي: «لماذا تسجل الركاب يدويًا؟»
«حتى أعرف من ركب ومن غاب.»
«أقصد لأجل الحساب.»
«الإدارة لا تأخذ دفتري. تقول إن النظام هو المرجع.»
أشارت إلى الجهاز. «لكنه لا يعمل.»
ابتسم من دون أن ينظر إليها. «لهذا يقولون إن الناس لا يركبون.»
انتهى المسار عند سفح تلة الحور، بعيدًا عن البيوت بنحو كيلومتر. نزلت عاملة المخبز، سندس رفعت، وبدأت تصعد الطريق المنحدر بخطوات بطيئة. كانت تحمل كيس خبز لم يُبع في الليلة الماضية.
لحقت بها لُبنى وسألتها إن كانت المحطة بعيدة عن بيتها.
قالت سندس: «كانت قرب الساحة. نقلوها حين فتحوا الطريق الدائري، وقالوا إن الحافلة لا تستطيع الدخول بين السيارات. أمي توقفت عن الذهاب إلى العيادة بعدها. أما أنا فأنزل هنا لأن سيارة الأجرة تأخذ ربع أجري.»
«هل تستعملين الخط يوميًا؟»
«ستة أيام. ذهابًا وعودة.»
في النظام، لم تظهر لسندس رحلة واحدة.
عادت لُبنى إلى المستودع مع الحافلة. كان مسؤول التشغيل، نضال وهدان، يعرف سبب تعطل الجهاز. أخرج من درج مكتبه ثلاث مذكرات صيانة موقعة، وقال إن القطعة المطلوبة وصلت مرتين، لكنها رُكبت في حافلتين تعملان قرب المجمع التجاري الجديد لأنهما تحققان دخلًا أعلى.
سألته لُبنى: «وماذا يحدث للنقود التي يجمعها المسار السادس؟»
«تُسلَّم إلى الصندوق كل مساء.»
«لماذا لا تدخل في عدد الركاب؟»
«المالية تسجل المبلغ، والنقل يسجل تمريرات البطاقات. كل إدارة لديها نصف الحقيقة، ولا أحد جمع النصفين.»
راجعت الكشوف. كانت المبالغ موجودة فعلًا، لكنها مدرجة تحت بند عام اسمه «إيرادات نقدية متنوعة»، من دون تحديد المسار. لم تكن هناك سرقة ولا مؤامرة؛ مجرد نظامين لا يتحدث أحدهما إلى الآخر، وجهاز معطل، وقرار كبير بُني فوق هذا الصمت الإداري.
أبلغت رئيسها بما وجدت. أجابها بأن الخط، حتى لو كان عدد ركابه أعلى، ما زال مكلفًا ومتعرجًا.
قال: «لا تدعي حكايات الركاب تسحبك بعيدًا عن السؤال. لدينا ميزانية محدودة. إذا أبقينا هذا المسار، قد نحرم حيًا كاملًا من خدمة جديدة.»
كانت حجته صحيحة بما يكفي كي تزعجها. لم ترغب لُبنى في كتابة تقرير عاطفي يجعل كل خط قديم مقدسًا. لذلك قررت ألا تكتفي بيوم واحد.
ركبت المسار السادس في أوقاته كلها مدة خمسة أيام. في رحلة الظهيرة وجدت المقاعد شبه فارغة فعلًا. أما رحلتا الفجر والمساء فكانتا تمتلئان بعمال المستشفى والمخابز والتنظيف والحراسة. هؤلاء يبدأون قبل عمل معظم خطوط المدينة وينتهون بعده. إلغاء المسار لا يعني أن يتأخروا عشر دقائق، بل أن يمشوا مسافة طويلة في الظلام أو يدفعوا أجرة لا يحتملونها.
في اليوم الثاني، نزلت لُبنى عند محطة السوق ووقفت تراقب ما يحدث بعد مغادرة الحافلة. ثلاثة ركاب اتجهوا إلى المستشفى، واثنان إلى المغسلة المركزية، وأربع نساء توزعن على محال التنظيف والمطبخ التابع لمدرسة قريبة. لم تكن المحطة وجهتهم النهائية، بل المفصل الوحيد الذي يصل أعمالًا متفرقة بأحياء لا تمر بها الشبكة الحديثة. وحين قارنت أوقات الدوام بخريطة الخطوط الأخرى، وجدت أن أول حافلة بديلة تصل بعد بدء وردياتهم بعشرين دقيقة.
