الطابق الذي انتظر

الطابق الذي انتظر
توقف المصعد بين الطابقين الثالث والرابع عند السابعة وعشر دقائق صباحًا، وفي داخله كانت رُباب تثبّت بقدمها عجلة كرسي ابنها سامر كي لا ينزلق مع كل ارتجافة. انطفأ المصباح لحظة، ثم عاد بلون أصفر ضعيف. ضغطت زر الإنذار، فخرج منه طنين قصير لا يشبه النجدة. رفع سامر عينيه إليها وقال بهدوء حاول أن يجعله أكبر من أعوامه الأحد عشر: — لا تخافي يا أمي، معي بخاخ الربو. كانت هي التي ينبغي أن تطمئنه، لكنه عرف من تنفسها المتقطع أن الخوف سبق الكلمات. أخرجت هاتفها، ولم تجد إشارة. طرق سامر بقبضته على الباب المعدني، ونادى. بعد دقائق جاء صوت حمدي، حارس العمارة، من الخارج. أخبرهما أن الكهرباء تعمل في السلالم، وأن العطل من المحرك. طلب من رُباب ألا تحاول فتح الباب، ثم راح يصعد وينزل بحثًا عن مفتاح غرفة الآلات. استغرق إخراجهما سبعًا وأربعين دقيقة. فتح فني من الحي فجوة ضيقة عند مستوى أرضية الطابق الرابع، فظهر نصف وجهه وطلب من رُباب أن ترفع سامر أولًا. اعترض سامر؛ لم يكن يحب أن تحمله أيدٍ غريبة، ولا أن يُسحب من تحت إبطيه كحقيبة ثقيلة. شرحت له أمه أن الكرسي سيبقى داخل المصعد إلى أن يفتح الباب كاملًا، وأن عليه أن يتعاون. عضّ شفته، ومد ذراعيه. حمله حمدي والفني إلى الخارج، ثم جلست رُباب على حافة الفتحة وقفزت. حين خرج الكرسي بعدهما، كانت حقيبتها قد انفتحت وتساقطت منها ملفات العمل وعلبة الطعام وحفاضات طبية أخفتها سريعًا تحت الأوراق. قال الفني إن المحرك احترق، وإن تشغيله مرة أخرى قد يوقع المقصورة في البئر. وضع شريطًا أحمر على الباب وكتب بقلم عريض: «خارج الخدمة». التقط جلال، رئيس لجنة السكان، صورة للورقة وأرسلها إلى مجموعة العمارة، ثم كتب: «سنتواصل مع المالك». بدت العبارة حاسمة، لكنها كانت العبارة نفسها التي كتبها حين تسرب الماء من السطح، وحين احترق مصباح المدخل، وحين انكسر قفل الباب الخارجي. كانت رُباب تسكن في الطابق السادس منذ خمس سنوات. اختارت الشقة لأن إيجارها أقل من مثيلاتها، ولأن المصعد يتسع لكرسي سامر إذا نزعت مسند قدمه الأيسر. قبل الطلاق كان زوجها يحمل الطفل عند الحاجة، ثم انتقل إلى مدينة أخرى وصارت زياراته مكالمات متباعدة وتحويلات مالية غير منتظمة. تعلمت رُباب أن تفعل كل شيء وحدها: تنقل سامر من السرير إلى الكرسي، تطويه في صندوق سيارة الأجرة، تتفاوض مع المدارس، وتبتسم حين يسألها موظف إن كان الأب «غير موجود نهائيًا» كأن وجوده خانة تُملأ بنعم أو لا. في ذلك الصباح لم تستطع النزول إلى عملها في مختبر الأسنان. حمل سامر كان ممكنًا داخل البيت، لكنه يزن اثنين وثلاثين كيلوغرامًا، والسلالم ضيقة بلا درابزين ثابت، والكرسي نفسه يحتاج رجلين. اتصلت بمديرها وشرحت. صمت قليلًا، ثم قال إنه سيتدبر غيابها اليوم، لكنه لا يستطيع إدارة المختبر على الظروف العائلية. كانت تعرف هذه النبرة؛ ليست قسوة صريحة يمكن الاعتراض عليها، بل باب يُغلق بأدب. على مجموعة السكان، بدأت الرسائل تتكاثر. اقترح جلال جمع كلفة محرك جديد بالتساوي بين الشقق. اعترض موسى، صاحب البقالة في الطابق الأرضي، قائلًا إنه لم يركب المصعد في حياته. كتبت أسرة في