دخلت المخبز الذي تعمل فيه سندس. كان صاحبه يرص الأرغفة على الرفوف، وحين عرف سبب سؤالها قال إن سندس لم تتأخر خلال عامين إلا يوم تعطلت الحافلة في الشتاء. ثم أضاف بحذر: «لا تكتبي أنني سأفصلها إن أُلغي الخط. لن أفعل. لكنني سأضطر إلى تغيير ورديتها، ووردية الصباح هي الوحيدة التي تناسب رعاية أمها.»
فهمت لُبنى أن أثر القرار لا يظهر كله في عدد من سيفقدون وظائفهم مباشرة. أحيانًا يبدأ الضرر بتغيير وردية، ثم بأجرة سيارة إضافية، ثم بغياب يتكرر، ثم باستقالة تبدو في السجلات قرارًا شخصيًا لا علاقة له بالنقل.
وفي المساء جلست قرب المحطة نصف ساعة بعد آخر رحلة. كان الشارع مظلمًا إلا من واجهة صيدلية. رأت سندس تنزل مع عاملتين وتسير معهما حتى مفترق الطرق، ثم يفترق الثلاثة إلى بيوتهن. سألتها في اليوم التالي لماذا لا تمشي وحدها.
قالت: «نسير معًا منذ أن حاول رجل ملاحقة إحدى العاملات العام الماضي. نحدد خطواتنا على موعد الحافلة؛ إذا تغير الموعد، تتغير سلامتنا أيضًا.»
أضافت لُبنى إلى ملاحظاتها خانة لم تكن موجودة في نموذج التقييم: ما الذي تتيحه الرحلة، لا عدد من يركبها فقط. لم تعتبر ذلك بديلًا عن الحساب، بل جزءًا ناقصًا منه.
تعرفت إلى منيفة عزوز، وهي خياطة متقاعدة تزور زوجها في مركز الرعاية ثلاثة أيام أسبوعيًا. كانت تركب ومعها وعاء طعام ملفوف بمنشفة، وتجلس دائمًا وراء السائق.
قالت للُبنى: «ابني عرض أن يوصلني، لكنه يعمل في الجهة الأخرى. إذا طلبت منه كل مرة، سيأتي، ثم يتعب، ثم يبدأ الاعتذار. أنا لا أريد أن تتحول زيارتي لزوجي إلى معروف ثقيل.»
وفي الرحلة المسائية صعد سامر داغر، عامل صيانة المصاعد، بيد ملفوفة بضماد. جلس قرب الباب لأنه كان ينزل عند كل عطل طارئ. قال إن سيارته تعطلت قبل أشهر، وإنه جمع ثمن إصلاحها مرتين ثم صرفه على علاج ابنته.
لم تكن الحافلة ممتلئة دائمًا، لكنها كانت تحمل أشخاصًا لا تملك جداول المدينة بديلًا حقيقيًا لهم.
في اليوم الرابع، أخبر قيس الركاب أن الجمعة ستكون آخر يوم للمسار. لم يقلها بصوت درامي؛ أعلنها كما يعلن تغييرًا في الطريق. ومع ذلك، ساد صمت طويل. سألت سندس عن الخط البديل، فشرح لها أن عليها ركوب حافلتين والمشي عشرين دقيقة. أخرجت منيفة ورقة صغيرة وبدأت تحسب مواعيد زياراتها. أما الرجل المسن المتجه إلى غسيل الكلى فقال: «أبيع العلبة وأشتري دراجة»، وضحك وحده.
لاحظت لُبنى أن قيس لم يقترح احتجاجًا ولم يطلب منهم توقيع عريضة. بعد انتهاء الرحلة سألته عن السبب.
قال: «منذ ثلاثين سنة وأنا أقود. تعلمت أن الناس يطلبون من الضعيف إثبات حاجته، ثم يتعبون من صوته. دفتري ممتلئ بما يكفي. إذا لم يصدقوه، لن تنقذنا ورقة غضب.»
طلبت الدفتر. رفض أولًا؛ كانت فيه أسماء مختصرة وملاحظات شخصية: «أبو العصا غاب»، «سندس إجازة»، «انتظر دقيقة عند المركز». خشي أن يتحول اهتمامه بالركاب إلى مخالفة. وعدته لُبنى ألا تنسخ الأسماء، بل الأعداد والأوقات فقط.
جلست تلك الليلة في مكتبها حتى انطفأت أنوار الطابق. قارنت علامات قيس بإيرادات الصندوق، ثم بأوقات الورديات في المستشفى والمخبز ومحطة التنظيف. ظهر النمط واضحًا: المسار لا يحتاج إلى اثنتي عشرة دورة يومية؛ يحتاج إلى أربع رحلات دقيقة في أوقات لا تغطيها الشبكة الأخرى. وكانت الحافلة تقطع كل صباح ثلاثة كيلومترات فارغة من المستودع إلى نقطة البداية، ثم تعود المسافة نفسها مساءً.
رسمت مسارًا جديدًا يبدأ من المستودع، يمر بالمستشفى، يدخل ساحة تلة الحور بدل التوقف عند سفحها، ثم يعود عبر السوق. ألغت رحلات الظهيرة الخالية، ووفرت من المسافة ما يكفي لإبقاء رحلتي الفجر والمساء وإضافة رحلة وقت زيارة مركز الرعاية.
لكن الخريطة بقيت نظرية حتى اختبرتها الحافلة.
في صباح الجمعة، ركبت لُبنى إلى جوار قيس وأخبرته بالخطة. نظر إلى الورقة، ثم قال: «الدخول إلى ساحة التلة ضيق.»
«قسته أمس. تستطيع المرور إذا أزيلت سيارتان متروكتان قرب المخبز.»
«ومن يزيلهما؟»
«البلدية وعدت بذلك.»
ضحك قيس. «إذن نحتاج إلى خطة ثانية.»
وصلت الحافلة إلى الساحة، فوجدتا السيارتين في مكانهما. تجمع الركاب ينتظرون التجربة، وكان رئيس الحي واقفًا معتذرًا. إحدى السيارتين بلا محرك، والأخرى يملكها رجل مسافر.
نزل سامر، عامل المصاعد، وفحص السيارة الأولى. أحضر صاحب المخبز رافعة يدوية، وجاء أربعة عمال من متجر قريب. لم يدفعوا السيارة إلى شارع آخر أو يتركوها تعرقل أحدًا؛ رفعوها قليلًا، ووضعوا تحت عجلاتها ألواحًا معدنية، ثم حركوها إلى مساحة مهجورة وافقت البلدية على استخدامها. أما السيارة الثانية، فوصل شقيق مالكها بمفتاحها بعد اتصالات متلاحقة.
دخلت الحافلة الساحة للمرة الأولى منذ عام ونصف. خرجت من البيوت نساء كبيرات في السن، لا للركوب، بل لرؤية إن كان الطريق ممكنًا حقًا. دار قيس حول النافورة الجافة ببطء، ولمست أغصان شجرة السرو سقف الحافلة مثل أصابع خفيفة.
قالت لُبنى: «كم أضفنا إلى زمن الرحلة؟»
نظر قيس إلى ساعته. «دقيقتين وأربعين ثانية.»
«وكم وفرنا على سندس؟»
أجابتها سندس من الخلف: «تلة كاملة.»
لم تكتمل التجربة بسهولة. عند العودة تعطلت الحافلة قرب المستشفى. انخفض ضغط الهواء، وثقل الباب، وتوقف المحرك عن الاستجابة. نزل الركاب إلى الرصيف، وعرف الجميع أن صورة حافلة قديمة معطلة ستصبح الحجة الأسهل لإلغاء المسار.
فتح قيس الغطاء الخلفي، وانحنى نضال، الذي رافق الرحلة لمراقبتها، فوق الأنابيب. وجد شقًا في خرطوم هواء. لم يكن الإصلاح الدائم ممكنًا في الشارع، لكن سامر أخرج من صندوقه وصلة معدنية وشريطًا مخصصًا للضغط، وثبّتها بما يسمح للحافلة بالوصول ببطء إلى المستودع.
رفض قيس التحرك قبل أن ينزل جميع الركاب حفاظًا على سلامتهم. اتصلت لُبنى بحافلة قريبة، لكن وصولها يحتاج إلى نصف ساعة. كان الرجل المسن لديه موعد لا يحتمل التأخير. عندها طلب نضال سيارة صيانة المستودع، وأوصله بنفسه إلى باب المركز، فيما انتظر بقية الركاب الحافلة البديلة.
لم ترَ لُبنى في العطل مشهدًا بطوليًا. رأت نتيجة سنوات من ترتيب الأولويات: الجهاز المعطل، والخرطوم القديم، والمحطات المنسية. إنقاذ الخط لا يكون بتعليق لافتة جميلة عليه، بل بمنحه حافلة يمكن الوثوق بها.