الطابق الأول أن نصيبها ينبغي أن يكون أقل. قال مستأجران إن الإصلاح مسؤولية المالك لا السكان. أما المالك، ناظم، فأرسل تسجيلًا صوتيًا من بلد يقيم فيه منذ سنوات: المبنى قديم، والأعطال نتيجة سوء الاستخدام، وعقود الإيجار تنص على أن الخدمات المشتركة تُموّل من رسوم الصيانة. قرأت رُباب الرسالة ثلاث مرات. كانت تدفع كل شهر خمسةً وعشرين دينارًا رسوم صيانة مع الإيجار. فعل ذلك بقية المستأجرين أيضًا. سألته في المجموعة أين ذهبت الرسوم، فكتب جلال على الخاص: «لا تصعّدي الأمر. الرجل وعد أن يساهم بنصف الكلفة». أجابته: «النصف الآخر دفعناه مسبقًا». لم يرد. مرّ اليوم الأول بطيئًا. صعد حمدي بالأغراض التي احتاجتها من البقالة، لكنه في الثانية والستين كان يتوقف عند كل طابق ليلتقط أنفاسه. في اليوم الثاني، بقي سامر في البيت وغاب عن امتحان العلوم. اقترحت المدرسة أن يحضر عبر الهاتف، لكن المعلمة أدارت الكاميرا نحو السبورة فظهر نصفها فقط، وانقطع الصوت كلما ابتعدت. بعد الحصة أغلق سامر الجهاز وقال إنه لم يفهم شيئًا. لم يشتكِ. أخرج دفتر الرسم ورسم المصعد كحوت أسود ابتلع كرسيًا صغيرًا. في اليوم الثالث، حاولت رُباب النزول إلى العمل وحدها بعدما طلبت من جارتها أميرة البقاء مع سامر. هبطت الدرج مسرعة، وعند الطابق الثاني رأت عربة طفل مقلوبة قرب الجدار. كانت هناء، التي ولدت قبل شهر، تنزل صغيرها في حمالة على صدرها ثم تعود لتأخذ العربة. في الطابق الأول جلس عم صبري، مدرس متقاعد، على الدرجة وهو يمسك ركبته المتورمة. لم يكن المصعد مشكلة رُباب وحدها، لكن الآخرين استطاعوا أن يتعاملوا معها بوصفها إزعاجًا مؤقتًا. وحدها كانت تعرف أن المؤقت قد يبتلع حياة كاملة إذا طال. في المختبر، استدعاها المدير. قال إن تأخرها ساعتين لا يمكن أن يتكرر، وإن طلبات التركيبات ازدادت. عرض عليها إجازة بلا راتب حتى يُصلح المصعد. سألته كيف ستدفع الإيجار في الإجازة، فعدل نظارته وقال إنه يتفهم وضعها لكنه مسؤول عن عمل. لم تجادله. عادت مساءً وصعدت ستة طوابق، ثم جلست على الأرض أمام باب شقتها قبل أن تدخل. سمعت سامر يضحك مع أميرة في الداخل، فمسحت وجهها ونهضت. لم ترد أن يصير وجهها نشرة يومية للخسائر. عُقد اجتماع السكان ليلة الجمعة في المدخل. جلس أصحاب الشقق القريبة على كراسٍ بلاستيكية، ووقف سكان الطوابق العليا على الدرج. أحضر جلال ثلاثة عروض أسعار، أقلها يساوي دخل رُباب لأربعة أشهر. قال إن على كل شقة دفع حصتها خلال أسبوع. سألته عن صندوق الصيانة، فأجاب أن الرسوم تذهب إلى النظافة والكهرباء وأجر الحارس. رفع حمدي رأسه عند ذكر أجره. — أنا آخذ راتبي من إيجار المخزن الخلفي، قال. ساد صمت قصير. نظر جلال إليه كأنه خانه. أخرجت رُباب إيصالاتها من ملف شفاف ووضعتها على طاولة صغيرة: ستون إيصالًا، في كل واحد بند واضح لرسوم الصيانة. طلبت كشف المصروفات. قال جلال إن الدفاتر عند المالك. اتصلوا بناظم أمام الجميع، فأقسم أن جلال يتولى النفقات منذ تشكيل اللجنة. صار كل واحد يدفع المسؤولية إلى الآخر بسرعة جعلت الحقيقة تبدو كرة ساخنة. قال موسى إنهم يستطيعون العيش بلا مصعد شهرين حتى يجمعوا المال. عندها طلبت رُباب من سامر أن يدخل. كان ينتظر قرب باب الشقة الأرضية بعدما أنزله أربعة رجال للاجتماع. دفع كرسيه إلى منتصف المدخل وقال لموسى: — إذا أعطيتك مفتاح بيتنا، هل تصعد مكاني كل يوم؟ احمر وجه موسى وقال إنه لم يقصد الإساءة. تابعت رُباب الكلام بدل ابنها. لم تطلب شفقة ولا إعفاء من الدفع؛ طلبت أن يعترفوا بأن المصعد ليس زينة، وأن تقسيم الكلفة بحسب عدد مرات الاستخدام يشبه مطالبة المريض وحده بثمن باب المستشفى. ثم اقترحت أن يوقعوا شكوى جماعية إلى البلدية ويضعوا الرسوم القادمة في حساب أمانة حتى يقدم المالك كشفًا. اعترض جلال فورًا. حذّرهم من أن الشكوى قد تؤدي إلى إخلاء المبنى إذا ثبت أنه غير آمن. كان هذا الخوف كافيًا لإسكات بعض المستأجرين؛ إيجارات الحي ارتفعت، ومعظمهم لا يملك كلفة الانتقال. انتهى الاجتماع بلا قرار. حمل الرجال سامر إلى الطابق السادس، وكلما مال الكرسي في منعطف قبض على ذراعيه بقوة وأغمض عينيه. في البيت قال لأمه: — لا تنزليني مرة ثانية هكذا. أشعر أنني شيء سينكسر. وعدته ألا تفعل، مع أنها لم تعرف كيف ستفي. في صباح الأحد، طرقت أريج باب الشقة. كانت تسكن في المبنى المقابل، وتعمل مفتشة سلامة في البلدية. سمعت بالقصة من أختها هناء. لم تأتِ بصفة رسمية، بل حملت دفترًا صغيرًا وكيس خبز. شرحت لرُباب أن الشكوى الفردية قد تضيع بين الأقسام، وأن المشكلة ليست عطل المصعد فقط. غرفة الآلات غير مقفلة كما يجب، ومخارج الطوارئ محجوبة بصناديق، والدرابزين مفكوك. إذا وثّق السكان الوقائع وطلبوا «إلزامًا بالإصلاح» لا «فحص صلاحية شاملًا»، يمكن فتح مسار قانوني يحمّل المالك مسؤوليته من دون إخلاء فوري. قالت رُباب إنها لا تريد تحويل حياتها إلى معركة. أجابتها أريج: — هي معركة بالفعل، لكنكِ الطرف الوحيد الذي لم يسمّها بعد. لم يعجبها الكلام أولًا. شعرت أن المرأة تمنحها بطولة لا وقت لها. كانت تحتاج إلى مصعد، لا إلى قضية. لكن في المساء اتصل المدير وأبلغها أن المختبر عيّن بديلة مؤقتة، وأن الإجازة غير المدفوعة تبدأ من اليوم التالي. فتحت رُباب خزانة المطبخ، عدّت ما بقي من النقود، ثم أخرجت إيصالات الصيانة وصورتها ورقة ورقة. خلال أسبوع صنعت ملفًا لم يتوقعه أحد منها. لم تكتب خطبًا. سجلت التواريخ فقط: غياب سامر عن المدرسة، تأخر هناء عن موعد تطعيم طفلها، سقوط عم صبري على السلم، المبالغ المدفوعة، رسائل المالك، وصور أبواب المصعد. طلبت من كل متضرر أن يكتب إفادة قصيرة. رفض بعضهم خوفًا، لكن أميرة وقعت، ثم حمدي، ثم هناء. حتى موسى أرسل فاتورة نقل صناديق البضاعة التي كان يصعدها إلى مخزنه في الطابق الثاني؛ اكتشف أن العطل يكلفه مالًا أيضًا. أما المفاجأة فجاءت من حمدي. أحضر صندوق أحذية قديمًا فيه دفاتر صغيرة احتفظ بها منذ اثني عشر عامًا. كان جلال يطلب منه توقيع استلام مواد تنظيف ومصابيح وقطع صيانة لم يرها قط. قال حمدي إنه وقع لأنه لا يقرأ جيدًا، ولأنه خاف أن يخسر عمله وغرفته الخلفية. في أحد الدفاتر ظهرت فاتورة تغيير محرك المصعد قبل ثلاث سنوات، مع أن المحرك نفسه يحمل لوحة تصنيع عمرها سبعة عشر عامًا. لم تكن القضية إهمالًا فحسب؛ كان أحدهم يكتب إصلاحات لم تحدث. واجهت رُباب جلال على