قدمت تقريرها إلى لجنة النقل مساء الجمعة. لم تبدأ بمنيفة أو سندس أو الرجل المسن؛ بدأت بالخلل الحسابي. عرضت إيصالات النقد، والعد اليدوي، والفارق بين رحلات الذروة والظهيرة. كان متوسط الاستخدام الحقيقي أعلى بأكثر من أربعة أضعاف الرقم المسجل. ثم عرضت المسار المختصر والكلفة الجديدة، وأوصت بنقل حافلة أحدث إليه لأن ركابه يعتمدون عليه في مواعيد صحية ووظيفية لا تتحمل الأعطال.
قال أحد أعضاء اللجنة: «لدينا طلب من الحي الشمالي لخط جديد. هل يعني تقريرك رفضه؟»
أجابت: «لا. المسافة التي وفرناها تكفي لتجربة رحلتين هناك في ساعات الظهيرة. المسألة لم تكن اختيار حي ضد حي؛ كانت تشغيل اثنتي عشرة رحلة في توقيت خاطئ، ثم استخدام فراغها ذريعة لإلغاء الأربع التي يحتاجها الناس.»
سأل عضو آخر: «وهل نغيّر شبكة كاملة كلما جاء سائق بدفتر؟»
قالت لُبنى: «لا. نصلح النظام كي لا نحتاج إلى دفتره. لكن حين يتعارض الجهاز المعطل مع صندوق ممتلئ بالنقود، لا نعاقب الركاب لأن الآلة أسهل في القراءة.»
وافقت اللجنة على الخطة التجريبية لثلاثة أشهر. لم يكن القرار نصرًا نهائيًا؛ اشترطوا مراجعة الأعداد أسبوعيًا، وربط الإيرادات النقدية بكل مسار، وإلغاء الخدمة إذا لم تحقق الحدود الجديدة. لكنهم أوقفوا قرار الإغلاق، وخصصوا حافلة صالحة للمسار، وأعادوا المحطة إلى ساحة التلة.
يوم السبت، وصل قيس إلى المستودع فوجد الحافلة الخضراء مركونة جانبًا، وعلى بابها ورقة الإحالة إلى الصيانة. تسلم حافلة أخرى، لم تكن جديدة تمامًا، لكن بابها يغلق من المحاولة الأولى وجهاز بطاقاتها يعمل.
عند المحطة الأولى، مررت لُبنى بطاقتها. صدر صوت قصير مضيء، وظهرت الرحلة على الشاشة.
قال قيس: «الآن صرتِ راكبة رسمية.»
أجابته: «كنت راكبة منذ دفعت القطعة النقدية. النظام هو الذي تأخر في معرفتي.»
امتلأت رحلة الفجر بالوجوه نفسها، إلا أن أحدًا لم يحتج هذه المرة إلى السير من سفح التلة. نزلت سندس أمام المخبز، ووصلت منيفة إلى مركز الرعاية في موعد الزيارة، وسجّل الجهاز كل صعود واحدًا بعد آخر.
احتفظ قيس بدفتره في الدرج. لم يعد يكتب الأعداد، لكنه ظل يضع علامة صغيرة بجوار أسماء من اعتاد انتظارهم، لا لترسلها الإدارة إلى جدول، بل كي يعرف إن كان الغائب يحتاج إلى سؤال.
وعندما دارت الحافلة حول نافورة الساحة الجافة، نظرت لُبنى إلى خريطتها. كان المسار في الشاشة دائرة بسيطة، بلا وجوه ولا أعذار ولا تعب. لم تكره الأرقام؛ ما زالت تؤمن بأنها تحمي العدل حين تكون كاملة. لكنها فهمت أن الرقم الناقص لا يبقى خطأً صغيرًا داخل جدول، بل قد يصبح طريقًا أطول في قدم امرأة، أو أجرة تُقتطع من دواء، أو زيارة تتحول إلى معروف ثقيل.
أغلقت الحاسوب، وتركت النافذة أمامها مفتوحة. أكملت الحافلة دائرتها، وهذه المرة لم يكن أحد خارج الحساب.