انفراد. لم ينكر طويلًا. قال إن ناظم كان يطلب منه إرسال نصف الرسوم، ويترك له الباقي لتدبير المبنى. أخذ جلال جزءًا لنفسه حين مرضت زوجته، ثم استمر لأنه أقنع نفسه أنه سيعيده. أراها تحويلات تثبت أن المالك تسلم مبالغ منتظمة. طلب منها حذف اسمه من الشكوى مقابل أن يسلمها كل الأوراق. قالت: — لو كان المال لك وحدك لسامحتك أو لم أسامحك. لكنه مال أشخاص حُبسوا في بيوتهم. بكى جلال، ولم يغير بكاؤه جوابها. أخذت نسخًا من الأوراق، ورفضت الاحتفاظ بالأصول كيلا يتهمها بسرقتها. حين علم ناظم بالملف، اتصل بها مباشرة للمرة الأولى. كان صوته هادئًا ومهذبًا. عرض أن ينقلها إلى شقة خالية في الطابق الأرضي بالإيجار نفسه، وأن يدفع أجرة عمال ينقلون أثاثها خلال يومين. للحظة، بدا العرض كأنه باب نجاة حقيقي. لن يحتاج سامر إلى المصعد، ويمكنها العودة إلى العمل. سألته إن كان سيصلح العطل لبقية السكان، فقال إن ذلك سيحدث «عندما تسمح الظروف». أغلقت الهاتف ونظرت إلى ابنها. كان يرسم عند الطاولة، وقد أضاف للحوت الأسود نوافذ كثيرة. حكت له العرض من دون أن تخبره بما ينبغي أن يختار. سألها: — إذا نزلنا، من سيبقى فوق؟ لم يكن السؤال حكمة طفل خارق، بل حسابًا بسيطًا. ستنتهي مشكلتهما وحدهما، ويبقى عم صبري وهناء وأميرة وأي ساكن جديد أمام السلم نفسه. رفضت رُباب العرض برسالة مكتوبة، ثم أرفقتها بالشكوى لتثبت أن المالك يعرف أثر العطل ويحاول معالجة المتضرر بدل معالجة السبب. وصلت لجنة البلدية بعد أربعة أيام. حاول جلال تأخيرها بحجة غياب المالك، لكن أريج لم تكن ضمن الفريق كي لا تتهم بالمحاباة؛ اكتفت بإرشاد زملائها إلى الملف. فحص الفنيون المحرك وغرفة الآلات والإيصالات. تبيّن أن عقد المبنى يلزم المالك بصيانة المصعد من الرسوم الشهرية، وأن الشركة المذكورة في الفاتورة الوهمية مغلقة منذ خمس سنوات. صدر إنذار بالإصلاح خلال عشرة أيام، مع غرامة يومية بعد المهلة، وأمر بوضع الدرج تحت صيانة عاجلة. لم يتحول كل شيء إلى عدالة فورية. استأجر ناظم محاميًا، واتهم السكان بسوء الاستخدام، وأوقف حسم بعض المصروفات التي كان يدفعها. خاف ثلاثة مستأجرين وسحبوا إفاداتهم. انقسمت مجموعة الرسائل بين من شكر رُباب ومن قال إنها جلبت المشكلات. وفي ليلة متعبة، سمعت رجلًا في الدرج يقول إن «أم الولد المعاق تريد أن تدير العمارة». أغلقت الباب وبكت في الحمام بصمت، لا لأنها ندمت، بل لأنها تعبت من اضطرارها إلى إثبات أن احتياج ابنها لا يلغي عقلها. في اليوم التاسع وصل عمال شركة حقيقية. لم يدفعهم ضمير المالك؛ دفعهم اقتراب الغرامة ووضوح المستندات. احتاج الإصلاح إلى محرك جديد وأسلاك وأيام من الاختبار. خلال العمل، نظم السكان مناوبات بسيطة. صار موسى يرسل الطلبات إلى الطوابق العليا بلا أجرة، وتحمل أميرة بقاء سامر ساعات عودة رُباب الجزئية إلى المختبر، بينما أصلح زوج هناء الدرابزين مؤقتًا. لم يصبحوا عائلة مثالية. ظلوا يختلفون على الضجيج والنظافة ومواقف السيارات، لكنهم تعلموا أن المرفق المشترك يكشف معنى الجيرة أكثر مما تكشفه التحيات. استدعى مدير المختبر رُباب بعد أسبوعين. قال إن البديلة تعمل جيدًا، وإنه لا يضمن إعادة جدولها كاملًا. وضعت أمامه إفادة البلدية التي تثبت ظرف الانقطاع، لا لتجبره قانونيًا، بل لتمنع تحويل غيابها إلى كسل. طلبت ثلاث نوبات مسائية بدل الصباح حتى تستعيد انتظام سامر المدرسي. وافق مترددًا. خرجت وهي تعرف أنها لم تربح كل ما فقدته، لكنها لم تعد تقبل أن تُروى قصتها بصوت شخص آخر. في اليوم الذي اكتمل فيه الإصلاح، تجمع السكان في المدخل. علّق الفني شهادة الفحص، وأزال الشريط الأحمر. اقترحت هناء تصوير سامر وهو يدخل أولًا ونشر المقطع في مجموعة الحي. رفض سامر. قال إنه لا يريد أن يكون «الولد الذي أصلح المصعد»، فهو لم يصلحه، وقد أمضى أسبوعين محبوسًا بسببه. احترمت رُباب رغبته، وطلبت من الجميع إبعاد الهواتف. دخل سامر المقصورة وحده، أدار كرسيه بصعوبة حتى واجه لوحة الأزرار، ثم ضغط الرقم ستة. وقفت رُباب خلفه. انغلق الباب، وبدأ المصعد يصعد بنعومة لم يعتاداها. عند الطابق الثالث، نظر إليها وقال: — هل سنبقى في شقتنا؟ قالت: — ما دمنا نختار ذلك، لا لأن السلم يختار عنا. وصل المصعد إلى السادس، لكن سامر لم يخرج فورًا. ضغط زر الطابق الأرضي من جديد. أراد أن يذهب إلى المدرسة في منتصف اليوم، رغم انتهاء امتحان العلوم. قالت له إن بإمكانه العودة غدًا، فأجاب أنه غاب بما يكفي. نزلا معًا. في المدخل كان حمدي يطوي الكرسي البلاستيكي الذي جلس عليه السكان ليلة الاجتماع. وضع إلى جانب صندوق البريد لوحة شفافة فيها كشف رسوم الصيانة ومصروفاتها، بعد أن اختار السكان لجنة جديدة من ثلاثة أشخاص لا يملك أحدهم المال منفردًا. استقال جلال من اللجنة، لكنه لم يهرب. باع سيارته وسدد جزءًا مما أخذه، ووقّع اتفاقًا لإعادة الباقي. لم تطلب رُباب سجنه، ولم تطلب إعفاءه؛ تركت الأمر للتحقيق واتفاق السكان. أما ناظم فاضطر إلى إعادة الرسوم غير المثبتة إلى حساب الصيانة، ثم عرض المبنى للبيع بعد أشهر. اشترط المستأجرون في العقود الجديدة بقاء الحساب المشترك وحقهم في مراجعة الفواتير. كانت مكاسب صغيرة أمام نظام يسمح للمالك أن يعيش بعيدًا عن أثر قراراته، لكنها كانت مكتوبة هذه المرة، لا وعودًا في تسجيل صوتي. بعد عام، تعطل المصعد ساعتين بسبب حساس الباب. هذه المرة اتصل حمدي بالشركة المسجلة في عقد الصيانة، ووصل الفني قبل أن ينتهي سامر من واجباته. لم تجتمع العمارة، ولم يكتب أحد خطبة عن الرحمة. فُتح الكشف، دُفعت الفاتورة من الحساب، وسُجلت القطعة المستبدلة. بدا الأمر عاديًا إلى حد أن بعض السكان لم يعرفوا بحدوثه. وقفت رُباب مساءً عند نافذة الطابق السادس، تراقب سامر يعود من المدرسة ويدخل المبنى مع زميله. لم يعد الحوت الأسود يظهر في رسوماته؛ صار يرسم حافلات وخرائط وشوارع تصل بين أماكن كثيرة. سمعت صوت المصعد يصعد، ثم توقف عند طابق آخر قبل أن يصل إليه. ابتسمت للفكرة التي لم تفهمها العمارة إلا بعد خسائر كثيرة: العدالة ليست أن يحمل الناس شخصًا على السلم حين يتعطل حقه، ثم يصفقوا لأنفسهم. العدالة أن يعمل الباب كل يوم، بهدوء، فلا يحتاج أحد إلى أن يتحول ألمه إلى مشهد كي يستطيع العبور.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في غرفة الموسيقى

مقعد القطار رقم 9

*قصة عمر: رحلة من بغداد إلى أمريكا*