كانت تعيش في عالم بلا ألوان، بلا وجوه، بلا ملامح. نور، فتاة كفيفة منذ الطفولة، قضت سنوات عمرها في ظلال الأصوات. لم تكن تبصر، لكنها كانت ترى الناس من نبراتهم، من خفق خطواتهم، من طريقة تنفسهم. ترعرعت في بيت يحب الفن، والدتها كانت تعزف على العود، ووالدها كان شاعرًا بسيطًا يكتب القصائد لنفسه. كبرت نور بين الكتب الصوتية والموسيقى، لكنها وقعت في غرام آلة واحدة فقط: البيانو. أحبت مفاتيحه، بياضه وسواده، طريقته في الانحناء، والهدوء الذي يسبق الانفجار في نغمة واحدة. وحين بلغت السابعة عشرة، قررت أن تتعلمه. التحقت بمعهد للموسيقى يضم طلابًا من مختلف الخلفيات، ولم تكن تعرف أن تلك الخطوة ستغيّر حياتها. كان معلمها رجلًا في منتصف الثلاثينات، اسمه طارق، عازف بيانو محترف، ذو ملامح هادئة، يرتدي دومًا قميصًا داكنًا ولا يتكلم كثيرًا. في أول يوم، سألها: "لماذا اخترت البيانو؟" قالت: "لأنه آلة يمكن لمسها… وفهمها بالصمت." ابتسم. ومنذ الدرس الأول، بدأ يراها مختلفة. لم تكن تراه، لكنها كانت تعرف متى ابتسم، ومتى حزن، ومتى صمت لأنه لا يريد أن يكسر سطرًا شعوريًا في جو الغرفة. ومع مرور الأيام، بدأت...
في عام 1997، وُلد *عمر* في قلب بغداد، حيث نشأ في حي شعبي يحمل عبق التاريخ والحضارة. كان عمر ينتمي إلى عائلة بسيطة، لكنها كانت مليئة بالحب والأمل. منذ صغره، كان يعشق *القراءة* والاستكشاف، وكلما وجد وقتًا بين دروسه، كان يلتهم الكتب بشغف، محاولًا فهم العالم من حوله. ولكن، كان حلمه الأكبر هو أن يحقق *النجاح* في مكان بعيد عن تلك الجدران الأربعة التي يحيطها الواقع. في عام 2014، وعندما كان عمر في سن السابعة عشر، قررت عائلته الهجرة إلى *الولايات المتحدة الأمريكية* بحثًا عن حياة أفضل. كان القرار صعبًا، خصوصًا على عمر، الذي شعر في البداية بأنه سيترك خلفه عالمه القديم الذي كان مليئًا بالذكريات. لكن، كان له حلم آخر يكمن في قلبه: *النجاح في عالمٍ آخر*. *البداية في أمريكا* وصل عمر إلى *نيويورك* مع عائلته في فصل الشتاء، وكانت الثلوج تتساقط على الأرض كأنها تغطي عوالم جديدة لم يكن يعرفها بعد. كانت الأيام الأولى مليئة بالتحديات: اللغة الجديدة، العادات المختلفة، والبعد عن كل ما كان يعرفه. كان يحاول التأقلم مع الحياة الجديدة، ولكن كان لديه *إصرار* قوي بأن يثبت نفسه. في البداية، كان يحضر دروسًا في مدرسة ثا...
لم يكن يوم الثلاثاء يحمل أي مفاجآت بالنسبة لـ"سليم"، شاب ثلاثيني يعمل كمصمم جرافيك حر، يقيم في عمّان، ويقضي يومه بين شاشته المضيئة وفناجين القهوة المتناثرة على الطاولة. ومع الوقت، تحولت رحلته الأسبوعية إلى إربد بالقطار، كل ثلاثاء، إلى عادة مملة لكنه مضطر لها، فهناك مشروع تصوير خاص يتابعه لأحد المعارض الفنية. كان يركب القطار نفسه، في التوقيت نفسه، ويجلس دوماً في مقعده المفضل: رقم 9، بجانب النافذة، حيث يستطيع أن يغرق في عالمه الخاص ويهرب من صخب الواقع. في أحد تلك الصباحات الرمادية، وبينما كان يخطو خطواته المألوفة نحو المقعد، لاحظ شيئًا غريبًا. فتاة شابة تجلس في مقعده، أو على الأقل المقعد الذي أصبح يعتبره ملكًا شخصيًا له. كانت ترتدي معطفًا رماديًا واسعًا، وشعرها مرفوع بخفة، وعيناها مثبتتان على رواية مفتوحة بعنوان "وتلك الأيام". جلس بجانبها بصمت بعد أن تحقق من رقم تذكرته مرتين، ثم همس لها بلطف: "أعتقد إنك قاعدة بمكاني…" رفعت الفتاة عينيها إليه، وبابتسامة هادئة ردت: "آه؟ أوه، آسفة، بس أنا همّ تذكرتي 9B. أنت 9A، على الجهة الثانية." ضحك سليم بهدوء. لم ي...
تعليقات
إرسال تعليق